م/ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ:
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ: بدأ المؤلف كتابه بالحمد لله لعدة أسباب.
أولًا: اقتداءً بكتاب الله، لأن أول سورة في القرآن مبدوءة بالحمد لله رب العالمين.
ثانيًا: تأسيًا بالنبي -ﷺ- فإنه كان يبدأ خُطَبه [الراتبة والعارضة] بالحمد لله.
الحمد لله نحمده: الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
الحمد لله: الألف واللام للاستغراق، يعني جميع المحامد ثابتة لله، وفي الحديث قال -ﷺ- (لك الحمد كله) متفق عليه. وكلمة (نحمده): جملة توكيد لقوله (الحمد لله).
ونستعينه: أي نطلب العون من الله ﵎، كما قال تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
قال ابن كثير: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ﷿.
قال ابن القيم: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (إياك نعبد) تدفع الرياء (وإياك نستعين) تدفع الكبر.
• فعلى المسلم أن يستعين بالله دائمًا وأبدًا، بل أعظم الدعاء ما فيه طلب العون من الله.
[ ١ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد قال -ﷺ- لمعاذ (إني أحبك في الله، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: تأملت أنفع الدعاء: فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
ونستغفره: أي نطلب من الله مغفرة الذنوب، ومعناها: ستر الذنب والتجاوز عنه.
• والاستغفار يكون على وجهين:
الوجه الأول: طلب المغفرة بلفظ: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سببًا لذلك.
• وحينما نستغفر الله فلذنوبنا واستجابة لأمر الله تعالى.
قال سبحانه (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا)
وقال سبحانه (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلى الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
وقال تعالى في الحديث القدسي (فاستغفروني أغفر لكم).
وقال تعالى (واستغفر لذنبك)، وقال تعالى ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾.
وقال سبحانه ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾، وقال -ﷺ- (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم، وقال -ﷺ- (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري.
ونتوب إليه: أي نرجع إلى الله عن ذنوبنا وتقصيرنا ونترك المعصية والذنوب إلى الطاعة.
وقد أمر الله بالتوبة وأثنى على أهلها.
فالتوبة سبب للفلاح، والفوز بسعادة الدارين، قال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحون).
بالتوبة تكفر السيئات:
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ).
بالتوبة تبدل السيئات حسنات:
قال تعالى (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وهذا من أعظم البشارة للتائبين.
[ ١ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتوبة سبب للمتاع الحسن، ونزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين:
قال تعالى (وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ).
وقال تعالى على لسان هود (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).
وقال على لسان نوح ﵇ (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).
والله يحب التوبة والتوابين:
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
أن الله يفرح بتوبة التائبين:
كما قال -ﷺ- (للهُ أفرحُ بتوبةِ عبده من أحدِكم سقط على بعيرهِ وقد أضله في أرضٍ فلاة) متفق عليه.
• وللتوبة لكي تصح شروطًا عند العلماء:
الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب.
الشرط الثاني: أن يندم على فعلها.
الشرط الثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدًا.
الشرط الرابع: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة.
وذلك قبل طلوع الشمس من مغربها - وقبل حلول الأجل.
قال -ﷺ- (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) رواه الترمذي.
الشرط الخامس: إن كانت تتعلق بحق آدمي فإنه يجب أن يرجعها إذا كانت مالًا، وأما إذا كانت غيبة فإنه يكفي الاستغفار له.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا: أي نعوذ ونعتصم ونلتجئ بالله من شرور أنفسنا، فالنفس لها شرور، كما قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي).
وفي الحديث عن عمران بن حصين. (أن النبي -ﷺ- علم أبا حصَيْنًا كلمتين يدعو بهما: اللهم ألهمني رشدي، وأعِذني من شر نفسي) رواه الترمذي.
وفي حديث زيد بن أرقم - عند مسلم - قال (كان النبي -ﷺ- يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع).
ومن شرورها: التثبيط عن الطاعة والتكاسل عنها، أو الحث على المعصية.
وسيئات أعمالنا: فنتعوذ بالله من سيئات أعمالنا، لأن الأعمال السيئة لها تأثير سيء على الفرد والمجتمع.
قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ).
وقال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
وقال تعالى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).
وقال -ﷺ- (ما منع قوم زكاةَ أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجه.
