الجنائز: جمع جنازة بالفتح والكسر، وهو الميت، وقيل: الجَنازة بفتح الجيم للميت، وبكسرها للنعش وعليه الميت
• وذكر الجنائز في آخر كتاب (الصلاة) لأن الصلاة على الميت أهم ما يفعل به، وانفع ما يكون له، لأن فائدتها أخروية، وهي الدعاء له والشفاعة، لعل الله تعالى أن يرحمه ويتجاوز عنه، وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض.
• يسن الإكثار من ذكر الموت، لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اَللَّذَّاتِ: اَلْمَوْتِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
[أكثروا] أي في نفوسكم، وفيما بينكم. [هاذم] بالذال أي قاطع. [اللذات] أي لذات الدنيا.
• ففي هذا الحديث استحباب الإكثار من ذكر الموت، في نفس الإنسان، وفيما بينه وبين الناس.
• في أمر النبي -ﷺ- بالإكثار من ذكر الموت فوائد:
أولًا: أنه يرقق القلب، ولذلك قال -ﷺ-: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة) وفي رواية: (وترق القلب وتدمع العين).
ثانيًا: أنه يزهد في هذه الدنيا الفانية ويهون مصائبها.
كما قال الحسن: (من أكثر من ذكر الموت هانت عليه مصائب الدنيا).
ثالثًا: يرغب في الآخرة ويحث على الاجتهاد إليها.
روي أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كَربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام فلم يأكل وقال: فوالله لقد رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى اللقاء.
رابعًا: يردع عن فعل المعاصي والمنكرات.
خامسًا: أن ذكره موعظة وعبرة.
سادسًا: أن الإكثار من ذكره استعداد له قبل حلوله بالأعمال الصالحة.
سابعًا: القناعة بالقليل من الدنيا.
[ ١ / ٣٥٦ ]
• يسن عيادة المريض وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل عيادة المريض منها:
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ-: إنَّ الله ﷿ يَقُولُ يَوْمَ القيَامَة (يَا ابْنَ آدَمَ مَرضْتُ فَلَم تَعُدْني، قال: يا ربِّ كَيْفَ أعُودُكَ وأنْتَ رَبُّ العَالَمين؟ قال: أمَا عَلْمتَ أنَّ عَبْدي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أمَا عَلمتَ أنَّك لو عُدْته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم أطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لو جدت ذلك عندي؟) رواه مسلم.
وعن ثوبان -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إنَّ المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرْفَةِ الجنة حتى يرجع» قيل: يا رسول الله وما خُرْفَةُ الجنة؟ قال: «جَنَاها» رواه مسلم. «جَنَاها»: أي واجتنى من الثمر.
وعن علي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشيةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) رواه الترمِذِي وقال: حديث حسن.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من عاد مريضًا، نادى منادٍ من السماء: أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا) رواه الترمذي.
ولعيادة المريض فوائد: منها: يؤدي حق أخيه المسلم - أنه لا يزال في خرفة الجنة - أن في ذلك تذكيرًا للعائد بنعمة الله عليه في الصحة - أن فيها جلبًا للمحبة والمودة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
• وقد اختلف العلماء في حكمها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها سنة مؤكدة.
وهذا قول جمهور العلماء.
للأحاديث الكثيرة التي سبقت في فضلها.
القول الثاني: أنها فرض كفاية.
وهذا اختيار ابن القيم ﵀، وهذا القول هو الراجح.
لحديث البراء بن عازبٍ ﵄ قال (أمرنا رسولُ الله -ﷺ- بِسَبعٍ: «بِعَيادَةِ الَمرِيضِ. وَاتِّباع الجَنائز، وَتشْميت العَاطس، ونصرِ الضَّعِيف، وَعَوْن المظلوم، وإفْشاءِ السَّلام، وإبرارِ المقسم) متفق عليه.
ولحديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال (حَقُّ الْمُسلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ خَمْسٌ، رَدُّ السَّلام. وَعِيادَةُ المَريض، وَاتباعُ الجنائز، وإجابة الدَّعوة. وتشميت العاطس) متفق عليه.
وعن أبي موسى -﵁- قال: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ- (عُودُوا المَرِيضَ، وَأَطْعِمُوا الجَائعَ، وفَكُّوا العَاني) رواه البخاري. (العَاني) الأسِيرُ.
• وتذكيره بالتوبة، لأنها واجبة على كل حال وتتأكد في حق المريض، وهو أحوج إليها من غيره، فَيُذكَّر التوبة من المعاصي، والخروج من مظالم العباد برد أموالهم وتحللهم من أعراضهم، لكن لا يواجهه بذلك ابتداء، بل يمهد لكلامه بمقدمة مناسبة.
[ ١ / ٣٥٨ ]
م/ قَالَ النبي -ﷺ- (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث أبي سعيد في قوله -ﷺ- (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ) ليستدل به على استحباب تلقين المحتضر كلمة التوحيد.
[لقنوا] التلقين أن يقول الشيء ليتبعه غيره، فالمعنى اذكروا لا إله إلا الله ليتبعكم عليها الميت. [موتاكم] أي من حضره الموت.
• في الحديث استحباب تلقين الميت عند احتضاره: لا إله إلا الله، وهذا الأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، حيث لم يقل أحد من العلماء بالوجوب.
• الحكمة من تلقين الميت الشهادة، أنه ورد في الحديث: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة). رواه أبو داود
• كيفية التلقين:
قال بعض العلماء:
o إن كان المحتضر قوي الإيمان فإنه يؤمر بها، لحديث الباب.
ولحديث أنس: (أن رسول الله -ﷺ- عاد رجلًا من الأنصار، فقال: قل: لا إله إلا الله …). رواه أحمد
o وأما إذا كان المحتضر متأثرًا مضطربًا، فإنها تذكر عنده.
o وأما إذا حضر المؤمن احتضار الكافر، فإنه يأمره بها، لقوله -ﷺ- لعمه (يا عم، قل لا إله إلا الله).
