أولًا: أن إراقة الدم والذبح عبادة مقصودة، فإخراج القيمة فيه تعطيل لهذه الحكمة العظيمة.
ثانيًا: أن الأضحية سنة النبي -ﷺ- وعمل المسلمين إلى يومنا هذا، ولم ينقل أن أحدًا منهم أخرج القيمة.
ثالثًا: اقتداء بأبينا إبراهيم ﵊.
[ ١ / ٥٩٣ ]
م/ تَقَدَّمَ مَا يَجِبُ مِنَ اَلْهَدْيِ، وَمَا سِوَاهُ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ اَلْأُضْحِيَّةُ واَلْعَقِيقَةُ.
أراد المصنف أن يبين أن الأضحية حكمها سنة، وكذلك العقيقة.
بعد أن أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية [كما سبق] اختلفوا في وجوبها على قولين:
القول الأول: أنها واجبة. وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار ابن تيمية ﵀.
لقوله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أن الله أمر نبيه -ﷺ- بالنحر، والأمر يفيد الوجوب.
ولحديث أبي هريرة -﵃- قال: قال رسول الله -ﷺ- (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا) رواه أحمد وابن ماجه. صححه الحاكم وحسنه الألباني، وروي موقوفًا على أبي هريرة. ورجحه الترمذي والطحاوي والبيهقي وابن عبد الهادي والحافظ ابن حجر في الفتح.
وجه الدلالة: أنه قد خرج مخرج الوعيد على ترك الأضحية، والوعيد إنما يكون على ترك الواجب، مما يدل على أن الأضحية واجبة.
ولحديث جندب قال: قال -ﷺ- (من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن يذبح فليذبح على اسم الله) متفق عليه، فلو لم تكن الأضحية واجبة لما أمر النبي -ﷺ- بإعادة الذبح لمن ذبح قبل الصلاة.
القول الثاني: أنها غير واجبة.
وهذا مذهب الجمهور. [وقد قال كثير من أصحاب القول يقولون: يكره للقادر تركها].
[ ١ / ٥٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحديث أم سلمة أن النبي -ﷺ- قال (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ شيئًا من شعره وأظفاره) رواه مسلم.
قال الإمام الشافعي: " هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة، لقوله -ﷺ- (وأراد)، فجعله مفوضًا إلى إرادته ولو كان واجبًا لقال -ﷺ- (فلا يمس من شعره وبشره حتى يضحي) ".
قال ابن قدامة: "علقه على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة، فلو كانت واجبة لاقتصر على قوله: "إذا دخل العشر فلا يمس من شعره وبشره شيئا" ".
عن جابر -﵃- قال (صليت مع رسول الله -ﷺ- عيد الأضحى فلما انصرف أتي بكبش فذبحه وقال: " بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)
فالنبي -ﷺ- ضحى عن أمته فهي تجزئ عمن تمكن منها ومن لم يتمكن منها.
ما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر -﵃- أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يرى ذلك واجبًا، مما يدل على أنهما لم يكونا يريان الوجوب. والراجح مذهب الجمهور.
وأما أدلة أصحاب القول الأول:
أما الآية فهي محتملة لوجوب النحر يوم العيد، وتحتمل معنى آخر كوضع اليدين عند النحر في الصلاة، ولو سلم أن المقصود بالنحر الذبح فالآية تدل على وقت النحر لا وجوبه.
وقيل: المراد بالآية تخصيص الرب -﷾- بالنحر له لا لغيره.
وأما الحديث، فقال عنه ابن قدامة: " ضعفه أصحاب الحديث، ولو صح فيحمل على تأكيد الاستحباب كقوله -ﷺ- (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ".
أما الحديث الآخر فلا يدل على وجوب الأضحية ابتداء، بل يدل على وجوب الأضحية إذا نوى أن يضحي وذبح قبل الصلاة فقد انقلب التطوع إلى فرض.
فبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور.
[ ١ / ٥٩٥ ]
م/ وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا إِلَّا: اَلْجَذَعُ مِنْ اَلضَّأْنِ، وَهُوَ: مَا تَمَّ لَهُ نِصْفُ سُنَّةٌ، وَالثَّنِيُّ، مِنْ اَلْإِبِلِ: مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَمِنْ اَلْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنْ اَلْمَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ.
قوله (ولا يجزئ فيها) أي الأضحية والعقيقة والهدي.
