الاستسقاء: طلب نزول المطر عند التضرر بفقده.
وأما حكمها فقد قال المصنف ﵀.
م/ وصلاة الاستسقاء سنة إذا اضُطرّ الناسُ لفقدِ الماء.
أي: أن صلاة الاستسقاء حكمها سنة عند وجود سببها وهو: تأخر نزول المطر وجدب الديار وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: "صلاة الاستسقاء سنة عند الحاجة إليها سنة مؤكدة، لأن النبي -ﷺ- فعلها وكذلك خلفاؤه، وهذا قول سعيد بن المسيب وداود ومالك والشافعي".
عن عبد الله بن زيد قال (خرج رسول الله -ﷺ- إلى المصلى يستسقي، فاستسقى واستقبل القبلة، وقلب رداءه وصلى ركعتين) متفق عليه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ). رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ
وقال أبو حنيفة: "لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج إليها، لأن النبي -ﷺ- استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يخرج ولم يصل ".
وقول الجمهور هو الصحيح، فقد ثبتت الأحاديث في الصحيحين وغيرهما أن النبي -ﷺ- صلى الاستسقاء ركعتين.
[ ١ / ٢٦٩ ]
م/ وتفعل كصلاة العيد في الصحراء.
أي: أن صلاة الاستسقاء صفتها كصلاة العيد، فتسن في الصحراء.
لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ﴿شَكَا اَلنَّاسُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ- قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي اَلْمُصَلَّى، وَوَعَدَ اَلنَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ اَلشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اَللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدَبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اَللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى اَلنَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى اَلنَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اَللَّهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
م/ ويخرج إليها متخشعًا متذللًا متضرعًا.
أي: ويسن أن يخرج لصلاة الاستسقاء متخشعًا متذللًا متضرعًا.
لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ). رواه أبوداود.
[متخشعًا]: التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء [متذللًا] التذلل الخضوع والتذلل إلى الله وإظهار الذل، وهو الهوان، وهو أشد من التواضع. [متضرعًا] التضرع الابتهال إلى الله في الدعاء مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله.
• أن يكون متواضعًا، متخشعًا، متذللًا، لأنه يوم استكانة وخضوع، واستحب الفقهاء أن يخرج أهل الدين والشيوخ
[ ١ / ٢٧١ ]
م/ فيصلي ركعتين.
أي أن صلاة الاستسقاء ركعتان، قال النووي: بإجماع المثبتين لها.
قال ابن قدامة: "لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافًا في أنها ركعتان".
كما في حديث ابن عباس السابق (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ ).
وصفة الصلاة كصلاة العيد، يكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستًا، وفي الثانية خمسًا، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بالأعلى، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية.
[ ١ / ٢٧٢ ]
م/ ثم يخطب خُطبةً واحدة.
أفاد المؤلف أن الخطبة بعد الصلاة، وأنها خطبة واحدة، وقد اختلف العلماء متى الخطبة على أقوال:
القول الأول: أن الخطبة قبل الصلاة. (كالجمعة).
روي ذلك عن عمر، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وذهب إليه ابن عبد البر.
لحديث عائشة السابق (… فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم … ثم نزل فصلى) فهو نص أنه خطب قبل الصلاة.
ولحديث عبد الله بن زيد، وفيه: (… فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين).
القول الثاني: أن الخطبة بعد الصلاة. (كالعيد).
وهذا مذهب الجمهور، المالكية والشافعية والحنابلة، قال النووي: وبه قال الجماهير.
لحديث ابن عباس وقد سبق: (خرج متضرعًا … فصلى كما يصلي العيد).
القول الثالث: أنه مخير، واختار هذا الشوكاني، لورود الأخبار بكلا الأمرين.
[ ١ / ٢٧٣ ]
م/ ويكثر فيها: الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به.
أي يسن أن يكثر في الخطبة من الاستغفار، ويقرأ الآيات التي فيها الأمر به، فيقول: اللهم اغفر لنا، اللهم إنا نستغفرك، لأن الاستغفار سبب لحصول الخيرات والبركات.