• عدد مرات التلقين:
يلقن مرة واحدة لحصول المقصود، وحتى لا يضجره فيقول: لا أقول، أو يتكلم بغيرها مما لا يليق، لضيق حاله وشدة كربه.
فإذا قاله مرة واحدة لا تكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه.
قال القرطبي: " فإذا تلقنها المحتضر وقالها مرة فلا تعاد عليه لئلا يضجره، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهم عنه ذلك ".
وقال النووي: "وأجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه والموالاة، لئلا يضجر بضيق حاله، وشدة كربه، فيكره ذلك بقلبه، ويتكلم بما لا يليق".
• استحباب الحضور عند المحتضر وتذكيره الشهادة، وكذلك تذكيره الوصية والتوبة.
[ ١ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• اختلف العلماء في حكم تلقين الميت بعد دفنه (وهو أن يقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه ويقول: يا فلان اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله …) على أقوال:
القول الأول: أنه مستحب.
وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة.
لحديث أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيبه، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا ومحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا) رواه الطبراني.
هذا الحديث لا يصح، قال النووي: "إسناده ضعيف"، قال ابن الصلاح: "ليس إسناده بالقائم"، وضعفه ابن مفلح في الفروع، وقال ابن القيم: "لا يصح رفعه، وضعفه العراقي".
القول الثاني: أنه مكروه وبدعة.
وهو اختيار ابن القيم.
لأنه لم يكن من هدي النبي -ﷺ-، فلم يثبت من فعله ولا من قوله، فيكون فعله مكروهًا غير مشروع.
القول الثالث: أنه مباح.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصف هذا القول بأنه أعدل الأقوال.
ولعل مستنده أن حديث التلقين بعد الدفن لم يثبت، ولم يرد النهي عنه، فيكون مباحًا لدخوله في عموم الدعاء بالثبات المأمور به.
والراجح القول الثاني، وأنه بدعة.
قال ابن القيم: "ولم يكن [أي النبي -ﷺ- يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم ".
[ ١ / ٣٦٠ ]
م/ وقال (اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث معقل بن يسار - الذي رواه أبوداود والنسائي، ليستدل به على استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر.
وهذا الحديث ضعيف، قال الحافظ في التلخيص: "وأعله ابن القطان بالاضطراب وبجهالة أبي عثمان وأبيه، نقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث".
[موتاكم] أي المحتظر، وليس المراد الميت.
• الحديث ذكره المصنف - ﵀ - ليستدل به على استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر، لكن كما سبق أن الحديث ضعيف، وعليه فلا يشرع قراءتها عند المحتضر، لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بالأحاديث الضعيفة.
• الحكمة من قراءتها عند من استحب ذلك، لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة، كما قال تعالى
(يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)، وقوله تعالى (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء الله فيحب الله لقاءها.
[ ١ / ٣٦١ ]
م/ وتجهيز الميت بغسلهِ وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه: فرض كفاية.
أي: أن هذه الأمور الأربعة المتعلقة بالميت فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
ودليل غسله: قوله -ﷺ- في الذي وقصته الناقة (اغسلوه بماء وسدر) متفق عليه. وهذا أمر والأمر للوجوب، لكنه وجوب كفائي، لأن المقصود أن يحصل تغسيله، لا أن يراد من كل واحد من المخاطبين ذلك.
وقال -ﷺ- في ابنته زينب لما ماتت (اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا أو سبعًا، أو أكثر من ذلك) متفق عليه.
ودليل تكفينه: قوله -ﷺ- (وكفنوه في ثوبيه) متفق عليه.
ودليل الصلاة عليه: فعله -ﷺ- فقد كان -ﷺ- يصلي على الأموات باستمرار.
ولحديث زيد بن خالد (أن رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ- توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود لا يساوي درهمين) رواه أبو داود.
وقال -ﷺ- (قد تُوفيَ اليوم رجل صالح من الحبش، فهلمَّ فصلوا عليه) متفق عليه.
وصلى على المرأة التي رجمت.
ودليل دفنه: قوله تعالى (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) فأكرم الله الميت بدفنه، فلم يلق للسباع والطيور، ولأن في تركه هتكًا لحرمته، وأذى للناس به.
وقال تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) ومعنى (كفاتًا) أي: سترًا لهم في محياهم ومماتهم، يستترون بها في الحياة في الدور والقصور، وفي الموت في القبور في بطن الأرض.
[ ١ / ٣٦٢ ]
م/ وقال النبي -ﷺ-: (أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم (أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) وجاء عند البخاري (إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان لو سمعه لصعق)، ليستدل به على استحباب الإسراع بالجنازة.
• الحديث دليل على استحباب الإسراع بالجنازة، قال في المغني: " لا نعلم فيه خلافًا بين الأئمة ".
وقال النووي: "واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى " (ذهب ابن حزم إلى وجوب الإسراع للأمر بذلك).
• اختلف في الإسراع المستحب:
قيل: المراد الإسراع بحملها إلى قبرها، ورجحه القرطبي والنووي.
لقوله (تضعونه عن رقابكم).
وقيل: المراد الإسراع بتجهيزها وغسلها ودفنها (وهذا القول أعم).
ويستدل لهذا القول: بما أخرجه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال النبي -ﷺ- (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره).
ولحديث (لا ينبغي لجيفة مسلم أن يبقى بين ظهراني أهله).
• الحكمة من الإسراع بالميت.
أولًا: اقتداء بالنبي -ﷺ-.
ثانيًا: في تأخيره حرمان له عن الخير إن كان من الصالحين ففي الحديث (فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني).
ثالثًا: أن إكرام الميت دفنه.
• ما يفعله بعض الناس - في هذا الزمن - من تأخير دفن الجنازة يومًا كاملًا أو يومين خلاف السنة، بحجة انتظار أقاربه ليشهدوا جنازته.