[ ١ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من يهدى الله فلا مضل له: أي من قدّر الله هدايته فلن يستطيع أحد أن يضله كائنًا من كان، وهذه الجملة توجب للإنسان أن لا يطلب الهداية إلا من الله، مع فعل الأسباب.
ومن يضلل فلا هادى له: أي فمن قدر الله أن يضله - لحكمته - فإنه لا يمكن أن يهديه أحد، وها هو عم النبي -ﷺ- أبو طالب - لم يستطع النبي -ﷺ- أن يهديه.
وقال تعالى (فمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وأشهد أن لا إله إلا الله: أي أقر بقلبي ناطقًا بلساني إقرار مشاهد، أنه لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) وقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ).
• لا يصح قول من قال: لا إله موجود إلا الله، لأن هناك آلهة تعبد من دون الله وتسمى آلهة كما قال تعالى (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ).
وأن محمدًا: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، خاتم النبيين.
عبده: فليس له من الربوبية والإلهية شيء، إنما هو عبد، جميع خصائص البشرية تلحقه ما عدا شيء واحد، وهو ما يعود بأسافل الأخلاق فهو ممنوع منه.
قال تعالى (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله).
وقال تعالى (قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا).
فهو بشر مثلنا إلا أنه يوحى إليه، قال تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد).
وقد وصفه الله بالعبودية في أعلى المقامات:
في إسرائه، وفي حال قيامه بالدعوة، وفي حال التحدي مع الكفار أن يأتوا بمثل القرآن.
ويقول -﵇-: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح). رواه البخاري
بل وصف الله تعالى الرسل في أعلى مقاماتهم، وفي سياق الثناء عليهم.
فقال تعالى في نوح -﵇- (إنه كان عبدًا شكورًا).
وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار).
وقال في عيسى بن مريم -﵇- (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل).
ورسوله: أي وأن محمدًا رسول الله إلى كافة الورى، قال تعالى (محمد رسول الله) وقال تعالى (وما أرسلناك إلا كافة للناس) وقال تعالى (وأرسلناك للناس رسولًا وكفى بالله شهيدًا).
[ ١ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال النبي -ﷺ- (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، … وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة). متفق عليه
• ومقتضى هذه الشهادة هو الإقرار باللسان، والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي رسول إلى جميع الخلق من الجن والإنس.
• ومقتضى هذه الشهادة أيضًا أن تصدق رسول الله فيما أخبر، وأن تتمثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
صلى الله عليه وعلى آله وسلم: معنى صلاة الله على نبيه: أي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة.
وعلى آله: المراد بالآل هنا جميع أتباعه على دينه من قرابتهِ وغيرهم كقوله تعالى في فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) أي أتباع فرعون، وإذا ذكرت الآل والصحب، صار المراد بالآل قرابتَه المؤمنين به، أما غير المؤمنين به فليسوا من آله، لأن الله قال عن نوح في ولده (إنه ليس من أهلك) وهو ابنه من صلبه.
أما بعد: هذه كلمة يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد.
• قول بعضهم أنها تقال للانتقال من أسلوب إلى آخر (وهذا قول ضعيف).
[ ١ / ٨ ]
م/ فَهَذَا كِتَابٌ مُخْتَصَرٌ فِي اَلْفِقْهِ، جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ اَلْمَسَائِلِ وَالدَّلَائِلِ; وَاقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى أَهُمِّ اَلْأُمُورِ، وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا، لِشِدَّةِ اَلضَّرُورَةِ إِلَى هَذَا اَلْمَوْضُوعِ، وَكَثِيرًا مَا أَقْتَصِرُ عَلَى اَلنَّصِّ إِذَا كَانَ اَلْحُكْمُ فِيهِ وَاضِحًا; لِسُهُولَةِ حِفْظِهِ وَفَهْمِهِ عَلَى اَلْمُبْتَدِئِين لِأَنَّ اَلْعِلْمَ: مَعْرِفَةُ اَلْحَقِّ بِدَلِيلِهِ.