كما قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).
وقال تعالى (فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ).
وقال تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً).
[ ١ / ٢٧٤ ]
م/ ويلح في الدعاءِ ولا يستبطئ الإجابة.
أي: أنه يسن للخطيب أن يدعو في خطبته ويلح في الدعاء، لأن الإلحاح في الدعاء سبب للاستجابة.
لحديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: قد دعوت ربي، فلم يُستجبْ لي) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم …، مالم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ، فلم أر من يَستجبْ لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)
وعنه. قال: قال -ﷺ- (لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، .. ليعزم المسألة فإن الله لا مُكرِه له) متفق عليه.
[ ١ / ٢٧٥ ]
م/ وينبغي قبلَ الخروجِ إليها، فعلُ الأسباب التي تدفع الشر وتنزل الرحمة كالاستغفار.
أي: وينبغي قبل الخروج لصلاة الاستسقاء أن يحرص المسلم على فعل الأسباب التي تدفع الشر وتنزل الرحمة كالاستغفار.
كما سبق في الآيات الماضية.
[ ١ / ٢٧٦ ]
م/ والتوبة.
أي وينبغي له أن يتوب إلى الله من المعاصي والذنوب، فإن ما وقع من شر وبلاء إلا بسبب الذنوب والمعاصي كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وقال تعالى (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا).
[ ١ / ٢٧٧ ]
م/ والخروج من المظالم.
أي: وترك المظالم، وهذا من عطف الخاص على العام، وذلك لأن الخروج من المظالم من التوبة.
والمظلمة تشمل المظلمة في حق الله، والمظلمة في حق العباد.
أمثلة مظالم في حق الله: عدم إخراج الزكاة، أو عدم إخراج كفارة عليه.
أمثلة مظالم في حق العباد: عدم إرجاع حقوق الناس، وأكل أموال الفقراء والمساكين والناس بأي طريق محرم، وعدم إعطاء العمال أجورهم وغيرها.
وأيضًا ترك التشاحن فإن التشاحن سبب لرفع الخير كما في حديث عبادة (أن النبي -ﷺ- خرج ليخبر بليلة القدر وإنه تلاحى فلان وفلان وإنها رفعت وعسى أن يكون خيرًا ).
[ ١ / ٢٧٨ ]
والإحسان إلى الخلق.
لأن الإحسان إلى الناس كالصدقة سبب لرحمة الله كما قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، والمراد بالصدقة هنا الصدقة المستحبة، أما الصدقة الواجبة (وهي الزكاة) فهذه لابد من إخراجها في وقتها، لأن منعها سبب لمنع القطر من السماء، كما قال -ﷺ- (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)
مسائل:
يستحب للإمام وللمأمومين أن يحولوا أرديتهم في الاستسقاء، وهذا قول أكثر العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة.
فقد جاء في مسند أحمد من حديث عبد الله بن زيد: (… ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهْرًا لبطن وتحول الناس معه). هذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرح التحديث فانتفت شبهة تدليسه.
أن ما ثبت في حقه -ﷺ- ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على اختصاصه، ولأن العلة واحدة وهي التفاؤل.
الحكمة من تحويل الرداء: التفاؤل بتغير الحال من قحط إلى مطر - التأسي بالنبي -ﷺ- - كأن العبد يعاهد ربه بأن يقلب حاله من المعصية إلى الطاعة.
• لا يستحب صيام ذلك اليوم، وقول بعضهم يستحب قول ضعيف، لأن النبي -ﷺ- لم يأمر بذلك، وهذا إحداث في الدين
أوقات النهي
[ ١ / ٢٧٩ ]
م/ وأوقات النهي عن النوافل المطلقة: من الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، ومن صلاة العصر إلى الغروب، ومن قيام الشمس في كبد السماء إلى أن تزول.
سيتكلم المصنف - ﵀ - عن أوقات النهي عن الصلاة.
الأصل في صلاة التطوع أنها مشروعة دائمًا، لعموم قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون).
وعن ربيعة بن كعب -﵁- قال (قال لي رسول الله -ﷺ- سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.