• لا بأس بالتأخير القليل لمصلحة تكثير المصلين، كأن يموت في الصباح فينتظر به إلى الظهر.
• كيفية المشي بالميت؟
أولًا: أن يمشى به خطوة خطوة.
فهذا بدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة التشبه بأهل الكتاب. [قاله ابن القيم].
ثانيًا: أن يسرع به إسراعًا كثيرًا يخشى على الجنازة أو يشق على الحاملين فهذا لا يجوز.
ثالثًا: أن يمشي به بين السرعة والبطء، وهذا هو السنة.
قال ابن تيمية: "كان الميت في عهد النبي -ﷺ- يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة لا يسرعون ولا يبطئون بل عليهم السكينة ولا يرفعون أصواتهم لا بقراءة ولا بغيرها وهذه هي السنة باتفاق المسلمين".
[ ١ / ٣٦٣ ]
م/ وقال -ﷺ-: (نَفْسُ اَلْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث أَبِي هُرَيْرَةَ (نَفْسُ اَلْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. [نفس المؤمن] يعني روحه، [معلقة بدينه] الدين كل ما ثبت في الذمة. ليستدل به على المبادرة بقضاء دين الميت.
• الحديث دليل على أنه يجب المبادرة لقضاء دين الميت من قِبل الورثة إذا ترك الميت مالًا، فما يفعله بعض الورثة من تأخير السداد، جناية في حق الميت، لأن نفسه معلقة حتى يسدد عنه.
• قوله (معلقة بدينه) قيل: لا تفرح بما لها من النعيم حتى يقضى عنه الدين.
• المبادرة لسداد الدين في الحياة، وذلك لسببين:
لأن نفس المؤمن معلقة بدينه.
ولأن كثيرًا من الورثة لا يحرصون على سداد دين ميتهم مع أنه ترك مالًا.
• قال الصنعاني في هذا الحديث: "وهذا الحديث من الدلائل على أنه لا يزال الميت مشغولًا بدينه بعد موته، ففيه حث على التخلص منه قبل الموت، وأنه أهم الحقوق، وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه، فكيف بما أخذ غصبًا ونهبًا وسلبًا".
• حديث الباب محمول على من مات وترك دينًا وترك مالًا.
• قوله (بدينه) يشمل دين الله، ودين الآدمي، دين الله: ككفارة عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينًا، أو زكاة لم يؤدها، لقوله -ﷺ-: (دين الله أحق بالقضاء).
[ ١ / ٣٦٤ ]
م/ والواجب في الكفن: ثوب يستر جميعه، سوى رأس المحرم، ووجه المحرمة.
أي: أن الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن، لأن به يحصل المقصود من الستر.
• الأفضل في الكفن أن يكون بثلاثة أثواب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كُفِّنَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ولأن الله لم يكن ليختار لنبيه -ﷺ- إلا الأفضل.
• الأفضل أن يكون الكفن لونه أبيض لحديث عائشة السابق.
ولحديث (إن من أفضل ثيابكم البياض فالبسوها وكفنوا بها موتاكم) رواه الترمذي.
قال النووي: "مجمع عليه " أي على استحبابه.
• فإن ضاق الكفن ولم يوجد كفن يستر جميع البدن ستر رأسه وجعل على رجليه حشيشًا.
لحديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ (هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِى سَبِيلِ اللَّهِ نَبْتَغِى وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَىْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ نَمِرَةٌ فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِى رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ». وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا).
[فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا] قال النووي: معناه لم يوسع عليه الدنيا ولم يعجل له شيء من جزاء عمله. [وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ] أي: أدركت ونضجت. [فَهُوَ يَهْدِبُهَا] بفتح أوله وسكون الهاء أي يقطفها ويجنيها، وهذا استعارة لما فتح عليهم من الدنيا.
قال ابن قدامة: "فإن لم يجد إلا ما يستر العورة سترها لأنها أهم في الستر بدليل حال الحياة".
[ ١ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• ذهب بعض العلماء إلى أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، قال ابن المنذر: "اختلفوا في عدد كفن المرأة، فقال كثيرون: تكفن في خمسة أثواب، كذلك قال النخعي والشعبي ومحمد بن سيرين وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي".
واستدلوا بحديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت (كنت فيمن غسل أم كلثوم، بنت رسول الله -ﷺ- عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله -ﷺ- الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله -ﷺ- جالس عند الباب معه كفنها، يناولنا ثوبًا ثوبًا). رواه أبو داود وهو ضعيف لا يصح
وجاء في حديث أم عطية رواية عند الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية قالت (وكفناها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمّر الحي) قال الحافظ في الفتح: "وهذه الزيادة صحيحة الإسناد".
وقالوا: بأن المرأة تزيد على الرجل في اللباس في الحياة فكذلك بعد الموت.
وذهب بعض العلماء إلى أن المرأة كالرجل، إذ لا دليل على التفريق، والأصل تساوي الرجال والنساء بالأحكام إلا ما خصه الدليل، ورجحه الألباني.
• قوله (سوى رأس المحرم وجه المحرمة) لحديث ابن عباس في الذي وقصته ناقته بعرفة فمات، قال -ﷺ- (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) متفق عليه.
[ ١ / ٣٦٦ ]
م/ وصفة الصلاة عليه: أن يقوم فيكبر.
أي: يكبر التكبيرة الأولى، وتكبيرات الجنائز كلها أركان، لأنها بمنزلة الركعات.
[ ١ / ٣٦٧ ]
فيقرأ الفاتحة.
أي: بعد التكبيرة الأولى يقرأ الفاتحة، وذلك بعد التعوذ والبسملة.
والدليل على ذلك: ما ورد عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة) رواه البخاري، فقوله (لتعلموا أنها سنة) أي طريقة مأخوذة عن النبي -ﷺ-، وليس المراد ما يقابل الواجب.
