لقصة سارة مع الملك، أن سارة لما هم الملك بالدنو منها، قامت تتوضأ وتصلي.
ولقصة جُرَيْج الراهب أيضًا، قام فتوضأ وصلى، ثم كلم الغلام.
ولحديث: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي). رواه ابن ماجه قال ابن حجر: حديث ضعيف.
والذي اختصت به هذه الأمة هي الغرة والتحجيل.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ، فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[ ١ / ٦٤ ]
م/ وَهُوَ: أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ اَلْحَدَثِ، أَوْ اَلْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
وَالنِّيَّةُ: شَرْطٌ لِجَمِيعِ اَلْأَعْمَالِ مِنْ طَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا; لِقَوْلِهِ -ﷺ-: إِنَّمَا اَلْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أي أن الوضوء لا يصح إلا بنية، فينوي رفع الحدث الذي حصل له، أو ينوي بوضوئه الوضوء للصلاة.
فلا بد للوضوء من نية.
للحديث الذي ذكره المؤلف (إنما الأعمال بالنيات …) فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية، ولأنها طهارة عن حدث قلم تصح بغير نية كالتيمم أو عبادة، فافتقرت إلى النية كالصلاة.
ولأن الوضوء عبادة مستقلة، بدليل أن الله تعالى رتب عليه الفضل والثواب والأجر، ومثل هذا يكون عبادة مستقلة.
وهذا قول جمهور العلماء.
فلو توضأ بنية التبرد فإنه لا يجزئه، ويعتبر وضوءه باطلًا لفقده شرطًا وهو النية.
قول المصنف (أن ينوي رفع الحدث) أي إذا توضأ بنية رفع الحدث الذي حصل له، بسبب البول مثلًا، صح وضوءه.
وقوله (أو الوضوء للصلاة) أي نوي بوضوئه الصلاة، أو لمس المصحف، فإنه يرتفع حدثه، وإن لم ينو رفع الحدث، لأن الصلاة لا تصح إلا بعد رفع الحدث.
• والنية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة.
قال ابن القيم ﵀: " النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلًا، ولذلك لم ينقل عن النبي -ﷺ- ولا عن أصحابه التلفظ بالنية بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك ".
قوله (رفع الحدث) خرج به طهارة الأنجاس، فلا يشترط لها النية، فلو علق إنسان ثوبه في السطح رجاء المطر حتى يغسله وزالت النجاسة طهُر، مع أنه ليس بفعله ولا نيته، وكذلك الأرض تصيبها النجاسة فينزل عليها ماء المطر فتطهر.
[ ١ / ٦٥ ]
م/ ثُمَّ يَقُولَ: "بِسْمِ اَللَّهِ.
أي يسن أن يقول بسم الله قبل الوضوء، وهذا مذهب الجمهور.
وذهب بعض العلماء إلى وجوبها، لقوله -ﷺ-: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) رواه أبو داود، مختلف فيه.
والصحيح أنها سنة غير واجبة، لأمور:
أولًا: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ …) فأمر الله بالغسل ولم يأمر بالتسمية، ولو كانت واجبة لأمر الله بها، كما أمر بها في الصيد والذكاة.
ثانيًا: أن الصحابة وصفوا وضوء النبي -ﷺ- وصفًا تامًا، ولم يذكر أحد منهم أنه سمى في أول وضوئه، فلو كان ذلك واجبًا لا يصح الوضوء إلا به، لم يتركها النبي -ﷺ-.
ثالثًا: أن الحديث مختلف في ثبوته، وقد قال الإمام أحمد: لا يثبت في هذا الباب شيء ولا يمكن إثبات واجب بحديث مختلف فيه، وقد حسنه بعض العلماء.
رابعًا: حديث عبد الله بن عمرو: (أن أعرابيًا جاء إلى النبي -ﷺ- يسأل عن الوضوء … فذكر له النبي -ﷺ- الوضوء ولم يذكر التسمية). رواه أبو داود
[ ١ / ٦٦ ]
م/ وَيَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا.
أي ويسن أن يغسل كفيه ثلاثًا قبل بداية الوضوء.
لحديث عثمان -﵁-: (أنه دعا بوضوء، فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض …) متفق عليه
ولأن اليد آلة الغسل، وبها ينقل الماء، فكان الأليق تطهيرها احتياطًا لجميع الماء.