أما الهدي والأضحية فيشترط فيها الشروط التي سيذكرها المؤلف بالإجماع، أما العقيقة ففيها خلاف سيأتي إن شاء الله.
• ذكر المصنف الشرط الأول من شروط الأضحية، وهو أن تبلغ السن المعتبرة. بأن يكون ثنيًا إن كان من الإبل أو البقر أو المعز، وجذعًا إن كان من الضأن
[ ١ / ٥٩٦ ]
م/ أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي اَلْأَضَاحِيِّ اَلْعَوْرَاءُ اَلْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ اَلْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ اَلْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَبِيرَة اَلَّتِي لَا تُنْقِي. صَحِيحٌ رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ.
ذكر المصنف - ﵀ - الشرط الثاني من شروط الأضحية، وهي أن تكون سليمة من العيوب.
والعيوب تنقسم إلى قسمين:
عيوب غير مجزئة - وعيوب مجزئة لكنها مكروهة.
العيوب الغير المجزئة ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث البراء الذي ذكره المصنف:
العوراء البين عورها: هي التي انخسفت عينها أو برزت.
المريضة البين مرضها: هي التي ظهر عليها آثار المرض، مثل: الحمى التي تقعدها عن المرعى، والجرب الظاهر المفسد للحمها، أو المؤثر على صحتها.
(إن كان فيها فتور أو كسل يمنعها من المرعى والأكل، أجزأت لكن السلامة منها أولى).
العرجاء البين عرجها: وهي التي لا تستطيع معانقة السليمة في المشي.
(فإن كان فيها عرج يسير لا يمنعها من معانقة السليمة أجزأت والسلامة منها أولى).
الكسيرة التي لا تنقي: يعني الهزيلة التي لا مخ فيها.
(فإن كانت هزيلة فيها مخ أو كسيرة فيها مخ أجزأت).
هذه الأربع المنصوص عليها وعليها أهل العلم، قال في المغني: "لا نعلم خلافًا في أنها تمنع الإجزاء".
ويلحق بهذه الأربع ما كان في معناها أو أولى:
العمياء: فهي أولى بعدم الإجزاء من العوراء البين عورها.
الزمنى: وهي العاجزة عن المشي لعاهة، لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البين عرجها.
مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين: لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البين عرجها.
[ ١ / ٥٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القسم الثاني: عيوب مجزئة لكنها مكروهة.
العضباء: وهي مقطوعة القرن أو الأذن.
المقابلة: وهي التي شقت أذنها من الأمام عرضًا.
المدابرة: وهي التي شقت أذنها من الخلف عرضًا.
الشرقاء: وهي التي شقت أذنها طولًا.
الخرقاء: وهي التي خرقت أذنها.
من الشروط التي لم يذكرها أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام.
ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا تجزئ الأضحية إلا من بهيمة الأنعام وهي (الإبل والبقر والغنم).
وذلك لقوله -﷾-: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ ولم تنقل الأضحية عن رسول الله -ﷺ- بغير بهيمة الأنعام.
قال النووي: "وكل هذا مجمع عليه ".
• وأفضل بهيمة الأنعام: الإبل ثم البقر ثم الغنم.
ومن الشروط التي لم يذكرها المؤلف: أنه لابد أن تكون في الوقت المحدد للذبح.
أول وقتها بعد صلاة العيد، والأفضل أن يؤخر حتى تنتهي الخطبة. لحديث البراء -﵁- قال: (إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو طعام قدمه لأهله ليس من النسك في شيء). متفق عليه
[ ١ / ٥٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال جندب بن سفيان -﵁-: (صلى النبي -ﷺ- يوم النحر ثم خطب ثم ذبح). رواه البخاري
وفي حديث آخر قال جندب (شهدت الأضحى مع رسول الله -ﷺ- فلما قضى صلاته بالناس قال: من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله) متفق عليه.
واختلف إلى متى يستمر:
قيل: إلى آخر يومين بعده يعني يوم العيد واليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر (وهذا مذهب الحنابلة).
وقيل: يستمر إلى ٣ أيام بعد يوم العيد، فتكون أيام الذبح ٤ يوم العيد و٣ أيام بعده وهذا الأقرب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فينتهي بغروب شمس اليوم ١٣ من ذي الحجة.
