فرضت من الله ﷿ إلى رسوله بدون واسطة، وفرضت في ليلة هي أفضل الليالي لرسول -ﷺ-، وفرضت في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت خمسين أولًا، وهذا يدل على محبة الله لها وعنايته ﷾ بها.
• الصلاة كانت مشروعة في الأمم الماضية.
قال تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾.
قال شيخ الإسلام: "ومن كان قبلنا لهم صلاة، ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات، ولا في الهيئات".
• وهي ثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين.
• وهي أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة.
• وهي عمود الدين.
[ ١ / ١٣٤ ]
م/ ومن شروطها دخول الوقت، والأصل فيه حديث جبريل: أنه أمّ النبي -ﷺ- في أول الوقت، وآخره، وقال: يا محمد، الصلاة ما بين هذين الوقتين) رواه أحمد والنسائي والترمذي، وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله -ﷺ- قال: وقت الظهر إذا زالت الشمس. وكان ظل الرجل كطوله. ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر. ما لم تطلع الشمس. رواه مسلم
دخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة، فمن صلى قبل الوقت فصلاته غير صحيحة، سواء كان عالمًا أو جاهلًا، والمراد بالوقت: الزمن المحدد لأداء الصلاة فيه.
قال تعالى (إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا). (كتابًا) أي مفروضًا، (موقوتًا) أي محددة في أوقات.
قال في المغني: "أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محددة".
وقد ذكر المؤلف حديث عبد؟الله بن عمرو وفيه أوقات الصلوات الخمس.
بداية وقت الظهر: إذا زالت الشمس بالإجماع.
قال ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس".
لحديث أبي هريرة (أن النبي -ﷺ- كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس). متفق عليه، ولحديث ابن عمرو الذي ذكره المصنف.
ولحديث بريدة: (أن النبي -ﷺ- لما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن ثم أمره فأقام الصلاة). رواه مسلم
نهاية وقتها: حين يكون ظل الشيء مثله، وبذلك قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
لحديث عبد الله بن عمرو (… وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر).
ولحديث أبي هريرة: (… ثم جاء الغد فصلى الظهر حين كان الظل مثله). رواه النسائي
• صلاة الظهر لها أسماء: تسمى الهاجرة: لحديث جابر قال: (كان النبي -ﷺ- يصلي الظهر بالهاجرة).
وسميت بالهاجرة لأن الناس يهجرون فيها السعي في أعمالهم نظرًا لشدة الحر.
وتسمى الأولى: والسبب في ذلك أنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي -ﷺ-.
[ ١ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بداية وقت العصر:
يدخل وقتها إذا صار ظل الشيء مثله يكون دخل وقت صلاة العصر، وخرج وقت صلاة الظهر.
لحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره المؤلف، يدل هذا على أنه إذا حضر وقت العصر خرج وقت الظهر.
نهاية وقتها: أنه ينتهي إذا اصفرت الشمس.
وهذا المذهب، لحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره المؤلف.
ولحديث أبي موسى قال: (وصلى العصر [أي الرسول] في اليوم الثاني والقائل يقول: قد احمرت الشمس). رواه مسلم
وذهب بعض العلماء إلى أن وقتها ينتهي حين يصير ظل الشيء مثليه.
وهذا قول الشافعي ومالك.
لحديث جابر: (أن النبي -ﷺ- جاءه جبريل فقال له: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب ثم جاءه من الغد فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه). رواه النسائي والترمذي
والراجح القول الأول، لأن جعل وقتها إلى اصفرار الشمس أخذ بالزائد، والأخذ بالزائد أخذ بالزائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد، وهذه الزيادة مقبولة لأمور:
أولًا: أن هذه الزيادة في صحيح مسلم، وحديث جابر في بعض السنن.
ثانيًا: أن حديث عبد الله بن عمرو متأخر، وإمامة جبريل بالنبي -ﷺ- كانت في أول الفرض بمكة.
ثالثًا: أنه اشتمل على زيادة لم ترد في حديث جابر، والأخذ بالزيادة لا ينافي ذلك.
رابعًا: أن حديث ابن عمرو قول، وحديث جابر فعل.
• معنى اصفرار الشمس: أن يرى الإنسان الصفرة أو الحمرة على الأرض أو الأبنية.
[ ١ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• صلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي جاء الأمر بالمحافظة عليها كما في قوله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى).
