لغة: القصد، يقال حج كذا بمعنى قصد.
واصطلاحًا: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص.
م/ وَالأَصْلُ فِيهِ قُولُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلِيهِ سَبِيلًا).
وحكمه واجب بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ- (بني الإسلام على خمس: وذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلًا).
وأجمعت الأمة على وجوبه، وأجمعت الأمة على كفر من جحد وجوبه.
واختلفوا فيمن تركه تهاونًا وكسلًا هل يكفر أم لا على قولين:
القول الأول: أنه يكفر.
وهذا مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير وهو أحد القولين عن ابن عباس.
واستدلوا بقوله تعالى (.. ومن كفر ..) والكفر هنا الكفر الأكبر.
ولحديث علي. قال: قال -ﷺ- (من ملك زادًا وراحلة فلم يحج، مات يهوديًا أو نصرانيًا) رواه الترمذي وهو ضعيف.
القول الثاني: أنه لا يكفر.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.
وأما الجواب عن الآية (ومن كفر) قالوا: من قال إن الحج ليس بفرض فهذا هو الكافر، وقيل: أي من زعم بأنه مخير بين الفعل والترك فهذا هو الكافر.
وهو واجب في العمر مرة واحدة:
قال النووي: أجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة إلا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر بشرطه.
لحديث أبي هريرة -﵁- قال (خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا: فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله -ﷺ- حتى قالها ثلاثًا: فقال النبي -ﷺ-: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) رواه مسلم، وفي رواية: (الحج مرة، وما زاد فهو تطوع).
وفضله عظيم وأجره كبير:
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (والحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة) متفق عليه.
• قال العلماء: الحج المبرور هو الذي جمع أوصافًا، أن يكون خالصًا لله - وأن يجتنب المحظور - وأن يكون بمال حلال.
وعنه قال: قال رسول الله -ﷺ- (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه
[فلم يرفث] أي الجماع ومقدماته، [ولم يفسق] الفسوق: جميع أنواع المعاصي من قول أو فعل.
• لو اقتصر الحاج على الواجبات دون المستحبات مع تركه المحرمات والمكروهات فهل يكون حجه مبرورًا؟ الجواب: نعم، لكن يزداد برًا بفعل المستحبات.
• اختلف العلماء فيما إذا حج بمال حرام، فجمهور العلماء أن ذلك يجزئ وهو غير مبرور.
[ ١ / ٤٨٨ ]
م/ وَالِاسْتِطَاعَةُ: أَعْظَمُ شُرُوطِهِ، وَهِيَ: مِلْكُ اَلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
ودليلها قوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
وقد فسر المصنف الاستطاعة بالزاد والراحلة، وهذا ما عليه جمهور العلماء.
لحديث أنس (أن النبي -ﷺ- فسرها لما قيل له ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة) رواه الدارقطني والحاكم وهذا الحديث مختلف في صحته، وله طرق كثيرة، قال الشوكاني: "ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها". وقال الشنقيطي: "حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج ".
وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها، وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في تفسير السبيل أنه قال: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به، وسنده صحيح.
والمراد بالزاد: ما يتزود به، وهو في الأصل الطعام الذي يُتخذ للسفر، والمراد هنا: ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، والراحلة: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها.
لكن اشترط المصنف لذلك شرطًا؛ فقال:
[ ١ / ٤٨٩ ]
م/ بَعْدَ ضَرُورَاتِ اَلْإِنْسَانِ وَحَوَائِجِهِ اَلْأَصْلِيَّةِ.
أي أن تكون الراحلة والزاد فاضلةً وزائدة عن حاجاته الضرورية التي يحتاجها له ولعياله، وكذلك ما يتعلق بالسكن والخادم وكذلك الديون.
ودليل ذلك قوله -ﷺ- (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول).
وقال -ﷺ- (كفى بالمرء إثمًا أن يُضيعَ من يقوت).
ولأن ذلك مقدم على الدين فكان تقديمه على الحج من باب أولى.
• وحج المدين له أحوال:
أولًا: أن تكون قيمة الحج تغطي ديونه فيجب عليه والحالة هذه أن يقضي الديون، فيكون في هذه الحالة غير مستطيع للحج فيسقط عنه.
ثانيًا: أن تكون قيمة الحج لا تغطي الديون ولكنها تخفف شيئًا كثيرًا، فالأولى أن يدفع قيمة الحج للغرماء.
ثالثًا: أن تكون قيمة الحج لا تغطي شيئًا بالنسبة للديون، قيل: إنه يحج لأن الحج مجلبة للرزق كما في حديث [تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ].
وقيل: بل يسدد دينه ولا يحج لخطر الدين لو كان قليلًا.
• إذا تُبرع له بمال هل يلزمه أخذه؟ الجواب: لا يلزمه لأنه قد يكون فيه منَّة من الناس، وإن أخذه جاز ولكن لا يجب عليه.
• هل يجوز أخذ المال من أجل الحج؟ قال ابن تيمية - ﵀ -: يأخذ ليحج لا يحج ليأخذ.
وعليه:
• فمن كان قادرًا بماله وبدنه: فهذا يلزمه أن يحج بنفسه، ومن ليس عنده مال ولا راحلة فلا يجب عليه الحج.
• ومن كان قادرًا بماله دون البدن: كأن يكون مريض: فهذا يقسمه العلماء إلى نوعين:
الأول: مرض يرجى برؤه: فإنه يصبر حتى يزول مرضه وتسقط الفورية عنه لعجزه.
الثاني: مرض لا يرجى برؤه: فإنه يجب أن يقيم من يحج عنه.
لحديث ابن عباس ﵄ (أن امرأة خثعمية سألت النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباد في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم) متفق عليه.
[ ١ / ٤٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا الحديث فيه فوائد:
أولًا: جواز حج المرأة عن الرجل.
ثانيًا: أن من لا يستطيع الحج لمرض لا يرجى زواله وكان قادرًا ماليًا فإنه يجب عليه أن ينيب من يحج عنه.
واشترط بعض العلماء أن يقيم عنه نائبًا من بلده، فإن كان هذا المريض الذي لا يستطيع الحج من الرياض فإنه يجب أن يخرج نائبًا من الرياض، والصحيح أنه لا يلزم، لأمرين:
أولًا: أن السفر إلى مكة ليس مقصودًا لذاته.
ثانيًا: أن النبي -ﷺ- أجاز النيابة في الحج ولم يشترط أن يكون من بلده، ولو كان شرطًا لبيّنه.
ويشترط أيضًا أن يكون هذا النائب قد حج عن نفسه، لحديث ابن عباس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: " مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ: أَخٌ [لِي]، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: " حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ، وهذا الصحيح أنه موقوف كما حكم بوقفه ابن المنذر وغيره، والصحيح أنه موقوف، لكن ما دل عليه هذا الموقوف هو الصحيح، لوجوه:
أولًا: أنه قول صحابي لم يثبت خلافه.
ثانيًا: أنه الأصل، فالأصل أن يحج الإنسان عن نفسه قبل أن يحج عن غيره.
ثالثًا: أن الله قد خاطب هذا المكلف وأمره أن يؤدي هذا الفرض، فكيف يذهب يؤدي فرض غيره، والله قد خاطبه بنفسه (ولله على الناس ).
[ ١ / ٤٩١ ]
م/ وَمِنْ اَلِاسْتِطَاعَةِ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ إِذَا اِحْتَاجَ لِسَفَرٍ.
من شروط وجوب الحج على المرأة أن يكون لها محرم، وهذا شرط للوجوب، فإن لم يكن لها محرم فلا يجب عليها الحج لأنها غير مستطيعة.
لأن الله يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا). قال الإمام أحمد: المحرَم من السبيل.
• ولو ماتت وهي قادرة بمالها لكنها لم تجد محرمًا فلا يجب إخراج الحج من تركتها، لأن الحج لم يجب عليها.
والدليل على أنه لابد من المحرَم:
لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب يقول (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك) متفق عليه.
• فالمرأة لا يجوز لها أن تسافر لحج أو غيره إلا مع محرم لها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، جميلة أو قبيحة، معها نساء أو لوحدها، لأن النبي -ﷺ- قال للرجل: انطلق فحج مع امرأتك ولم يستفصل.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه للمرأة أن تحج فرضها مع النساء الثقات لكن هذا القول ضعيف.
• هل يجب على زوجها أن يحج معها أم لا؟ قولان للعلماء:
قيل: يجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، للحديث السابق في قول النبي -ﷺ- للرجل (انطلق فحج مع امرأتك).
وقيل: لا يجب، وهذا أصح، لكن لا يجوز له أن يمنعها عن حج الفرض، وأما حديث (انطلق فحج …) فهذا لأنها شرعت في الحج.
• شروط المحرم:
أن يكون مسلمًا: فإن كان كافرًا فليس بمحرم، (أما الأب الكافر فإنه محرم لابنته المسلمة بشرط أن يؤمن عليها).
أن يكون بالغًا: فالصغير لا يكفي أن يكون محرمًا؛ لأن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك.
أن يكون عاقلًا: فالمجنون لا يصح أن يكون محرمًا ولو كان بالغًا، لأنه لا يحصل من المجنون حماية المرأة وصيانتها.
[ ١ / ٤٩٢ ]
م/ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي حَجِّة اَلنَّبِيِّ -ﷺ- يَشْتَمِلُ عَلَى أَعْظَمِ أَحْكَامِ اَلْحَجِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ - رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا -.
حديث جابر أخرجه مسلم في كتاب الحج رقم (١٢١٨) وقد وصف جابر في هذا الحديث صفة حجة النبي -ﷺ- منذ خروجه.
قال النووي: " حديث جابر، وهو حديث عظيم حوى على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر ابن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه " [انتهى كلامه].
[ ١ / ٤٩٣ ]
م/ أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- مَكَثَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي اَلنَّاسِ فِي اَلْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ حَاجٌّ.
أذن في الناس: أي أعلم الناس.
أي أن النبي -ﷺ- بعد هجرته لم يحج إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة، وأما الأحاديث الواردة أنه -ﷺ- حج حجتين بعد الهجرة كلها منكرة، وجزم بنكارتها الإمام البخاري، وأحمد، والترمذي وطائفة من المحدثين.
• وقد فرض الحج في السنة التاسعة، وفرض بقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة وحج النبي -ﷺ- في السنة العاشرة من الهجرة.
وذهب بعض العلماء إلى أنه فرض في السنة السادسة، وقال بعضهم في السنة الثامنة، والصحيح أنه فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى (ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
فإن قيل: لماذا لم يحج النبي -ﷺ- في السنة التاسعة؟
فالجواب:
أولًا: بسبب كثرة الوفود، ولذلك تسمى السنة التاسعة سنة الوفود.
ثانيًا: لأنه من المتوقع أن يحج في السنة التاسعة المشركون.
• وفي هذه السنة - السنة التاسعة - بعث النبي -ﷺ- أبا بكر ليحج بالناس، فعن أبي هريرة. قال (بعث النبي -ﷺ- أبا بكر ليحج بالناس قبل حجة الوداع، فبعثني أبو بكر: أن أنادي في الناس: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه.
• أنه يستحب للإمام إيذان الناس وإعلامهم بالأمور المهمة والعظيمة ليتأهبوا لها.
[ ١ / ٤٩٤ ]
م/ فَقَدِمَ اَلْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ-، وَيَعْمَلُ مِثْلَهُ فَخَرَجْنَا مَعَهُ.
أي أن حجة النبي -ﷺ- كانت في السنة العاشرة، وتسمى (حجة الوداع) وسميت بذلك لأن النبي -ﷺ- ودع فيها الناس.
• قوله (فقدم المدينة بشر كثير) ذكر بعض أهل السير: أن الذين قدموا مع النبي -ﷺ- في حجته نحو من مائة وعشرين ألفًا.
• قوله (فخرجنا معه) كان خروجه من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة في يوم السبت، وقدم مكة يوم الأحد رابع ذي الحجة، فيكون -ﷺ- مكث في الطريق ثمان ليال.
• وفي هذا دليل على حرص الصحابة على العلم بأفعال النبي -ﷺ- لاتباعه والتأسي به -﵇-، ويستفاد من ذلك الحث على صحبة أهل العلم والفضل في الأسفار ولا سيما في الحج، لما في ذلك من الخير الكثير من الاستفادة من علمهم وأخلاقهم، إضافة إلى حفظ الوقت وصرفه فيما ينفع ويفيد.
• وفي هذا دليل على أن الحج على الفور، ولذلك الصحابة بادروا ولم يؤخروا الحج إلى قابل، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان المستطيع أن يتهاون به.
لقوله -ﷺ- (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
وقال -ﷺ- (من أراد الحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة، وتكون الحاجة) رواه أحمد وصححه الألباني.
وقد قال تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم …).
وذهب بعض العلماء إلى أن الحج على التراخي وليس على الفور وقالوا: إن الحج فرض في السنة السادسة ولم يحج النبي -ﷺ- إلا في السنة العاشرة، لكن هذا القول ضعيف، والحج إنما فرض في السنة التاسعة وحج النبي -ﷺ- في السنة العاشرة لوجود المشركين في السنة التاسعة ولانشغاله بالوفود في هذه السنة كما تقدم.
[ ١ / ٤٩٥ ]
م/ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ.
ذو الحليْفة: هو ميقات أهل المدينة، وهو من المواقيت المكانية.
وأهل العلم يقسمون المواقيت إلى قسمين: مواقيت مكانية، ومواقيت زمانية.
المواقيت المكانية: هي الأماكن التي يحرم منها الحاج. وقد بيّنها النبي -ﷺ-.
عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اَلْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[وقت] حدد. [ذا الحليفة] مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين. قال النووي: وهي أبعد المواقيت من مكة، بينهما نحو عشر مراحل، وهي قريبة من المدينة. [الجحفة] قال الحافظ: هي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة ". قال النووي: سميت بذلك لأن السيل اجتحفها.
[يلملم] وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة. [قرن المنازل] على نحو مرحلتين من مكة، وهو أقرب المواقيت إلى مكة.
قال ابن قدامة بعد ما ذكر المواقيت: أجمع أهل العلم على أربعة منها، وهي: ذو الحليفة، وقرن، والجحفة ويلملم واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن رسول الله فيها … ثم قال: فأما ذات عرق فميقات أهل المشرق في قول أكثر أهل العلم.
وقد اختلف فيمن وقت ذات عرق؟
فقيل: الذي وقته رسول الله -ﷺ-.
لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
وهو حديث ضعيف أنكره أحمد واعتبره من منكرات أفلح بن حميْد، وقال ابن خزيمة: قد روي أخبار في ذات عرق أنه ميقات أهل العراق، ولا يثبت عند أهل الحديث منها شيء.
وقيل: الذي وقته عمر.
لحديث ابن عمر قال: (لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله -ﷺ- حد لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد له ذات عرق). رواه البخاري
ولو كان النبي -ﷺ- هو الذي حدده لاشتهر ذلك كما اشتهر تحديد المواقيت الأخرى، وأيضًا لو وقع تحديدها لما احتاج عمر إلى تحديدها لأهل العراق.
وقيل: وقته عمر والنص لم يبلغه فجاء على وفق توقيته.