• وقراءة الفاتحة ركن - هذا القول هو الصحيح - لأن صلاة الجنازة صلاة، فقد سماها النبي -ﷺ- صلاة، فقال حينما قدمت لهم جنازة (صلوا على صاحبكم) ولما مات النجاشي قال (صلوا عليه)، فإذا كانت صلاة فإنها تدخل في عموم الأدلة القاضية بوجوب قراءة الفاتحة في كل صلاة كحديث عبادة بن الصامت قال النبي -ﷺ- (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه. (وهو مذهب الشافعية والحنابلة).
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا تشرع قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
وهذا قول الحنفية والمالكية.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود.
وذهب بعض العلماء إلى استحباب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، لعدم ورود دليل يدل على وجوبها، ولأن المقصود الأكبر من صلاة الجنازة هو الدعاء للميت، والراجح الوجوب.
• وعلم من كلام المصنف - ﵀ - أنه لا استفتاح في صلاة الجنازة، قالوا: لأن مبناها على التخفيف.
[ ١ / ٣٦٨ ]
م/ ثم يكبر ويصلي على النبي -ﷺ-.
أي: فيكبر التكبيرة الثانية فيصلي على النبي -ﷺ- كما يصلي عليه على أي صفة، وإن صلى عليه كما يصلي عليه في التشهد فحسن.
[ ١ / ٣٦٩ ]
م/ ثم يكبر ويدعو للميت.
أي: يكبر الثالثة ويدعو بعدها للميت، والأفضل أن يكون بالمأثور عن النبي -ﷺ-، فإن لم يعرفه فبأي دعاء دعا جاز
• وينبغي أن يُخلص الدعاء فيها للميت ويخصه، لحديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبوداود، والإخلاص له: أن لا يُدعى لغيره.
• ثم ذكر المصنف - ﵀ - الدعاء الوارد عن النبي -ﷺ- في الدعاء للميت فقال:
[ ١ / ٣٧٠ ]
م/ فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وشاهدنا وغائبنا
هذا الدعاء من الأدعية الواردة عن النبي -ﷺ- في الدعاء للميت، وقد رواه أبو داود في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ:
(كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اَللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى اَلْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى اَلْإِيمَانِ، اَللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
﴿اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا﴾ أي: اغفر لجميع أحيائنا وأمواتنا معشر المسلمين ﴿وَشَاهِدِنَا﴾ أي: حاضرنا ﴿اَللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ﴾ أي: أجر تجهيزه والصلاة عليه، وتشييعه ودفنه، وأجر صبرنا على المصيبة فيه. ﴿وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ] وفي رواية: ولا تفتنا بعده، أي: بتسليط الشيطان علينا حتى ينال منا مطلوبه، وهذا شامل لفتنة الشبهات وفتنة الشهوات.
• ثم ذكر المصنف - ﵀ - دعاء آخر في الدعاء للميت في صلاة الجنازة فقال:
[ ١ / ٣٧١ ]
م/ اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله
هذا الدعاء رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ اَلْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ اَلثَّوْبَ اَلْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ اَلْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ اَلْقَبْرِ وَعَذَابَ اَلنَّارِ، قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت، لدعاء رسول الله -ﷺ- على ذلك الميت) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[اغفر له] المغفرة الستر مع التجاوز. [ارحمه] صفة تقتضي الإنعام والإكرام والإحسان بالمرحوم.
[عافه] العافية من المؤذيات في القبر ووحشته وظلمته وعذاب القبر. [واعف عنه] تجاوز عما فعله حال الدنيا. [أكرم نزله] النزل ما يهيأ للضيف. [مدخله] مكان الدخول وهو القبر. [نقه] خلصه.
[أهلًا خيرًا من أهله] عوضه عن أهله أهلًا في الجنة. وقيل: تبديل أوصاف، أي زوجته تكون أحسن في الجنة بالأخلاق والجمال.
[ ١ / ٣٧٢ ]
م/ وإن كان صغيرًا قال بعد الدعاء العام: اللهم اجعله فرطًا لوالديه وذخرًا وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقِّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، واجعله في كفالة إبراهيم، وقهِ برحمتك عذاب الجحيم.
• أنه لم يثبت دعاء خاص للطفل، لكن ورد حديث المغيرة قال -ﷺ-: (والطفل يدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة).
قال الشوكاني: "إذا كان المصلى عليه طفلًا، استحب أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفًا وفرطًا وأجرًا، روي ذلك عن البيهقي من حديث أبي هريرة".
[فرطًا] الفرط بالتحريك هو الذي يتقدم الواردين على الماء، يهيئ لهم ما يحتاجون إليه من الأرسال والدلاء، والمراد هنا: شافعًا يشفع لوالديه وللمؤمنين المصلين عليه. [سلفًا] سلف الرجل: آباؤه المتقدمون.
[ ١ / ٣٧٣ ]
م/ ثم يكبر ويسلم.
أي: ثم يكبر الرابعة فيسلم، لحديث عائشة (وكان يختم الصلاة بالتسليم) فهو دليل بعمومه، ولأنها افتتحت بالتكبير فتختتم بالتسليم ..
• وظاهر كلام المصنف - ﵀ - أنه لا يدعو بعد الرابعة، وقيل: يشرع الدعاء بعد الرابعة.
• وقوله (ويسلم) أي تسليمة واحدة، لحديث أبي هريرة (أن رسول الله -ﷺ- صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا، وسلم تسليمة واحدة) أخرجه الدارقطني والحاكم.
ولو سلم تسليمتين جاز، لحديث ابن مسعود قال (ثلاث خلال كان رسول الله -ﷺ- يفعلهن، تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة) رواه البيهقي، قال النووي: إسناد جيد.
• أكثر ما ورد هو التكبير أربع تكبيرات.
ولذلك ذهب جمهور العلماء: أنه لا يزاد على أربع تكبيرات.
