م/ ومن كان له دين ومال لا يرجو وجوده كالذي على مماطل أو معسر لا وفاء له فلا زكاة فيه.
ذكر المصنف - ﵀ - زكاة الديون، والديون تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون الدين مما لا يرجو وجوده، كأن يكون عند مماطل أو يكون عند معسر لا وفاء له، فهذا لا زكاة فيه كما قال المصنف ﵀.
لأنه يجب إنظار المعسر إلى الميْسرة بنص القرآن، ولو وجبت الزكاة على صاحب المال في هذه الحال، فإن ذلك سيخالف
المقصود من إمهال المعسر، لأنه يترتب على ذلك أن يضيق صاحب الدين على المعسر.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا قول المالكية، واختاره الشيخ ابن عثمين ﵀.
وقيل: لا يزكيه بل يستقبل به حولًا جديدًا، وهذا اختيار المصنف السعدي - ﵀ - كما ذكره هنا، وهذا القول هو الراجح، لعدم تمام الملك، ولأنه غير مقدور على الانتفاع به، بل يستقبل به حولًا جديدًا.
• والمماطل هو: من يؤخر السداد الذي عليه بغير حق.
[ ١ / ٤١٥ ]
م/ وإلا ففيه الزكاة.
أي كان عند مليء باذل فتجب فيه الزكاة.
• المليء: هو القادر على السداد بقوله وبماله وببدنه.
[بقوله] أن يكون مقرًا به [بماله] بأن يكون باذلًا لا جاحدًا، [ببدنه] بأن يحضر إذا طلب حضوره.
الدليل على أنه تجب فيه الزكاة:
لأن هذا الرجل قادر على قبضه والانتفاع به، وهو مملوك له، فلزمته زكاته كسائر أمواله، لأن الدين الذي عند المليء كالدراهم التي في جيبك.
لكن اختلفوا في الوقت الذي تخرج فيه الزكاة؟
القول الأول: زكاته لا تلزمه حتى يقبضه، فإذا قبضه أدى زكاته ما مضى من السنين.
قالوا: هذا المروي عن بعض الصحابة كعلي.
ولأن هذا الدين ثابت في الذمة، فلا يلزمه إخراجه قبل القبض كما لو كان على غير مليء.
ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مالٍ لا ينتفع به.
القول الثاني: أنه يجب عليه أن يخرج زكاته في كل حول ولو لم يكن هذا المال عنده.
وهذا مذهب الشافعي، والقول الأول أقوى (وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله فلا بأس لأنه أسرع في إبراء الذمة).
• مسألة:
من كان عليه دين وعنده مال زكوي فهل تجب في هذا المال زكاة أم لا، اختلف العلماء:
القول الأول: أن الديْن يمنع الزكاة.
وهذا قول الجمهور.
واستدلوا بقول عثمان: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده).
وقالوا: إن هذا الشخص المدين (الذي دينه أكثر من ماله) مما يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيرًا فلا تجب عليه الزكاة.
وقالوا: إن الزكاة وجبت مواساة للفقراء وشكرًا لنعمة الغنى، وهذا المدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير، وليس من الحكمة تعطيل حاجة هذا المالك لحاجة غيره.
القول الثاني: أن الدين لا يمنع الزكاة.
واختاره الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين.
لعموم الأدلة في وجوب الزكاة في كل مال بلغ النصاب.
ولأن النبي -ﷺ- كان يبعث السعاة إلى أصحاب المزارع ولم يستفصل ﵊، مع أن الغالب أن عليهم ديون، وهذا القول هو الصحيح.
مثال: إنسان عنده (٢٠. ٠٠٠) ريال وعليه دين (٣٠. ٠٠٠) ريال، فهل الـ (٢٠. ٠٠٠) التي عنده فيها زكاة أم لا؟
[ ١ / ٤١٦ ]
م/ ويجب الإخراج من وسط المال، ولا يجزئ من الأدون، ولا يلزم الخيار إلا أن يشاء ربها.
أي: أن الواجب في إخراج الزكاة أن يكون من وسط المال، فلا يجوز إخراج الرديء.
لقوله تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ).
وفي حديث أنس أن النبي -ﷺ- قال (لا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق)
[الهرمة] الكبيرة وسقطت أسنانها. [ذات عوار] يعني معيبة، كالعوراء البين عورها، والعمياء.
ولأن في ذلك إضرارًا بالفقراء.
• ولا يلزم الخيار إلا أن يشاء ربها، أي: لا يجب إخراج الخيار وهو الأجود والأعلى إلا إذا شاء ربها صاحبها.
لقوله -ﷺ- لمعاذ (إياك وكرائم أموالهم) متفق عليه.
ولأن في ذلك إضرارًا بصاحب المال.
﴿كرائم﴾ جمع كريمة، وهي النفيسة الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم وصوف، وهي التي تتعلق نفس صاحبها.
• إلا إذا شاء صاحبها أن يخرج كريمة فله الخيار.
[ ١ / ٤١٧ ]
م/ وحديث أبي هريرة مرفوعًا (في الركاز الخمس) متفق عليه.
[الركاز] ما وجد في دِفن الجاهلية، ويعرف أنه من الجاهلية إما باسم مَلِك من ملوكهم، أو ذكر تاريخ يدل على السنة أو نحو ذلك من العلامات.
• الحديث دليل على وجوب الخمس في الركاز للحديث الذي ذكره المصنف ﵀.
• أن الركاز لواجده لأنه أحق به، ولفعل عمر وعلي، فإنهما دفعا باقي الركاز لواجده.
• أن الركاز ليس له نصاب، فيزكى قليله وكثيره.
• وقت إخراج زكاته من حين العثور عليه، فلا ينتظر دوران الحول عليه.
• مصرفه يكون لمصالح المسلمين العامة [بيت المال] ولا يخص به الأقسام الثمانية.
[ ١ / ٤١٨ ]