بداية وقت صلاة المغرب: يبدأ وقتها إذا غربت الشمس بالإجماع.
وقد نقل الإجماع ابن قدامة والنووي وغيرهم.
لحديث جابر: (أن النبي -ﷺ- كان يصلي المغرب إذا وجبت). رواه مسلم
ولحديث أبي موسى: (أنه -ﷺ- صلى المغرب حين وقعت الشمس). رواه مسلم
نهاية وقتها: إلى مغيب الشفق.
لحديث عبد الله بن عمرو (… ووقت المغرب ما لم يغب الشفق).
ولحديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: أن النبي -ﷺ- قال: (إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق).
وقال بعض العلماء: أنه عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم ويصلي خمس ركعات، وهذا مذهب الشافعي. واستدلوا: أن جبريل -﵇- صلاها بالنبي -ﷺ- في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصلاة، وهو قول ضعيف، ويدل على أن وقت المغرب ليس بقصير:
حديث زيد بن ثابت: (أن النبي -ﷺ- قرأ في المغرب بطولي الطوليين). رواه البخاري
وهي سورة الأعراف كما جاء عند النسائي، ولا شك أن سورة الأعراف لا يمكن أن تقرأ إلا في وقت طويل.
• المقصود بالشفق الحمرة.
بداية وقت العشاء: من مغيب الشفق، وهذا بالإجماع، وقد نقل الإجماع ابن قدامة والنووي وغيرهم.
نهاية وقتها: أنه إلى نصف الليل.
وهذا مذهب أبي حنيفة وابن المبارك.
لحديث عبد الله بن عمرو (فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل). رواه مسلم
ولحديث أنس: (أن النبي -ﷺ- أخر ليلة العشاء إلى منتصف الليل). رواه البخاري
وهذا القول هو الصحيح.
[ ١ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكن هل هناك وقت ضرورة؟
اختلف العلماء:
القول الأول: أنه هناك وقت ضرورة يمتد إلى الفجر.
وهذا المذهب وبه قال الشافعي.
لحديث أبي قتادة أن النبي -ﷺ- قال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى) رواه مسلم قالوا: الحديث يدل على أن وقت كل صلاة يمتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها لا تمتد إلى الظهر، فإن العلماء أجمعوا على أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس.
قال الحافظ: " عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح ".
القول الثاني: أنه ليس للعشاء وقت ضرورة، واختاره ابن حزم ورجحه الألباني، وهذا القول هو الصحيح.
والجواب عن حديث: (ليس في النوم تفريط …):
أنه ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك، وإنما فيها بيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عن وقتها مطلقًا سواء كان يعقبها صلاة أخرى، مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر.
فائدة الخلاف: لو طهرت حائض قبل الفجر، فعلى القول الراجح لا تصلي العشاء، وعلى القول الأول تصلي العشاء.
بداية وقت الفجر: يبدأ بطلوع الفجر الثاني بالإجماع، وحكى الإجماع ابن قدامة وغيره.
ففي حديث جبريل: (أن النبي -ﷺ- قال: ثم صلى الفجر حين برق الفجر). رواه مسلم
نهاية وقتها: ينتهي بطلوع الشمس.
لحديث عبد الله بن عمرو.
[ ١ / ١٣٨ ]
م/ ويدرك وقت الصلاة بإدراك ركعة لقوله -ﷺ- (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) متفق عليه.
أي: أن الوقت يدرك بإدراك ركعة قبل خروج الوقت، وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. للحديث الذي ذكره المصنف (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك …).
وذهب بعض العلماء إلى أن الوقت يدرك بإدراك تكبيرة الإحرام، أي إذا كبر قبل خروج الوقت أدرك الوقت، قالوا: لأن إدراك جزء من الوقت كإدراك الكل، لكن هذا قول ضعيف.
• وكذلك الجماعة تدرك بإدراك ركعة، للحديث السابق.
لكن بماذا تدرك الركعة؟ الراجح أنها تدرك بإدراك الركوع، لحديث أبي بكرة (أنه انتهى إلى النبي -ﷺ- وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فقال: زادك الله حرصًا ولا تعد) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن أبا بكرة أدرك النبي -ﷺ- وهو راكع فركع دون الصف، ولم يأمره النبي -ﷺ- بقضائها، فدل على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة.
[ ١ / ١٣٩ ]
م/ ولا يحل تأخيرها أو تأخير بعضها عن وقتها لعذر أو غيره.