• وغسل الكفين في بداية الوضوء من سنن الوضوء.
قال النووي: " وهذا دليل على أن غسلهما في أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء ".
[ ١ / ٦٧ ]
م/ ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ.
المضمضة: هي إدارة الماء في الفم.
والاستنشاق: هو جذب الماء بالنفس من الأنف.
• فبعد غسل الكفين يبدأ بالمضمضة والاستنشاق.
لحديث عثمان -﵁- وفيه: (… فغسل كفيه ثلاثًا، ثم مضمض واستنثر …).
• أن المضمضة تقدم على الاستنشاق.
• أن المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، وهذا سنة، فلو خالف وغسل وجهه ثم تمضمض واستنشق؛ فلا بأس.
• السنة أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا.
لحديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي -ﷺ-، وفيه: (… ثم أدخل يده في التوْر، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا). متفق عليه
• السنة أن يكون بثلاث غرفات من كف واحدة.
لحديث عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: (ثم أدخل -ﷺ- يده، فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثًا). متفق عليه
وعن علي -﵁- في صفة الوضوء: (ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، يمضمض وينتثر من الكف الذي يأخذ منه الماء). رواه أبو داود
• وهذه الصفة هي أصح الصفات للأحاديث السابقة ..
قال النووي موضحًا هذه الصفة: " أن يأخذ غرفة ويتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم ثالثة كذلك ".
قال ابن القيم: " وكان -ﷺ- يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه ".
• ولم يجيء حديث صحيح في الفصل بين المضمضة والاستنشاق.
وأما حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- يفصل بين المضمضة والاستنشاق). رواه أبو داود فهو حديث ضعيف
• وحكم المضمضة والاستنشاق أنهما من واجبات الوضوء، وهذا مذهب أحمد
لقوله -ﷺ-: (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا). رواه أبو داود
وفي رواية: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر). متفق عليه
وهذه أوامر تدل على الوجوب.
ولأن كل من وصف وضوء النبي -ﷺ- ذكر أنه تمضمض واستنشق، وأنه داوم عليهما، فهذا مما يدل على وجوبهما.
وذهب بعض العلماء إلى أنهما سنتان في الوضوء، وهو قول مالك والشافعي.
لأنه قال: (فاغسلوا وجوهكم) فالله أمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، دون باطنه وهو الفم والأنف.
واستدلوا بحديث عائشة: (عشرة من سنن المرسلين: … وذكر منها: المضمضة والاستنشاق).
والراجح الأول.
• لا يجب أن يزيل ما في فمه من بقايا الطعام.
• لا يجب عليه أن يزيل الأسنان المركبة.
[ ١ / ٦٨ ]
م/ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا.
غسل الوجه من فروض الوضوء.
لقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
وأجمع العلماء على ذلك.
• الوجه هو ما تحصل به المواجهة، وحده من منابت الشعر المعتاد على ما نزل من اللحية والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا.
وغسله ثلاث مرات هذا من سنن الوضوء.
لحديث عثمان -﵁- في صفة الوضوء: (ثم غسل وجهه ثلاثًا …).
• هل يغسل ما استرسل من اللحية.
قال بعضهم: لا يغسل قياسًا على شعر المرأة الطويل أو ما استرسل من شعر الرأس فإنه لا يمسح، والصحيح أنه يغسل.
فالجواب عن قياس من منع أن يقال: إن اللحية المسترسلة يحصل بها المواجهة بخلاف الشعر المتدلي من الرأس فإنه ليس من الرأس إذ الرأس ما ترأس وارتفع.
[ ١ / ٦٩ ]
م/ وَيَدَيْهِ إِلَى اَلْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا.
غسل اليدين إلى المرفقين من فروض الوضوء بالإجماع.
لقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).
المرفق: بكسر الميم، هو العظم الناتئ في آخر الذراع، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. [قاله الحافظ]
• والسنة أن يكون الغسل ثلاث مرات.
لحديث عثمان في صفة الوضوء: (… ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا).
• قوله (إلى المرفقين) دليل على أن المرفق يجب غسله مع اليد، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
لقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق.
وقد جاءت أحاديث تدل على دخول المرفق مع اليد.