وعمر معروف بموافقاته الكثيرة.
والقول الثاني أصح.
• يجب الإحرام من هذه المواقيت لمن أراد الحج أو العمرة ويحرم عليه أن يتعداها.
[ ١ / ٤٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقول ابن عمر (فرض رسول الله -ﷺ- لأهل المدينة ذا الحليفة، ) فقوله (فرض) يدل على الوجوب، ولحديث ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، …) وهذا خبر بمعنى الأمر أي:
ليهل.
• فإن تعداها من غير إحرام ولم يرجع فعليه دم، وهذا قول جمهور العلماء (وذهب بعض العلماء إلى أنه يأثم إذا تجاوز الميقات لكن لا دم عليه، وهذا اختيار الشوكاني وجماعة من المتأخرين، لأنه لم يثبت عن النبي -ﷺ- لزوم الدم).
• هذه المواقيت لأهلها ولمن مرّ عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة.
فمن سلك طريقًا فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا مرّ أحد من أهل نجد ميقات أهل الشام فإنه يحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد.
• من كان منزله دون الميقات فميقاته من مكانه الذي هو ساكن فيه، لقوله -ﷺ-: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)، كأهل جدة.
• أن من تجاوز هذه المواقيت بلا نية النسك ثم طرأ العزم على نية النسك فإنه يحرم من حيث أراد النسك، لقوله -ﷺ-: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).
• أن الإحرام قبل الميقات مخالف لهدي النبي -ﷺ-، فيكره أن يحرم قبل الميقات، وخير الهدي هدي النبي -ﷺ-، فإنه -ﷺ- أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة
• أن ميقات أهل مكة من مكة للحج، لقوله: (حتى أهل مكة من مكة).
فمن حج من مكة فمنها حتى لو من غير أهلها، وأما العمرة فمن الحل، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
قال ابن قدامة: " لا نعلم في هذا خلافًا ".
لأن النبي -ﷺ- أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلى الحل لتحرم منه.
وقولنا (من الحل) أفضل من قولنا (من التنعيم)، لأن الحل يشمل كل الحل، التنعيم وغيره.
• المواقيت الزمانية:
قيل: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذا المذهب، وقيل: أشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وشهر ذي الحجة كاملًا لأن الله يقول (الحج أشهر معلومات) وأشهر جمع، وأقل الجمع ثلاثة في اللغة، وما يضعف القول الأول أن من أيام الحج (١١، ١٢، ١٣) من ذي الحجة يفعل فيها الحج الرمي والمبيت، فكيف نخرجها من أشهر الحج؟
واختلف العلماء هل ينعقد الحج لو أحرم قبل أشهره:
قيل: ينعقد وهذا مذهب الجمهور، وقيل: لا ينعقد ورجحه الشوكاني وهذا الصحيح.
[ ١ / ٤٩٧ ]
م/ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ.
وهي زوجة أبي بكر الصديق، ولدت له محمدًا في الميقات، وكانت قبل ذلك تحت جعفر بن أبي طالب وأولاده منها، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب.
[ ١ / ٤٩٨ ]
م/ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ -ﷺ-: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اِغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ.
الاستثفار: أن تشد المرأة على وسطها شيئًا ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم وتشدها من ورائها وقدامها ليمتنع الخارج، وفي معناها الوسائل المعروفة الآن عند النساء.
• استحباب الاغتسال عند الإحرام.
قال ابن قدامة: "يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل قبل إحرامه لما روى زيد بن ثابت: أنه رأى النبي -ﷺ- تجرد لإهلاله واغتسل، رواه الترمذي، وثبت أن النبي -ﷺ- أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام، ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس فيسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس واجبًا في قول عامة أهل العلم ".
فالغسل سنة لكل مريد الإحرام، من صغير وكبير، من رجل أو امرأة، للجنب وغير الجنب.
وحديث (تجرد -ﷺ- لإهلاله واغتسل) فيه ضعف، لكن جاء ما يغني عنه، وهو ما رواه الحاكم عن ابن عمر قال (من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم وإذا أراد أن يدخل مكة) وقول الصحابي من السنة له حكم الرفع.
• فالحائض والنفساء لا يمنعها حيضها ولا نفاسها من الإحرام، ولا من الحج، وتصنع كما يصنع الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت (فالنبي -ﷺ- أمرها بالاغتسال للإحرام وليس لرفع الحدث، لأن الحدث لا يزال باقيًا.
• ومن سنن الإحرام: التنظف (أخذ ما ينبغي أخذه كشعر العانة والإبط والشارب والأظافر).
قال ابن قدامة معللًا: " لأن الإحرام يمنع قطع الشعر، وقلم الأظافر، فاستحب فعله قبله لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه، فإذا كانت أظفاره طويلة أو شعره طويل فإنه يسن إزالتها، وإلا فلا يستحب ".
ومنها: الطيب.
لحديث عائشة ﵂ قالت: (طيبت رسول الله -ﷺ- لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف) متفق عليه، وخاصة في الرأس والوجه لقول عائشة (كنت أرى وميص المسك في مفارق رسول الله -ﷺ- وهذا يدل على التطيب بالرأس وجاء أيضًا في أنه طيب اللحية كما في صحيح مسلم.
أما تطييب ثوب الإحرام حرام، ولا يجوز لبسه إذا طيبه لأن النبي -ﷺ- قال: لا تلبسوا ثوبًا مسه الزعفران ولا الورس.
[ ١ / ٤٩٩ ]
م/ وَأَحْرِمِي.
أطلق لها النبي -ﷺ- الإحرام، وقد أحرم الناس من ذي الحليفة على وجوه ثلاثة، منهم من أحرم بالحج، ومنهم من أحرم بالعمرة، ومنهم من أحرم بالحج والعمرة.
عن عائشة. قالت (خرجنا مع رسول الله -ﷺ- عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بعمرة وحج، ومنا من أهل بالحج) متفق عليه.
• يستحب للمحرم أن يذكر نسكه عند إحرامه، فالقارن يقول: لبيك عمرة وحجًا، والمفرد يقول: لبيك حجًا، والمتمتع يقول: لبيك عمرة (وإن قال: لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج).
[ ١ / ٥٠٠ ]
م/ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَسْجِد.
أي صلى صلاة الظهر في مسجد ذي الحليفة.
ولذلك استحب أهل العلم أن يكون الإحرام عقب صلاة فرض كما فعل النبي -ﷺ-.
• فإن لم يكن وقت صلاة فرض، هل يسن أن يصلي ركعتين للإحرام؟
ذهب بعض العلماء إلى أن للإحرام سنة تخصه.
واستدلوا أن النبي -ﷺ- أهل دبر صلاة.
وذهب بعض العلماء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتها، وأنه ليس للإحرام سنة تخصه.
وهذا القول هو الراجح، وأن السنة أن يحرم عقب صلاة فرض أو نفل.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وعليه نقول: إن كان ممن يصلي سنة الوضوء فإنه بعد الاغتسال يصلي سنة الوضوء بنية سنة الوضوء، وإن كان في وقت صلاة كصلاة الظهر مثلًا نقول الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر ثم تحرم بعد الصلاة، وكذا صلاة العصر أو غيرها ".
[ ١ / ٥٠١ ]
م/ ثُمَّ رَكِبَ اَلْقَصْوَاءَ.
القصْواء - بفتح القاف - وهي الناقة التي قطع طرف أذنها، وناقة النبي -ﷺ- لم تكن مقطوعة الأذن، وإنما لقبها به حبًا، وله ناقة تسمى العضباء.
[ ١ / ٥٠٢ ]
م/ حَتَّى إِذَا اِسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى اَلْبَيْدَاءِ.
أي حتى علت به على البيداء، والبيداء جبل صغير طرف ذي الخليفة.
[ ١ / ٥٠٣ ]
م/ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اَللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ اَلْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، وَأَهَلَّ اَلنَّاسُ بِهَذَا اَلَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- تَلْبِيَتَهُ.
[أهلَّ] رفع صوته بالتلبية، وهذه كلمات عظيمة، وسماها جابرًا توحيدًا لأنها تضمنت التوحيد والإخلاص [لبيك] إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك دائمة، والمراد بالتثنية التأكيد، فإن قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه المحرم؟ الجواب هو قوله تعالى (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). [رجالًا] على أقدامهم [ضامر] البعير الذي أتعبه السفر [فج عميق] طريق بعيد، [لا شريك لك] أي في كل شيء، فلا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، [إن الحمد] أي لك الحمد على كل حال، والحمد وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، [والنعمة] أي الفضل والإحسان، كله لك، لأن الله وحده المحمود والمنعم، [والملك] أي ملك الخلائق وتدبيرها لك وحدك.
• مشروعية التلبية عند الدخول في الإحرام، لأنها شعار الحج والعمرة.
• استدل بهذا الحديث على أن المحرم يلبي إذا استوت به راحلته على البيداء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يلبي إذا استوت به راحلته.
لحديث اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (أهل رسول الله -ﷺ- حين استوت به راحلته قائمة) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وهذا القول هو الصحيح، وأما حديث جابر - أنه لبى على البيداء - فيحمل على أن جابرًا لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي -ﷺ- على البيداء.
فالأفضل للمحرم أن يكون إحرامه بعد ركوب الدابة أو السيارة، حتى يفرغ من شؤونه في الأرض من اغتسال وطيب ونحو ذلك، ويكون قد تهيأ بذلك التهيؤ الكامل، بخلاف ما إذا أحرم في الأرض فقد ينسى شيئًا.
• يستحب رفع الصوت بالتلبية.
لحديث خَلَّادِ بْنِ اَلسَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- قَالَ (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
ولحديث ابن عمر: (أن النبي -ﷺ- سئل أي الحج أفضل؟ فقال: العج والثج). رواه ابن ماجه
[العج] رفع الصوت بالتلبية. [الثج] ذبح الدماء.
[ ١ / ٥٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما على يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر). رواه الترمذي
قال أبو بكر بن عبد الله المزني: (كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين). رواه أبو بكر وابن أبي شيبة وصححه الحافظ
• أن رفع الصوت خاص بالرجال، أما المرأة فالمستحب عدم رفع صوتها إلا عند محارمها فلا مانع حينئذ أن ترفع الصوت، وأما ابن حزم فيرى أن المرأة ترفع صوتها بالتلبية كالرجل تمامًا، وقال: لم يرد دليل على التخصيص.
• الأفضل التزام تلبية رسول الله -ﷺ- لقول جابر (ولزم رسول الله -ﷺ- تلبيته).
لكن يجوز الزيادة على التلبية، لأنه -ﷺ- كان يسمع الناس يزيدون فأقرهم ولم ينكر ذلك، فدل على جواز ذلك.
وكان من تلبيته -ﷺ-: لبيك إله الحق.
وبعضهم يقول: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواصل.
(وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل) رواه مسلم.
وروى أحمد في مسنده عن جابر قال (أهل رسول الله -ﷺ- … فذكر تلبية النبي -ﷺ- وقال: والناس يزيدون: ذا المعارج).
• لا تشرع التلبية لغير المحرم في الأمصار، لعدم الدليل، فيكره أن يلبي غير المحرم وهذا قول مالك وهو الصحيح، لأن التلبية من شعائر الحج وليست بعبادة مستقلة بنفسها، وقد قال بعض العلماء باستحباب التلبية للحلال، لكنه قول ضعيف.
• في اختلاف تلبية الصحابة دليل على أنهم لم يكونوا يلبون التلبية الجماعية، فإن الصحابة كان كل يلبي بتلبية، وأيضًا بعضهم يكبر، فقد قال أنس (حججنا مع النبي -ﷺ- منا المكبر ومنا المهل) متفق عليه، فالتلبية الجماعية بصوت واحد غير مشروعة.
• ويسن الاشتراط لمن خاف أن لا يكمل حجه بسبب مرض أو وجع.
الاشتراط: أن يقول المحرم: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
[ ١ / ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اختلف العلماء:
فقيل: مستحب لكل أحد.
وهو قول عمر وعلي والشافعي، وهذا مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم.
لحديث عائشة قالت: (دخل النبي -ﷺ- على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي -ﷺ-: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني). متفق عليه
وقيل: غير مشروع.
لأن النبي -ﷺ- لم يفعله ولم ينقل عنه.
وقيل: يستحب للخائف فقط.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح جمعًا بين الأدلة.
فإن النبي -ﷺ- لم يفعله وقد حج واعتمر أربع عمر، ولم يعلمه الصحابة، وإنما علمه ضباعة لأنها مريضة.
فائدة الاشتراط:
قال ابن قدامة: " ويقيد هذا الشرط بشيئين:
أحدهما: أنه إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه له التحلل.
الثاني: أنه متى حل بذلك فلا دم عليه ولا صوم ".
مسألة: هل من خشيت الحيض لها أن تشترط: قولان للعلماء.
ومما يقوي أنه ليس لها الاشتراط:
أولًا: أن هذا السبب مما انعقد سببه وقام مقتضاه.
ثانيا: أن نساء من الصحابة وهن نفساء ولم يعلمهن النبي -ﷺ- الاشتراط.
ثالثا: أن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ولا يمكن الحاقة بالأمر العارض.
[ ١ / ٥٠٦ ]
م/ قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا اَلْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ اَلْعُمْرَةَ.
العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، وليس مراد الراوي - هنا - أنهم لا يعرفون العمرة إطلاقًا، بل كانوا يعرفون العمرة، وقد اعتمر النبي -ﷺ- قبل حجته هذه عدة مرات، إلا أن مراد الراوي هنا (لسنا نعرف العمرة) أي لسنا نعرف العمرة في أشهر الحج، لأنها كانت من عظائم الأمور في الجاهلية، ولهذا لما جاء الإسلام أبطل هذا الحكم.
• والعمرة تعريفها لغة: الزيارة.
واصطلاحًا: زيارة البيت تعبدًا لله على وجه مخصوص.
• أجمع العلماء على مشروعية العمرة.
واختلفوا هل هي واجبة أم لا على قولين:
القول الأول: أنها واجبة.
لحديث عائشة ﵂ قالت: (قلت يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة) رواه ابن ماجه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فقوله (عليهن) ظاهرة في الوجوب، لأن (على) من صيغ الوجوب كما ذكر ذلك أهل أصول الفقه ".
ولحديث عمر ﵄ في سؤال جبريل للنبي -ﷺ- عن الإسلام وفيه (وأن تحج وتعتمر) رواه ابن خزيمة. [وقد حكم بعض العلماء بشذوذ رواية: وأن تعتمر].
ولحديث أبي رَزين العُقيْلي حين أتى إلى النبي -ﷺ- وقال: أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال -ﷺ- (حج عن أبيك واعتمر) رواه الترمذي.
القول الثاني: أنها غير واجبة.
لحديث جابر مرفوعًا (سئل النبي -ﷺ- عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك) لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، والراجح وقفه.
قالوا: والأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل.
• يسن المتابعة بين العمر:
لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» رواه مسلم.
ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ- «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» رواه النسائي.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "المتابعة بين العمرتين جاءت به السنة، ولكن هذه المتابعة ينبغي أن تكون مقيدة بما جاء عن السلف، والسلف ﵏ لم يكن من عملهم أن تكون العمرة كل يوم ".