أي: يحرم تأخير الصلاة عن وقتها، لأنها مؤقتة بوقت محدد كما قال تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).
وقال تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون). قال بعض العلماء: هم الذين يؤخرونها عن وقتها.
وقال تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا).
[غيًا] أي خسرانًا، وقال ابن مسعود: واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم.
قال بعض العلماء: إنما أضاعوا المواقيت. كما روي عن ابن مسعود.
وجبريل لما أمّ النبي -ﷺ- في أول الوقت وفي آخره قال: يا محمد! الصلاة ما بين هذين الوقتين.
وأن الله أمر بأداء الصلاة في حال الخوف والشدة مع الإمكان أن تؤخر وتؤدى بخشوع وسكينة ومع ذلك لم يراع هذا، بل روعي أن تصلى في وقتها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتأخير الصلاة عن وقتها حرام باتفاق العلماء، وذلك لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة ولا غير ذلك، بل يصلي في الوقت بحسب حاله، فإن كان محدثًا وقد عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله تيمم وصلى، وهذا لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة".
وقال ﵀: "ولهذا اتفق العلماء على أن الرجل إذا كان عريانًا مثل أن تنكسر بهم السفينة، أو تسلبه القطاع ثيابه، فإنه يصلي في الوقت عريانًا، والمسافر إذا عدم الماء يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق العلماء، وإن كان يجد الماء، وكذلك إذا كان البرد شديدًا فخاف إن اغتسل أن يمرض فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باغتسال وقد قال -ﷺ-: الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنيين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير".
وقال ﵀: "ومن كان مستيقظًا في الوقت والماء بعيد منه لا يدركه إلا بعد الوقت فإنه يصلي في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء، ومن ظنّ أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصلاة في الوقت بالتيمم فهو ضال جاهل".
[ ١ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ﵀: "وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت، كما قال النبي -ﷺ- لعمران: صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا ، فالمريض باتفاق العلماء يصلي في الوقت قاعدًا أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائمًا، وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة".
• ومن صلى بعد الوقت متعمدًا فقد اختلف العلماء:
القول الأول: أنه يقضيها.
لقوله -ﷺ- (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها).
قال النووي: "فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ".
القول الثاني: أنه لا يقضيها، وهذا مذهب أهل الظاهر، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
قالوا: أنه لو صلى قبل الوقت فصلاته باطلة بالاتفاق، فكذلك لو صلاها بعد الوقت متعمدًا فصلاته باطلة، ففي كلا الحالين قد تعدى حدود الله.
قول النبي -ﷺ-: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم وهذا القول هو الراجح.
• وقوله (أوتأخير بعضها) أي يحرم تأخير بعض الصلاة بحيث يؤخرها حتى إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة صلى، لأن الواجب إيقاع الصلاة جميعها في الوقت.
[ ١ / ١٤١ ]
م/ إلا إذا أخرها ليجمعَها مع غيرِها فإنه يجوز لعذر من: سفر أو مطر أو مرض أو نحوها.
أي يجوز تأخيرها في حالة جواز الجمع لعذر من سفر أو مرض أو نحوها، فيباح له التأخير، لأن وقت الثانية يصير وقتًا لهما
• وهذا الاستثناء يشبه أن يكون صوريًا، لأنه إذا جاز الجمع صار وقت الصلاتين وقتًا واحدًا، ولا يقال أخرها عن وقتها
• بعض العلماء استثنى حالة: وهي إذا كان منشغل بشرطها الذي يحصله قريبًا.
مثال: إنسان انشق ثوبه فصار يخيطه، فحان خروج الوقت، فإن صلى قبل أن يخيطه صلى عريانًا، وإن انتظر حتى يخيطه صلى مستترًا، فقالوا: فهذا تحصيله قريب، فهنا يجوز أن يؤخرها عن وقتها.
لكن الصواب أنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة مطلقًا، وأنه إذا خاف خروج الوقت صلى على حسب حاله وما عجز عنه من واجبات الصلاة يسقط عنه، ولأنه لو جاز انتظار الشرط ما صح أن يشرع التيمم.
[ ١ / ١٤٢ ]
م/ والأفضلُ تقديمُ الصلاة في أولِ وقتِها.
لقوله تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم …).
ولأن ذلك أسرع في إبراء الذمة.
ولحديث أبي برزة: (كان رسول الله -ﷺ- يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية).