عند الدار قطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: (فغسل كفيه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين).
وعن جابر: (كان رسول الله -ﷺ- إذا توضأ أدار الماء على مرفقه) لكن في إسناد ضعف.
وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: (وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق).
وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: (ثم غسل يديه حتى يسيل الماء على مرفقيه).
فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا [قاله الحافظ].
ومما يدل على دخولهما أنه لم ينقل عنه -ﷺ- أنه أخل به ولو مرة واحدة فترك غسل المرفقين.
• يجب أن يغسل الكفين مع اليدين، فيجب أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين.
• يغسل الأقطع بقية المفروض.
مثال: لو قدر أنه قطع من نصف الذراع، فإنه يغسل بقية المفروض لقوله تعالى (فاتقوا الله ما ستطعتم).
ولحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
قال النووي: " إذا بقي من محل الفرض شيء فإنه يجب غسله بلا خلاف ".
[ ١ / ٧٠ ]
م/ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى قَفَاهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ يُعِيدَهُمَا إِلَى اَلْمَحَلِّ اَلَّذِي بَدَأَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.
ثم بعد غسل اليدين يمسح رأسه، وهو من فروض الوضوء.
لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ).
• قوله (مرة واحدة) فيه أن الرأس يمسح مرة واحدة، وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث علي في صفة الوضوء: (ومسح برأسه واحدة). رواه أبو داود
حديث عثمان في الصحيحين في صفة الوضوء، وكذلك عبد الله بن زيد في الصحيحين لم يذكر أنه مسح رأسه ثلاثًا بخلاف بقية الأعضاء.
لم ينقل عن النبي -ﷺ- سنة صحيحة أنه مسح رأسه ثلاث مرات.
وذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعية أنه يشرع التثليث في مسح الرأس.
لحديث عثمان: (أن النبي -ﷺ- توضأ ثلاثًا ثلاثًا). رواه مسلم
والراجح الأول، ولأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل.
قال أبو داود: " وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أنه مسح رأسه مرة ".
• قوله (ويمسح رأسه) أن الرأس يمسح ولا يغسل، فلو غسله بدلًا من المسح لكان مكروهًا.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجزئه، لأنه خلاف أمر الله ورسوله.
• قوله (ويمسح رأسه) أي أنه يجب أن يستوعب جميع الرأس ولا يجزئ أن يمسح بعضه، وهذا هو المذهب وهو الصحيح.
لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي -ﷺ-، ولم ينقل عنه -ﷺ- أنه اقتصر على بعض الرأس.
ولأن الله تعالى ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس.
قال ابن القيم ﵀: " لم يصح عنه حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض الرأس البتة ".
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجزئ مسح بعض الرأس، واستدلوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) قالوا: الباء للتبعيض.
والراجح الأول.
وأما الباء فليست للتبعيض وإنما هي للملاصقة.
قوله (ويمسح رأسه ثم يعيدهما إلى المحل …) هذه صفة مسح الرأس، وهي الثابتة في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين قال: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما على قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).
• والحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح، لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفاء.
• وهذه الصفة يستوي فيها الرجل والمرأة، لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل يخصص.
• لو مسح رأسه بغير يده، كأن يمسحه بخرقة ونحوها؟ فالجواب: أن ذلك يجزئ عنه لحصول المسح بذلك.
[ ١ / ٧١ ]
م/ ثُمَّ يَدْخُلَ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا.
ذكر المؤلف هنا صفة مسح الأذنين.
وهي أن يدخل سباحتيه [أصبعيه السباحتين] في صماختي أذنيه لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما.
ولو مسحهما بغير الإبهام لجاز، لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليجعل له أجر الاقتداء
بالنبي -ﷺ-.
والدليل على هذه الصفة:
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم). رواه أبو داود
وفي حديث المقدام بن معد كرب قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ فمسح رأسه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما). رواه أبو داود
• السباحتين: تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يسبح بها، أو لأنه يشار بها عند السب.
إبهاميه: تثنية الإبهام، وهي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد.
• ومسح الأذنين مع الرأس واجب، وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وقد جاء في الحديث: (الأذنان من الرأس) وهذا روي مرفوعًا لكن لا يصح، لكنه صح من قول ابن عمر رواه عبد الرزاق بسند صحيح، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمرًا بمسحهما.