وَالْفِقْهَ: مَعْرِفَةُ اَلْأَحْكَامِ اَلشَّرْعِيَّةِ اَلْفَرْعِيَّةِ بِأَدِلَّتِهَا مِنْ اَلْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ اَلصَّحِيحِ. وَأَقْتَصِرُ عَلَى اَلْأَدِلَّةِ اَلْمَشْهُورَةِ; خَوْفًا مِنْ اَلتَّطْوِيلِ، وَإِذَا كَانَتِ اَلْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةً، اِقْتَصَرْتُ عَلَى اَلْقَوْلِ اَلَّذِي تَرْجَّحَ عِنْدِي، تَبَعًا لِلْأَدِلَّةِ اَلشَّرْعِيَّة.
فهذا كتاب مختصر في الفقه: المختصر: ما قلّ لفظه وكثر معناه.
والفقه: الفقه لغة الفهم ومنه قوله تعالى (يفقهوا قولي) وسيأتي تعريفه.
جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ اَلْمَسَائِلِ وَالدَّلَائِلِ: المسائل جمع مسألة: وهي ما يحتاج إلى برهان، والدلائل جمع دليل: وهذا يشمل - عند العلماء الدليل النقلي والدليل العقلي.
وَاقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى أَهُمِّ اَلْأُمُورِ، وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا، لِشِدَّةِ اَلضَّرُورَةِ إِلَى هَذَا اَلْمَوْضُوعِ: أي أنه لم يستوعب جميع المسائل والأحكام، وإنما اقتصر على أهمها، واختار المسائل التي يعظم نفعها لضرورتها، لأن هذا الكتاب ألفه للمبتدئين في العلم.
وَكَثِيرًا مَا أَقْتَصِرُ عَلَى اَلنَّصِّ إِذَا كَانَ اَلْحُكْمُ فِيهِ وَاضِحًا; لِسُهُولَةِ حِفْظِهِ وَفَهْمِهِ عَلَى اَلْمُبْتَدِئِين: وهذه طريقة جميلة نافعة، وهي أن يورد النص على أنه حكم ومسألة، وهذا فيه فائدتين:
أولًا: معرفة الحكم الشرعي، ثانيًا: معرفة الدليل.
لأن العلم معرفة الحق بدليلة: معرفة الدليل مهم جدًا لطالب العلم.
• وفي معرفة الحكم بدليله لطالب العلم فوائد: أولًا: أنه يطمئن للحكم الشرعي، ثانيًا: أنه يكون معه حجة من الله، ثالثًا: أنه يستطيع إقناع غيرهِ، رابعًا: أنه يعبد اللهَ على بصيرة وبرهان.
والفقه: معرفةُ الأحكام الفرعية بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح.
واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية
معرفة: يشمل العلم والظن، لأن إدراك الأحكام الشرعية بعضه علمي وبعضه ظني.
فمعرفة الصلوات الخمس هذا علم، ومعرفة أن الوتر سنة على مذهب الجمهور، هذا ظن.
الأحكام الشرعية: المراد الأحكام المتلقاة من الشرع، خرج بذلك الأحكام العقلية، كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء، وكمعرفة أن الواحد نصف الاثنين، والأحكام الحسية كمعرفة أن النار حارة، والعادية كنزول المطر بعد الرعد والبرق.
الفرعية: كالصلاة والحج والبيوع … الخ، فخرج بذلك المسائل العملية كالتوحيد.
[ ١ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأدلتها التفصيلية: احترازًا من أصول الفقه، لأن البحث في أصول الفقه في أدلة الفقه الإجمالية.
مثال: يشترط لصحة الوضوء النية لحديث: إنما الأعمال.
قراءة الفاتحة ركن في الصلاة لحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ …
وأما في أصول الفقه فمثال: كل من عمل عملًا ناقص الشروط فعمله باطل (هذا أصول الفقه).
الأمر يقتضي الوجوب وهكذا النهي، النسخ - القياس.
فالفقيه يبحث في الأدلة التفصيلية الجزئية، ليستنبط الأحكام المحددة المعينة منها، مستعينًا بالأدلة الإجمالية.
• فمراد المؤلف هنا بالفقه هو الفقه الاصطلاحي.
وأقتصر على الأدلة المشهورة خوفًا من التطويل: أي أنه سوف يقتصر على الدليل المعروف المشهور، فلا يأت بأدلة غير مشهورة التي يعرفها فقط طلاب العلم، لأن الكتاب مختصر.