وقد قال بعض العلماء: أن يكون بين العمرة والعمرة مدة بقدر ما ينبت الشعر ويمكن حلقه.
[ ١ / ٥٠٧ ]
م/ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا اَلْبَيْتَ مَعَهُ.
[أتينا البيت] أي الكعبة.
يسن دخول البيت بالرجل اليمنى قائلًا الدعاء الوارد عند دخول المسجد، كبقية المساجد، (اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك).
وأما ما قاله بعض الفقهاء أنه يسن إذا رأى البيت أن يرفع يديه ويقول: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا، أو: اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام، فهذا قول ضعيف، لأن هذه الآثار كلها لا تصح، فلا يعتمد عليها في إثبات حكم شرعي (فلا يصح ذكر ولا دعاء عند رؤية البيت) وجابر الذي نقل حجة النبي -ﷺ- لم يذكر شيء من هذه الأذكار.
• أن تحية البيت الطواف، فإن أول شيء بدأ به النبي -ﷺ- الطواف.
وهذا فيمن دخل المسجد للطواف، أما إذا دخل المسجد للجلوس أو الصلاة فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد كغيره من المساجد، وأما حديث (تحية البيت الطواف) فهو حديث لا يصح.
[ ١ / ٥٠٨ ]
م/ اِسْتَلَمَ اَلرُّكْنَ.
[الركن] أي الحجر الأسود، وسمي ركنًا لأنه في ركن الكعبة.
يسن للمحرم أن يبدأ بالحجر الأسود فيقصده ويبدأ الشوط منه.
• يسن استلام الحجر الأسود.
أ- أن يستلم الحجر ويقبله، وهذا أعلاها [والمسح يكون بيد اليمنى لأن اليد اليمنى تقدم للتعظيم].
عَنْ عُمَرَ -﵁- (أَنَّهُ قَبَّلَ اَلْحَجَرَ [اَلْأَسْوَدَ] فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [هذا من فقه عمر: أن تقبيل الحجر اتباعًا لله ولرسوله]
ب- إن لم يتمكن، استلمه بيده وقبل يده.
عن نافع قال: (رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله -ﷺ- يفعله). متفق عليه
ج- أن يستلمه بشيء في يده، ويقبل ذلك الشيء.
لحديث عامر بن واثلة قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن). رواه مسلم … [المحجن] هو عصا محنية الرأس.
د- إن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك.
• أن استلام الحجر الأسود وتقبيله تعظيمًا لله تعالى واتباعًا للرسول -ﷺ- لا لكونه حجرًا أو محبة له.
• ويشرع استلام الركن اليماني.
لحديث ابنِ عُمَر قَالَ (لَمْ أَرَ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- يَسْتَلِمُ مِنْ اَلْبَيْتِ غَيْرَ اَلرُّكْنَيْنِ اَلْيَمَانِيَيْنِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال النووي: " أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفقت الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين ".
قال شيخ الإسلام: " لا يستلم إلا الركنيين اليمانيين دون الشاميين، فإن النبي -ﷺ- إنما استلم اليمانيين خاصة لأنها على قواعد إبراهيم ".
• عند استلام الركن اليماني لا يقل شيئًا لا تكبير ولا غيره، لأن ذلك لم يرد عن النبي -ﷺ-.
• إن لم يتمكن من استلام الركن اليماني، لم تشرع الإشارة إليه بيده.
• يسن عند استلام الحجر قول: الله أكبر.
لحديث ابن عباس ﵄ قال: (طاف رسول الله -ﷺ- على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر) رواه البخاري.
الإشارة تكون باليد اليمنى دون اليدين جميعًا.
• وأما قول (بسم الله) فلم ينقل من ذكر صفة حج النبي -ﷺ- أنه كان يقول (بسم الله) لكن صح ذلك عن ابن عمر كما عند الإمام أحمد أنه (يستلم الحجر ويقول: بسم الله: الله أكبر).
• في استلام الحجر الأسود فضل عظيم، فقد قال -ﷺ- (إن استلام الركنين يحطان الذنوب) رواه أحمد.
• إن مشروعية تقبيل الحجر الأسود مشروطة بعدم إيذاء الناس بالمزاحمة والمدافعة، فإنه في هذه الحالة ترك الاستلام أفضل.
• في آخر شوط عند الانتهاء لا يستلم ولا يقبل الحجر الأسود ولا يكبر لأنه انتهى طوافه.
• هل يشرع تقبيل الحجر الأسود في غير نسك من حج أو عمرة؟ الجمهور على المنع.
[ ١ / ٥٠٩ ]
م/ فَطَافَ.
يبدأ المحرم بالطواف مبتدئًا من الحجر الأسود جاعلًا البيت عن يساره لفعل النبي -ﷺ-، فإن كان متمتعًا فطوافه لعمرته، وإن كان مفردًا أو قارنًا فهو طواف القدوم.
• يجب أن يكون الطواف سبعة أشواط، فمن ترك شيئًا ولو يسيرًا من شوط من السبعة لم يصح، لأنه لم يأت بالعدد المعتبر.
• لو شك هل طاف ستة أو سبعًا فإنه يبني على اليقين إلا إذا غلب على ظنه شيء فإنه يعمل به، فإن غلب على ظنه أنه طاف ستة يجعلها ستة ويأتي بسابع.
• يحرم أن يطوف عريان لقوله -ﷺ- (ولا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس له-أي الطواف- ذكر مخصوص عن النبي -ﷺ- لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو بسائر الأدعية الشرعية، وأما تخصيص كل شوط بدعاء معين فهذا لا أصل له.
• إذا قطع طوافه فريضة أو جنازة صلى وأكمل من حيث وقف.
• الأفضل أن يطوف على وضوء لفعل النبي -ﷺ- ففي حديث عائشة ﵂ (أن النبي -ﷺ- أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه.
وهذا قول جماعة من أئمة السلف. فقد روى ابن أبي شيبة عن شعبة بن الحجاج قال (سألت حمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟ فلم يروا به باسًا.
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا بد من الوضوء للطواف، لفعل النبي -ﷺ- كما في الحديث السابق ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا (الطواف بالبيت صلاة) لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، ولذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى صحة الطواف بغير طهارة.
• يسن في هذا الطواف الاضطباع (وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر فيكون العاتق الأيمن مكشوفًا).
لحديث يعلي بن أمية -﵁- قال (طاف النبي -ﷺ- مضطبعًا ببرد أخضر) رواه أبو داود.
• الاضطباع يكون في طواف القدوم في كل الأشواط السبعة.
• الحكمة منه أنه يعين على سرعة المشي.
• لا يسن الاضطباع في غير طواف القدوم، وما يفعله كثير من الحجيج حيث يضطبعون من حين الإحرام إلى أن يخلعوا فإنه خطأ ومخالف للسنة، ولهذا قال العلماء: يستحب له أن يزيل الاضطباع مباشرة قبل ركعتي الطواف.
• يسن أن يدعو بين الركنين بما جاء في الحديث (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ولا تشرع الزيادة على ذلك كقول كثير من الناس: وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار، لأن ذلك لا أصل له.
[ ١ / ٥١٠ ]
م/ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا.
ويسن في هذا الطواف - طواف القدوم - الرمل، قال النووي: "قال العلماء: الرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا ".
لفعل النبي -ﷺ- كما في حديث جابر هذا.
وهو مستحب في الأشواط الثلاثة الأول، والمشي في الأربعة الباقية.
قال في المغني: " وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، ولا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه رمل ثلاثًا ومشى أربعًا ".
• الحكمة: كما في حديث ابن عباس: (إظهار القوة والجلد للمشركين).
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا: إلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) متفق عليه.
فإن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها؟
الجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف.
ومما يؤيده أن رسول الله -ﷺ- رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة.
• والرمل يكون من الحجر إلى الحجر.
لحديث ابن عمر: (أن رسول الله -ﷺ- رمل من الحجر إلى الحجر).
وهذا يقدم على حديث ابن عباس، لأن:
حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وأما حديث ابن عمر: (أن النبي -ﷺ- رمل من الحجر إلى الحجر) كان في حجة الوداع، فيكون هذا ناسخًا للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عباس، لأنه متأخر عنه.
• أن الرمل خاص بالرجال.
• وليس الرمل هو هز الكتفين كما يفعله بعض الجهلة [قاله الشيخ ابن عثيمين].
[ ١ / ٥١١ ]
م/ ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَجَعَلَ اَلْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلْبَيْتِ، وفي رواية [أنه قرأ في الركعتين: (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون).
أي: إذا فرغ من طوافه سوى رداءه فوضعه على كتفه ثم صلى ركعتي الطواف خلف المقام في أي وقت كان طوافه، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد) كما جاء عند مسلم. … [والمقام] هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه للبيت وشق عليه تناول الحجارة].
قال النووي: " هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف ".
• لا يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام، فلو صلاهما في أي مكان من الحرم أو خارجه جاز.
• المشروع في هاتين الركعتين التخفيف وليس قبلهما دعاء ولا بعدهما دعاء.
• إذا دار الأمر بين أن يصلي قريبًا من المقام مع كثرة حركته، كرد المارين بين يديه، وبين أن يصلي بعيدًا عن المقام ولكن بطمأنينة، فالأفضل الثاني، لأن ما يتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة بما يتعلق بمكانها.
• يستحب إذا جاء المقام أن يقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ولا يطيل بعدهما الجلوس.
• هل تجزئ سنة راتبة عنهما أو صلاة مكتوبة؟ هذا موضع خلاف والصحيح أنها لا تجزئ، لأنهما سنة مستقلة بنفسها.
[ ١ / ٥١٢ ]
م/ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اَلرُّكْنِ وَاسْتَلَمَهُ.
أي إذا صلى ركعتين عاد إلى الحجر الأسود فاستلمه بيده إن تيسر له ذلك، وإلا تركه ومضى.
قال بعض العلماء: وظاهر ذلك أنه لا يسن تقبيله ولا الإشارة إليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: "بعد أن يصلي ركعتين يستلم الركن مرة ثانية كالمودع للبيت في هذا العمل
ولم ترد السنة بالتقبيل في هذا الموضع ولم ترد أيضًا بالإشارة ".
وعلى هذا فلا تقبيل ولا إشارة، فان تيسر لك أن تستلمه فهو سنة وإلا فدعه.
وهذا فيمن خرج ليسعى، أما من طاف ولا يريد السعي [كطواف الوداع مثلًا أو طواف الإفاضة لمن سعى بعد طواف القدوم] فإنه لم يرد أن النبي -ﷺ- رجع إلى الركن فاستلمه.
مسألة:
جاء عند الإمام أحمد (ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه) فيسن بعد صلاة الركعتين أن يذهب إلى زمزم ويشرب ويصب على رأسه.
[ ١ / ٥١٣ ]
م/ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِىَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا.
أي: بعد أن ينتهي من الطواف وركعتي الطواف يذهب إلى الصفا.
• استحباب قراءة هذه الآية (إن الصفا والمرة من شعائر)، وفي ذلك فوائد:
أولًا: اقتداء بالرسول -ﷺ-.
ثانيًا: امتثالًا لأمر الله.
ثالثًا: وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله.
• قوله (قرأ إن الصفا والمرة من شعائر الله) حين دنا الصفا وليس إذا صعد.
• ولا يقال هذا الذكر إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف - فلا يقال بعد ذلك - لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة الثانية، لأنه ليس ذكرًا يختص بالصعود وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو بتقديم الله له.
• قوله (فقرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله): يحتمل أنه قرأ الآية كلها، وكان السلف يعبرون ببعض الآية عن جميعها، ويحتمل انه لم يقرأ إلا هذا فقط الذي هو محل الشاهد، وهذا هو المتعين، لأن الأصل أن الصحابة ينقلون كل ما سمعوه، وإذا لم يقل (حتى ختم الآية) فإنه يقتصر على ما نقل فقط.
• البداءة بالسعي من الصفا، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بالشوط الأول، والبدء بالصفا هو تفسير لقوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ فقد بدأ بما قدم الله ذكره.
• استحباب رقي الصفا واستقبال القبلة حينما يطلع عليه (وليس هو واجب، الواجب هو حدود العربيات)
• استحباب رفع اليدين عند الصعود على الصفا، وصفة رفعهما كصفة رفعهما عند الدعاء.
• يستحب على الصفا أن يوحد الله ويكبره ويقول: (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). [أنجز وعده] أي: بإظهار هذا الدين، وكون العاقبة للمتقين. [ونصر عبده] أي: نبيه محمدًا -ﷺ-[وهزم الأحزاب] أي: غلبهم وكسرهم [وحده] أي: بلا قتال من الناس.
• أنه يستحب الدعاء فيما بين ذلك، وصفة هذا: أن يذكر الله أولًا، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثانيًا، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثالثًا، ثم ينزل من الصفا.
• بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة.
• إذا حاذى العلم الأخضر هرول حتى العلم الثاني، والهرولة خاصة بالرجال.
• لا تشترط الطهارة للسعي.
• السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، الذهاب شوط والرجوع شوط آخر.
• يقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقرآن، وإن دعا في السعي بقوله (رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم) فلا بأس لثبوت ذلك عن ابن مسعود وابن عمر.
• إذا كان في آخر شوط من السعي أتمه بصعوده المروة، ولا يقف للدعاء ولا للذكر، لأن العبادة قد انتهت.
• وإذا كان الحاج متمتعًا قصر من شعره، وإنما يقصر هنا ليبقى شعر للحج.
[ ١ / ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال (… ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم يهل بالحج).
• أما في غير هذه الحالة فالحلق أفضل من التقصير في حق الرجال (لأن الرسول -ﷺ- دعا للمحلقين ثلاثًا).
ففي حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال في الثالثة والمقصرين) متفق عليه.
ولأنه فعل النبي -ﷺ- ولأن الحلق أبلغ تعظيمًا لله.
• أما المرأة تقصر من شعرها مقدار أنملة: فالمشروع للمرأة التقصير دون الحلق، قال ابن قدامة: "لا خلاف في هذا".
• التقصير لابد أن يعم جميع الرأس، وهذا القول هو الصحيح من أقوال العلماء.
لقوله تعالى (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ومن المعلوم أن الإنسان إذا قصر من رأسه ثلاث شعرات من جانب الرأس ما يعد أنه مقصر.
فقول من يقول أنه يكفي ثلاث شعرات فهو قول مرجوح.
• الحلق أو التقصير من واجبات الحج كما سيأتي إن شاء الله.
• من أسرار الحلق أو التقصير أن فيهما كمال الخضوع والتذلل لله تعالى، وإظهار العبودية والانقياد لطاعته.
• وأما القارن والمفرد فإنه يبقى على إحرامه ولا يتحلل، والأفضل له أن يتحلل بعمرة إذا لم يسق الهدي.
[ ١ / ٥١٥ ]
م/ حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى اَلْمَرْوَةِ، فَقَالَ: (لَوْ أَنِّي اِسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ اَلْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي اَلْأُخْرَى، وَقَالَ: دَخَلَتْ اَلْعُمْرَةُ فِي اَلْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ - لَا، بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ.