ومن الأدلة قوله -ﷺ-: (إذا توضأ العبد فمضمض خرجت خطاياه من فيه، … فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه). رواه مالك
فقوله: (حتى تخرج من أذنيه) دليل على أن الأذنين من الرأس، فتكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس.
وذهب بعض العلماء إلى أن مسحهما سنة ليس بواجب.
لحديث عثمان في صفة الوضوء؛ حيث لم يذكر المسح على الأذنين.
وكذلك في حديث عبد الله بن زيد، لم يذكر المسح على الأذنين.
والراجح الأول.
• ويمسح أذنيه بفضل ماء رأسه، وليس في السنة ما يدل على أنه يأخذ ماءً جديدًا.
[ ١ / ٧٢ ]
م/ ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ مَعَ اَلْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
ثم بعد مسح الرأس يغسل رجليه، وغسل الرجلين من فروض الوضوء بالإجماع.
لقوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
والكعبان: هما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانبي القدم.
• والسنة أن يغسلهما ثلاثًا.
لحديث عثمان في صفة الوضوء: (ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا …).
• جاء التحذير الشديد من التهاون في شيء من الرجل، فقد قال -ﷺ-: (ويل للأعقاب من النار).
[ ١ / ٧٣ ]
م/ هَذَا أَكْمَلُ اَلْوُضُوءِ اَلَّذِي فَعَلَهُ اَلنَّبِيُّ -ﷺ-.
المؤلف ﵀ لم يذكر أشياء تعتبر من سنن الوضوء التي فعلها النبي -ﷺ- وأمر بها، لكي يكتمل الوضوء الكامل، منها:
البداءة باليمين.
فيسن أن يبدأ بيده التي قبل اليسرى ورجله التي قبل اليسرى.
لحديث عائشة قالت: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) متفق عليه
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم).
حديث عثمان في صفة الوضوء: (… ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك …).
قال النووي ﵀: أجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فإنه فاته الفضل وتم وضوءه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أما الوجه فالنصوص تدل على أنه لا تيامن فيه … والأذنان يمسحان مرة واحدة، لأنهما عضوان من عضو واحد ".
ومن ذلك قول الدعاء الوارد بعد الوضوء.
كما جاء في حديث عمر أن النبي -ﷺ- قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). رواه مسلم
وجاء في دعاء آخر، عن أبي سعيد مرفوعًا: (من توضأ ففرغ من وضوئه، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش، فلم تكسر إلى يوم القيامة). رواه الحاكم
واختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير وقفه؛ فهذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع.
• جاء عند الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لكنها لا تثبت.
وجاء عند أبي داود: (… فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء) لكنها ضعيفة.
• الأدعية أثناء الوضوء لا يصح منها شيء.
قال النووي: " وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء منه شيء عن النبي -ﷺ- ".
وقال ابن القيم: " وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطلة، ليس منها شيء يصح ".
ومن ذلك السواك.
فهو من سنن الوضوء.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) رواه أحمد.
ولحديث عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ- (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) رواه أحمد.
[ ١ / ٧٤ ]
م/ وَالْفَرْضُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
والواجب في الوضوء الغسلة الأولى فقط.
لقوله تعالى: (فاغسلوا) والغسل يصدق بواحدة.
• وأما الغسلة الثانية والثالثة فسنة.
فقد ثبت حديث عن ابن عباس: (أن النبي -ﷺ- توضأ مرة مرة). رواه البخاري
وثبت في حديث عبد الله بن زيد: (أنه -ﷺ- توضأ مرتين مرتين). رواه البخاري
وثبت أنه -ﷺ- توضأ ثلاثًا ثلاثًا كما في حديث عثمان في الصحيحين.
وثبت عنه -ﷺ- أنه توضأ مخالفًا، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، ورجله مرة، ففي حديث عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: (… ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين …). متفق عليه
وقد كره بعض العلماء أن يخالف بين الأعضاء في العدد.
والصواب أنه لا يكره، والأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ليكون عاملًا بالسنة كلها.
• أما الزيادة على الثلاث فلا يجوز، لحديث عبد الله بن عمرو: (أن النبي -ﷺ- توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم). رواه أبو داود
قال المباركفوري: " لا آمن إذا زاد في الوضوء أن يأثم ".