وإذا كانت المسألة خلافية، اقتصرت على القول الذي ترجح عندي، تبعًا للأدلة الشرعية: أي إذا كانت المسألة فيها خلاف بين العلماء على عدة أقوال، فإنه سوف يقتصر على قول واحد، وهذا القول هو الراجح عنده الذي يؤيده الدليل، فليس هو مقلد لمذهب معين، أو لعالم معين، وإنما متبع للدليل.
[ ١ / ١٠ ]
م/ الأحكام الخمسة: اَلْوَاجِبُ: وَهُوَ مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ، وَعُوقِبَ تَارِكُهُ. وَالْحَرَامُ: ضِدَّهُ. وَالْمَكْرُوهُ: مَا أُثِيبَ تَارِكُهُ، وَلَمْ يُعَاقَبْ فَاعِلُهُ. وَالْمَسْنُونُ: ضِدَّهُ. وَالْمُبَاحُ: وَهُوَ اَلَّذِي فِعْلُهُ وتَرْكُهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
الأحكام الخمسة: أي الأحكام التكليفية.
ثم ذكرها فقال:
الواجب: وهو ما أثيب فاعله وعوقبَ تاركهُ: هذا تعريفه بالحكم لا بالحد، فإنه ليس الواجب هو: ما أثيب فاعله …، وإنما هذا حكم الواجب، وأما تعريفه بالحد: فهو ما أمر به الشارع على وجه الإلزام.
ما أمر به الشارع: خرج بقولنا ما أمر به الشارع: المحرم والمكره والمباح، فهذه الثلاثة غير مأمور بها.
• الشارع. هو الله أو رسوله -ﷺ-. وقد قال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا)، والرسول مبلغ عن الله سبحانه.
قولنا: على وجه الإلزام: خرج بذلك المندوب، لأنه مأمور به لكن ليس على وجه الإلزام.
حكم الواجب: هو ما ذكره المؤلف: يثاب فاعله امتثالًا ويستحق العقاب تاركه.
• فلا بد من قول (امتثالًا) لأنه لا ينال الأجر إلا إذا فعله امتثالًا لله تعالى.
الحرام: ضده يثاب تاركه ويعاقب فاعله: وهذا تعريف بالحكم لا بالحد، وأما تعريفه بالحد فهو: ما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام بالترك، مثاله: كعقوق الوالدين وشرب الخمر، والأقوال: كالغيبة، والنميمة، والكذب.
ما نهى عنه الشارع: يخرج الواجب والمندوب.
على وجه الإلزام بالترك: خرج به المكروه.
[ ١ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما حكمه فهو ما ذكره المؤلف: يثاب تاركه امتثالًا ويستحق العقاب فاعله.
فلابد من قيد (امتثالًا)، مثاله: رجل همّ بالمحرم لكنه تذكر عظمة الله وعقابه فتركه لذلك، فهذا يثاب.
عن ابن عباس ﵄. عن النبي -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﵎ قال (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها، كتبها عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم (إنما ترك ذلك من جرائي) أي من أجلي.
مثل قصة الذي همّ بابنة عمه بسوء فتركها لله، فأجاب الله دعاءه وفرج همه فانفرجت الصخرة.
• لكن لو أن رجلًا تمنى المحرم، ولم يفعل أسبابه، فإن هذا يعاقب على النية.
دليل ذلك حديث أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله -ﷺ-: (… ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملتُ فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله -ﷺ-: (فهما في الوزر سواء). رواه ابن ماجه.
ثالثًا: رجل همّ بالمحرم وسعى في أسبابه ولكنه لم يتمكن ذلك، فهذا يعاقب عقوبة الفاعل.
دليل ذلك حديث أبي بكرة أن النبي -ﷺ- قال (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول في النار؟ قال: إنه حريصًا على قتل صاحبه). متفق عليه.
المسنون: وهو ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه: هذا تعريف بالحكم، أما تعريفه بالحد: فهو ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام كالسنن الرواتب.
وأما حكمه فكما ذكر المؤلف: يثاب فاعله امتثالًا ولا يعاقب تاركه، فلو فعله لا امتثالًا، فلا يثاب عليه.
مثاله: رجل اغتسل يوم الجمعة للتنظف فقط لا امتثالًا لأمر الله، فإنه لا يثاب.
[ ١ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يعاقب تاركه لا في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فظاهر، فإن الله لا يعاقب على أمر رخص لعباده فيه، وأما في الدنيا فلا يعاقب عليه، فلا يعزره السلطان عليه، لأنه ليس واجب.
