م/ والمريض يعفى عنه حضور الجماعة.
أي: أن من كان مريضًا فإنه يجوز له التخلف عن صلاة الجماعة في المسجد ويدل لهذا:
لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).
وقال -ﷺ-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
وقال ابن مسعود (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض) رواه مسلم.
المقصود بالمرض الذي يشق معه الحضور، بخلاف المرض الخفيف كصداع في الرأس يسير ونحوه.
[ ١ / ٣٠٢ ]
م/ وإذا كان القيامُ يزيدُ مرضه صلى جالسًا.
ذكر المصنف - ﵀ - في هذا الباب كيفية صلاة المريض، فذكر - ﵀ - أنه يجب أن يصلي قائمًا إذا كان يستطيع لأن القيام ركن في الفريضة، لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ).
ولقوله في حديث عمران (صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فصل جالسًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
• قوله (إذا كان القيام يزيد مرضه) أي إذا لم يستطع أن يصلي قائمًا ولو كهيئة الراكع، أو كان معتمدًا على عصا أو عمود أو جدار فإنه يصلي جالسًا، وكذلك إذا يلحقه بالقيام مشقة شديدة، كأن يتألم ألمًا شديدًا.
• وقوله (صلى جالسًا) لم يبين صفة القعود، فدل على أنه كيف قعد جاز، سواء تربع أو افترش.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التربع أفضل، وهذا مروي عن ابن عمر وأنس، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد.
لحديث عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ (رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ
وقيل: أن الافتراش أفضل، وهذا مذهب الشافعي.
لأن عائشة وصفت صلاة النبي -ﷺ- جالسًا ولم تذكر كيفية قعوده، وقيل: أنه مخير. وهذا مروي عن عروة وابن المسيب. قالوا: أنه لم يثبت شيء في ذلك، فالإنسان إذًا مخير، ولأن عائشة وصفت صلاة النبي -ﷺ- جالسًا ولم تذكر كيفية قعوده، والراجح الأول، لأن في التربع أريح وأطمن، وليحصل التفريق بين قعود القيام والقعود الذي في محله.
فالخلاصة: في حال التشهد والجلوس يجلس مفترشًا إذا كان لا يشق عليه، وفي حال القيام يجلس متربعًا.
• اختلف العلماء إذا كان المريض: إن ذهب للمسجد صلى قاعدًا، وإن صلى في بيته صلى قائمًا، فأيهما أفضل؟
قيل: يخير بينهما، وقيل: يصلي في بيته قائمًا، لأن القيام ركن.
وقيل: بل يذهب للمسجد، وإن استطاع القيام صلى قائمًا وإلا صلى جالسًا.
لأن الإنسان مأمور بحضور الجماعة، وصلاته جالسًا لا بأس بها لأنه معذور.
ولقول ابن مسعود: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين).
وهذا القول هو الصحيح، واختاره الشيخ السعدي حيث قال: أنه يحضر الجماعة ويصلي جالسًا، لأن مصالح حضور الجماعة لا يوازيها شيء من المصالح، وأيضًا إذا وصل محل الجماعة وصار عاجزًا عن القيام لم يكن واجبًا عليه، وكان جلوسه في حقه بمنزلة القيام في حق القادر، فقد حصّل مصالح الجماعة ولم تفته مصلحة القيام.
[ ١ / ٣٠٣ ]
م/ فإن لم يُطقْ فعلى جنب.
أي: إذا لم يستطع أن يصلي جالسًا صلى على جنبه، وهذه هي المرتبة الثالثة، لحديث عمران السابق (… فإن لم تستطع فصل جالسًا، فإن لم تستطع فعلى جنب).
• وظاهر الحديث يدل على أنه مخير بين الجنب الأيمن والأيسر، والأفضل أن يفعل ما هو أيسر له، فإن تساويا فالأيمن أفضل.
• ويومئ برأسه إلى الصدر، يومئ قليلًا في الركوع، ويومئ أكثر في السجود.
• فإن لم يستطع أن يصلي على جنب فإنه يصلي مستلقيًا، ويكون على ظهره ورجلاه إلى القبلة، لأن فيه نوع استقبال، ولأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم، إذ لو قام تكون القبلة أمامه.
• وتكون صلاته بالإيماء، فإذا صلى جالسًا واستطاع أن يسجد على الأرض سجد وإلا أومأ إيماءً، فإن كان على جنبه أو مستلقيًا فإن الإيماء يكون بالرأس إلى الصدر، لأن الإيماء إلى الأرض فيه نوع التفات عن القبلة، فيومئ برأسه إلى صدره قليلًا للركوع، ويؤمئ أكثر للسجود.
• اختلف العلماء إذا عجز عن الإيماء برأسه: فقيل: يومئ بالعين، فيغمض قليلًا للركوع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده فتح طرفه فإذا سجد أغمض أكثر، لأن العقل باقي، وقيل: تسقط عنه الصلاة، لعجزه عنها، وهذا اختيار ابن تيمية وقال: هذا القول أصح في الدليل، لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع من السجود، ولا القيام من القعود، وقيل: تسقط الأفعال دون الأقوال، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: (تسقط عنه الأفعال لأنها هي التي كان عاجزًا عنها، وأما الأقوال فإنها لا تسقط عنه، لأنه قادر عليها وقد قال الله ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ فنقول: كبر واقرأ وانو الركوع فكبر وسبح تسبيح الركوع، ثم انو القيام وقل: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم انو السجود .. إلى آخره).
• قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما الإشارة بالإصبع كما يفعله بعض المرضى فليس بصحيح، ولا أعلم له أصلًا من الكتاب والسنة ولا من أقوال أهل العلم".
[ ١ / ٣٠٤ ]