وقال أحمد وإسحاق: " لا يزيد على الثلاث إلا رجلًا مبتلى ".
[ ١ / ٧٥ ]
م/ وَأَنْ يُرَتِّبَهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ).
الترتيب في الوضوء فرض من فروض الوضوء، وهو أن يأتي بفروض الوضوء مرتبة ﴿يبدأ بالوجه، ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين﴾.
والدليل على أن الترتيب فرض:
الآية التي ذكرها المصنف: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ).
وجه الدلالة: أن الله رتبها فيجب أن ترتب كما في الآية، وقد قال -ﷺ-: (ابدؤوا بما بدأ الله به).
في الآية أيضًا قرينة تدل على ذلك: فإنه تعالى أدخل ممسوحًا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هنا الترتيب.
وكان -ﷺ- وضوءه مرتبًا متواليًا، ولم يخل به مرة واحدة البتة، فكل من وصف وضوء النبي -ﷺ- حكاه مرتبًا.
وعلى هذا القول فلو قدم عضوًا على آخر لم يصح وضوءه، وهذا قول أحمد والشافعي.
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب غير واجب، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيف ما غسل كان ممتثلًا، والراجح الأول.
[ ١ / ٧٦ ]
م/ وَأَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا، بِحَيْثُ لَا يَنْبَنِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضِ، وَكَذَا كُلُّ مَا اِشْتُرِطَتْ لَهُ اَلْمُوَالَاةُ.
أي أنه من فروض الوضوء الموالاة، وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، فلا يؤخر غسل اليدين حتى ينشف الوجه، أو يؤخر مسح الرأس حتى تجف اليدان.
والدليل على فرضية الموالاة:
ما ورد عن عمر: (أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي -ﷺ- فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى). رواه مسلم
وعن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-: (أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعةً قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة). رواه أبو داود
فلو لم تجب الموالاة لأجزأ غسل اللمعة.
ولأن الوضوء عبادة واحدة، فلا يُبنى بعضها على بعض مع تفرق أجزائها، بل يجب أن يكون بعضها متصلًا ببعض.
وهذا القول هو الراجح.
وذهب بعض العلماء إلى أنها سنة غير واجبة.
لأن مواظبة النبي -ﷺ- تدل على سنيتها، ومما يدل على عدم وجوبها: أن الله أمر بغسل هذه الأعضاء في الوضوء ولم يوجب الموالاة.
لكن الموالاة تسقط مع العجز.
فِي اَلْمَسْحِ عَلَى اَلْخُفَّيْنِ وَالْجَبِيرَةِ
المراد بالمسح هنا إمرار اليد المبلولة بالماء على خف مخصوص في زمن مخصوص.
والخف لغة: ما يلبس على الرجل من جلد.
واصطلاحًا: هو الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه.
فيدخل في ذلك: الشراب، وكل ما يلبس على الرجل مما يستفاد منه بالتسخين.
والمسح على الخف جائز عند عامة أهل العلم ﴿قاله ابن قدامة﴾.
ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عند الصحابة اختلاف.
وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب النبي -ﷺ- أنه مسح على خفيه.
وأدلة جوازه كثيرة وستأتي إن شاء الله.
[ ١ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها هذه الأحاديث:
عن همام بن الحارث قال: (رأيت جرير بن عبد الله بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل فقال: رأيت رسول الله -ﷺ- صنع مثل هذا، قال إبراهيم النخعي: فكان يعجبهم هذا، لأن جريرًا كان آخر من أسلم). متفق عليه
وعن حذيفة قال: (كنت مع النبي -ﷺ- فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه) متفق عليه
اختلف العلماء أيهما أفضل المسح أو الغَسل على قولين:
القول الأول. الغسل أفضل.
وهذا مذهب الشافعي، وذهب إليه جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري. [ذكر ذلك النووي].
لأنه المفروض في كتاب الله.
ولأنه الغالب من فعل رسول الله -ﷺ-. … [ذكر ذلك ابن قدامة].
القول الثاني: المسح أفضل.
وهذا مذهب أحمد.
قال النووي: " وذهب إليه الحكم وحماد ".
واختاره ابن المنذر، وقال: " والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن به المخالفون من السنن أفضل من تركه ".
