عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- قال الله تعالى (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) متفق عليه.
[ ١ / ٤٤٠ ]
م / الأصل فيه: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
ذكر المصنف - ﵀ - الآية التي هي أصل في وجوب صيام شهر رمضان، فصوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
(كتب) أي فرض (كما كتب على الذين من قبلكم) تسلية للمؤمنين وإشعار لهم بأن الله قد فرض هذا الأمر على من قبلهم من الأمم (لعلكم تتقون) فيه بيان الحكمة من مشروعية الصيام وهي تقوى الله.
وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله -ﷺ- (بني الإسلام على خمس وذكر منها: وصوم رمضان) متفق عليه
وأجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان. (قاله ابن قدامة).
(من أنكر وجوبه كفر لأنه أنكر أمرًا معلومًا بالضرورة من الدين، وأما من تركه تهاونًا وكسلًا فالصحيح أنه لا يكفر وهذا مذهب الجمهور).
[ ١ / ٤٤١ ]
م / ويجب صيام رمضان على كل مسلم.
أي: فلا يجب على الكافر ولا يصح منه، والدليل على تخصيصه بالمسلمين:
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ …)، فالخطاب جاء للمؤمنين، والمراد بالمؤمنين مطلق أهل الإيمان، أي يا معشر المسلمين.
وقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) فإذا كانت النفقة لا تقبل مع الكفر مع أن نفعها متعد، فما كان نفعه قاصرًا كالصيام من باب أولى ألا يقبل.
ولأن الكافر ليس أهلًا للعبادة.
• وإذا أسلم أثناء رمضان لزمه الصيام من حين أسلم.
[ ١ / ٤٤٢ ]
م/ بالغ.
فالصغير لا يجب عليه الصوم.
لحديث علي. قال: قال رسول الله -ﷺ- (رفع القلم عن ثلاثة: .. عن الصغير حتى يبلغ) رواه أبو داود.
ولأنه ليس أهلًا للتكليف. [رفع القلم] كناية عن سقوط التكليف
• (علامات البلوغ: بلوغ السن وهو: ١٥ سنة، أو إنبات شعر العانة، أو إنزال المني، وتزيد الأنثى الحيض).
[ ١ / ٤٤٣ ]
م/ عاقل:
فلا يجب الصوم على المجنون ولا يصح منه.
لحديث علي السابق ( وعن المجنون حتى يصحو ..).
ولأنه ليس أهلًا للتكليف.
• (ومثله المعتوه والمهذري وكل من ليس له عقل ولا يطعم عنه).
[ ١ / ٤٤٤ ]
م/ قادر على الصوم.
أي: بأن يكون قادرًا على الصوم، فإن كان عاجزًا بأن يكون مريضًا فلا يجب عليه الصوم.
لقوله تعالى (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها).
والعجز ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عجز طارئ يرجى برؤه: فهذا يفطر ويقضي.
قال تعالى (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر).
القسم الثاني: عجز دائم لا يرجى برؤه: فهذا يفطر ويطعم.
لقول ابن عباس في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم) رواه البخاري.
[ ١ / ٤٤٥ ]
م/ برؤية هلاله، أو أكمال شعبان ثلاثين يومًا.
أي: أن صوم رمضان يجب بأمرين:
الأمر الأول: برؤية الهلال.
لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا) متفق عليه.
• قوله: (إذا رأيتموه) سواء كانت الرؤية بالرؤية المجردة أو بالواسطة كالمنظار أو آلة رصد فإنه يعتبر ذلك موجبًا لثبوت شهر رمضان.
• وأيضًا يستفاد من قوله: إذا رأيتموه: أنه لا عبرة في الحساب ولا يصح الاعتماد عليه وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
الأمر الثاني: إكمال شهر شعبان ٣٠ يومًا.
قال في المغني: "لأنه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافًا".
مسألة: صيام يوم الشك، أن يحول غيم أو قتر دون الهلال ليلة الثلاثين من شعبان.
حكم صومه حرام، ونسبه النووي لجمهور العلماء.
لحديث عمار قَالَ (مَنْ صَامَ اَلْيَوْمَ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ -ﷺ- وَذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
ولحديث: (فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي رواية: (فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا).