ولحديث أبي برزة فقد جاء في رواية: (كان النبي -ﷺ- يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس) متفق عليه … تدحض: تزول.
ونقل الإجماع على ذلك النووي.
عن جابر -﵁- قال: (كان النبي -ﷺ- يصلي المغرب إذا وجبت). متفق عليه
ولحديث رافع بن خديج: (كنا نصلي مع النبي -ﷺ- فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله). متفق عليه
قال النووي: "معناه أنه يبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف ويرمي أحدنا بالنبل عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء".
[ ١ / ١٤٣ ]
م/ إلا العشاء إذا لم يشق.
أي: إلا العشاء بشرط عدم المشقة.
لحديث ابن عباس -﵁- قال (أعتم النبي -ﷺ- بالعشاء فخرج عمر فقال: رقد النساء والصبيان. فقال رسول الله -ﷺ- «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة»). متفق عليه
وعن زيد بن خالد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى
ثلث الليل) رواه أبو داود.
قوله (أعتم) أي دخل في العتمة، وهي ظلمة الليل.
• السبب في أن الأفضل تأخير العشاء:
أن فيه انتظار للصلاة وفي الحديث (ولا يزال الإنسان في صلاة ما انتظر الصلاة).
أن تأخيرها يوافق هدأة الناس وسكونهم وهو أدعى للخشوع.
• سبب مراعاة النبي -ﷺ- لحال الناس فيما يتعلق بصلاة العشاء:
أ - لتجتنب المشقة على الناس، خاصة النساء والصبيان.
ب - لأنه -ﷺ- خشي أن تفرض عليهم في هذا الوقت فيشق على الأمة الالتزام بذلك.
[ ١ / ١٤٤ ]
م/ وإلا الظهرَ في شدةِ الحر لحديث (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم).
أي: ومن الحالات التي يسن تأخير الصلاة عن أول وقتها، صلاة الظهر في شدة الحر والدليل ما ذكره المؤلف من قوله -ﷺ- (إذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم). متفق عليه
وهذا مذهب جمهور العلماء: أنه يستحب الإبراد.
[فابردوا بالصلاة] أي أخروها عن ذلك الوقت وأدخلوا بها في وقت الإبراد، وهذا الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر [فيح جهنم] شدة حرها وشدة غليانها.
• يكون الإبراد إلى قرب وقت العصر فهذا الذي يحصل به الإبراد، قال الشيخ ابن عثيمين: "فإذا قدرنا أن الشمس في أيام الصيف تزول الساعة [١٢] وأن العصر يؤذن الساعة الرابعة والنصف، يكون الإبراد إلى الساعة [٤] تقريبًا".
• اختلف العلماء في معنى كون شدة الحرّ من فيح جهنم. فقيل: أن في الكلام تشبيهًا، والمعنى أن شدة الحر تشبه نار جهنم، وهذا غير صحيح لأنه خلاف ظاهر الحديث، وقيل: إن شدة الحر فعلًا ليست من الشمس بل من النار، وهذا غير صحيح، لأنه مكابرة للحس والواقع، وقيل: إن لشدة الحر سببين: سبب شرعي، وسبب طبيعي، فالسبب الطبيعي من الشمس، والسبب الشرعي فهو من حر جهنم ووهجها ولا مانع من أن يتزامن السببان، وقيل: هو على ظاهره، قال النووي: "هو الصواب، لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته".
• ظاهر الحديث عدم الفرق بين الجماعة والمنفرد، وقال أكثر المالكية: الأفضل للمنفرد التعجيل.
قال الشوكاني: "والحق عدم الفرق، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغيره".
• قال ابن رجب في شرح البخاري: "اختلف في السبب الذي من أجله أمر بالإبراد: فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، ومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بَعُدَ من المسجد بمشيه في الحرّ، ومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم، فلا فرق بين من يصلي وحده أو جماعة".
[ ١ / ١٤٥ ]
م/ وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا مُرَتِّبًا.
أي: أنه من فاتته صلوات فإنه يجب عليه قضاؤها.
• فاتته: الفائتة كل عبادة خرجت عن وقتها سواء كانت نفلًا كالوتر، أو فرضًا كالصلوات الخمس.