والراجح أن الإنسان على حسب حاله.
واختاره ابن القيم في زاد المعاد، وقال: " ولم يكن يتكلف ضدّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل ".
[ ١ / ٧٨ ]
م/ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خُفَّانِ وَنَحْوُهُمَا مَسْحَ عَلَيْهِمَا إِنْ شَاءَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ - وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ.
ذكر المؤلف ﵀ الشرط الأول من شروط المسح على الخفين، وهو أن يكون في المدة المشروعة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
لحديث علي قال: (جعل النبي -ﷺ- للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها). رواه مسلم
وعن صفوان بن عسال قال: كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن بول وغائط ونوم). رواه الترمذي
• واختلف العلماء متى يبدأ المدة:
فقيل: من أول حدث بعد اللبس.
وهذا مذهب الجمهور.
واستدل هؤلاء بزيادة في حديث صفوان: (من الحدث إلى الحدث) قال النووي: هي زيادة غريبة ليست ثابتة.
ولأن الحدث هو سبب الوضوء، فعلق الحكم به.
وقيل: من حين لبس الخف.
وهذا محكي عن الحسن البصري.
وقيل: من أول مسح بعد الحدث.
وممن قال بهذا القول الأوزاعي، واختاره ابن المنذر.
واحتج هؤلاء بأحاديث التوقيت في المسح.
كحديث: (يمسح المسافر ثلاثة أيام) فهذا صريح في أن الثلاثة كلها للمسح، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، ثم إنه ليس للحدث ذكر في شيء من الأحاديث.
[ ١ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثال: لو توضأ رجلًا لصلاة الفجر ولبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة الثامنة صباحًا ثم أحدث، ثم توضأ في الساعة الثانية عشرة ظهرًا:
فالمذهب أن المدة تبتدئ من الساعة الثامنة.
وعلى القول الراجح تبدأ من الساعة الثانية عشرة إلى مثلها من اليوم الثاني إن كان مقيمًا، ومن اليوم الرابع إن كان مسافرًا، فالمقيم يمسح يومًا وليلة، أي أربعًا وعشرين ساعة، والمسافر ثلاثة أيام؛ أي اثنتين وسبعين ساعة، ولا عبرة بعدد الصلوات كما هو مشهور عند العامة.
قوله (ونحوهما) كاللفائف وغيرها مما يلف على الرجل، وهذا القول هو الصحيح، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم؛ أنه يجوز المسح على اللفائف.
لأن الغرض الموجود في المسح على الخفاف موجود في لبس اللفافة.
قال ابن تيمية: " والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر، إما إصابة برد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق أولى ".
• من مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر.
هذا مذهب الأحناف.
فلو مسح يومًا ثم سافر، فإنه يمسح يومين زيادة على اليوم، فيكون قد مسح ثلاثة أيام.
لأن رخص السفر قد حلت له.
• ومن مسح وهو مسافر ثم أقام، فإنه يمسح مسح مقيم، لأن رخص السفر قد انتهت بالوصول إلى بلده.
وهذا قول جمهور العلماء.
فلو مسح المسافر يومًا وليلة فما فوق ثم قدم بلده الذي يسكن فيه، فلا يجوز له في هذه الحالة المسح على الخفين بل ينزعهما.
[ ١ / ٨٠ ]
م/ بِشَرْطِ أَنْ يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ.
هذا هو الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين؛ وهو أن يلبس الخف على طهارة، وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: " لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح على الخفين ".
وقال الشنقيطي: " أجمع العلماء في اشتراط الطهارة المائية للمسح على الخف ".
لحديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي -ﷺ- فتوضأ؛ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين). متفق عليه
وعليه فمن لبس الخف من غير طهارة وصلى؛ فإن صلاته باطلة وعليه الإعادة.
[ ١ / ٨١ ]
م/ وَلَا يَمْسَحَهُمَا إِلَّا فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَصْغَرِ.
هذا هو الشرط الثالث من شروط المسح على الخفين، وهو أن المسح على الخفين خاص بالوضوء دون الغسل.
قال ابن قدامة: " لا يجزئ المسح في جنابة ولا غسل واجب ولا مستحب لا نعلم فيه خلافًا ".