وهذه مفسرة لرواية (فاقدروا له) أن معنى اقدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا.
وذهب بعض العلماء إلى وجوب صومه، وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله -ﷺ-: (فاقدروا له).
ومعنى (اقدروا له) أي ضيقوا، من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله).
والتضييق أن يجعل شعبان [تسـ ٢٩ ـعة وعشرون] يومًا، والراجح القول الأول.
[ ١ / ٤٤٦ ]
م/ ويصام برؤية عدل لهلاله.
أي: يقبل شخص واحد يُخبِر برؤية هلال رمضان، سواء كان ذكرًا أم أنثى، بشرط أن يكون عدلًا، والعدل: من استقام في دينه ومروءته، والمعني: أن يكون موثوقًا بخبره لأمانته وبصره، أما من لا يوثق بخبره لكونه معروفًا بالكذب أو بالتسرع أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته.
والدليل على أنه يقبل شخص واحد:
حديث اِبْنِ عُمَررَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (تَرَاءَى اَلنَّاسُ اَلْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ اَلْهِلَالَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَأَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا"). رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
الحديثان يدلان على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان.
قال الترمذي: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم". وقال النووي: "وهو الأصح، لأنه خبر ديني لا تهمة فيه وأحوط للعبادة".
• يشترط في الشاهد شروطًا:
أن يكون مسلمًا: فلا تقبل شهادة الكافر لأمور:
أولًا: لحديث الأعرابي السابق: أتشهد أن لا إله إلا الله
ثانيًا: أن الله رد شهادة الفاسق من المسلمين، ومن باب أولى رد شهادة الكافر.
ثالثًا: لأن الغالب فيه الكذب، والمتهم لا تقبل شهادته.
رابعًا: قوله تعالى (ممنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس بمرضي.
أن يكون بالغًا عاقلًا:
عاقل: فالمجنون لا تقبل.
بالغ: الصبي لا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون غير مميز (لا يقبل قوله).
الثاني: أن يكون مميز (وهذا محل خلاف)، والأكثر على أنه لا يقبل قوله، لأنه لا يوثق بخبره، فلا بد من البلوغ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
م/ ولا يقبل في بقية الشهور إلا عدلان.
وهذا قول أكثر العلماء، أنه لابد من شاهدين.
[ ١ / ٤٤٨ ]
م/ ويجب تبيت النية لصيام الفرض.
أي: يجب تبييت النية من الليل لصيام الفرض، كرمضان، وقضاء رمضان، والنذر.
لحديث حَفْصَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا، عَنِ اَلنَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: (لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اَللَّيْلِ)، اختلف في هذا الحديث بين الرفع والوقف، وجاء موقوفًا عن ابن عمر كما عند مالك في الموطأ، ولا يعلم لحفصة ولا لابن عمر مخالف من الصحابة.
• فمن نوى صوم الفرض من بعد صلاة الصبح فلا يصح، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل.
[ ١ / ٤٤٩ ]
م/ أما النفل فيجوز بنية من النهار.
أي: أن صوم النفل (كصيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر) يجوز أن ينويه من النهار.
لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ).
• يشترط إذا نوى الصوم من النهار أن لا يكون قد أكل شيئًا من بعد الفجر.
• وهل يشترط أن يكون قبل الزوال؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط، وأنه يجوز ولو نوى بعد الزوال، وذهب أكثر العلماء إلى أنه يشترط أن تكون النية قبل الزوال، والأول أرجح.
• إن نوى الصوم أثناء النهار، هل يكتب له أجر الصوم يومًا كاملًا أو يكتب له من نيته؟ قولان للعلماء:
قيل: أنه يكتب له أجر اليوم الكامل.
قالوا: لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار.
وقيل: لا يثاب إلا من وقت النية فقط.
فإذا نوى عند الزوال فأجره على هذا القول نصف يوم.
لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وهذا أول النهار لم ينو الصوم فلا يكتب له الأجر كاملًا، وهذا القول هو الراجح.
[ ١ / ٤٥٠ ]