فيه دليل على أن الرسول -ﷺ- حج قارنًا، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم أنه حج قارنًا.
وهذا مذهب أحمد ورجحه ابن القيم وساق أدلة كثيرة عليه.
منها: حديث حفصة. قلت للنبي -ﷺ-: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر) وهذا يدل على أنه في عمرة معها حج.
وقال -ﷺ- كما في حديث جابر هذا - (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة) وهذا صريح في أنه استمر في حجه ولم يحل إلا يوم النحر.
قال الإمام أحمد: " لا شك أن النبي -ﷺ- كان قارنًا ".
أجمع العلماء على أن الصحابة الذين مع النبي -ﷺ- في حجة الوداع قد فسخوا حجهم إلى عمرة بأمر النبي -ﷺ-، وفي حديثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ).
• والراجح أن هذا الحكم لهم ولمن بعدهم أيضًا، لكنه واجب على الصحابة في تلك السنة استجابة لأمر الرسول -ﷺ-.
قال ابن القيم: " واختصاص وجوبه بالصحابة، هو الذي كان يراه شيخنا قدس الله روحه، يقول: إنهم قد فرض عليهم الفسخ لأمر رسول الله -ﷺ- به، وحتمه عليهم وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى امتثاله، وأما الجواز والاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة، وهذا القول أصح ".
[ ١ / ٥١٦ ]
م/ وَقَدِمَ عَلِىٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِىِّ -ﷺ- فَوَجَدَ فَاطِمَةَ - ﵂ - مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ إِنَّ أَبِى أَمَرَنِى بِهَذَا. قَالَ فَكَانَ عَلِىٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِى صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّى أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ «صَدَقَتْ صَدَقَتْ.
[صبيغًا] ثوبًا منمقًا. … [محرشًا] التحريش الإغراء والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها.
حينما قدم علي من اليمن وجد زوجته فاطمة قد حلت وتجملت، فأنكر عليها، لأنه لم يعلم أن النبي -ﷺ- أذن لها، وأنه أمر كل من لم يسق الهدي أن يتحلل.
• وسبب إنكار علي، لأنهم كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.
فأخبر النبي -ﷺ- عليًا أن فاطمة صادقة في كلامها وأنه أمرها بالإحلال.
[ ١ / ٥١٧ ]
م/ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ اَلْحَجَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اَللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ اَلْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ). قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ اَلْهَدْيِ اَلَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ اَلْيَمَنِ، وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا، إِلَّا اَلنَّبِيَّ -ﷺ- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ.
قوله [فكان جَمَاعَة] أي مجموع.
• فيه جواز أن يهل الإنسان بما أهل به فلان، لكن لابد أن تعلم بماذا أحرم فلان قبل أن تطوف ليقع طوافه بعد تعيين النسك.
• قوله (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي -ﷺ- ومن كان معه هدي) قال النووي: "قوله: وقصروا: فإنما قصروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر، فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر".
• وسيأتي إن شاء الله أن النبي -ﷺ- نحر (٦٣) وأعطى عليًا الباقي لينحرها.
• فيه كرم النبي -ﷺ- حيث أهدى (١٠٠) بدنة عن (٧٠٠) شاة وكثير من الناس يتهرب من هدي شاة واحدة، حتى إنه ليختار النسك المفضول على النسك الفاضل تفاديًا للهدي. فيحرم بإفراد من أجل أنه لا هدي فيه على المتمتع.
[ ١ / ٥١٨ ]
م/ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ اَلتَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ.
[يوم التروية] هو اليوم الثامن من ذي الحجة. قال النووي: "وسمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات ليستعملوه في الشرب وغيره" [توجهوا إلى منى] توجهوا من الأبطح، لأن النبي -ﷺ- نزل هناك.
في هذا اليوم يسن للمحلين الإحرام بالحج، عن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال لأصحابه (أقيموا حلالًا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج) متفق عليه.
• أنه يسن للمحلين بمكة أن يدفعوا إلى منى في اليوم الثامن.
• أن أعمال الحج تبتدئ من اليوم الثامن.
• أن الإنسان يحرم يوم التروية من مكانه.
وقد قال بعض الفقهاء: أنه يحرم من الحرم تحت الميزاب، وهذا غلط وبدعة، فلم يفعله النبي -ﷺ-، ولا عهد عن أحد من الصحابة أنه فعله.
• يسن أن يفعل الحاج عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظف والتجرد من المخيط ويهل بالحج بعدها قائلًا: لبيك حجًا.
عن جابر -﵁- قال: (أمرنا رسول الله -ﷺ- لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا بالأبطح) رواه مسلم.
وإنما أهلوا من الأبطح لأنه مكان نزولهم. (والأبطح: هو مسيل فيه دقاق الحصى يقع شرقي مكة، فأحرم النبي -ﷺ- في هذا المكان ومعه أصحابه قبل الزوال، ثم توجهوا إلى منى وكان ذلك يوم الخميس.
[ ١ / ٥١٩ ]
م/ وَرَكِبَ اَلنَّبِيُّ -ﷺ- فَصَلَّى بِهَا اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ.
السنة أن يخرج الحاج إلى منى يوم الثامن فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرًا من غير جمع، وهذا مستحب بإجماع العلماء.
• الأفضل أن تكون صلاة الظهر في اليوم الثامن في منى.
• أن الصلاة في منى تكون قصرًا من غير جمع.
• أنه يسن المكث في منى حتى تطلع الشمس.
• أن الذين يذهبون إلى عرفات من ليلتها قد خالفوا السنة، وكذلك من لم يحرم اليوم الثامن، وهو وإن كان جائزًا لكنهم حرموا أنفسهم السنة.
• فإذا صادف يوم التروية يوم جمعة، فأيهما أفضل، أن يصلي الحاج في المسجد الحرام ثم يخرج إلى منى، أو أن يخرج إلى منى (ضحى) ويصلي الظهر في منى؟ الثاني أفضل، لأن بقاءك في منى عبادة، وأنت أيها الحاج لم تأت من بلادك إلا لأجل هذه العبادة.
[ ١ / ٥٢٠ ]
م/ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ اَلشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مَنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ-، وَلَا تَشُكَّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ اَلْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا.
(أجاز) تعدى (حتى أتى عرفة) قال النووي: "المراد قارب عرفات، فإن نمرة ليست من عرفات". [القبة] قال ابن الأثير: "القبة من الخيام بيت صغير مستدير".
يسن الخروج إلى عرفة من منى إذا طلعت الشمس من يوم عرفة وهو يلبي أو يكبر. [عرفة: مشعر خارج حدود الحرم، لأنها واقعة في الحل، وهي اسم لمكان الوقوف في الحج، سميت عرفة لارتفاعها على ما حولها].
• إن تيسر له النزول بنمرة نزل إلى زوال الشمس [ونمرة قرية قرب عرفة وليست من عرفة]، وهذا النزول نزول نسك، بناءً على أن الأصل التعبد في جميع أعمال الحج إلا ما قام الدليل على أنه ليس كذلك، وإلا ذهب إلى عرفات واستقر بها ولو قبل الزوال.
• قوله (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر فأجاز) أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها، بل توجه إلى عرفات، وقريش لحميتها الجاهلية وتعصبها لا تقف يوم عرفة إلا في مزدلفة، تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج إلى الحل، وبقية الناس يقفون في عرفة، لكن النبي -ﷺ- جدد الحج على مشاعر إبراهيم ﵊.
• قوله (حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة) نمرة ليست من عرفة، فاختلف الشراح في معنى قوله (حتى أتى عرفة فوجد القبة بنمرة) لأنها توهم أن نمرة من عرفة، فقيل: المعنى أي قد قارب عرفة، وقيل: أن مراد جابر أن منتهى سيره عرفة، وأنه لم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية، فتنتهي بمزدلفة وتقف فيه يوم عرفة، وفيه طريقة إلى عرفة نزل بنمرة، وهذا أصح.
[ ١ / ٥٢١ ]
م/ حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِى فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا كُلُّ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِى سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِى النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ». قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
[القصواء] لقب لناقته التي حج عليها، [فرحلتْ له] أي جعل عليها الرحل، [بطن بالوادي] وادي عرنة الذي فيه مقدمة المسجد، لأن المسجد بعضه في عرفة وبعضه خارج عرفة، وبطن الوادي موضع متسع، ولذا خصه النبي -ﷺ- بخطبته.
فيه استحباب الخطبة للإمام ليعلم الناس صفة الوقوف ويذكرهم بعظم هذا اليوم.
• وقد خطب -ﷺ- خطبة عظيمة بين فيها أحكام مهمة وعظيمة:
[إِنَّ دِمَاءَكُمْ] أي قتل المسلم بغير حق.
[وَأَمْوَالَكُمْ] أي أخذ مال المسلم بغير حق.
[حَرَامٌ عَلَيْكُمْ] حرام ولا يجوز، ثم أكد هذا التحريم بقوله:
[كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا] لأن هذا اليوم هو يوم عرفة فهو يوم حرام لأنه من أيام الحج.
[فِى شَهْرِكُمْ هَذَا] أي شهر ذي الحجة، لأنه من الأشهر الحرم، لا يجوز فيه سفكُ الدم، مُعَظَّم حتى عند العرب في الجاهلية.
[فِى بَلَدِكُمْ هَذَا] مكة، البلد الحرام، البلد الأمين.
إذًا: دم المسلم وماله حرام كحرمة هذا اليوم وكحرمة هذا الشهر وكحرمة هذا البلد الأمين.
أما دم المسلم: فقد جاءت النصوص الكثيرة في حرمته وأنه من أكبر الكبائر.
قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا).
وقال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس). رواه البخاري
وعن بريدة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا). رواه النسائي
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا). رواه البخاري
وأما ماله فقد جاءت النصوص أيضًا بتحريم أكل مال المسلم بغير حق.
قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقال -ﷺ- (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد.
وجاء في رواية [وأعراضكم] وقد جاءت أيضًا النصوص الكثيرة بتحريم عرض المسلم.
كأحاديث تحريم الغيبة، وتحريم النميمة، وكذلك النصوص التي تنهى عن قذف المحصنات.
كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
[ ١ / ٥٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[أَلَا كُلُّ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ] وهذا فيه إبطال لجميع أمورِ الجاهلية، جميع الخرافات والعادات والتقاليد الجاهلية المخالِفة لِشرعِ الله موضوعة وباطلة. [لطم الخدود، شق الجيوب، الميسر، الخمر، التبرج وغيرها].
• وقد جرت العادة عند الناس أن الشيء المهان يقال: تحت القدم.
[وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ] يعني ساقطة باطلة، أسقط -ﷺ- أيضًا دماءَ الجاهلية، الدماء التي كانت في الجاهلية، موضوعة، ما يأتي شخصٌ الآن يُطالِب بدم، الدم موضوع، فدماء الجاهلية باطلة وساقطة، لا قيمة لها ولا أثرَ لها.
[وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا] أي: من دماء بني هاشم، من رهط النبي -ﷺ-.
[دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ] هذا مِن أبناء عمومةِ الرسول ﵊.
[كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِى سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ] هذا كان ولدًا صغيرًا رضيعًا في بني سعد - بنو سعد قبيلة جهة الطائف - كانت هناك مُقاتَلة بين بني سعد وهُذيل، فأصابَ هذا الولدَ القرشيَّ الهاشميَّ الصغيرَ أصابه حجرٌ فقُتِل، إذًا الآن قريش تطالِب بدمه مِن هذيل، النبيّ -ﷺ- وَضَعَ دمَه، إذًا يا قريش يا بني هاشم! لا تطالِبوا بدم هذا الولد، وَضَعه النبيُّ ﵊.
[وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ] أي ساقط باطل، فأسقط النبي -ﷺ- ربا الجاهلية، أي الزيادات بغير حق، لأن الإسلام لا ربا فيه، لكن النبي -ﷺ- لم يسقط الديون لأنها حق لصاحبها، لا تسقط إلا بإسقاط صاحبها لها.
[وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ] العباس بن عبد المطلب هو عمُّ رسولِ الله، والعباس كان تاجرًا وثريًا وعنده أموال وكان يُدايِن الناس، يعطي قروضًا، ويأخذ على هذه القروض فوائد، فالنبي -ﷺ- وَضَع تلك الفوائد، ربا العباس موضوع، ساقط.
• وفي فعل النبي -ﷺ- هذا فائدة ذكرها الإمام النووي، حيث قال ﵀: " وفيه أن الإمام وغيره مما يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام، فالمراد بالوضع الإبطال ".
ولذلك يَذْكُرون عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا أراد أن يأمُرَ بأمْر؛ يجمع أهلَ بيتِه مِن أبنائه وأحفاده وبناته، ويقول: إني عزمتُ أن آمُرَ الناسَ بأمْرٍ، وإن الناس ينظرون إليكم كما يَنظرُ الطيرُ إلى اللحم، فمَن بلغني عنه أنه خالَف أمري؛ فإني أُضاعف عليه العقوبة.
[فَاتَّقُوا اللَّهَ فِى النِّسَاءِ] بعدما عظَّم الدماء والأعراض والأموال ووَضَعَ أمورَ الجاهلية؛ أوصى بالنساء، هذه الخطبة هي خطبةُ العدْلِ والإنصاف، أوصى بالنساء لأن النساء يَقَع الظلمُ عليهن كثيرًا خاصة في الجاهلية، المرأة ضعيفة يقع الظلم عليها كثيرًا مِن الرجل، لذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوصى بها، أوصى بالنساء، أي لا تظلمونهن ولا تضيعوا حقوقهن.
قال تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
[ ١ / ٥٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن أبي هريرة. قال: قال النبي -ﷺ- (استوصوا بالنساء خيرًا) متفق عليه.
وعنه قال: قال -ﷺ- (خياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي.
[فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ] هذه أمانة عندك، أنت مؤتمَنٌ عليها، إياك أن تضيعها، أخذْتَها بأمانة الله، هي أمانة عندك، والواجبُ على الرجل أن يَحفظ الأمانة، كما قال -ﷺ- (استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنّ عوانٍ عندكم) رواه الترمذي [عوان عندكم] أي أسيرات، قال النووي: "شبه رسول الله -ﷺ- المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير".
[وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ] أي بدينه وشرعه، ولم يكن ذلك حرامًا، ولم يكن ذلك زنا ولا سِفاحًا، وإنما هو نكاحٌ شرعي؛ بشريعة الله بكلمة الله، فأنتم اتقوا الله، طالما أن الله ﷿ جعل هذه المرأةَ أمانةً عندك، وأباحها لك بدِينِه وشرعه؛ إذًا يجب عليك أن تشكرَ هذه النعمة وأن تتقي الله فيها.
[وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ] أي: من حقوقكم عليهن.
[أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ] المراد بالفراش ما هو أعم من فراش النوم، فيدخل في ذلك فراش البيت وإدخال أحد بيته وهو يكرهه، والمعنى: لا يحل للمرأة أن تأذن لأحد - رجلًا كان أو امرأة، من محارمها أو من غيرهم - في دخول بيت زوجها إلا بإذنه، لأن البيت لا يدخل إلا بإذن صاحبه.
[فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ] أي: أدخلْنَ في بيوتكم من تكرهونه.
[فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ] أي لزوجها أن يضربها تأديبًا على ما مضى، والضرب يكون غير مبرح: أي ليس بشديد ولا شاق ولا جارح لجسدها. بل هو ضرب خفيف يحصل به التأديب.
[وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ] هذا من حقوق الزوجة على زوجها.
[رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ] الرزق: يعني النفقة، الكسوة: ما يستر به ظاهر البدن بالمعروف يعني: المرجِع في ذلك إلى العُرف، بحسَب يُسْر الزوجِ وعُسْرِه لقوله تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) وبحسب المعروفِ عند الناس، وهذا يختلف باختلاف الزمان واختلاف المكان،
هذا فيه دليل على وجوب نفقة الزوج على زوجته، وهذا بالإجماع.
• وأنه لا نفقة للزوج على زوجته، فلو كان الرجل فقيرًا وزوجته غنية، فإنه لا يجب على الزوجة أن تنفق عليه.
[وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ] هذا فيه فضل الاعتصام بالقرآن الكريم، فهو عصمة لمن اعتصم به في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (فمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى (إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) أي: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
بل جاء التهديد فيمن أعرض عن هذا القرآن فقال تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).
[وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ.] يسألون الناس يوم القيامة عن النبي -ﷺ- إقامة للحجة عليهم، وإلا فالرب ﷾ يعلم أنه رسوله -ﷺ- بلغ البلاغ المبين.
ونحن نشهد أنه -ﷺ- بلغ ونصح وأدى الأمانة.
[فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ] عليهم، أنّي قد بلَّغْتُ وأدَّيتُ ونصحتُ، وهم شهدوا بذلك.
• وفيه دليل لأهل السنة على صفة العلو لله ﷾.
[ ١ / ٥٢٤ ]
م/ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
• استحباب جمع العصر مع الظهر في عرفات وهذا الجمع مجمع عليه، بأذان واحد وإقامتين.
• الحكمة من جمع التقديم هنا: ليتفرغ الناس للدعاء، وأيضًا لو تفرقوا لفاتت الجماعة، وصلى كل إنسان لوحده.
• أن الخطبة يوم عرفة قبل الأذان، لقوله: (ثم أذن ثم أقام).
• أنه لا تشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر، لقوله: (ولم يصلّ بينهما).
• أنه لا تشرع الجمعة للمسافر.
[ ١ / ٥٢٥ ]
م/ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى اَلْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ اَلْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ اَلْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًَا حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ القُرْصُ.
[فلم يزل واقفًا] المراد بالوقوف هنا المكث، لا الوقوف على القدمين
أي: ثم ركب من مكان خطبته وصلاته حتى أتى الموقف، وهو عند الجبل المعروف في شمال عرفة، وتسميه العامة جبل الرحمة.
• وعرفة كلها موقف، [لقوله -ﷺ-: وقفت ههنا وعرفة كلها موقف] لكن يجب على الواقف أن يتأكد من حدودها، وهي علامات يجدها من يطلبها، لأنها واضحة، ومن وقف خارجها لم يصح حجه لأن الحج عرفة.
• ووقت الوقوف: من زوال الشمس: لأن النبي -ﷺ- ومعه أصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال.
وذهب بعض العلماء إلى أن بداية الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة لحديث عروة بن المضرس قال (أتيت رسول الله -ﷺ- بالموقف - يعني بجمْع - قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيء، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله -ﷺ-: مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، قالوا: فقوله (أو نهارًا) يشمل ما قبل الزوال وما بعده.
والراجح قول الجمهور، والجواب عن حديث عروة بن مضرس بأن المراد بـ (بالنهار) فيه خصوص ما بعد الزوال، بدليل فعل النبي -ﷺ- وفعل خلفائه من بعده.
وأما نهايته: فطلوع الفجر يوم النحر، لقوله -ﷺ- (الحج عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك) رواه أبو داود.
قال جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع). [قاله في المغني]
• ينبغي للحاج أن يتفرغ للدعاء في يوم عرفة، وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبل القبلة وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال القبلة، ويرفع اليدين، ولا يزال هكذا ذاكرًا ملبيًا داعيًا راجيًا من الله أن يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة كما في الحديث: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: (ماذا أرادوا هؤلاء).
• قال شيخ الإسلام: "لم يعين النبي -ﷺ- لعرفة دعاء خاصًا ولا ذكرًا خاصًا، بل يدعو بما شاء من الأدعية ".
• وجوب البقاء بعرفة إلى غروب الشمس، لأن هذا فعل النبي -ﷺ- ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها.
[ ١ / ٥٢٦ ]
م/ حَتَّى غَابَ القُرْصُ وَأَرْدًفَ أُسَامَةُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ اَلزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى: (أَيُّهَا اَلنَّاسُ، اَلسَّكِينَةَ، اَلسَّكِينَةَ) كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ اَلْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى اَلْمُزْدَلِفَةَ./ فَصَلَّى بِهَا اَلْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
[شنق للقصواء الزمام] هو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير. [مَورِك رحله] هو الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذا مل من الركوب. [كلما أتى حبلًا] هو التل اللطيف من الرمل الضخم، والمعنى إذا أتى حبلًا من حبال الرمل أرخى لناقته قليلًا من أجل أن تصعد [المزدلفة] وتسمى جمعًا.
يستحب الدفع من عرفة إلى مزدلفة بعد غروب الشمس (وهذا من واجبات الحج).
• استحباب أن يكون بسكينة وهدوء.
• لا يلزم من إرداف أسامة أن يكون أفضل من غيره.
• يسن أن يجمع بين المغرب والعشاء إذا وصل إلى مزدلفة.
• أن يصليهما بأذان واحد وإقامتين، وأيضًا لفعل النبي -ﷺ- بعرفة.
• أنه لا يصلي بينهما نافلة.
• لو صلى في الطريق أجزأه ذلك لقوله -ﷺ- (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وذهب ابن حزم إلى أنه لو صلى في الطريق لم يجزئه لأن النبي -ﷺ- قال لأسامة بن زيد (الصلاة أمامك)، لكن هذا قول ضعيف، وقول النبي -ﷺ- لأسامة (الصلاة أمامك) لأنه لو وقف ليصلي وقف الناس، ولو أوقفهم في هذا المكان لكان في ذلك مشقة عليهم.
• يجب أن يصلي في الطريق، وذلك إذا خشي خروج وقت العشاء بمنتصف الليل.
• ثبت عن النبي -ﷺ- أنه بال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، لحديث أسامة بن زيد قال (دفع رسول الله -ﷺ- من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ، فقلت له الصلاة يا رسول الله؟ قال: الصلاة أمامك) متفق عليه.
فهل يسن للإنسان أن ينزل في أثناء الطريق وفي المكان الذي نزل فيه الرسول -ﷺ- إن كان سار معه ويبول ويتوضأ وضوءًا خفيفًا؟ الجواب: لا يسن هذا، لأن هذا وقع اتفاقًا، بمقتضى الطبيعة حيث احتاج أن يبول فنزل فبال.
• إذا وصل مزدلفة في وقت المغرب فما المشروع في حقه؟ قيل: يؤخر الصلاة لفعل النبي -ﷺ-، وقيل: يقدم، لأن النبي -ﷺ- من حين وصل إلى مزدلفة صلى.
قال الشيخ ابن عثيمين: " قد يقال: روى البخاري عن ابن مسعود أنه قدم مزدلفة العشاء أو قريبًا من العشاء، فأذّن وصلى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أذن فصلى العشاء، وهذا يدل على أنه ﵁ لما وصل في هذا الوقت رأى أن لا يجمع، وبناء على هذا نقول: من وصل مبكرًا فليصل ثم لينتظر حتى يأتي العشاء فيؤذن ويصلي العشاء، فإن قال الحاج: الراحة لي والأسهل عليّ أن أصلي المغرب من حين أن أصِل وأصلي معها العشاء وأستريح، نقول: ذلك جائز ولا بأس به ".
[ ١ / ٥٢٧ ]
م/ ثُمَّ اِضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ اَلْفَجْرُ.
أي يسن أن ينام حتى يصبح.
• لكن يستثنى الوتر فإنه يصليه ولا يتركه لأسباب: أولًا: لأن النبي -ﷺ- كان لا يدعه لا سفرًا ولا حضرًا، حتى كان -ﷺ- يوتر على راحلته في السفر، ثانيًا: أن النبي -ﷺ- أمر به أمرًا عامًا بدون استثناء، ثالثًا: أن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، فإما أن يكون جابر سكت عن ذكره لأنه لا يدري، ولهذا لم ينف الوتر كما نفى التنفل في قوله [ولم يسبح بينهما] رابعًا: أن يكون ترك ذكره للعلم به، ولأنه ليس من المناسك، والحديث في سياق المناسك.
• وكذلك يشرع قيام الليل، وقد ثبت عن أسماء، فقد ثبت عنها (أنها نزلت ليلة جمع بالمزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة …) متفق عليه.
• هل يجوز أن يدفع من مزدلفة قبل الفجر؟ قال بعض العلماء يجوز بعد منتصف الليل للضعفة من النساء والصبيان والكبار والعاجزين والمرضى، وقال بعض العلماء: إن المعتبر غروب القمر، ولذلك كان من فقه أسماء أنها تنتظر حتى إذا غاب القمر دفعت، وغروب القمر يكون بعد مضي ثلثي الليل تقريبًا.
لحديث عائشة قالت (كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة، فاستأذنت رسول الله -ﷺ- أن تفيض من جمْع بليل فأذن لها) متفق عليه.
وعن ابن عباس قال (أنا ممن قدم النبي -ﷺ- ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) متفق عليه.
• أما غير الضعفاء والعاجزين فالجمهور على أنه يجوز أن يدفع آخر الليل، وقال بعض العلماء لا يجوز ورجحه بعض المحققين، لكن الصحيح الجواز، والأحوط البقاء حتى صلاة الصبح.
• والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، إذا تركه عمدًا فحجه صحيح مع الإثم وعليه دم.
[ ١ / ٥٢٨ ]
م/ وَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ.
يسن في صلاة الفجر في مزدلفة المبادرة بها في أول وقتها، مبادرة تكون غير معتادة، ولعل هذه المبادرة ليتسع وقت الذكر والدعاء بعد الصلاة.
[ ١ / ٥٢٩ ]
م/ ثُمَّ رَكِبَ القَصُّوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشْعِرَ الحَرَامَ.
[المشعر الحرام] هو جبل صغير بمزدلفة والآن المسجد المبني في مزدلفة على المشعر الحرام.
• فيه أنه يسن للحاج في مزدلفة بعد صلاة الصبح أن يأتي المشعر الحرام فيرقي عليه ويستقبل القبلة ويذكر الله ويهلله ويدعو كما قال تعالى (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقوله -ﷺ- (وقفت ههنا وجمع كل موقف) رواه مسلم.
• على الحاج أن يحذر من تضييع هذه الدقائق الغالية.
• يبقى للدعاء والذكر حتى يسفر جدًا.
[ ١ / ٥٣٠ ]
م/ فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
يسن للحاج أن يدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس من يوم العيد.
قال ابن قدامة: " لا نعلم خلافًا في أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس ".
قال ابن القيم: " أجمع المسلمون على أن الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة ".
لفعل النبي -ﷺ-، ومخالفة لأهل الجاهلية.
وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ (إِنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَأَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
[لا يفيضون] أي من جمع كما جاء في رواية [أشرق] أي من الإشراق، أي أدخل في الشروق، والمعنى: لتطلع عليه الشمس، [ثبير] جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، [ثم أفاض] أي النبي -ﷺ-، والدليل على أن المراد هو النبي -ﷺ-: ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي: (فخالفهم النبي -ﷺ- فأفاض) وفي حديث جابر عند مسلم: (… فدفع قبل أن تطلع الشمس).
• ففي هذا الحديث أن السنة في الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
لفعل النبي -ﷺ- ومخالفة المشركين، فإنهم كانوا يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يفيضون إلى منى، ففي هذا الحديث تأكد الإفاضة من مزدلفة وقت الإسفار قبل طلوع الشمس.
• أن من تأخر عامدًا فقد أساء وخالف هدي النبي -ﷺ-، وأما من تعذر عليه ذلك بعد أن أخذ في الإفاضة ولكن عاقه المسير لشدة زحام، أو خلل في مركوبه، أو نحو ذلك فهو معذور.
[ ١ / ٥٣١ ]
م/ وَأَرْدَفَ اَلْفَضْلَ بْنَ اَلْعَبَّاسِ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا.
في هذا كيفية الدفع من مزدلفة، وأنه إذا مر بوادي محسر حرك دابته قليلًا، وهذه هي السنة فيمن أتى بطن محسر، وكذا سيارته إن أمكن، وإن كان ماشيًا أسرع (وادي محسر هو وادٍ بين مزدلفة ومنى لا من هذه ولا من هذه).
واختلف العلماء لماذا أسرع في وادي محسر:
قيل: هذا أمر تعبدي. وقيل: لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل فينبغي للإنسان أن يسرع إذا مرّ بأراضي العذاب.
وهذا تعليل عليل لأمرين:
أ- لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له [المُغَمّس] حول الأبطح.
ب- أنه لا يشرع الإسراع للذاهب، ولا يشرع الإسراع لغير القادم من مزدلفة، فلو كان على ما ذكروا لشرع الإسراع لكل من مرّ به، وهم لا يقولون بهذا.
وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي -ﷺ- أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الإفاضة من مزدلفة. والله أعلم.
[ ١ / ٥٣٢ ]
م/ ثُمَّ سَلَكَ اَلطَّرِيقَ اَلْوُسْطَى اَلَّتِي تَخْرُجُ عَلَى اَلْجَمْرَةِ اَلْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى اَلْجَمْرَةَ اَلَّتِي عِنْدَ اَلشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ الخَذْف.
فيه أن السنة للحاج إذا وصل إلى منى أن يبدأ برمي جمرة العقبة، وقد سماها جابر الكبرى، وسماها بذلك باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى، ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد.
• فيرمي جمرة العقبة بسبع حصيات.
• المقصود من الرمي إقامة ذكر الله، والاقتداء برسول الله، وتحقيق التذلل.
• أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس، وهذا هو الأفضل، ففي حديث جابر قال
(رمى رسول الله -ﷺ- يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) رواه مسلم، وأما أهل الأعذار إذا وصلوا في آخر الليل ووصلوا إلى منى فإنهم يرمون، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي وإلا لما استفاد شيئًا.
• في حديث ابن مسعود كيفية رمي جمرة العقبة فعَنْه -﵁- (أَنَّهُ جَعَلَ اَلْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى اَلْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ اَلَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ اَلْبَقَرَةِ) متفق عليه.
واتفقوا على أنه من حيث رماها جاز، قال النووي: " وأجمعوا على أنه من حيث رمى جمرة العقبة جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو رماها من فوقها، أو أسفلها".
• وتكون الحصى بمثل حصى الخذف - وهي بالخاء المعجمة - وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحمص قليلًا، فلا يجوز أن يرمي بالحجر الكبير فيؤذي المسلمين، ولا بالصغير الذي لا يمكن رميه.