قال الترمذي: "العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق".
وقال ابن المنذر: "ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع".
قال ابن عبد البر: "وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع".
[ ١ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واستدلوا:
كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- (أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعن أبي وائل قال: (كانوا يكبرون على عهد رسول الله -ﷺ- أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا، فجمع عمر أصحاب رسول الله -ﷺ- فأخذ كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات). رواه البيهقي وحسنه الحافظ
ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه بمرجحات:
أولًا: أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عددًا ممن روى منهم الخمس.
ثانيًا: أنها في الصحيحين.
ثالثًا: أنه أجمع على العمل بها الصحابة.
رابعًا: أنها آخر ما وقع منه -ﷺ- كما في حديث ابن عباس بلفظ: (آخر ما كبر رسول الله -ﷺ- على الجنائز أربع) لكنه ضعيف لا يصح كما قال البيهقي والحافظ ابن حجر.
القول الثاني: أنه لا بأس بالزيادة على ذلك.
لأنه ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كبر خمسًا كما في حديث زيد بن أرقم. فعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: (كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- يُكَبِّرُهَا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- (أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَصْلُهُ فِي "اَلْبُخَارِيِّ" وهذا القول هو الصحيح.
وخاصة إذا كان من أهل العلم والفضل، أو من كان له أثر كبير في الأمة، فلا مانع أن يكبر عليه خمسًا أو ستًا.
[ ١ / ٣٧٥ ]
م/ وقال النبي -ﷺ- (مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمْ اَللَّهُ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ذكر المصنف - ﵀ - حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا: سَمِعْتُ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ (مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمْ اَللَّهُ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، ليستدل به على استحباب تكثير المصلين على الجنازة.
وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ- (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) رواه مسلم.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " ومعلوم أن المصلين على الجنازة يشفعون إلى الله لهذا الميت، فهم يسألون من الله له المغفرة والرحمة، والدعاء للميت في الجنازة أوجب ما يكون في الصلاة، بل هو ركن لا تصح صلاة الجنازة إلا به ".
• وإذا قل العدد استحب أن يصفوا ثلاثة صفوف لحديث مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (ما من مسلم يموت فيصلي
عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا فقد أوجب) رواه أبو داود.
• الحديث دليل على استحباب تكثير المصلين على الميت، وأن من صلى على جنازته أربعون رجلًا [بالشرط المذكور] فإن الله يقبل شفاعتهم فيه.
• في حديث عائشة (يَبْلُغُونَ مِائَةً) وفي حديث ابن عباس (أَرْبَعُونَ رَجُلًا)، وجاء عند الترمذي (ما من ميت يموت فيقوم عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجب) والجمع:
قال القاضي: "قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة للسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله".
وقال النووي: "ويحتمل أن يكون النبي -ﷺ- أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به، ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به، وحينئذ كل الأحاديث معمول بها وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين".
• يشترط لشفاعتهم عدم الشرك بالله سواء الشرك الأكبر أو الأصغر، فالمشرك الأكبر لا تصح صلاته، والمشرك الأصغر لا تقبل شفاعته.
• وفيه التحذير من الشرك، وفيه فضل التوحيد بالله.
[ ١ / ٣٧٦ ]
م/ وقال -ﷺ- (مَنْ شَهِدَ اَلْجنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا اَلْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ اَلْجَبَلَيْنِ اَلْعَظِيمَيْنِ) متفق عليه.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث أبي هريرة في قوله -ﷺ- (مَنْ شَهِدَ اَلْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَان ) ليستدل به على فضل شهود الجنازة واتباعها.
• أن اتباع الجنائز على مرتبتين:
الأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها.
الثانية: إتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها.
وهذه المرتبة الثانية أفضل لحديث الباب حيث يحصل على قيراطين.
• (كان ابن عمر يصلي عليها ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبو هريرة قال: أكثر علينا أبو هريرة، فأرسل خبابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول، وقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال فرطنا في قراريط كثيرة).
• أن هذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء، لقول أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فيحرم على المرأة اتباع الجنائز، وهذا مذهب أحمد، ورجحه ابن تيمية وابن القيم.
لنهي النبي -ﷺ-، والأصل في النهي أنه للتحريم.
وأما قول أم عطية (ولم يعزم علينا) فهذا اجتهاد منها وتفقه، والعبرة بكلام النبي -ﷺ-، أو لعل المراد بقولها: (ولم يعزم علينا) لعلها تريد لم يؤكد النهي.
ويرجح هذا القول: أن في اتباع النساء للجنائز عدة أضرار:
أولًا: مخالطة الرجال.
ثانيًا: جزع المرأة وعدم صبرها.
ثالثًا: أنها فتنة.
• قوله (من شهدها حتى تدفن) ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، لرواية عند مسلم (حتى توضع في اللحد)، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب.
لرواية (حتى توضع في القبر) والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٧ ]
م/ (ونهى النبي -ﷺ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ).
ذكر المصنف - ﵀ - حديث جابر قال (نهى النبي -ﷺ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ ..) ليستدل به على أمور محرمة تفعل في القبر.
• الحديث دليل على تحريم تجصيص القبر لهذا الحديث.
• والحكمة من النهي: سد ذريعة الشرك، ولما في ذلك من تعظيم القبور والمباهاة فيها، وهذا باب قد يصل بصاحبه إلى الإخلال بالتوحيد، وأن التجصيص والأبنية إنما هو للزينة ولإحكام البناء، ولا حاجة للميت في قبره للزينة، أن في ذلك خيلاء وإسراف، وفي ذلك تضييعًا للمال، ويلحق بالتجصيص كل ما شابهه من تلوين القبر أو تزويق أو تخليق أو جعل الرخام عليه.
• الحديث دليل على تحريم الجلوس على القبر، لأنه نهي والأصل في النهي التحريم، وما يدل على التحريم حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له أن يجلس على قبر). رواه مسلم
• الحديث دليل على تحريم البناء على القبور لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك، والأصل في النهي التحريم.