قال الحافظ ابن حجر: " المسح على الخفين خاص بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماع ".
لحديث صفوان بن عسال قال: (كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم). رواه الترمذي
ولحديث أنس الذي ذكره المؤلف.
• هذه الشروط التي ذكرها المؤلف متفق عليها بين العلماء، وهناك شروط مختلف فيها:
فمنها: اشترط بعض الفقهاء أن يثبت الخف بنفسه، فإن كان لا يثبت إلا بشده فلا يجوز المسح عليه.
فلو لبس شرابًا واسعًا، واحتاج إلى شده على الرِّجل وإلا سقط مع المشي لم يمسح عليه.
لكن الصواب أنه يمسح عليه، لأن اشتراط ثبوته بنفسه لا دليل عليه، فالنصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فإذا كان ينتفع به ويمشي؛ فلماذا لا يمسح عليه؟
ومنها: اشتراط أن يكون ساترًا لمحل الفرض (القدم) فلا يجوز المسح على مخرق أو شفاف.
قالوا: لأنه غير ساتر للقدم.
ولأن المنكشف من الرجل حكمه الغسل، والمستور حكمه المسح، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز.
لكن الصحيح أن هذا ليس بشرط، وأنه يصح المسح على الخف المخرق والذي فيه شقوق ما دام يمكن متابعة المشي فيها، ويدل لذلك:
أولًا: أن نصوص المسح على الخفين مطلقة غير مقيدة بمثل هذه القيود، وما أطلقه الله ورسوله فليس لأحد تقييده.
ثانيًا: أن الحكمة من مشروعية المسح التيسير على الناس ورفع الحرج، وذكر مثل هذه الشروط قد يضيق عليهم، ولا سيما المسافر إذا انخرق خفه، ولا يمكنه إصلاحه في السفر، فلو لم يجز المسح عليه لم يحصل مقصود الرخصة.
ثالثًا: أن أكثر الصحابة فقراء، وغالب الفقراء لا تخلوا خفافهم من شق وفتق، ولا سيما في الأسفار، فإذا كان هذا غالبًا في الصحابة ولم يبين الرسول -ﷺ- لهم دل على أنه ليس بشرط.
قال سفيان الثوري: "امسح عليهما ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة مرقعة". رواه عبد الرزاق
وهذا القول اختيار ابن تيمية.
[ ١ / ٨٢ ]
م/ فَإِنْ كَانَ عَلَى أَعْضَاءِ وَضُوئِهِ جَبِيرَةٌ عَلَى كَسْرٍ، أَوْ دَوَاءٌ عَلَى جُرْحٍ، وَيَضُرُّهُ اَلْغُسْلُ: مَسَحَهُ بِالْمَاءِ فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ حَتَّى يَبْرَأَ.
• ذكر المؤلف هنا أحكام الجبيرة.
الجبيرة: هي ما يجبر به العظم المكسور من أعواد تشد عليه أو خرقة تلف عليه، ويدخل في ذلك الوسائل الطبية كالجبس على الكسور واللزقات على أجزاء من اليد أو على الجروح ونحو ذلك.
وقد ورد عدة أحاديث في المسح على الجبيرة لكنها فيها ضعف.
عن علي قال: (انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله -ﷺ- فأمرني أن أمسح على الجبائر). رواه ابن ماجه وهو لا يصح. الزند: طرف الذراع في الكف.
حديث جابر في الرجل الذي شُجَّ فاغتسل فمات: (إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خِرقةً ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده). رواه أبو داود وفيه ضعف
فذهب بعض العلماء إلى المسح على الجبيرة عملًا بهذه الأحاديث، حيث أن بعضها يقوي بعضًا.
واختار هذا الشوكاني والصنعاني.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشرع المسح على الجبيرة، لأن الأحاديث في ذلك ضعيفة. لكن هذا قول ضعيف.
لأن العضو باقٍ فلا يسقط فرضه.
والصواب أنه يمسح على الجبيرة حتى لو كانت الأحاديث ضعيفة، فإن العضو إذا عجز عن تطهيره طهّره ببدله، وأقرب البدل هو المسح.
قياسًا على مسح الخفين، فإن هذا عضو وجب غسله، وستر بما يسوغ ستره شرعًا، فجاز المسح عليه كالخفين.