وسمي قضاءً لأنه فعل العبادة بعد خروج وقتها، والدليل على أنه يجب قضاء الصلاة الفائتة:
حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) واللام للأمر والأمر للوجوب، فدل على وجوب المبادرة بقضاء الصلاة الفائتة. وربما يستدل لذلك بقوله تعالى (وأقم الصلاة لذكري) أي لتذكري.
ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شغلت ذمته بها فوجب عليه قضاؤها، لأنها كانت دينًا عليه.
والنبي -ﷺ- قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السفر.
قال الشوكاني: "الحديثان يدلان على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان، وهو إجماع".
• أن الصلاة الفائتة تقضى على صفتها، لأن القضاء يحكي الأداء.
• وقوله: (فورًا) أي يجب أن يقضيها مباشرة من حين أن يتذكرها.
للحديث السابق: (… فليصلها إذا ذكرها)، فهذا يدل على أنها تقضى فور الذكر.
[ ١ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• فإن قال قائل: ما الجواب عن الحديث الذي فيه: أن النبي -ﷺ- نام وأصحابه عن صلاة الفجر ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فلم يصلها -ﷺ- مباشرة بل قال: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) وفي رواية: (أمر بالارتحال وقال: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان).
والجواب: أن هذا ليس فيه دلالة على التأخير المستمر، لأن حديث أنس: (من نام عن صلاة …) نص صريح في الوجوب على الفور، وأما هذا الحديث فمحمول على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملًا معرضًا عن القضاء، وخاصة أنه جاء في الحديث بيان السبب، هو: (أن هذا مكان حضرنا فيه الشيطان).
• وقوله (مرتبة) أي يجب قضاء الصلوات الفائتة مرتبة.
فإذا كان عليه خمس صلوات؛ بدأ بالظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر.
والدليل على وجوب ذلك: حديث أنس السابق: (… فليصلها إذا ذكرها) فهذا يشمل عين الصلاة وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن يكون في موضعها الترتيبي، فمثلًا الظهر يصلها ما بين الفجر والعصر
ولحديث جابر: (أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش؛ وقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي -ﷺ-: والله ما صليتها، قال: فقمنا فتوضأ للصلاة فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب). متفق عليه
وكان النبي -ﷺ- في الجمع يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأولى. ويمكن أن يستدل بحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي).
• وظاهر كلام المصنف: (ومن فاتته صلاة وجب عليه قضاؤها) أنه لا فرق بين المعذور كالنائم والناسي، وغير المعذور، وهو المتعمد، وهذا مذهب جماهير العلماء؛ أن المتعمد بتأخير الصلاة فإنه يقضيها لكنه آثم (وسبقت المسألة وأن الراجح أنه لا يقضيها).
[ ١ / ١٤٧ ]
م/ فَإِنْ نَسِيَ اَلتَّرْتِيبَ أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ خَافَ فَوْتَ اَلصَّلَاةِ، سَقَطَ اَلتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اَلْحَاضِرَةِ.
ذكر المصنف الحالات التي يسقط فيها وجوب الترتيب.
فذكر منها: النسيان.
مثال: كما لو كان على الإنسان خمس صلوات، يبتدئ من الظهر، فنسي فبدأ من الفجر مع أنها هي الأخيرة، فهذا لا بأس لأنه ناس، وكذا لو بدأ بالعصر قبل الظهر ناسيًا فإنه يصح لنسيانه.
لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).
الحالة الثانية: الجهل.
مثال: لو أن إنسانًا جاهلًا فبدأ بالعصر قبل الظهر ثم المغرب، فهذا لا شيء عليه لأنه جاهل.
وقد قال تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).
وفي الحديث عنه -ﷺ- أنه قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه
الحالة الثالثة: أو خاف فوت الصلاة.
لعل المصنف يقصد خوف خروج وقت الحاضرة.
مثاله: كرجل ذكر فائتة وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الفائتة والفجر، فهنا يقدم الحاضرة وهي الفجر.
لأن الله أمر أن تصلى الحاضرة في وقتها، فإذا صليت غيرها أخرجتها عن وقتها.
ولأنك إذا قدمت الفائتة لم تستفد شيئًا، بل تضررت، لأنك إذا قدمت الفائتة صارت كلتا الصلاتين قضاء، وأما إذا بدأت بالحاضرة؛ صارت الحاضرة أداء، والثانية قضاء، وهذا أولى.
[ ١ / ١٤٨ ]
م/ وَمِنْ شُرُوطِهَا سَتْرُ العورة.