• الحكمة من ذلك: أن ذلك وسيلة إلى عبادتها، وأن هذا من فعل عباد القبور والروافض، سد باب الشرك، أن ذلك إسرافًا وتضييعًا للمال.
[ ١ / ٣٧٨ ]
م/ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: (اِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
ذكر المصنف - ﵀ - حديث عُثْمَانَ -﵁- قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ليستدل به على استحباب الدعاء للميت بعد دفنه.
• الحديث دليل على استحباب الدعاء للميت بعد دفنه بهذا الدعاء الوارد.
• أنه لا تشرع الموعظة عند القبر، حيث أن النبي -ﷺ- لم يرد عنه ذلك ولم يفعل، وإنما الوارد هو الدعاء له بالثبات والاستغفار، وهذا هو الصحيح، فلم يرد عن النبي -ﷺ- ولا عن أحد من الصحابة الوعظ عند القبر.
وقد ورد حديث البراء قال: (خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد، فجلس رسول الله -ﷺ- وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر …). رواه أبو داود
فهذا يدل على جواز الموعظة عند القبر في بعض الأحيان وليس ذلك سنة راتبة، بل إن قول البراء في الحديث (ولمّا يلحد) دليل على أن الوعظ كان لعارض وهو تأخر دفن الميت، لأن القبر لم يجهز، فأراد النبي -ﷺ- موعظة أصحابه إلى أن يُنتهى من تجهيز القبر.
• أن الدعاء ينفع الميت، وهو أفضل ما يقدم للميت، قال النووي: " أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ) وقال -ﷺ-:
(اللهم اغفر لحينا وميتنا).
• إثبات سؤال القبر، وأن العبد إذا وضع في قبره يسأل ويفتن، وفتنة القبر: هي سؤال الملكين الميت عن ربه ودينه ونبيه.
وفتنة القبر ثابتة بالكتاب والسنة:
قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).
وعن البراء أن رسول الله -ﷺ- قال: (المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله:
(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).
وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - في حديث صلاة الكسوف، وفيه: قال -ﷺ-: (وأنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا أو مثل فتنة
[ ١ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسيح الدجال …). متفق عليه
وعن عائشة أن النبي -ﷺ- كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر …). متفق عليه
وعن عائشة - ﵄ - أن رسول الله -ﷺ- قال: (فبي تفتنون وعني تسألون). رواه أحمد
وعن عثمان بن عفان -﵁- قال: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل). رواه أبو داود
• من يقوم بالفتنة؟
الذي يقوم بالفتنة في القبر، هما: منكر ونكير.
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا قبر الميت، أو قال: أحدكم، أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ) رواه الترمذي
• الذين لا يفتنون:
أ- الأنبياء.
لأن الأنبياء يُسأل عنهم، فيقال للميت: من نبيك؟.
ب- الشهداء.
عن رشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة). رواه النسائي
ج- الصديق.
قيل: لا يسأل.
إذا كان الشهيد لا يفتن، فالصديق أجل خطرًا وأعظم أجرًا أن لا يفتن.
لأنه مقدم ذكره في التنزيل على الشهداء.
وقد صح في المرابط الذي هو دون الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهيد.
وقيل: يسأل.
قال ابن القيم: " الأحاديث الصحيحة ترد هذا القول وتبين أن الصديق يسأل في قبره كما يسأل غيره " والله أعلم
وهذا القول هو الراجح.
د- المرابط.
قال -ﷺ-: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان). رواه مسلم عن سلمان
[ ١ / ٣٨٠ ]
م/ ويستحب تعزية المصاب بالميت.
أي: يستحب تعزية المصاب بالميت، قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا.
والتعزية: هي أن يسلى أهل الميت، بما يحملهم على الصبر بوعد الأجر، ويرغبهم في الرضا بالقضاء والقدر، ويدعو للميت المسلم.
والأدلة على مشروعيتها:
قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى).
وثبتت التعزية من فعله -ﷺ-: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا - أَوِ ابْنًا لَهَا - فِى الْمَوْتِ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا. قَالَ فَقَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِى شَنَّةٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَم اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) متفق عليه
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِى سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ (إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ». فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ». ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِى الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِى عَقِبِهِ فِى الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ. وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) رواه مسلم.
• وقوله (ويعزى المصاب) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ولم يقل تعزية القريب فكل مصاب ولو بعيدًا يُعزى، وكل من لم يصب ولو قريبًا فإنه لا يعزى، من أصيب فعزه، ومن لم يصب فلا تعزه".
[ ١ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• ليس للتعزية دعاء محدد، فلو عزاه بأي صيغة جاز، قال النووي: "فأما لفظ التعزية فلا حجر فيها، فبأي لفظ عزاه حصلت". وقال الشوكاني: "فكل ما يجلب للمصاب صبرًا يقال له تعزية بأي لفظ كان، ويحصل به للمعزي الأجر المذكور في الأحاديث".
ومن الصيغ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ.
كما سبق في قوله -ﷺ- لابنته في وفاة ابنها، قال النووي: "وهذا الحديث أحسن ما يعزى به".
ومنها: (اتقي الله واصبري) متفق عليه.
ومنها: (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في
قبره ونور له فيه) رواه مسلم.
وإن قال: عظم الله أجركم، أو أحسن الله مصابكم، فكله جائز.
• ليس للتعزية وقت محدد، بل يعزى المصاب ما دام أن المصيبة قائمة، لأن التعزية للتقوية والتسلية، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وذهب بعض العلماء إلى أن مدة التعزية ثلاثة أيام وهو قول ضعيف، وحديث لا عزاء فوق ثلاث، لا أصل له، قاله الألباني.
[ ١ / ٣٨٢ ]
م/ وبكى النبي -ﷺ- على الميت وقال: إنها رحمة.