وثبت عن ابن عمر موقوفًا: (أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك). رواه البيهقي
[ ١ / ٨٣ ]
م/ مَسَحَهُ بِالْمَاءِ فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ حَتَّى يَبْرَأَ.
أي الجبيرة يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر، فإذا اغتسل مسح عليها، كما يمسح في الوضوء.
لأن في نزعها ضرر.
• وهذا من الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة، فالمسح على الخفين لا يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر كما سبق.
• ونستفيد من كلام المؤلف حيث لم يذكر أن توضع الجبيرة على طهارة، بينما ذكر ذلك في المسح على الخفين، أن الجبيرة لا يشترط أن توضع على طهارة.
وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار ابن تيمية.
وقياسها على الخفين في هذه المسألة قياس فاسد، فإن الجرح يقع فجأة، أي في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه، فلو اشترطت الطهارة والحالة هذه لأفضى إلى الحرج والمشقة، وهما منتفيان شرعًا.
• والمشهور من المذهب أنه يشترط أن توضع على طهارة.
وقوله (حتى يبرأ)
أي أن الجبيرة يمسح عليها حتى يحصل البرء، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدرها، بخلاف الخفين فيمسح عليهما للمقيم يومًا وليلة، فإذا برئ ما تحتها وجبت إزالتها.
وقوله (ويضر الغسل)
هذا يدل على أن المسح على الجبيرة يمسح عليها عند الحاجة، أما من غير حاجة فلا يجوز، بخلاف المسح على الخفين، فيجوز من غير حاجة.
قوله (ومسحها بالماء)
تمسح الجبيرة بالماء، ولا يحتاج إلى التيمم مع المسح، بل يكفي المسح على القول الراجح، لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية.
[ ١ / ٨٤ ]
م/ وَصِفَةُ مَسَحِ اَلْخُفَّيْنِ: أَنْ يَمْسَحَ أَكْثَرَ ظَاهِرَهُمَا.
ذكر المؤلف صفة المسح على الخفين؛ وهو أن المشروع هو مسح أعلى الخف.
لحديث علي قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله -ﷺ- يمسح ظاهر خفيه). رواه أبو داود
• وأما مسح أسفل الخف فلا يشرع.
وأما حديث المغيرة قال: (إن النبي -ﷺ- مسح أعلى الخف وأسفله) فهو حديث ضعيف رواه أبو داود وغيره.
قال ابن القيم: " لم يصح عنه أنه مسح أسفلهما ".
• لم يرد حديث في كيفية المسح على الخف، فلذلك يكفي المسلم والمسلمة إمرار اليد على القدم اليمين واليسرى بحيث يصدق عليه أنه مسح.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأفضل أن اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى بنفس اللحظة.
لأن في حديث المغيرة: (فمسح عليهما) ولم يقل: بدأ باليمين.
• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وكثير من الناس يمسح بكلا يديه على اليمين، وكلا يديه على اليسرى، وهذا لا أصل له فيما أعلم ".
[ ١ / ٨٥ ]
م/ وَأَمَّا اَلْجَبِيرَةُ: فَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِهَا.
أي أن المسح على الجبيرة يكون على جميع الجبيرة وليس على بعضها.
لأن الأصل أن البدل له حكم المبدل ما لم ترد السنة بخلافه، وهذا المسح بدل الغسل، فكما أن الغسل يجب أن يعمَّ العضو كله، فكذلك المسح يجب أن يعم جميع الجبيرة.
• وهذا من الفروق بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفين.
• لم يذكر المؤلف ﵀ مبطلات المسح على الخفين وهي:
خلع الخف.
لأن حكم الرجِل في الأصل الغَسل، وإنما انتقل إلى المسح بدلًا عن الغسل لتغطية القدم، فإذا خلع الخف فقد عاد حكمه إلى وجوب الغسل.
وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق، ورجحه الشيخ ابن باز.
وذهب بعض العلماء إلى أن خلع الخف لا ينقض الوضوء، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية.
لعدم الدليل على النقض.
قاس بعضهم بمن حلق رأسه بعد مسحه فإنه لا يجب عليه إعادة مسح الرأس، وهذا القياس كما قال الحافظ ابن حجر فيه نظر.
والراجح القول الأول.
[ ١ / ٨٦ ]