• والمسنون له فوائد، فهو يسد الخلل الذي يكون في الفرائض، كما في الحديث (أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله صلاته، فإن صلحت، كتبت تامة، وإن نقصت، قال الله: انظروا لعبدي هل له من تطوع؟ … الحديث).
وسبب لمحبة الله لحديث (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه …) رواه البخاري.
المكروه: ضده يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله: وتعريفه بالحد: هو ما طلب الشارع تركه لا على وجه الجزم والإلزام.
قوله: لا على وجه الإلزام: يخرج به المحرم، فإنه مما طلب الشارع تركه على وجه الإلزام.
وأما حكمه فكما ذكره المؤلف: يثاب تاركه امتثالًا ولا يعاقب فاعله.
المباح: هو الذي فِعلهُ وتركُهُ على حدٍ سواء: وعرفه بعضهم بقوله: ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالاغتسال للتبرد والمباشرة ليالي الصيام.
[ ١ / ١٣ ]
م/ وَيَجِبُ عَلَى اَلْمُكَلَّفِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْه كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ.
أي أنه يجب على المكلف أن يتعلم من الفقه ما يحتاجه كأمور الطهارة والصلاة وغيرها، لأن تعلم الفقه ينقسم إلى قسمين:
فرض عين: وهو ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته. كالطهارة والصلاة والحج إذا أراد الحج.
فرض كفاية: بقية المسائل، فهي فرض كفاية.
[ ١ / ١٤ ]
م/ قَالَ -ﷺ- (مَنْ يُرِدِ اَللَّهَ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي اَلدِّينِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
هذا الحديث فيه الفضل الكبير في تعلم الفقه.
قال النووي: " فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين والحث عليه، وسببه أنه قائد إلى تقوى الله ".
وقال ابن القيم: " وهذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقّهه في دينه، ومن فقّهه في دينه فقد أراد به خيرًا إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل ".
وقال ابن حجر: " ومفهوم الحديث: أن من لم يتفقه في الدين- أي تعلم قواعد الإسلام وما يتصل به من الفروع - فقد حرم الخير ".
[ ١ / ١٥ ]
فصل
م/ قال النبي -ﷺ- (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).
فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ: عِلْمُ اَلْعَبْدِ وَاعْتِقَادِهِ وَالْتِزَامِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اَلْأُلُوهِيَّةَ وَالْعُبُودِيَّةَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
فَيُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى اَلْعَبْدِ: إِخْلَاصَ جَمِيعِ اَلدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ تَكُونَ عِبَادَاتُهُ اَلظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ لَا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا فِي جَمِيعِ أُمُورِ اَلدِّينِ.
وَهَذَا أَصْلُ دِينِ جَمِيعِ اَلْمُرْسَلِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
هذا الحديث معناه: أن الإسلام بني على هذه الخمس، فهذه الخمس كالأركان والدعائم لبنيانه، والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانه، ودعائمه هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها.
فأول هذه الأركان الشهادتين:
شهادة أن لا إله إلا الله: معناها لا معبود بحق إلا الله.
عِلْمُ اَلْعَبْدِ وَاعْتِقَادِهِ وَالْتِزَامِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اَلْأُلُوهِيَّةَ وَالْعُبُودِيَّةَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:، فكل آلهة سوى الله باطلة ولا تستحق العبادة، لأنه هو الذي خلقنا ورزقنا وأوجدنا وأنعم علينا وكل خير في الوجود منه ﷾.
بل إنه سبحانه وبخ من عبد غيره، وأن هذه المعبودات ضعيفة لا تقدر على خلق أصغر الأشياء.
قال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
المعنى الإجمالي: قوله (أيشركون) الاستفهام للاستنكار والتوبيخ.
قال المفسرون في هذه الآية: هذا توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله تعالى ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون.
وقد بين الله تعالى في هذه الآية صفات هؤلاء المعبودين من دون الله، وهي أربعة:
أنهم لا يخلقون شيئًا - أنهم مخلوقون مربوبون - أنهم لا يستطيعون لهم نصرًا - أنهم لا ينصرون أنفسهم.