ذكر المصنف - ﵀ - قطعة من حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا - أَوِ ابْنًا لَهَا - في الْمَوْتِ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شيء عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا. قَالَ فَقَامَ النَّبِىُّ -ﷺ- وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِى شَنَّةٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ). متفق عليه، ليستدل به على جواز البكاء على الميت من غير نياحة، وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على الجواز:
فقد بكى لما مات ابن ابنته: كما في حديث أسامة السابق.
وبكى لما ماتت ابنته: كما في حديث أنس قال (شهدتُ بنتًا للرسول -ﷺ- تدفن، ورسول الله -ﷺ- جالس عند القبر، فرأيت عينيه تدمعان) رواه البخاري.
وبكى لما زار سعد بن عبادة: كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ (اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِى غَشِيَّةٍ فَقَالَ «أَقَدْ قَضَى». قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَكَوْا فَقَالَ «أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ) متفق عليه.
وبكى لما مات ابنه إبراهيم: كما في حديث أنس قال (دخلنا مع النبي -ﷺ- على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله! فقال: يا ابن عوف، إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) رواه البخاري.
ومنها: بكاؤه -ﷺ- لما نعى جعفر وأصحابه. متفق عليه.
بل ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى استحباب البكاء على الميت إذا كان رحمة له.
قال ﵀: " لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، وذلك لا ينافي الرضا بخلاف البكاء عليه لفوات حظ فيه، وبهذا يعرف معنى قول النبي -ﷺ- لما بكى على الميت وقال (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت ".
[ ١ / ٣٨٣ ]
م/ مع أنه لعن النائحة والمستمعة.
أي: أن الرسول -ﷺ- لعن النائحة على الميت، وكذلك المستمعة، ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اَلنَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
النائحة: هي التي تبكي بصراخ وجزع. (والمستمعة) أي التي تقصد سماع النياحة، ففيه أن المستمعة للنياحة راضية بذلك، فهي آثمة، فلا يجوز الجلوس مع أهل المنكر إلإ بالإنكار عليهم أو القيام عنهم، قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ).
ومن الأدلة على تحريم النياحة:
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ- (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه.
وعن أبي مالك قال: قال رسول الله -ﷺ- (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب … والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام عليها يوم القيامة سربال من قطران ودرع من جرب) رواه مسلم.
[إذا لم تتب] أي تقلع [تقام يوم القيامة] تبعث من قبرها. [سربال] أي قميص. [ودرع من جرب] أي: يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع وهو القميص.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (اثنتان في الناس هم بهما كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) رواه مسلم.
[ ١ / ٣٨٤ ]
م/ وقال (زوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة) رواه مسلم.
ذكر المصنف - ﵀ - حديث بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ -﵁- قال: قال -ﷺ- (كنتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فإنها تذكر الآخرة) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، ليستدل به على استحباب زيارة القبور للرجال.
وهذا مذهب جماهير العلماء، أن زيارة القبور للرجال مستحبة، بل نقل بعضهم الإجماع كالنووي.
ولحديث أبي هريرة قال: (زار النبي -ﷺ- قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت). رواه مسلم
فهذا دليل على استحباب زيارة القبور من فعل النبي -ﷺ- ومن أمره.
• الحكمة من زيارة القبور:
أولًا: العبرة والاتعاظ، فقد جاء في رواية (تذكر الآخرة) (تذكر الموت) (وتزهد في الدنيا وترق القلب).
ثانيًا: انتفاع الميت بالدعاء والاستغفار له.
ثالثًا: الاقتداء بالنبي -ﷺ-.
• قال شيخ الإسلام: "وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة".
• ليس لزيارة القبور وقت معين، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأفضل في زيارة القبور أن يكون يوم الجمعة، واستدل هؤلاء بحديث: (من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر له وكتب بارًا). وهو حديث ضعيف وقالوا: إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة.
لكن الصحيح أن زيارة القبور ليس لها وقت معين لا يوم ولا وقت، بل ظاهر الأحاديث التي فيها الأمر بزيارة القبور، لم تحدد زمنًا ولا وقتًا، وأما الحديث فضعيف لا يصح، ومثل هذا الحديث لا يصلح الاعتماد عليه ولا العمل به مطلقًا.
وأما قولهم إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة، فهذا القول لا دليل عليه سوى بعض الأخبار والمنامات، ومن المقرر عند أهل العلم أن الاحتجاج بالمنامات لا يصح لإثبات الأحكام الشرعية.
• وقوله (فزوروها) استدل به من قال بجواز زيارة النساء للقبور.
وهذا مذهب الجمهور، قال النووي: "بالجواز قطع الجمهور".
واستدلوا بحديث أنس قال: (أتى النبي -ﷺ- على امرأة تبكي عند قبر، فقال لها: اتقي الله واصبري …).
قال الحافظ: "وموضع الدلالة من الحديث أنه -ﷺ- لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة".
وبحديث بريدة (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها).
وجه الدلالة: أن الخطاب عام، فيدخل فيه النساء، قال الحافظ: "هو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة".
وبحديث عائشة الطويل، وفيه: (قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين …). رواه مسلم قالوا: وتعليم النبي -ﷺ- لعائشة هذا الدعاء يدل على جواز زيارة المقابر للنساء.
القول الثاني: أنها مكروهة، وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا).
قالوا: والزيارة من جنس الاتباع، فيكون كلاهما مكروهًا غير محرم.
القول الثالث: أنها حرام.
وهذا اختيار ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
ولأن سد الذرائع مقدم على جلب المنافع.