قال ابن القيم: "وقد قال علي بن أبي طالب: أيام النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده، وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن، وإمام أهل الكوفة عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، واختاره ابن المنذر، ولأن الثلاثة تختص بكونها: أيام منى، وأيام النحر، وأيام التشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوة في هذه الأحكام، فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع» ". [زاد المعاد ٢/ ٢٩١]
جاء في حديث عند أحمد: (كل أيام التشريق ذبح) لكن مختلف في صحته.
• إذا كان المضحي في مكان لا يُصلى فيه العيد كالبادية، فإن وقت الأضحية يبدأ فيما يمضي من قدر صلاة العيد.
[ ١ / ٥٩٩ ]
م/ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَرِيمَةً، كَامِلَةَ اَلصِّفَاتِ وَكُلَّمَا كَانَتْ أَكْمَل فَهِيَ أَحَبُ إِلَى اللهِ، وَأَعْظَمُ لِأَجْرِ صَاحِبُهَا.
الأفضل من كل جنس أسمنه، وأكثره لحمًا، وأكمله خلقة، وأحسنه منظرًا، فكلما كانت البهيمة أكمل خلقة كانت أعظم أجرًا وثوابًا.
(ومن يعظم شعائر الله) تعظيمها استسمانها واستحسانها.
واختار ابن تيمية أن الأفضل الأكثر ثمنًا.
مثال: خروف قيمته ٦٠٠ وخروف قيمته ١٠٠٠ هذا أعظم أجرًا وثوابًا وأكثر تعظيمًا لشعائر الله.
عن أنس -﵁- (أن النبي -ﷺ- كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما) وفي لفظ: (ذبحهما بيده). متفق عليه، وفي لفظ (سمينين) وهذا عند أبي عوانة.
ولمسلم يقول (بسم الله والله أكبر).
وعن عائشة ﵂: (أن رسول الله -ﷺ- أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى به). رواه مسلم.
[بكبشين] تثنية كبش والكبش فحل الضأن في أي سن كان، [أقرنين] أي لكل واحد منهما قرنين كبيرين معتدلين. [صفاحهما] الصفاح هي الجوانب والمراد الجانب الواحد، والمعنى: أي على صفاح كل واحد منهما. [الأملح] ما خالط بياضه سواد والأبيض أكثر. [يطأ في سواد] يعني أن قوائمه فيها سواد [يبرك في سواد] يعني بطنه وما حواليه فيه سواد. [ينظر في سواد] يعني ما حول عينيه أسود.
وعن أبي داود عن جابر -﵁- (أن النبي -ﷺ- ضحى بكبشين موجوءين)، [موجوءين] أي خصيين.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " والكبش الخصي أفضل من حيث أنه أطيب لحمًا في الغالب ".
وعند أبي داود أيضًا من حديث أبي سعيد -﵁- (أن النبي -ﷺ- ضحى بكبشين فحيلين). [الكبش الفحيل] هو القوي في الخلقة.
[ ١ / ٦٠٠ ]
م/ وَقَالَ جَابِر (نَحَرْنَا مَعَ النَّبِي -ﷺ- عَامَ الحُدَيبِيَّةِ البَدَنَة عَنْ سَبْعَة، وَالبَقَرَة عَنْ سَبْعَة) رواه مسلم.
الاشتراك في الأضحية ينقسم إلى قسمين:
اشتراك في الملك - واشتراك في الثواب.
أما الاشتراك الملك: أن يشترك شخصان فأكثر في أضحية فهذا يجوز في الإبل والبقر للحديث الذي ذكره المصنف.
يعني لو كان هناك سبعة أبيات اشتركوا في بدنة فنقول بأن هذا مجزئ ولا بأس به.
والبقرة أيضًا من البدن فلو كان هناك سبعة أبيات اشتركوا في بقرة وذبحوها أضحية فإنها تجزئ.
وأما الاشتراك في الغنم فلا يجوز: بأن يشترك بيتان في التضحية بشاة واحدة فإنه لا يصح.
لأن الأضحية عبادة ولم ترد إلا على هذا الوجه عن كل بيت أضحية مستقلة.
وهل يصح أن يشترك أهل البيت الواحد في أضحية؟
هذا موضع خلاف بين أهل العلم ﵏:
مثال: نحن في البيت نشترك في أضحية أنا وأخي، أدفع أنا ٤٠٠ وأخي يدفع ٤٠٠، هذا موضع خلاف:
قيل: لا يجوز.