• السنة أن يكبر مع كل حصاة، لحديث جابر هذا، وَلحديث اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي اَلْجَمْرَةَ اَلدُّنْيَا، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ هكذا رأيت رسول الله يفعله) متفق عليه.
• ويكون الرمي بحصى متعاقبات، فلو رمى السبع جميعًا مرة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة.
• قوله (رمى) نستفيد أنه لابد من الرمي، فلو وضع الحصى وضعًا لم يجزئه.
• لم يذكر جابر من أين أخذ النبي -ﷺ- حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين،
بعضهم قال أن النبي -ﷺ- التقطها من منى، وبعضهم قال إنه التقطها من موقفه الذي رمى فيه، وبعضهم قال إنه التقطها من طريقه لحديث الفضل وفيه (حتى إذا دخل محسرًا وهو من منى، قال: عليكم بحصى
الخذف …) وبهذا جزم ابن القيم، والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، وأما ما يعتقده بعض العوام أن المستحب أن يُلتقط الحصى من مزدلفة فهذا لا أصل له فضلًا على أن يكون واجبًا.
• أنه لا يغسل الحصى، فإن غسْله - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - بدعة.
• ما يذكر أن الرمي إغاظة للشيطان فهذا لا أصل له.
• يقطع الحاج التلبية عند رمي جمرة العقبة - وهذا مذهب جمهور العلماء - لحديث ابن عباس وأسامة قالا (لم يزل النبي -ﷺ- يلبي حتى رمى جمرة العقبة) رواه البخاري.
• لا يقف بعد جمرة العقبة للدعاء، وقد علل بعض العلماء السبب بعدة علل، قيل: لضيق المكان، وقيل: لأنها انتهت العبادة، وقيل: لأنها ليست من منى.
[ ١ / ٥٣٣ ]
م/ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًَّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدِيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَت فِي قِدْرٍ، وَطُبِخَت، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.
فيه دليل على أنه يسن للحاج بعد الرمي أن ينحر هديه.
• الهدي على المتمتع والقارن، أما المتمتع بنص القرآن قال تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي)، وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء، قياسًا على المتمتع.
• ودم التمتع والقران دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان في سفر واحد ودم واحد. ولهذا كان دم المتعة والقران مما يؤكل منه ويهدى ويتصدق - فليس هو دم جبران -، وأما دم المحظور لا يؤكل منه ولا يهدى، فهو يصرف على الفقراء.
• فإن عدم الهدي فقد قال تعالى (فإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). فعليه - كما أخبر الله - صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
• ومعنى لا يجد الهدي: أن لا يوجد هدي في الأسواق، أو أن يوجد بهيمة أنعام لكنه لا يملك الثمن.
• بالنسبة لصيام الثلاثة أيام في الحج، متى يصومها؟ الصحيح أن يبدأ من حين إحرامه بالعمرة، ويكون آخرها آخر أيام التشريق، والأفضل أن تصام أيام التشريق [١١، ١٢، ١٣] لقول عائشة وابن عمر قالا (لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي) رواه البخاري، فظاهر هذا النص أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج، لأن أيام التشريق أيام حج.
• لكن هل يلزم التتابع؟ إن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق لزم التتابع، لأنه لا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق، وأما إذا صامها قبل أيام التشريق فيجوز أن يصومها متفرقة.
فائدة:
لم يذكر جابر الحلق في هذه الرواية، لكن جاء عند أحمد من حديث جابر (… نحر رسول الله -ﷺ- فحلق) وفي حديث أنس (أن رسول الله -ﷺ- أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس).
وهذا يدل على أن السنة أن يكون الحلق بعد النحر (رمي، نحر، حلق).
وقد سبق مباحث الحلق وأنه لابد من تعميم الرأس، وأن الحلق أفضل من التقصير.
• النبي نحر (٦٣) بيده وهذه حكمة فإنه على قدر عمره.
• جواز التوكيل في ذبح الهدي.
• تأكد الأكل من الهدي، لأنه -ﷺ- أمر من كل بدنة بقطعة.
[ ١ / ٥٣٤ ]
م/ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَأَفَاضَ إِلَى البَيْت.
[فأفاض] أي: طاف طواف الإفاضة.
فيه دليل على استحباب طواف الإفاضة بعد الرمي والنحر والحلق إن تيسر، وإلا فالأمر فيه سعة.
• وهذا الطواف ركن من أركان الحج بالإجماع قال تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
• السنة أن يكون هذا الطواف يوم العيد اقتداء بالنبي -ﷺ-.
• للحاج تأخيره، لكن لا يجوز عن ذي الحجة.
فإن كان متمتعًا أتى بالسعي بعد الطواف، لأن سعيه الأول كان للعمرة، فالمتمتع عليه طوافين وسعيين، فيطوف طواف العمرة ويسعى، ويطوف طواف الحج ويسعى.
وأما القارن والمفرد: فإن كانا قد سعيا بعد طواف القدوم (وهو أفضل لفعل النبي -ﷺ- لم يعيدا السعي مرة أخرى، لحديث جابر قال (لم يطف النبي -ﷺ- ولا أصحابه الذين بقوا على إحرامهم …)
• أعمال يوم العيد الأفضل ترتيبها كما فعل النبي -ﷺ-:
رمي، ثم نحر، ثم حلق، ثم طواف، ثم سعي، فإن أخل بترتيبها ولو متعمدًا فلا شيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ اَلْعَاصِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: " اِذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " اِرْمِ وَلَا حَرَجَ " فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: " اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " لو قدم السعي على الطواف في يوم النحر جاز، خلافًا لأكثر أهل العلم ".
[ ١ / ٥٣٥ ]
م/ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ.
في حديث جابر هذا أن النبي -ﷺ- صلى الظهر يوم النحر بمكة، وجاء في الصحيحين عن ابن عمر (أنه صلاها بمنى) والجمع: أن يقال أن الرسول -ﷺ- صلى الظهر بمكة، ثم خرج إلى منى فوجد بعض أصحابه لم يصلّ، فصلى بهم إمامًا، فتكون صلاته في منى معادة، كما وقع له في بعض حروبه.
[ ١ / ٥٣٦ ]
م/ فَأَتَى بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: (اِنْزِعُوا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ اَلنَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[فأتى عبد المطلب يسقون على زمزم] قال النووي: " معناه أتاهم بعد فراغه من طواف الإفاضة ".
• لأنهم كانوا مسؤولين عن السقاية، السقاية هذه مِن الأعمال التي كانت تقوم بها قريش في الجاهلية، وفي تلك السَّنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان المسؤولُ عن السقاية العباس بن عبد المطلب، هو المسؤول، ولذلك استأذن النبيَّ ﵊ أن يبيتَ في مكة، وأن يترك المبيت في (مِنى) لياليَ التشريق مِن أجل سقاية الحجيج في مكة، فالنبي ﵊ بعدما طاف طوافَ الإفاضة وصلى بمكة:
[أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ،] قال النووي: "معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس".
[فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ] النَّزْع هنا معناه: اسْتَقُوا بالدِّلاء وانْزِعُوها بالرِّشاء، هكذا قال النووي، يعني: اجتهدوا في سقاية الناس، وانزِعوا الماءَ مِن البئر.
[فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ؛ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ] قال النووي: "معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء ".
وفي قوله [لَنَزَعْتُ مَعَكم] وهذا يَدُلُّك على تواضع النبي ﵊ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَنَعَهُ مِن المشاركة معهم في هذا العمل العظيم وهذا الشرف، خدمة الحجيج شرف، كانت الناس تَظن أنه شرف مِن قديم، مِن الجاهلية، فهذا شرف عظيم أن تخدم ضيوفَ الرحمن وحُجاجَ البيت الحرام، والنبي ﵊ أراد أن يشارك في هذا العمل الجليل، ولكن خشي أن يَغلب الناسُ بني عبد المطلب على هذا الشرف، على سقايتهم.
[فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ] ناولوا النبيَّ -ﷺ- دلوًا فشرب منه. انتهى الحديث.
[ ١ / ٥٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسألة:
متى يحصل التحلل الأول؟
يحصل التحللُ الأول باثنين مِن حلقٍ ورميٍ وطواف.
هذا الذي عليه جمهور الفقهاء: أن التحلل الأول يحصل باثنين مِن ثلاثة: الرمي، الحلق، الطواف.
إذا فعلتَ اثنين من هذه؛ تحلَّلتَ التحللَ الأول يعني: إذا رميتَ وحلقتَ؛ تحللتَ التحللَ الأول.
ومعنى التحلل الأول: يَحِلُّ لك كلُّ شيءٍ مِن محظورات الإحرام إلا النساء.
يعني: تحلق شَعرَك، تُقلِّم أظافرك، تُغَطّي رأسك، تلبس الثياب، وتضع الطيب، كل شيء مِن محظورات الإحرام يحل لك إلا النساء.
وذهب بعضُ المحققين مِن أهل العلم إلى أن التحللَ الأول يحصل برمي جمرة العقبة فقط، ذهب إلى هذا بعضُ المحققين، وصححه الإمامُ الفقيه الحنبلي شيخُ المذهب ابنُ قدامة ﵀ في كتابه "المغني"، أنه يحصل برمي جمرة العقبة فقط.
والأحوط الأول.
أما التحلل الثاني:
فمعناه: أنه يَحِلُّ لك كلُّ شيء حتى النساء، حتى الوطء يحلّ، هذا الفرق بين التحلل الأول والتحلل الثاني: يحصل بالثلاثة، مع السعي إذا كان الإنسان عليه سعي.
يعني الإنسان إذا رمى وحلق وطاف؛ تحلل التحلل الأكبر، حَلَّ له كلُّ شيء.
البيات في منى ﴿أيام التشريق﴾:
يرجع الحاج بعد الطواف والسعي إلى منى فيمكث فيها بقية يوم العيد وأيام التشريق ولياليها.
يلزمه المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إن تأخر.
قال النووي: "سميت بذلك - أي أيام التشريق - لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها، وهي تقديمها ونشرها في الشمس ".
الرمي أيام التشريق:
يرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام التشريق كل واحدة بسبع حصيات.
(يرمي الجمرة الأولى ثم يتقدم فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا فيدعو رافعًا يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا فيدعو وهو رافع يديه، ثم يرمي جمرة العقبة فينصرف ولا يقف للدعاء).
[ ١ / ٥٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون الرمي أيام التشريق بعد الزوال:
عن جابر قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال). رواه مسلم
وعن ابن عمر قال: (كنا نتحين زوال الشمس فإذا زالت الشمس رمينا). رواه البخاري
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "ومما يدل على أنه لا يجزئ الرمي قبل الزوال: أنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي -ﷺ- لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه؛ ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر؛ ولما فيه من تطويل الوقت من وجه ثالث، فلما كان الرسول -ﷺ- يعتمد أن يؤخر حتى تزول الشمس مع أنه أشق على الناس؛ دلّ هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول -ﷺ- من حين أن تزول الشمس يبادر بالرمي قبل أن يصلي الظهر، وكأنه يترقب بفارغ الصبر زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر ".
وقال بعض العلماء: يجوز مطلقًا وهو قول عطاء، وقال بعضهم: يجوز يوم النفر الأول وهو قول أبي حنيفة.
يجوز الرمي بالليل:
وقد قال بعض السلف (كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يرمون ليلًا) رواه ابن أبي شيبة.
• المذهب أن الترتيب في رمي الجمرات - بأن يرمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة - شرط، وقال بعض العلماء: الترتيب واجب ليس بشرط، بمعنى أن الإنسان يأثم بتركه، ولكن إن نسي أو جهل يصح، وهذا القول أرجح والأول أحوط.
• المبيت بمنى ليالي التشريق واجب من واجبات الحج. وسيأتي دليله.
• إذا رمى الجمار في اليوم الثاني عشر فقد انتهى من واجب الحج، فهو بالخيار إن شاء بقي في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار بعد الزوال، وإن شاء نفر منها.
قال تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى …).
والتأخر أفضل:
لأنه فعل النبي -ﷺ-، ولأنه أكثر عملًا.
• لكن إذا غربت الشمس في اليوم الثاني عشر قبل نفره من منى فلا يتعجل حينئذ، لأن الله قال: (فمن تعجل في يومين …) فقيد التعجيل في اليومين ولم يطلقه، فإذا انتهت اليومان فقد انتهى وقت التعجيل، واليوم ينتهي بغروب شمسه).
• إذا تأخر الحاج إلى الغروب يوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل: أن يتأهب للسفر ويشد رحله فيتأخر خروجه من منى بسبب زحام السيارات أو نحو ذلك فإنه ينفر ولا شيء عليه لو غربت عليه الشمس قبل أن يخرج من منى).
• يخطئ بعض الناس في قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه …) حيث ظنوا أن يوم الثاني عشر هو اليوم الحادي عشر وظنوا أن اليوم الأول هو يوم العيد، وليس الأمر كذلك، إنما اليومان هما: الحادي عشر والثاني عشر).
• إذا نفر الحاج من منى وانتهت أعمال الحج، وأراد السفر إلى بلده، فإنه لا يخرج حتى يطوف طواف الوداع).
[ ١ / ٥٣٩ ]
م/ وَكَانَ -ﷺ- يَفْعَلُ اَلْمَنَاسِكَ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)، فَأَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ اَلْحَجِّ: اَلِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- فِيهِ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ.
هذا الحديث رواه مسلم عن جابر قال (رَأَيْتُ النَّبِىَّ -ﷺ- يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لَا أَدْرِى لَعَلِّى لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ).
قال النووي: " فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته -ﷺ-، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع ".
• يستحب للحاج أن يقتدي بالرسول -ﷺ- في جميع أفعال الحج حتى المسنونة، لأنه هو الأسوة والقدوة، كما قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ).
وهذا أيضًا من علامة محبته -ﷺ- واتباعه (وإن تطيعوه تهتدوا).
[ ١ / ٥٤٠ ]
م/ وَلَوْ اِقْتَصَرَ اَلْحَاجُّ عَلَى: اَلْأَرْكَانِ اَلْأَرْبَعَةِ اَلَّتِي هِيَ: اَلْإِحْرَامُ.
ذكر المصنف أركان الحج:
الأركان: جمع ركن، والركن جانب البيت الأقوى.
قال شيخ الإسلام: " أركان الحج هي أبعاضه وأجزاؤه التي لا يتم إلا بها ".
الأول: الإحرام: (وهو نية الدخول في النسك).
وهو ركن بالإجماع، لحديث عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إنما الأعمال بالنيات).
[ ١ / ٥٤١ ]
م/ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
وقد أجمع العلماء على أنه ركن من أركان الحج، وأنه لا يصح الحج بدونه.
لقوله -ﷺ-: (الحج عرفة).
• أنه يجزئ الوقوف بعرفة ولو جزءًا يسيرًا.
• أن من وقف ولو لحظة في عرفة فقد تم حجه، لكن لا بد أن يكون أهلًا للوقوف:
مسلم: وعلى هذا فلو كان لا يصلي، ووقف بعرفة، وبعد الدفع منها صلى، فلا يصح حجه، لأنه حين الوقوف ليس أهلًا للحج.
عاقلًا: فإن كان مجنونًا لم يصح وقوفه، وغير سكران، وغير مغمي عليه.