وقال تعالى (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
معنى الآية: يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه - من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها - مما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي:
الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على الاستجابة، فمتى لم توجد هذه الشروط تامّة بطلت دعوته، فكيف إذا عدمت بالكلية.
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).
[ ١ / ١٦ ]
فَـ: إذا علم العبد ذلك وأيقن به.
يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى اَلْعَبْدِ: إِخْلَاصَ جَمِيعِ اَلدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ تَكُونَ عِبَادَاتُهُ اَلظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ لَا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا فِي جَمِيعِ أُمُورِ اَلدِّينِ.
وَهَذَا أَصْلُ دِينِ جَمِيعِ اَلْمُرْسَلِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
أي: فإذا علمت أن المستحق للعبادة هو الله ﷾، أوجب ذلك إخلاص الدين كله لله تعالى، ولا يشرك مع الله أحدًا كائنًا من كان.
قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وقال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).
فمن أهم شروط قبول العمل أن يكون خالصًا لوجه ﵎ كما قال -ﷺ- (إنما الأعمال بالنيات).
ولذلك قال تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) لا إلى ملك أو حظ أو مال أو شهرة أو مدح أو شأن من شؤون الدنيا.
وهذا أصل جميع دين الرسل.
كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
وقال تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال ابن كثير: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ﷿.
قال ابن القيم: "وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (إياك نعبد) تدفع الرياء (وإياك نستعين) تدفع الكبر".
[ ١ / ١٧ ]
م/ وَشَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ: أَنَّ يَعْتَقِدَ اَلْعَبْدُ أَنَّ اَللَّهَ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا -ﷺ- إِلَى جَمِيعِ اَلثَّقَلَيْنِ - اَلْإِنْسِ وَالْجِنِّ - بَشِيرًا وَنَذِيرًا، يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اَللَّهِ وَطَاعَتِهِ، بِتَصْدِيقِ خَبَرِهِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَعَادَةَ وَلَا صَلَاحَ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَحَبَّتِهِ عَلَى مَحَبَّةِ اَلنَّفْسِ وَالْوَلَدِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَأَنَّ اَللَّهَ أَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ اَلدَّالَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، وَبِمَا جَبَلَهُ اَللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ اَلْعُلُومِ اَلْكَامِلَةِ، وَالْأَخْلَاقِ اَلْعَالِيَةِ، وَبِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ دَيْنُهُ مِنْ اَلْهُدَى وَالرَّحْمَةِ وَالْحَقِّ، وَالْمَصَالِحِ اَلدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ
وَآيَتُهُ اَلْكُبْرَى: هَذَا اَلْقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ، بِمَا فِيهِ مِنْ اَلْحَقِّ فِي اَلْأَخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
شهادة أن محمدًا رسول الله تتضمن عدة أمور لكي يحققها، فليست كلمة تقال أو تذاع:
فأول مقتضيات هذه الشهادة:
أولًا: الإيمان أن الله أرسله إلى جميع الثقلين يدعوهم إلى توحيد الله.
فمحمد -ﷺ- دعوته عامة لكل البشر، ومن قال إنها خاصة للعرب فقط فهو كافر، ومن قال إنه ليس برسول فهو كافر.
والأدلة على رسالته وعلى عموم رسالته كثيرة جدًا.
قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)
وقوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).
وقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).
وقوله -ﷺ-: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). رواه مسلم
وفي صحيح مسلم قال -ﷺ-: (وأرسلت إلى الخلق كافة).
وجاء في صحيح مسلم: (وبعثت إلى كل أحمر وأسود).
ثانيًا: وامتثال أمره وأنه لا سعادة ولا صلاح في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان به وبطاعته.
كما أمرنا الله بذلك فقال (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).
وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
[ ١ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا). فعلى قدر طاعتك للرسول -ﷺ- تكون هدايتك.
وقال -ﷺ- (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار) رواه البخاري.
وقال -ﷺ- (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).
ثالثًا: وأنه لا سعادةَ ولا صلاحَ في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان به وبطاعته، كما قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).
فكل ما أمر به النبي -ﷺ- فهو خير في العاجل والآجل، وكل ما نهى عنه فهو شر في العاجل والآجل
رابعًا: وأنه يجب تقديم محبته على النفس والولد والناسِ أجمعين.
لحديث أنس. قال: قال -ﷺ- (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده) متفق عليه.