لان الأضحية قربة وعبادة فلا يجوز ايقاعها إلا على الوجه المشروع زمنًا وعددًا وكيفية.
ولو كان التشريك في الملك جائزا - في غير الإبل والبقر - لفعله الصحابة - فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، وفيهم فقراء كثيرون لا يستطيعون الأضحية كاملة - لو فعلوها لنقل عنهم.
وقيل: يجوز، وهو ظاهر كلام ابن القيم، والراجح عدم الجواز.
[ ١ / ٦٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاشتراك في الثواب:
أن يكون مالك الأضحية واحدًا ويشَرّك غيره من المسلمين في ثوابها فهذا جائز، وللإنسان أن يُشَرّك معه من شاء مهما كثر الأشخاص وفضل الله واسع.
عن عائشة (أن النبي -ﷺ- لما ذبح أضحيته قال: تقبل من محمد ومن آل محمد )
وعند أحمد (أن النبي -ﷺ- ضحى بكبشين أحدهما عنه وعن أهله والآخر عن أمته جميعًا).
وفي حديث أبي سعيد (يضحي بكبشين أحدهما عنه والآخر عمن لم يضح من أمته).
بابه واسع وأمره واسع.
• تجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته.
ويدل لذلك ما روته عائشة كما في صحيح مسلم أن النبي -ﷺ- أتى بالأضحية وقال: (يا عائشة هلمي المدية ثم قال: اشحذيها، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل عن محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى) فهذا يدل على أن الأضحية بالشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته.
وأيضًا حديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه أن النبي -ﷺ- ضحى بكبشين أحدهما عنه وعن آل محمد والآخر عن أمة محمد.
وأيضًا حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: كان الرجل في عهد رسول الله -ﷺ- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه.
• لو كان عنده أكثر من بيت كما لو كان له زوجتان أو ثلاث وعنده بيوت متعددة فإن ظاهر السنة أنه يكتفي بشاة واحدة لأن النبي -ﷺ- عنده تسعة أبيات ومع ذلك لم يعدد النبي -ﷺ- الأضحية.
[ ١ / ٦٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسائل:
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀:
فضيلة الشيخ: إذا كان الأب له أولاد وبعضهم متزوج، هل تكفي أضحية الأب عن الأبناء مع أن لهم زوجات، أم يذبح الوالد عن نفسه والولد عن نفسه والزوجة عن نفسها وكذلك كل من كان له مرتب؟ ما نصيحتك لمن كانوا عائلة في بيت واحد؟
الجواب: "إذا كانوا عائلة في بيت واحد كفتهم أضحية واحدة؛ لأن النبي ﷺ ضحى بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته، وكان نساؤه اللاتي معه تسع نساء، ومع ذلك ضحى عنهن بأضحية واحدة، أما إذا كان هؤلاء الأبناء كل واحد في بيت منفردٍ عن الآخر، فإن على كل واحد منهم أضحية، ولا تكفي أضحية الوالد عنهم".
أولًا: يجوز الذبح ليلًا من غير كراهة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهته واستدلوا بحديث رواه الطبراني.
والصحيح أنه لا يكره وهو قول الجماهير لعدم الدليل على الكراهة، وأما الحديث الوارد فهو لا يصح وقد عزاه الهيثمي للطبراني وقال: فيه راوٍ متروك.
ثانيًا: أن الأفضل في الأضحية الإبل ثم البقر ثم الغنم، وهذا مذهب جماهير العلماء.
لحديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في
الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا ..) متفق عليه.
قال النووي: "وفيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقرة، لأن الرسول -ﷺ- قدَّمَ الإبل، وجعلَ البقرة في الدرجة الثانية ".
قالوا: ولأن الأضحية ذبح يتقرب به إلى الله - وما دام أن المقصود هو التقرب فالبدنة أفضل.
قالوا: ولأنها أغلى ثمنًا وأكثر لحمًا وأنفع للفقراء.
قال ابن قدامة: " ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت البدنةُ فيه أفضل، كالهدي فإنه قد سلَّمَه ". ولأنها أكثر ثمنًا ولحمًا وأنفع.
ثالثًا: السنة أن يسمي ويقول الله أكبر.