• لا خلاف في أن آخر الوقوف طلوع فجر يوم النحر.
قال جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع). [قاله في المغني]
[ ١ / ٥٤٢ ]
م/ وَالطَّوَافُ.
أي طواف الإفاضة.
قال في المغني: " وهو ركن لا يتم الحج إلا به لا نعلم فيه خلافًا ".
قال تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
• هذا الطواف الأفضل أن يكون يوم العيد بعد الرمي والنحر والحلق، ويجوز فعله في أيام التشريق.
[ ١ / ٥٤٣ ]
م/ وَالسَّعْيُ.
وهو ركن عند جمهور العلماء.
لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
وقال -ﷺ-: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي). رواه أحمد
[ ١ / ٥٤٤ ]
م/ وَالْوَاجِبَاتِ اَلَّتِي هِيَ: اَلْإِحْرَامُ مِنْ اَلْمِيقَاتِ.
ذكر المصنف واجبات الحج وذكر الأول: وهو الإحرام من الميقات، فيجب على الحاج أو المعتمر أن يحرم من الميقات، ولا يجوز أن يتجاوزه بغير إحرام إذا أراد الحج أو العمرة.
لقوله -ﷺ-: (يهل أهل المدينة …) وهذا خبر بمعنى الأمر.
وقال ابن عمر: (فرض رسول الله -ﷺ- لأهل المدينة ذا الحليفة …). رواه البخاري.
[ ١ / ٥٤٥ ]
م/ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اَلْغُرُوبِ.
لفعل النبي -ﷺ- مع أنه لو دفع بالناس قبل الغروب لكان أرفق ومع ذلك وقف إلى الغروب.
ولأن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية لأنهم يدفعون قبل الغروب. [الممتع: ٧].
فتأخير النبي -ﷺ- الدفع إلى ما بعد غروب الشمس ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب مع أن وقت المغرب قد دخل، يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وكأنه ﵊ ممنوع حتى تغرب الشمس.
[ ١ / ٥٤٦ ]
م/ وَالْمَبِيتُ لَيْلَةَ اَلنَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ.
فالمبيت بمزدلفة من واجبات الحج، وهذا قول الأكثر.
لقوله تعالى (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
وقال -ﷺ- (وقفت ههنا وجمْع كلها موقف) رواه مسلم.
وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك سنة، وذهب بعضهم إلى أنه ركن.
[ ١ / ٥٤٧ ]
م/ وَلَيَالِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ بِمِنًى.
أي: ومن واجبات الحج المبيت بمنى ليالي التشريق.
لحديث اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ -﵁- اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فالعباس استأذن رسول الله -ﷺ- فأذن له، ولو لم يكن واجبًا ما احتاج إلى الاستئذان.
• المراد بالمبيت: الإقامة بمنى أكثر الليل.
• رخص النبي -ﷺ- في عدم المبيت في منى لصاحب سقاية الحاج ولرعاة الإبل، كما في حديث عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- أَرْخَصَ لِرُعَاة اَلْإِبِلِ فِي اَلْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ اَلْغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ اَلنَّفْرِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
• هل يعذر لغير هؤلاء؟
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " ومثل ذلك في وقتنا الحاضر رجال المرور، والأمن، ومن ذلك الأطباء، فإنه يسمح لهم في ترك المبيت، فكل من يشتغل بمصلحة عامة يعذر في ترك المبيت قياسًا على السقاية والرعاية ".
[ ١ / ٥٤٨ ]
م/ وَرَمْيُ اَلْجِمَارِ.
لقوله -ﷺ- (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) رواه الترمذي.
لأنه عمل يترتب عليه الحل فكان واجبًا ليكون فاصلًا بين الحل والإحرام.
[ ١ / ٥٤٩ ]
م/ وَالْحَلْقُ أَوْ اَلتَّقْصِيرُ.
لأن الله جعله وصفًا في الحج والعمرة فقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ)
لم يذكر المؤلف السابع: وهو طواف الوداع، وهو من واجبات الحج.
عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية (لا ينصرفنّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت).
فإن قيل: قد يكون الأمر للاستحباب:
يقال: هذا لا يصح لوجهين:
الأول: أن الأصل في الأمر الوجوب، إلا بدليل.
الثاني: أنه قال: خفف عن الحائض، والتخفيف لا يقال إلا في مقابل الإلزام.
• سقوط طواف الوداع عن الحائض، ومثل الحائض النفساء.
• قوله (لا ينصرفن …) دليل على أن من كان من أهل مكة فإنه لا يجب عليه طواف وداع، لأنه لن ينفر من مكة.
• قوله (لا ينصرفن …) دليل على أنه يجب أن يكون طواف الوداع هو آخر شيء يفعله في مكة، فإن طاف واشتغل بتجارة أو إقامة فإنه يعيد الطواف.
• في المغني: إذا طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة، فعليه إعادته.
وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور.
لحديث الباب.
فائدة: أجمع العلماء على أن المعتمر إذا اعتمر ثم خرج مباشرة، أنه لا يجب عليه طواف وداع، كأن يقدم مكة فيطوف ويسعى ويحلق ثم يخرج مباشرة، فهذا لا طواف عليه.
• رخص العلماء له في الأشياء التي يفعلها وهو عابر وماش، مثلًا يشتري حاجة في طريقه، أو أن ينتظر رفقته متى جاءوا ركب ومشى، ومثله لو تغدى أو تعشى.
• قول بعض الفقهاء: تقف الحائض والنفساء على باب المسجد …، هذا فيه نظر، فقد انعقد سببه في عهد النبي -ﷺ- ولم يندب إليه، فلما حاضت صفية قال: (فلتنفر) فقد خفف عنها النبي -ﷺ- طواف الوداع، ولم يشرع لها الدعاء عند الباب.
• اختلف العلماء في طواف الوداع للعمرة على قولين.
القول الأول: أنه سنة.
وهذا قول جمهور العلماء، وحكاه ابن عبد البر إجماعًا.
لأن النبي -ﷺ- لم يأمر الذين حلوا من عمرتهم في حجة الوداع بطواف الوداع إذا خرجوا من مكة.
وأنه -ﷺ- أمر المحلين بمكة في حجة الوداع أن يتوجهوا من منازلهم إلى منى ثم إلى عرفة، ولم يأمرهم بطواف وداع.
[ ١ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأن الأحاديث لم تأت إلا بأمر الحاج به، ففي حديث ابن عمر المخرّج عند ابن خزيمة (أمر الحاج ..) وكذلك رواية ابن عباس عند الشافعي، فتخصيصه بالحاج يدل على أن المعتمر على خلافه.
قال الشيخ ابن باز: " المعتمر لا وداع عليه في أصح قولي العلماء ".
القول الثاني: أنه يجب على المعتمر وداع.
وبه قال الثوري.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " وهذا القول هو الراجح، … وقال: طواف الوداع واجب على كلِّ إنسان مغادر مكة وهو حاج أو معتمر، للأدلة التالية:
عموم قوله: (لا ينفر واحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
وهذا شامل (واحدٌ) نكرة في سياق النفي، أو في سياق النهي، فتعم كل من خرج.
أن العمرة كالحج، سماها النبي -ﷺ- حجًا أصغر، كما في حديث عمرو بن حزم المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول: (والعمرة هي الحج الأصغر).
أن النبي -ﷺ- قال ليعلى بن أمية: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).
فإذا كنت تصنع طواف الوداع في حجك، فاصنعه في عمرتك، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع العلماء على خروجه، مثل: الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فإن هذا بالإجماع ليس مشروعًا في العمرة ".
والراجح أن طواف الوداع للعمرة سنة.
لكن ينبغي للإنسان أن يفعله خروجًا من الخلاف وأبرأ للذمة. والله أعلم.
[ ١ / ٥٥١ ]
م/ وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِ اَلرُّكْنِ فِي اَلْحَجِّ وَتَرْكِ اَلْوَاجِبِ: أَنَّ تَارِكِ الرُّكْنِ لَا يَصِح حَجَّهُ حَتَّى يَفْعَلْهُ عَلَى صِفَتِهِ الشَّرْعِيَةِ، وَتَارِكِ الوَاجِبِ حَجَّهُ صَحِيح وَعَلِيهِ إِثم وَدَم لِتَرْكِهِ.
إذا ترك الحاج ركن من أركان الحج:
فإن كانت الإحرام - وهي النية -لم ينعقد نسكه لحديث (إنما الأعمال بالنيات).
وإن ترك ركنًا من أركان الحج - غير النية - لم يتم حجه حتى يأتي به، فإذا كان الركن مما يفوت فالحج لاغ، كما لو ترك الوقوف بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد.
فإن ترك واجبًا فعليه دم.
عن ابن عباس قال: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا). رواه مالك
هذا الدم جبران لا شكران، وعليه فيجب أن يتصدق بجميعه على فقراء الحرم ويذبح في الحرم ويوزع في الحرم. (وهذا ما عليه جماهير العلماء).
[ ١ / ٥٥٢ ]
م/ وَيُخَيَّرُ مَنْ يُرِيدُ اَلْإِحْرَامِ بَيْنَ اَلتَّمَتُّعِ -وَهُوَ أَفْضَلُ- وَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ.
أي: أن الحاج يخير بين هذه الأنساك الثلاثة.
قال ابن قدامة: " أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة ".
واختلفوا في الأفضل على أقوال:
فقيل: القران أفضل.
وهذا قول الثوري وأبو حنيفة وإسحاق، ورجحه النووي والمزني. قالوا:
إن الله اختاره لنبيه -ﷺ-، حيث أن النبي حج قارنًا، وما كان الله ليختار لنبيه إلا الأفضل.
وقيل: التمتع أفضل.
وهذا مذهب الحنابلة.
لقول النبي -ﷺ-: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة). متفق عليه
فهو -ﷺ- تأسف على فواته، وأمر أصحابه أن يفعلوه.
ولأن النبي -ﷺ- أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا بالبيت ويجعلوها عمرة.
وقيل: التمتع أفضل الأنساك إلا لمن ساق الهدي فإن القران في حقه أفضل.
وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح.
[ ١ / ٥٥٣ ]
م/ فَالتَّمَتُّعُ هُوَ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجُّ، وَيَفْرُغُ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ.
ذكر المؤلف تعريف التمتع، ومن هذا التعريف نعرف أنه لا يكون متمتعًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف:
أ- أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
ب- أن يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير.
ج- أن يحرم بالحج من عامه.
مثال: لو أن شخصًا اعتمر في رمضان، ثم جلس في مكة وأراد أن يحج من نفس العام، فإنه لا يكون متمتعًا، لأن العمرة لم تقع في أشهر الحج.
• أشهر الحج تبدأ من شوال.
[ ١ / ٥٥٤ ]
م/ وَعَلَيْهِ دَمٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ.
المتمتع يجب عليه هدي بنص القرآن والسنة.
والمؤلف يقول: وعليه دم، أي هدي، وهو دم شكران. [جمع الله له في سفر واحد بين نسكين].
قال تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
ولحديث ابن عمر ( وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) متفق عليه.
• يشترط لوجوب الهدي على المتمتع أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام بالإجماع.
قال تعالى: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
واختلف ما المراد بحاضري المسجد الحرام بعد الاتفاق على أن أهل الحرم داخلون في ذلك:
فقيل: المراد بهم أهل الحرم خاصة دون غيرهم.
وقيل: هم أهل الحرم ومن بينه وبين مكة مسافة دون القصر.
وقيل: هم أهل الحرم ومن كان داخلًا في مسمى مكة.
[ ١ / ٥٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والراجح أنهم أهل الحرم وأهل مكة.
• يشترط في الهدي ما يشترط في الأضحية من اعتبار السن، والسلامة من العيوب، وهذا قول أكثر العلماء.
• يشترط في هدي المتعة أن يذبح في الوقت الذي يذبح فيه الأضاحي وهو يوم العيد وأيام التشريق.
• يشترط أن يذبح في الحرم، فلو ذبحه خارج الحرم كعرفة لم يجزئ حتى لو دخل به إلى منى، وكذلك تفريقه لا بد أن يكون في الحرم.
• دم التمتع دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان في سفر واحد ودم واحد. ولهذا كان دم المتعة مما يؤكل منه ويهدى ويتصدق - فليس هو دم جبران -، وأما دم المحظور لا يؤكل منه ولا يهدى، ولكن يصرف على الفقراء.
• فإن عدم الهدي فقد قال تعالى (فإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). فعليه - كما أخبر الله - صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
• ومعنى لا يجد الهدي: أن لا يوجد هدي في الأسواق، أو أن يوجد بهيمة أنعام لكنه لا يملك الثمن.
• بالنسبة لصيام الثلاثة أيام في الحج، متى يصومها؟ الصحيح أن يبدأ من حين إحرامه بالعمرة، ويكون آخرها آخر أيام التشريق، والأفضل أن تصام أيام التشريق [١١، ١٢، ١٣] لقول عائشة وابن عمر قالا (لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي) رواه البخاري، فظاهر هذا النص أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج، لأن أيام التشريق أيام حج.
• لكن هل يلزم التتابع؟ الجواب: إن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق لزم التتابع، لأنه لا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق، وأما إذا صامها قبل أيام التشريق فيجوز أن يصومها متفرقة.
[ ١ / ٥٥٦ ]
م/ وَالْإِفْرَادُ هُوَ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا.
أن يحرم بالحج مفردًا فيقول: لبيك حجًا.
[ ١ / ٥٥٧ ]
م/ وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا. أَوْ يَحْرُمُ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ اَلْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْلَ اَلشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا. وَيُضْطَرُّ اَلْمُتَمَتِّعِ إِلَى هَذِهِ اَلصِّفَةِ إِذَا خَافَ فَوَاتَ الوَقُوْف بِعَرَفَةَ إِذَا اشْتَغَلَ بِعُمْرَتِهِ، وإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ أَو نَفَسَتِ، وَعَرَفَتْ أَنَّهَا لَا تَطْهُر قَبْلَ وَقْتِ الوَقُوْفِ بِعَرَفَةَ.
القران هو: يعني أن يقول: لبيك اللهم حجًا وعمرة، أو لبيك اللهم عمرةً في حج، أو عمرةً وحجًا.
والصفة الثانية قال المصنف:
[أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها] يعني أن يقول في الميقات: لبيك اللهم عمرة، وقبل الشروع في طوافها- يعني في طواف العمرة - يُدخِل عليها الحج، قال في الميقات مثلًا: لبيك اللهم عمرة، لَمّا دخل مكة وقبل أن يطوف طواف العمرة قال: لبيك اللهم حجًا وعمرة، أو لبيك اللهم حجًا، فأدخل الحج في العمرة، وهذا جائز، ولكن يَشترط العلماء: قبل الشروع في طوافها، لأنه إذا ابتدأ في الطواف؛ انتهى، ما يُمكِنه أن يُدخِل الحج، لأنه قد شرع في العمرة.
وهذه حصلت لعائشة - كما في الصحيحين - أنها كانت متمتعة وأنها أحرمت بعمرة فلما دخلت مكة أصابها الحيض، فأرشدها النبي -ﷺ- أن تحول حجها إلى قران.
