الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.
فالأقذار الحسية: كالبول ونحوه، والمعنوية: كالشرك والحسد والبغض وأمراض القلوب وكل خلق ذميم.
واصطلاحًا: ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث.
الحدث: هو الوصف القائم بالبدن من المانع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل.
وما في معناه: أي وارتفاع ما في معنى ارتفاع الحدث، كتجديد الوضوء، فهو طهارة، وكذا الأغسال المسنونة.
وزوال الخبث: أي النجاسة، فإذا وقعت على ثوبه نجاسه فطهرها، هذه تسمى طهارة.
م/ وَأَمَّا اَلصَّلَاةُ: فَلَهَا شُرُوطٌ تَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا: اَلطَّهَارَةُ: كَمَا قَالَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- (لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَمَنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ مِنَ اَلْحَدَثِ اَلْأَكْبَرِ وَالحَدَثِ الأَصْغَرِ وَالنَّجَاسَةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ.
الطهارة شرط من شروط الصلاة، فلا تصح الصلاة بدون وضوء للحديث الذي ذكره المؤلف.
ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
ولحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
قال النووي: " أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة ".
وقال ﵀: " وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة".
• فمن صلى بغير وضوء ناسيًا أو جاهلًا فصلاته باطلة يجب عليه أن يعيد الصلاة، حتى لو تذكر بعد مدة طويلة.
• وكذلك من انتقض وضوءه أثناء الصلاة، فإنه يجب عليه أن يخرج من الصلاة ولا يجوز له إكمالها، حتى ولو كان إمامًا؛ فإنه يجب أن يقطع الصلاة - من غير تسليم - ويقدم أحدًا يصلي بهم.
• لا فرق بين صلاة الفريضة والنافلة والجنازة.
خلافًا لمن قال: إنها - أي صلاة الجنازة - تصح بلا وضوء ولا تيمم.
قال ابن القيم: " صلاة الجنازة صلاة، لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ".
• الحدث الأكبر: هو ما يوجب الغسل، كالحيض، والجنابة، والنفاس.
• الحدث الأصغر: هو ما يوجب الوضوء، كالبول، والغائط، وسائر نواقض الوضوء.
[ ١ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• وإن صلى وعليه نجاسة فلا تصح صلاته، لأن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة، في ثوبه وفي بدنه وفي بقعته.
في بقعته:
لحديث أنس قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي -ﷺ-، فلما قضى بوله أمر النبي -ﷺ- بذنوب من ماء فأهريق عليه) متفق عليه بذنوب: الذنوب الدلو الملآن.
في ثوبه:
لحديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي -ﷺ- خلع نعليه وهو يصلي لما أخبره جبريل أن فيهما أذى). رواه أبو داود
ولقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) على أن المراد بالثياب هنا الثياب المعروفة، واختاره الطبري.
في بدنه:
لحديث ابن عباس قال: (مرّ النبي -ﷺ- على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير … وأما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله). متفق عليه.
وقال -ﷺ-: (تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) رواه الدار قطني
وكذلك الأدلة على وجوب الاستنجاء والاستجمار، لأن ذلك تطهير للمحل الذي أصابته النجاسة.
فإن صلى وعليه نجاسة:
• فإن كان عامدًا فصلاته باطلة، لأن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة.
مثال: إنسان صلى وعلى ثوبه نجاسة يراها ويعلم بها، فصلاته باطلة.
• وإن صلى وعليه نجاسة وكان ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو اختيار ابن تيمية.
كمن رأى نجاسة لكن نسي أن يغسلها قبل الصلاة، أو جهل أنها نجاسة.
لحديث أبي سعيد الخدري قال: (بينما رسول الله -ﷺ- يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما على يساره، فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول الله -ﷺ- صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعالك فألقينا نعالنا، قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا).
وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- لم يعد أول صلاته التي صلاها مع وجود النجاسة في النعل، لأنه كان جاهلًا وجودها، فدل ذلك على أن من صلى بالنجاسة ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة. [قاله ابن قدامه]
[ ١ / ٢٣ ]
م/ والطَّهَارَةُ نَوعَان: أَحَدُهُمَا الطَّهَارَةُ بِالمَاءِ، وَهِيَ الأَصْلُ.
الطهارة نوعان، بالماء وهي الأصل.
وطهارة بالتراب وهي التيمم، وهي بدل عنه إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله (وستأتي مباحث التيمم).
والدليل على أن الماء هو الأصل قول الله تعالى ( أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ..) فنص على الماء أولًا، وعند فقده يرجع إلى التيمم بالتراب.
[ ١ / ٢٤ ]
م/ فَكُلُّ مَاءٍ نَزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ، أَوْ نَبَعَ مِنْ اَلْأَرْضِ، فَهُوَ طَهُورٌ، يُطَهِّرُ مِنَ اَلْأَحْدَاثِ وَالْأَخْبَاثِ. وَلَوْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ، كَمَا قَالَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ-: (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). رَوَاهُ أَهْلُ اَلسُّنَنِ وَهُوَ صَحِيحٌ.
فَإِنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِنَجَاسَةٍ فَهُوَ نَجِسٌ، يَجِبُ اِجْتِنَابُهُ.
ذكر المؤلف ﵀ النوع الأول من أنواع الماء؛ وهو الطهور، لأن الماء ينقسم إلى قسمين - على القول الراجح - طهور ونجس، فلا يوجد قسم ثالث، فهو إما طهور أو نجس.
وما ذكره المؤلف هو القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الماء ينقسم إلى قسمين (طهور ونجس) وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم.