[ ١ / ٦٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التسمية على الذبيحة شرط لا تصح بدونها، أما التكبير فهو سنة.
عن أنس -﵁- (أن النبي -ﷺ- كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما) وفي لفظ: (ذبحهما بيده). متفق عليه.
وفي رواية يقول (بسم الله، الله أكبر).
رابعًا: الأفضل أن يتولى ذبحها بنفسه إذا كان يجيد التذكية بنفسه.
ويدل لهذا أن النبي -ﷺ- ذبح ثلاث وستين بيده، ثم أمر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن يكمل الباقي.
وأيضًا إذا تولاها بنفسه الذبح هذا عبادة وقربة من أجل العبادات فيكون فعل هذه العبادة.
يعني إذا تولاها بنفسه يكون استفاد ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الإقتداء بالنبي -ﷺ-.
الفائدة الثانية: فعل هذه العبادة.
الفائدة الثالثة: أنه يطمئن إلى فعل هذه العبادة بشروطها الشرعية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "في إرسال الضحايا للخارج تفويت لمصالح عظيمة:
أولًا: إخفاء شعيرة من شعائر الله في بلادك وهي: الأضحية.
ثانيًا: يفوتك التقرب إلى الله تعالى بذبحها؛ لأن المشروع في الأضحية أن يباشر الإنسان ذبحها بيده، فإن لم يحسن فقال العلماء: يحضر ذبحها، وهذا يفوته.
ثالثًا: يفوتك ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأضحية إذا كانت عندك في البلد، فأنت الذي تذكر اسم الله عليها، وقد أشار الله إلى هذه الفائدة بقوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فتذهب أضحيتك إلى مكان بعيد لا تدري هل يذكر اسم الله عليها أم لا، وتحرم نفسك من ذكر اسم الله عليها.
رابعًا: يفوتك أن تأكل منها، لأنها إذا كانت في البوسنة والهرسك والشيشان والصومال وغيرها هل يمكن أن تأكل منها؟! لا. يفوتك الأكل منها وقد قال الله ﷿: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) فبدأ بالأكل، ولهذا ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن الأكل من الأضحية واجب، كما تجب الصدقة يجب الأكل، وهذا قطعًا يفوت إذا ضحيت في غير بلادك.
خامسًا: أنه يفوتك التوزيع المطلوب؛ لأن المطلوب في الأضحية أن تأكل وتهدي وتتصدق، وهذا يفوت، إذا وزعت هناك لا ندري أتوزع صدقة على الفقراء، أم هدية على أغنياء، أم هدية على قوم ليسوا بمسلمين؟
سادسًا: أنك تحرم أهل بلدك من الانتفاع بهذه الأضاحي، أن تقوم بالإهداء إلى جيرانك وأصحابك من الأضحية، وبالصدقة على فقراء بلدك، لكن إذا ذهبت هناك فات هذا الشيء.
سابعًا: أنك لا تدري هل تذبح هذه على الوجه الأكمل أو على وجه خلاف ذلك، ربما تذبح قبل الصلاة، وربما تؤخر عن أيام التشريق، وربما لا يسمِ عليها الذابح، كل هذا وارد، لكن إذا كانت عندك ذبحتها على ما تريد، وعلى الوجه الأكمل، ولهذا ننصح بألا تدفع الدراهم ليضحى بها خارج البلاد، بل تضحى هنا، وننصح -أيضًا- بأن من عنده فضل مال فليتصدق به على إخوانه المحتاجين في أي بلاد من بلاد المسلمين، ولتكن الأضحية له من غير غلو ولا تقصير". أ. هـ
[ ١ / ٦٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خامسًا: يجوز للمرأة أن تذبح الذبيحة.
فقد جاء في صحيح البخاري (أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسلع، فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذكتها بحجر، فسأل النبي -ﷺ- فقال: كلوها).
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "وفي هذا الحديث فوائد سبعة:
إحداها: إباحة ذبيحة المرأة.
الثانية: إباحة ذبيحة الأمة.
الثالثة: إباحة ذبيحة الحائض، لأن النبي -ﷺ- لم يستفصل.
الرابعة: إباحة الذبح بالحجر.
الخامسة: إباحة ذبح ما خيف عليه الموت.
السادسة: حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه.
السابعة: إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه ".
خامسًا: إذا دخلت العشر وأراد أحد أن يضحي فإنه يجب أن يمسك عن الأخذ من شعره وأظفاره.