وقوله (ويضطر المتمتع إلى هذه الصفة) أي الصفة الثانية وهي: أن يدخل الحج على عمرته بأن ينتقل من التمتع إلى القران في حالتين.
الحالة الأولى: إذا خاف فوات الوقوف بعرفة إذا اشتغل بعمرته: هذه الحالة الأولى مثالها:
هذا متمتع أحرم بعمرة، لما وصل مكة؛ وصلها في يوم عرفة، والناسُ في الموقف، ممكن أن نقول: وصلها مثلًا بالليل، في ليلة النحر، - الإنسان له إلى طلوع الفجر - هذا وصل مثلًا في الليل - في ليلة النحر - وصل إلى مكة، متمتعًا يقول: لبيك اللهم عمرة، الآن الواجب عليه أن يعتمر، لكن خشي لو أنه طاف وسعى وقَصَّر واشتغل بالعمرة: أن تَفوتَ عليه عرفة، بأن يطلع الفجر مِن يوم النحر وأن يفوت عليه الوقوفُ، فماذا يفعل؟ يُدخِل الحج (لبيك اللهم حجًا) وينطلق إلى عرفة. الآن إذا أدْخَلَ الحج هل يجب عليه أن يطوف؟ لا يجب، لأن الطواف يكون حينئذ طوافَ قدوم، وطوافُ القدوم ما حُكمُه؟ سُنّة، ولا بأس لو تركه الإنسان، فهذا الآن المتمتع بعمرة إذا وصل مكة وخشي أن الوقوفَ بعرفة يَفُوته، فحينئذ يترك العمرة؟ ويَنتقل من العمرة إلى القِران، يتحوّل، يقول: لبيك اللهم حجًا يُضيف الحجَّ إلى العمرة وينطلق إلى عرفات، حتى يُدركَ وقت الوقوف.
الحالة الثانية: إذا حاضت المرأة أو نفست، وعرفت أنها لا تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة.
كذلك المرأة إذا دخلت مكة وهي متمتعة، يعني بعمرة، ثم أصابها الحيض أو النفاس، وخشيت أنها لو انتظرت حتى تطهر أن الوقوف بعرفة يفوتها، هي الآن متمتعة، الواجب عليها أن تأتي بهذه العمرة، لأنها قالت في الميقات: "لبيك اللهم عمرة"، يجب عليها أن تطوف وتسعى وتقصِّر، لكن لَمّا دخلتْ مكة أصابها الحيض، ما تستطيع الآن أن تطوف ولو جلست حتى ينقطع الحيض وتغتسل وتصلي وتطوف وتأتي بهذه العمرة؛ أن يفوت عليها الوقوف بعرفة، لو صبرتْ لأداء العمرة يفوت عليها الوقوف بعرفة، لأن الوقوف بعرفة - مثلًا - لم يَبْقَ عليه إلا ثلاثة أيام، وحيضُها يَمتدّ مثلًا إلى خمسة أو ستة أيام، إذًا؛ فماذا تفعل في هذه الحالة؟ تُدخِل الحج، تنتقل من التمتع إلى القِران، تقول: "لبيك اللهم حجًا"، فإذا أدخلت الحج أصبح هذا الطواف في حقها الآن ليس لازمًا ولا واجبًا، لأنه طواف قدوم، تتركه وتذهب إلى عرفة.
[ ١ / ٥٥٨ ]
م/ وَالمُفْرِدُ وَالقَارِنُ فِعْلُهُمَا وَاحِد، وَعَلَى القَارِنِ هَدِيٌّ دُوْنَ المُفْرِدِ.
أعمال القارن والمفرد سواء إلا في شيئين:
أولًا: في التلبية: القارن يقول: لبيك حجًا وعمرة، والمفرد يقول: لبيك اللهم حجًا.
ثانيًا: القارن عليه هدي والمفرد ليس عليه هدي.
وبوجوب الهدي على القارن قال جمهور العلماء، إما بالقياس على المتمتع، أو لدخوله في عموم قوله تعالى (فمن تمتع) وقد أطلق الصحابة لفظ التمتع على نسك النبي -ﷺ- وهو قارن.
مَحْظُورَاتُ اَلْإِحْرَامِ
هي ما يمنع منه المحرم بحج أو عمرة، وقد عرفت بالتتبع والاستقراء.
[ ١ / ٥٥٩ ]
م/ حَلْقَ اَلشَّعْرِ.
هذا المحظور الأول من محظورات الإحرام، لا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئًا من شعر رأسه.
قال تعالى (ولا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ).
وعن كعب بن عجرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال له: لعلك يؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله -ﷺ- احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» متفق عليه.
• وألحق جمهور العلماء شعر بقية الجسم الذراع والساق والإبط بشعر الرأس).
• اختلف العلماء متى تجب الفدية؟ قيل: إذا حلق ثلاث شعرات وقيل: إذا حلق أربع، الصحيح أنه إذا حلق من شعر رأسه ما يحصل به إماطة الأذى، فلو حلق شعرة واحدة متعمدًا من غير عذر فهو آثم لكن ليس عليه فدية.
• هل تغطية الوجه من المحظورات؟ قولان للعلماء: قيل: من المحظورات لحديث الذي وقصته الناقة وفيه (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) رواه مسلم.
وقيل: إنه ليس من المحظورات، وهذا المذهب، وقالوا إن زيادة (ولا وجهه) زيادة شاذة أعرض عنها البخاري، وكذلك ورد عن بعض الصحابة تغطية الوجه.
[ ١ / ٥٦٠ ]
م/ وَتَقْلِيمَ اَلْأَظْفَارِ.
هذا هو المحظور الثاني، لا يجوز للمحرم أن يقص أظافره سواء الرجلين أو اليدين المرأة أو الرجل.
قال في الشرح: "أجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من تقليم أظافره إلا من عذر".
قياسًا على حلق الرأس.
• لا فرق بين أظافر اليدين والرجلين، للمرأة والرجل.
[ ١ / ٥٦١ ]
م/ وَلُبْسَ اَلْمِخْيَطِ، إِنْ كَانَ رَجُلًا.
هذا هو المحظور الثالث، لا يجوز للمحرم أن يلبس مخيطًا (والمراد بالمخيط: هو ما خيط على قدر البدن أو على جزء منه أو عضو من أعضائه، كالقميص، والسراويل، والفنايل والخفاف، والجوارب وشراب اليدين والرجلين).
لحديث ابن عمر ﵄ (أن رجلًا قال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القميص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، ولا يلبس شيئًا مسه زعفران أو ورس) متفق عليه.
القميص: هو ما يلبس على هيئة البدن وله أكمام كثيابنا هذا اليوم، يشمل ما كان بمعناه كالفنيلة والكوت والثياب.
السراويل: ويلحق بها كل ما يلبس على أسفل البدن.
البرانس: هو ثوب رأسه منه ملصق به يلبسه الآن المغاربة، ويلحق به العباءة.
العمائم: وتشمل كل ما غطى به الرأس مثل الطاقية والغترة.
الخفاف: هو ما يلبس على الرجل.
وما عدا ذلك فهو حلال مثل: (الساعة، والخاتم، ونظارة العين، وسماعة الأذن، ووعاء النفقة).
• هذا المحظور - كما قال المؤلف - خاص بالرجل، فللمرأة أن تلبس من الثياب ما تشاء غير أن لا تتبرج بالزينة، ولا تلبس القفازين وهما شراب اليدين، ولا تتنقب لقوله -ﷺ- (ولا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
[ ١ / ٥٦٢ ]
• م/ وَتَغْطِيَةَ رَأْسِهِ إِنْ كَانَ رَجُلًا.
هذا هو المحظور الرابع، لا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه بملاصق. (حكاه ابن المنذر إجماعًا).
للحديث السابق (لا يلبس المحرم القميص ولا العمائم).
قولنا: بملاصق: كالطاقية والغترة.
• ستر الرأس للمحرم ينقسم إلى أقسام:
أولًا: أن يغطي رأسه بما يلبس عادة كالطاقية والغترة والعمامة فهذا حرام بالنص والإجماع.
ثانيًا: أن يستظل بالشجرة أو الحائط أو السقف أو الخيمة فهذا لا بأس به، فقد قال جابر في صفة حج النبي -ﷺ- (وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فنزل بها ..) رواه مسلم.
ثالثًا: أن يغطي رأسه بالحناء والكتم فهذا جائز لحديث ابن عمر قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- يهل ملبدًا) متفق عليه.
رابعًا: أن يظلل رأسه بتابع له كالشمسية ومحمل البعير فهذا محل خلاف والصحيح جوازه.
[ ١ / ٥٦٣ ]
م/ وَالطِّيبَ رَجُلًا وَامْرَأَةٌ.
هذا هو المحظور الخامس، لا يجوز للمحرم أن يتطيب وهو محرم.
للحديث السابق وفيه (ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه زعفران أو ورس). [الزعفران] طيب [الورس] نبت أصفر يصبغ الثياب وله رائحة طيبة.
وقال -ﷺ- في المحرم الذي وقصته ناقته (لا تمسوه بطيب).
• شم الطيب له أحوال:
الحال الأولى: أن يشمه بقصد التلذذ [فهذا من محظورات الإحرام].
الحال الثانية: أن يشمه بغير قصد، كما لو مر بسوق العطارين وشم الطيب [هذا ليس من محظورات الإحرام].
الحال الثالثة: شم الطيب ليرى جودته من عدمها [المذهب أنه من المحظورات، واختار ابن القيم أنه ليس من المحظورات].
• الطيب يشمل الطيب في رأسه وفي لحيته وفي صدره وفي ثوبه وغيره من الأماكن).
• قال النووي في سبب تحريم الطيب على المحرم: " لأنه داعية إلى الجماع، ولأنه ينافي تذلل الحاج ".
[ ١ / ٥٦٤ ]
م/ وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَى اَلْمُحْرِمِ: قَتْلُ صَيْدِ اَلْبَرِّ اَلْوَحْشِيِّ اَلْمَأْكُولِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى قَتْلِهِ.
هذا هو المحظور السادس: لا يجوز للمحرم أن يقتل الصيد حال إحرامه.
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).
وقال تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا).
الصيد المحرّم على المحرِم ما جمع ثلاثة أشياء ذكرها المؤلف:
أن يكون مأكولًا: فإذا كان غير مأكول فليس عليه فدية.
أن يكون بريًا (وضده البحري): قال في الشرح: "أما صيد البحر فلا يحرم على المحرم بغير خلاف".
قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة) البحري: هو ما لا يعيش إلا في البحر.
أن يكون وحشيًا: فما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم أكله ولا ذبحه كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج.
إذًا الشروط: أن يكون الصيد: مأكولًا - بريًا - متوحشًا. (كالحمامة، والضبع، والغزال، والأرنب)
• لا يحرم حيوان إنسي وهذا بالإجماع لأنه ليس بصيد، كالإبل والبقر والغنم.
• المحرِم لا يجوز له أن يُعِيْنَ على قتل الصيد، ولا يجوز له أن يدلّ عليه، لحديث أبي قتادة -﵁- في "الصحيحين" وفيه أنه قال ﵊ (هل أشار إليه إنسانٌ أو أَمَرَه بشيء؟ قالوا: لا، قال: «فكلوا)، أبو قتادة كان مع بعض الصحابة كانوا مُحْرِمين، أبو قتادة ما كان محرِمًا، فصاد لهم هذا الصيد فأكلوا منه، ثم تَحَرَّجُوا مِن كونهم أكلوا مِن صيدٍ وهم مُحْرِمون، فسألوا النبيَّ ﵊، فقال لهم ﵊ (هل أشار إليه إنسانٌ أو أَمَرَه بشيء؟ يعني: هل أحد منكم أعان أبا قتادة على صيد هذا الحمار الوحشي، أعانه في شيء، أشار إليه في شيء، دلّه على شيء؟ قالوا: لا، قال: «فكلوا»، إذًا: المحرِم يجوز له أن يأكل الصيد بشرط:
أن لا يكون هذا الصيد صاده مُحْرِمٌ آخر، أو أعانه مُحْرِمٌ، أو أشار إليه مُحْرِمٌ، أو صِيد لأجله .. صِيد لأجل مُحرِم.
أما إذا كان هناك شخص ليس مُحْرِمًا وصاد صيدًا وقدّم منه شيئًا إلى مُحْرِم؛ فلا بأس أن يأكل، النبي -ﷺ- قال (فكلوه)
• لو صاد المحرم الصيد فإنه ليس له أكله، لأن هذا محرم لحق الله.
• الصيد الذي صاده المحرم حرام عليه وعلى غيره، لأنه بمنزلة الميتة.
[ ١ / ٥٦٥ ]
م/ وَأَعْظَمُ مَحْظُورَاتِ اَلْإِحْرَامِ: اَلْجِمَاعُ; لِأَنَّهُ مُغَلَّظٌ تَحْرِيمُهُ مُفْسِدٌ لِلنُّسُكِ، مُوجِبٌ لِفِدْيَةٍ بَدَنَةٍ.
هذا هو المحظور السابع، وهو الجماع في الفرج، وهو أعظم المحظورات وأشدها خطرًا.
وهو محرم بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق) فسر ابن عباس الرفث بالجماع.
فإن كان قبل التحلل الأول فإنه يترتب عليه أمور:
الإثم: لأنه عصى الله في قوله (فلا رفث).
فساد النسك: لقضاء الصحابة بذلك.
وجوب المضي فيه: فعليه إتمامه وليس له الخروج منه لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله).
وجوب القضاء من العام القادم.
عليه الفدية: وهي بدنة تذبح في القضاء ويوزعها على المساكين في مكة أو في مكان الجماع.
وأما إذا كان بعد التحلل الأول:
الإثم، فساد الإحرام: فيجب عليه أن يخرج إلى الحل ليحرم منه (يعني يخلع ثيابه (ثياب الحل) ويلبس إزارًا ورداءًا ليطوف طواف الإفاضة محرمًا، لماذا؟ لأنه فسد ما تبقى من إحرامه فوجب عليه أن يجدده).
(التحلل الأول يحصل بعد الرمي والحلق ورجحه الشيخ ابن عثيمين، وقيل: يحصل التحلل الأول بالرمي وحده.
ولم يذكر المؤلف (عقد النكاح) وهو من محظورات الإحرام.
يحرم على المحرم ولا يصح ولا فدية فيه، لحديث عثمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» رواه مسلم.
• يحرم عقد النكاح على الذكور والإناث، سواء كان المحرم الولي أو الزوج أو الزوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة).
• لو عقد لرجل محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة والولي محرم لا يصح).
• فاعل المحظور لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يفعل المحظور بلا حاجة ولا عذر فهذا آثم وعليه فديته.
الثانية: أن يفعله لحاجة متعمدًا. فهذا ليس عليه إثم وعليه فديته. قال تعالى:﴾ فمن كان منكم مريضًا أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴿.
فلو احتاج لتغطية رأسه من أجل برد أو حر يخاف منه جاز له تغطيته وعليه الفدية على التخيير.
الثالثة: أن يفعله وهو معذور بجهل أو نسيان أو إكراه. فهذا لا إثم عليه ولا فدية. قال تعالى:﴾ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴿.
[ ١ / ٥٦٦ ]