لكن هناك أوقاتًا نهى الشارع عن الصلاة فيها، وهي:
أ- بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس قيد رمح.
ب- وعند قيامها حتى تزول.
ج- ومن بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ).
ولحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قالَ (لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ) متفق عليه.
ولحديث عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب) رواه مسلم.
وحكم الصلاة في هذه الأوقات أنها مكروهة وهذا مذهب الجمهور، وادعى النووي الاتفاق على ذلك.
وقال بعض العلماء بالجواز، قال الحافظ: وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم. قالوا: أن أحاديث النهي منسوخة، والراجح قول الجمهور.
متى يبدأ وقت النهي؟ هل يبدأ بعد دخول الوقت أو بعد الصلاة؟
[ ١ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما العصر فيبدأ بعد الصلاة بلا خلاف، لحديث أبي سعيد (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس).
وأما الفجر فقد اختلف العلماء:
فقيل: إن النهي يبدأ بطلوع الفجر، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، لحديث: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين). رواه أبو داود
القول الثاني: أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر، وهذا مذهب جمهور العلماء، فقد ثبت في صحيح مسلم تعليق الحكم بنفس الصلاة: (لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس).
وعن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال: (قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصلّ ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح)، فهذا نص في أنه يصلي في آخر الليل إلى أن يصلي الفجر.
وهذا القول هو الصحيح، وعليه فالوقت الذي بين الأذان والإقامة ليس وقت نهي، لكن لا يشرع فيه سوى ركعتي الفجر ولهذا خففهما النبي -ﷺ-.
الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:
قال ابن القيم: " … وكان من حكمة ذلك أنها وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدًا لذريعة المشاركة الظاهرة ".
• وقول المصنف (النوافل المطلقة) دليل على أن النوافل التي لها سبب لا تدخل تحت النهي، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء (هل تفعل الصلوات ذات السبب في وقت النهي أم لا، تحية المسجد، صلاة الكسوف، سنة الوضوء، صلاة الاستخارة) على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد.
لعموم الأدلة التي تنهى عن الصلاة في وقت النهي (لا صلاة بعد الصبح ) (لا صلاة بعد العصر …).
القول الثاني: يجوز في أوقات النهي فعل ماله سبب.
وهذا مذهب الشافعي، ورجحه كثير من المحققين كابن تيمية وابن القيم.
لحديث بلال: (أن النبي -ﷺ- قال له: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك أمامي في الجنة؟ فقال بلال: ما عملت في الإسلام عملًا أرجى عندي من أني أتطهر طهورًا من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما شاء الله). متفق عليه
فدل على أنه يصلي ركعتي الوضوء في أي وقت، ولم ينكر عليه.
[ ١ / ٢٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديث (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) متفق عليه.
أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات السبب خاصة، والخاص مقدم على العام.
أن الصلوات ذات السبب مقرونة بسبب فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين، لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لئلا يتشبه المصلي المسلم بالمشركين، فإذا كانت الصلاة لها سبب معلوم، كانت المشابهة بعيدة.
أن في بعض ألفاظ أحاديث النهي: (لا تتحروا الصلاة).
والذي يصلي لسبب لا يقال أنه يتحرى، بل يقال صلى لسبب، وهذا القول هو الراجح.
• هناك صلوات تفعل في أوقات النهي؟
أولًا: قضاء الفرائض، كأن ينسى الإنسان الصلاة الفريضة ويتذكرها وقت النهي، فإنه يجب أن يصليها.
لقوله -ﷺ-: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
ولأن الفرائض من أوجب الواجبات، وهي دين فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به.
ثانيًا: إعادة الجماعة.
بحيث إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى، يستحب له أن يصلي معهم ولو كان وقت نهي.
لحديث يزيد بن الأسود: (أنه صلى مع رسول الله -ﷺ- صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله -ﷺ- إذ هو برجلين لم يصليا فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصلِّ فصليا معه، فإنها لكما نافلة). رواه أبو داود
[ ١ / ٢٨٢ ]