عن أم سلمة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة - وفي لفظ: إذا دخلت العشر - وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره). رواه مسلم
وفي رواية: (لا يمس من شعره ولا بشره شيء).
• اختلف العلماء في النهي، هل هو للتحريم أم للكراهة، واختار الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ أن النهي للتحريم لأنه أصل في النهي).
• قال النووي: "والحكمة في النهي أن يبقى كامل الإجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم، قال أصحابنا: هذا غلط لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم) ".
سادسًا: الأضحية عن الميت استقلالًا.
• اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: أنها مشروعة.
لأنها نوع من الصدقة فما دام أن الصدقة تصح عن الميت بالإجماع فلتكن الأضحية تصح عن الميت كذلك.
[ ١ / ٦٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: غير مشروعة.
لأنه لم يثبت عن النبي -ﷺ- أنه ضحى عن الأموات وقد ماتت زوجته خديجة وهي أحب النساء ومات عمه حمزة وهو أحب أعمامه إليه ولم ينقل أنه ضحى عن واحد منهما.
• وأما إذا أوصى الميت بأضحية بثلث ماله فانه يجب على القائم على الوصية أن ينفذها.
فوائد:
أولًا: لا يصح حديث في فضل الأضحية.
قال الإمام ابن العربي المالكي: " ليس في فضل الأضحية حديثٌ صحيحٌ، وقد روى الناس فيها عجائب لم تصح، منها قوله: (إنها مطاياكم إلى الجنة ".
ثانيًا: اختلف العلماء في الأضحية للحاج على قولين:
الأول: ذهب جمهور أهل العلم، بما فيهم الشافعية والحنابلة والظاهرية، إلى أن الأضحية مشروعة في حق جميع الناس، أهل البوادي والحضر، المقيم والمسافر والحاج سواء، وبه قال الإمام البخاري.
وقال الإمام الشافعي: "الأضحية سنة على كل من وجد السبيل من المسلمين، من أهل المدن والقرى وأهل السفر والحضر والحاج بمنى وغيرهم، من كان معه هدي ومن لم يكن معه هدي ".
لعموم الأدلة الواردة في الأضحية وأنها تشمل جميع الناس بدوًا وحضرًا، المقيم والمسافر فيها سواء.
القول الثاني: أنه ليس على الحاج أضحية، وهذا مذهب مالك ورجحه الشنقيطي ﵀.
يرى الإمام مالك أن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحي جعله هديًا، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية، ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم.
[ ١ / ٦٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي، بعد أن ذكر الخلاف في المسألة - مرجحًا مذهب الإمام مالك ما نصه: " أظهر القولين دليلًا عندي في هذا الفرع قول مالك وأصحابه وإن خالفهم الجمهور، وأن الأضحية لا تسن للحاج بمنى، وأن ما يذبحه هدي لا أضحية، وأن الاستدلال بحديث عائشة المتفق عليه المذكور آنفًا لا تنهض به الحجة على مالك وأصحابه، ووجه كون مذهب مالك أرجح في نظرنا هنا مما ذهب إليه جمهور أهل العلم، هو أن القرآن العظيم دالٌ عليه، ولم يثبت ما يخالف دلالة القرآن عليه، سالمًا من المعارض من كتاب أو سنة، ووجه دلالة القرآن على أن ما يذبحه الحاج بمنى هدي لا أضحية، هو ما قدمناه موضحًا لأن قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا) فيه معنى أذن في الناس بالحج: يأتوك مشاةً وركبانًا لحكم. منها: شهودهم منافع لهم، ومنها: ذكرهم اسم الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ عند ذبحها تقربًا إلى الله، والذي يكون من حكم التأذين فيهم بالحج، حتى يأتوا مشاةً وركبانًا، ويشهدوا المنافع ويتقربوا بالذبح، إنما هو الهدي خاصة دون الأضحية لإجماع العلماء على أن للمضحي: أن يذبح أضحيته في أي مكان شاءه من أقطار الدنيا، ولا يحتاج في التقرب بالأضحية، إلى إتيانهم مشاة وركبانًا من كل فج عميق، فالآية ظاهرة في الهدي، دون الأضحية، وما كان القرآن أظهر فيه وجب تقديمه على غيره ".
[ ١ / ٦٠٧ ]