لحديث: (إن الماء طهور) فهذا الحديث يحكم للماء بالطهورية، وأن الماء طهور، وهذا العموم خص منه بالإجماع: إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه نجس بالإجماع.
قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا أنه نجس ما دام كذلك ".
فمن أنواع الطهور:
النازل من السماء.
كما قال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ).
النابع من الأرض. كمياه العيون والآبار والأنهار والبحار.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- في ماء البحر - (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبو داود.
ولحديث أبي سعيد قال: (قيل: يا رسول الله؛ أنتوضأ من بئر بضاعة [وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن] فقال -ﷺ-: إن الماء طهور لا ينجسه شيء) رواه أبو داود وأحمد
وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ …) متفق عليه.
قول المصنف (ولو تغير لونُه أو طعمُه أو ريحُه بشيءٍ طاهر) ظاهره ولو كثر هذا الطاهر الذي تغير به، لكن هذا مقيد بما إذا لم يغلب عليه، فإن غلب عليه التغير، بحيث سلبه اسم الماء المطلق فحينئذ ليس بماء.
مثال: عندنا إناء فيه ماء فوضع فيه إنسان شيء من الشاي فتغير لونه إلى أحمر - هنا تغير بشيء طاهر - فسلبه اسم الماء المطلق، هذا الماء لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، لأنه انتقل من الماء المطلق ويسمى بما تغير فيه، فيسمى شاي.
قول المصنف (فإن تغيّر أحد أوصافه بنجاسة) سواء طعمه أو لونه أو ريحه، ولا يشترط اجتماع هذه الثلاث.
الطهور: هو الماء الذي لم تتغير أوصافه بحيث تسلبه الطهورية.
[ ١ / ٢٥ ]
م/ والأَصْلُ فِي الأَشْياءِ الطَّهَارَة وَالإِبَاحَة.
فالأصل في الأشياء: كالمياه والأرض والثياب والحجارة؛ الأصل الطهارة والإباحة.
ففي الماء: فإذا وجد عندنا ماء ولا نعلم هل هو طاهر أو نجس، فالأصل الطهارة.
دليل هذه القاعدة:
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا).
فساق الآية مساق الامتنان، وغايته الحل والإباحة، كما قال القرطبي.
قال في تفسير المنان: " وهذه هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلًا وشربًا ولباسًا وتداويًا وركوبًا وزينة ".
وقال -ﷺ-: (ما أحله الله فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو).
قال السعدي في منظومته:
والأصلُ في مياهنا الطهارةْ … والأرض والثياب والحجارةْ
قال -ﷺ-: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء).
ودليل طهارة الأرض قوله -ﷺ-: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما مسلم أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره). رواه مسلم
وكذلك الثياب: ودليل ذلك أن النبي -ﷺ- وصحابته - رضوان الله عليهم - كانوا يلبسون الثياب التي يصنعها الكفار وينسجونها ولا يغسلونها، فدل ذلك على أن الأصل فيها الطهارة.
ويندرج تحت هذه القاعدة أشياء كثيرة:
المعاملات من بيع وإجارة ورهن، وكذلك الأطعمة من حيوانات ونباتات وزروع وثمار وطيور، والألبسة من قطن وصوف وشعر.
• أما العبادات فالأصل فيها المنع والحظر، لقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ).
ولقوله -ﷺ- (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) متفق عليه.
[ ١ / ٢٦ ]
م/ فَإِذَا شَكَّ اَلْمُسْلِمُ فِي نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا: فَهُوَ طَاهِرٌ.
مثال: عنده ماء طاهر، وشك هل تنجس أم لا؛ فالأصل أنه طاهر.
مثال آخر: عنده ثوب طاهر، فشك هل أصابته نجاسة أم لا؛ فالأصل أنه طاهر.
مثال آخر: شك في بقعة هل أصابتها نجاسة؛ فالأصل أنها طاهرة. (جعلت الأرض مسجدًا وطهورًا).
ودليل ذلك:
حديث عبد الله بن زيد قال: (شكى إلى النبي -ﷺ- الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال -ﷺ-: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا). متفق عليه
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؛ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا). رواه مسلم
قال النووي: " هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى تتيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها ".
وقال -ﷺ- لمن شك في صلاته: (فليطرح الشك وليبن على اليقين).
وللقاعدة: [اليقين لا يزول بالشك]. الأصل بقاء ما كان على ما كان ما لم يتيقن ضد ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبًا ولا مشروعًا، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل إن المشروع أن يبقى الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجّسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة ".
[ ١ / ٢٧ ]
م/ أَوْ تَيَقَّنَ اَلطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي اَلْحَدَثِ: فَهُوَ طَاهِرٌ; لِقَوْلِهِ -ﷺ- فِي اَلرَّجُلِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ اَلشَّيْءَ فِي اَلصَّلَاةِ: (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مثال: الوضوء، فلو أن إنسان توضأ لصلاة العصر، ثم شك هل انتقض وضوءه أم لا، فإنه يعتبر نفسه متوضئًا ويبني على ذلك، لأنه الأصل المتيقن للحديث السابق.
لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؛ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا). رواه مسلم والمراد حتى يتيقن.
وكذلك من شك في طلاق امرأته، فإنه يبني على الأصل المتيقن وهو بقاء الزوجة.
وكذلك من شك في حصول الرضاع بينه وبين امرأة أجنبية، فيبني على الأصل المتيقن وهو كونها أجنبية عنه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، قال النووي: "ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة ".
• وإذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. [قاله النووي]
مثال: إنسان أكل لحم إبل، فلما أذن العصر شك هل توضأ أم لا، فالأصل أنه على غير وضوء وأنه يلزمه الوضوء لأنه الأصل.
[ ١ / ٢٨ ]