فمن علامات الإيمان الكامل محبة النبي -ﷺ- أكثر من كل الناس حتى من النفس.
ولذا لما قال عمر للنبي -ﷺ-: أنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والله لأنت أحب إليّ من نفسي، قال: الآن يا عمر.
(الآن يا عمر) قال العيني: يعني كمل إيمانك.
فيجب تقديم محبة الرسول -ﷺ- على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما يحبه الإنسان غاية المحبة.
وقد توعد الله ﷿ من قدم شيئًا من الدنيا [من أهل أو ولد أو مال] على محبة الله ورسوله فقال سبحانه (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
قال القرطبي في تفسيره: وفي الآية دليل على وجوب حب الله تعالى ورسوله -ﷺ- ولا خلاف في ذلك، وأن ذلك مقدم على كل محبوب.
• ومن أعظم ثمرات محبة النبي -ﷺ-، أن ذلك من أسباب حلاوة الإيمان.
كما في الحديث السابق (ثلاث من كن فيه ).
وأنه يحشر معه كما قال -ﷺ- (المرء مع من أحب) متفق عليه.
[ ١ / ١٩ ]
م/ وأن اللهَ وَأَنَّ اَللَّهَ أَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ اَلدَّالَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، وَبِمَا جَبَلَهُ اَللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ اَلْعُلُومِ اَلْكَامِلَةِ، وَالْأَخْلَاقِ اَلْعَالِيَةِ، وَبِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ دَيْنُهُ مِنْ اَلْهُدَى وَالرَّحْمَةِ وَالْحَقِّ، وَالْمَصَالِحِ اَلدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.
المعجزات: جمع معجزة وهي الأمر الخارق للعادة، ولو عبر المؤلف بالآية لكان أولى من التعبير بالمعجزات، لأمرين:
أولًا: أن هذا هو اللفظ الموافق للقرآن كما قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) وقال تعالى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) وقال صالح لقومه (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً).
ثانيًا: أن المعجزة هي الأمر الخارق للعادة، فتكون من النبي وغير النبي.
أي ونؤمن أن الله أيد النبي -ﷺ- بالمعجزات كانشقاق القمر، وحادثة الإسراء والمعراج، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وكلام الذراع، وتسبيح الطعام، وغير ذلك مما تواترت به الأخبار الصحيحة.
• ومعجزاته -ﷺ- تنقسم إلى قسمين:
قسم منها ما يكون من قبيل المعجزة، وقسم منها ليس بمعجز.
المعجز منها: كالقرآن وكنبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام وانقياد الشجر كما في حديث جابر عند مسلم. وغير ذلك مما نقل وعرف.
وغير المعجز: كما يعرف ذلك بوجه -ﷺ-، كما قال ابن سلام فما أن رأيت وجهه عرفت أن وجه ليس بوجه كذاب) وكذا ما عرف عنه من الأمانة والصدق قبل أن يبعث وبعد ما بعث إلى ذلك من شمائله التي هي من دلائل نبوته كما قال تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
[ ١ / ٢٠ ]
م/ وَآيَتُهُ اَلْكُبْرَى: هَذَا اَلْقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ، بِمَا فِيهِ مِنْ اَلْحَقِّ فِي اَلْأَخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
أعظم معجزات النبي -ﷺ- هي: القرآن العظيم.
كما قال -ﷺ- (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قال في الفتح: " أي إن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل عليّ، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه، بل المراد أن القرآن هو المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره ".
• من أهم الفروق بين معجزة القرآن العظيم، ومعجزات الأنبياء:
أولًا: أن معجزة القرآن الكريم مستمرة إلى يوم الدين، ومعجزات الأنبياء قد انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها.
ثانيًا: أن القرآن العظيم خارق للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار، إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به، ولا يوجد هذا في غيره من المعجزات.
ثالثًا: أن المعجزات الماضية كانت حسية، تُشاهد بالأبصار كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهدته، والذي يشاهد بعين العقل باقٍ، يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرًا.
• ولذلك وقع التحدي في هذا القرآن على وجوه:
الوجه الأول: تحداهم بالقرآن كله.
كما قال تعالى (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).
الوجه الثاني: تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله.
كما قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
الوجه الثالث: تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله.
كما قال تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
[ ١ / ٢١ ]