م/ والمريض الذي يتضرر بالصوم، والمسافر: لهما الفطر والصيام.
ذكر المصنف - ﵀ - من يباح لهم الفطر في رمضان وهما:
المريض الذي يضره المرض.
لقوله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). في الآية مقدر وهو (فأفطر) فعدة من أيام أخر.
وقال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
الأول: المرض ينقسم إلى قسمين:
أولًا: أن يضره الصيام، فهنا يحرم صومه.
لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
وقال تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
• (فإن كان صيامه مع المرض يؤدي إلى التلف أو غلب على ظنه أنه لو صام أن يتلف أو يحصل له فوات عضو، فإنه في هذه الحالة يحرم صومه).
ثانيًا: أن يشق عليه الصوم، فهنا يكره صومه.
لأن ذلك يتضمن إكراهًا بنفسه. ولأنه ترك تخفيف وقبول رخصة الله لحديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه).
• (تأخير البرء بسبب الصيام يوجب الترخيص، لأن تأخير البرء ضرر).
الثاني: المسافر.
فالمسافر يجوز له الفطر، وهذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر). تقدير الآية: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر- فأفطر - فعدة من أيام أخر).
ومن السنة أحاديث كثيرة، ومنها:
حديث جَابِر بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ اَلنَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: "أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ").
وحديث أنس قال: (كنا نسافر مع النبي -ﷺ- فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم). متفق عليه
وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ رِضَى اَللَّهُ عَنْهُ; أَنَّهُ قَالَ (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- " هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• فإن صام المسافر فإنه جائز، قال ابن قدامة: "وهذا قول أكثر العلماء"، وقال النووي: "وهو قول جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى لأحاديث الباب وغيرها كثيرة".
لحديث أنس قال (كنا نسافر فلا يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) متفق عليه.
ولحديث أبي الدرداء قال: (خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله -ﷺ- وعبد الله بن رواحة) متفق عليه.
[ ١ / ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• اختلف الجمهور القائلون بجواز الصوم في السفر أيهما أفضل الصوم أم الفطر؟
القول الأول: الفطر أفضل.
وهو قول أحمد وإسحاق.
عملًا بالرخصة.
ولحديث: (ليس من البر الصيام في السفر).
ولحديث (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه).
القول الثاني: الصوم أفضل لمن قوي عليه من غير مشقة.
ونسبه ابن حجر إلى الجمهور. واستدلوا:
بحديث أبي الدرداء قال: (خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله -ﷺ- وعبد الله بن رواحة). متفق عليه
القول الثالث: هو مخير مطلقًا.
القول الرابع: أفضلهما أيسرهما.
واختاره ابن المنذر.
لقوله تعالى: (يريد بكم اليسر).
والراجح قول الجمهور.
• لكن إذا كان هناك مشقة محتملة فالأفضل الفطر.
لحديث: (ليس من البر الصيام في السفر).
وإذا كان الصوم يشق عليه مشقة غير محتملة فهنا يجب الفطر.
لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم).
وأما إذا كان لا يشق عليه فالأفضل الصوم كما سبق من مذهب الجمهور.
لأنه فعل الرسول -ﷺ-.
أسرع في إبراء الذمة.
أسهل على المكلف.
يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان.
[ ١ / ٤٥٢ ]
م/ والحائض والنفساء يحرم عليهما الصيام وعليهما القضاء.
أي: لا يجوز للحائض والنفساء الصوم فرضه ونفله، ويجب عليهما قضاء رمضان، فإذا حاضت المرأة أو نُفِست في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم ولو قبل الغروب بلحظة، ووجب عليها القضاء إن كان فرضًا.
قال النووي: "أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة والصوم في الحال، وأجمعوا على أنه يجب عليهما قضاء الصوم".
لحديث مُعَاذَةَ قَالَتْ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤَمرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ).
ولحديث أبي سعيد قال: قال -ﷺ- (أليس إذا حاصت لم تصل ولم تصم، قلنا: بلى) متفق عليه.
• هل تؤجر الحائض على ترك الصيام والصلاة؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنها تؤجر، لأنها تركتهما تعبدًا لله.
القول الثاني: لا تؤجر، والصحيح الأول.
[ ١ / ٤٥٣ ]
م/ والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما: أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا.
أي: أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا؟
هذا ما ذهب إليه المصنف - ﵀ - وإفطار الحامل والمرضع له أحوال:
أولًا: إن خافتا على أنفسهما فقط؛ فحكمهما حكم المريض يفطران ويقضيان فقط.
قال في المغني "إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما إذا صامتا فلهما الفطر وعليهما القضاء، لا نعلم فيه خلافًا لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه".
ثانيًا: إن خافتا على أنفسهما وولديهما جميعًا؛ فعليهما القضاء فقط (نفس الحالة السابقة).
ثالثًا: إن خافتا على ولديهما فقط:
فقيل عليهما القضاء والكفارة، وهو ما ذكره المصنف - ﵀ - وهذا المشهور من المذهب.
لما رواه أبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال فيها: (نسخت هذه الآية وبقيت للشيخ الكبير والعجوز والحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا).
وقيل: عليهما القضاء فقط من غير الكفارة. وهذا هو القول الراجح. لحديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله -ﷺ- قال (إن الله تبارك
وتعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصيام) رواه الترمذي.
فالنبي -ﷺ- لم يذكر الكفارة، والأصل براءة الذمة.
[ ١ / ٤٥٤ ]
م/ والعاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا.
سبق أن العجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عجز طارئ يرجى برؤه: فهذا يفطر ويقضي.
القسم الثاني: عجز دائم لا يرجى برؤه: فهذا يفطر ويطعم.
لقول ابن عباس في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم) رواه البخاري.
وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: (رُخِّصَ لِلشَّيْخِ اَلْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ.
• كيفية الإطعام:
o أن يدعو مساكين بعدد الأيام في آخر الشهر للغداء إن كان بعد رمضان أو على العشاء فيعشيهم.
o أو أن يوزع طعامًا ويعتني بطبخه ويجعل معه أدم.
ويجب أن يطعم عن كل يوم مسكينًا لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكينًا.
فلو قال: سأخرج طعامًا يكفي ثلاثين مسكينًا لستة فقراء، لا يجزئ.
[ ١ / ٤٥٥ ]