[ ١ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الإجابة عن أدلة من قال بالإباحة:
أما حديث أنس أن النبي -ﷺ- مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري …) فيجاب عنه:
أن النبي -ﷺ- لم يقرّ المرأة على فعلها، بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن زيارة القبور، ففي هذا إنكار قعودها عند القبر، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
قال ابن ابن القيم: "احتج به على جواز زيارة النساء للقبور، فإنه -ﷺ- لم ينكر عليها الزيارة وإنما أمرها بالصبر، ولو كانت حرامًا لبيّن لها حكمها، وأجيب عن هذا بأنه -ﷺ- قد أمرها بتقوى الله والصبر، وهذا إنكار منه لحالها من الزيارة والبكاء".
أن هذه القضية لا يعلم هل كانت قبل أحاديث المنع من زيارة النساء للقبور أو لا؟ وهي إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع، أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها، وعلى الجواز على التقديرين لا تعارض أحاديث المنع، ولا يمكن دعوى نسخها بها.
أما قول النبي -ﷺ-: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فيجاب عنه:
• أنه خطاب للرجال دون النساء، فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور بأصل الوضع فلا يدخل فيه النساء، وهذا هو المذهب الصحيح المختار في الأصول.
وعلى هذا فالإذن لا يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ.
• أن الخطاب إن كان متناولًا للنساء بطريق التبع والتغليب، فإن للعلماء في ذلك قولين:
قيل: إن ذلك يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذٍ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل، وقيل: إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق، وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم ضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة في نهي النساء عن زيارة القبور، بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء، حتى ولو علم تأخر العام وتقدم الخاص، فكيف إذا لم يعرف أن هذا العام بعد الخاص إذ قد يكون نهي النساء عن زيارة القبور بعد الإذن للرجال في زيارة القبور، بل هذا هو الأقرب.
أما حديث عائشة: (قولي: السلام على أهل الديار …) فيجاب عنه:
• بأن الحديث لا دلالة فيه على جواز زيارة القبور للنساء، لأن الحديث إنما سيق لتعليم السلام على أهل القبور دون إباحة الزيارة للنساء، وقد تمر المرأة على أهل القبور في مسير لها من غير قصد الزيارة فتحتاج إلى التسليم عليهم، فلا يلزم من تعليمه لهن إباحة الزيارة قصدًا.
• أن هذا التعليم من النبي -ﷺ- لعائشة يحتمل أن يكون قبل النهي الأكيد والوعيد الشديد لزوّارات القبور.
[ ١ / ٣٨٦ ]
م/ وينبغي لمن زارها أن يقول: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون
ذكر المصنف - ﵀ - الدعاء الذي يقال عند زيارة القبور، وهو ﵀ ذكر دعاء لكنه في الواقع مجمع من عدة أحاديث، ولذلك سأذكر كل دعاء لوحده بالحديث الذي ذكر به.
منها: حديث بريدة قال (كان رسول الله -ﷺ- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية رواه مسلم
جاء في رواية: (أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية). رواه مسلم
ومنها: حديث عائشة في حديث لها طويل قالت: (قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). رواه مسلم
ومنها: حديثها الثاني قالت (كان رسول الله -ﷺ- كلما كان ليلتها من رسول الله -ﷺ- يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). رواه مسلم
[ ١ / ٣٨٧ ]
م/ وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعَه ذلك.
المراد بالقربة ما يُتقرب به إلى الله تعالى من الطاعات مثل الدعاء، والاستغفار، والصدقة، والصلاة، والصوم، والحج، وقراءة القرآن وغير ذلك، فلا فرق بين القربة البدنية والمالية.
قوله (فعلها) أي: فعلها شخص مسلم سواء كان من أقارب الميت أو من غيرهم.
قوله (نفعه) أي: يصل ثوابها إليه بكرم الله ورحمته.
وهذا ما ذهب إليه المؤلف هو أحد الأقوال في المسألة: وهو أن جميع القرب تُهدى للأموات ويصل ثوابها إليهم، وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا بالقياس على ما ثبت في الشرع.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يهدى للأموات إلا ما دل الدليل على جواز إهدائه، لأن وصول الثواب إلى الأموات من الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها، وإنما يعمل فيها بما يقتضيه الدليل.
وقد ورد النص في أمور ينتفع بها الميت:
منها: الدعاء، وهذا بالإجماع.
قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
وقال -ﷺ- (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: وذكر منها أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
وصلاة الجنازة، فإن أهم ما فيها الدعاء للميت.
والأدعية التي سبقت التي تقال في صلاة الجنازة للميت.
وكذا الدعاء له بعد الدفن، كما في سنن أبي داود من حديث عثمان قال (كان النبي -ﷺ- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل).
وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم.
ومنها: الصدقة.
لحديث عائشة قالت (أن رجلًا قال للنبي -ﷺ-: إن أمي افتُلتتْ نفسُها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها، قال: نعم) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عباس (أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقتُ عنها، قال: نعم) رواه البخاري.
ومنها: الصوم.
لحديث عائشة. قالت: قال رسول الله -ﷺ- (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) متفق عليه.
ومنها: الحج.
لحديث ابن عباس (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي -ﷺ- فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري.
[ ١ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها: الدين.
فقد أجمع المسلمون على أن قضاء الديْن من ذمةِ الميت يسقطه، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته.
وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة. عن النبي -ﷺ- أنه قال (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفيَ من المؤمنين فترك ديْنًا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته) متفق عليه.
واختلفوا في العبادات البدنية كالصلاة وقراءة القرآن وغيرها:
فقال بعض العلماء بالجواز.
كما ذكر ذلك المؤلف ﵀.
واستدلوا بالقياس على ما ثبت في الشرع.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يصل شيء من ذلك.
لأن ذلك لم يكن من فعل السلف، فلم يكن السلف إذا قرأ أحدهم القرآن أهدى ثوابه لميته، أو صلى تطوعًا أهدى ذلك للأموات، أو صام تطوعًا وأهدى ذلك للأموات، فالأفضل والأولى الاقتصار على ما ورد به النص.
وهذا القول هو الراجح.
[ ١ / ٣٨٩ ]