هذا الشرط الثالث من شروط صحة الصلاة، وهو ستر العورة. (أي تغطية العورة).
قال ابن عبد البر: "أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عريانًا وهو قادر على الاستتار".
قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). والزينة المأمور بأخذها عند الصلاة قسمان:
زينة واجبة: هي ستر العورة كما سيأتي، وزينة مستحبة: وهي ستر ما زاد على العورة.
وقال -ﷺ-: (إن كان واسعًا فالتحف به وإن كان ضيقًا فاتزر به). متفق عليه
ثم ذكر المصنف شروط الثوب الساتر فقال:
[ ١ / ١٤٩ ]
م/ بِثَوْبٍ مُبَاحٍ.
بشرط أن يكون الثوب الساتر مباحًا، فلا يجوز أن يكون محرمًا.
والمحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
محرم لعينه: كما لو صلى بثوب حرير [ومن المعلوم أن الحرير حرام للرجال] فلا تصح صلاته.
محرم لكسبه: كمن صلى بثوب مغصوب أو مسروق، فلا تصح صلاته.
محرم لوصفه: كمن صلى في ثوب مسبل.
وقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه) رواه أحمد وهو ضعيف
وذهب بعض العلماء إلى صحة الصلاة بالثوب المحرم مع الإثم، وهذا القول هو الصحيح.
لأن جهة الأمر والنهي مختلفة.
[ ١ / ١٥٠ ]
م/ لَا يَصِفُ اَلْبَشْرَةَ.
هذا الشرط الثاني للثوب الساتر، أن لا يصف البشرة، يعني لا يكون رقيقًا يصف البشرة، فإن كان رقيقًا يصف البشرة من احمرار أو اسوداد ونحو ذلك؛ فإنه لا يصح الستر به، لأنه لا يسمى ساترًا.
ولأن الحديث عن النبي -ﷺ- (صنفان من أهل النار لم أرهما … نساء كاسيات عاريات) قال العلماء: يدخل في الكاسية العارية التي تلبس ثوبًا تكتسي به لكنه عاري في نفس الوقت لخفته لكونه خفيفًا.
ومن الشروط التي لم يذكرها المؤلف:
أن يكون طاهرًا، فإن كان نجسًا فإنه لا تصح الصلاة به، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة.
وهذا أدلته أدلة اجتناب النجاسة، ومنها حديث أبي سعيد: (أن النبي -ﷺ- كان يصلي ذات يوم بأصحابه، فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم، قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا). رواه أبو داود
[ ١ / ١٥١ ]
م/ وَالْعَوْرَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مُغَلَّظَةٌ، وَهِيَ: عَوْرَةُ اَلْمَرْأَةِ اَلْحُرَّةِ اَلْبَالِغَةِ، فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ فِي اَلصَّلَاةِ إِلَّا وَجْهَهَا.
ذكر المؤلف عورة المرأة في الصلاة، وعورتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: يجب على المرأة أن تستر شعر رأسها في الصلاة إجماعًا، نقله ابن قدامة في المغني، وأنه لو ظهر جميع شعر رأسها في الصلاة أنها تعيد هذه الصلاة، وكذلك رقبتها.
لحديث عائشة أن النبي -ﷺ- قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار). رواه أبو داود
وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- نفى قبول صلاة المرأة إذا صلت مكشوفة الرأس إلا بخمار، وهذا يدل على وجوب ستر رأس المرأة في الصلاة، بل على اشتراطه، وإذا تقرر هذا الحكم في الرأس ففي البطن وغيره من سائر البدن أولى.
ثانيًا: وأما وجه المرأة الحرة في الصلاة؛ فقد أجمع العلماء على جواز كشفه، وممن حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال ابن قدامة: " لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم ".
وأما الكفان والقدمان فقد اختلف العلماء في حكم سترهما في الصلاة على أقوال:
فقيل: يجب سترهما، وهذا المذهب.
لحديث: (المرأة عورة).
وجه الدلالة: أن هذا الحديث عام يقتضي ستر جميع بدن المرأة، وترك الوجه للحاجة، ففيما عداه يبقى على الدليل.
وقيل: لا يجب سترهما.
وهذا مذهب الحنفية واختاره ابن تيمية.
لعدم وجود دليل يوجب ذلك، ولأنهما من الأشياء التي يشق سترهما، ومن المعلوم أن في وقت النبي -ﷺ- لم يكن هناك توفر في الخفاف ولا القفازات.
• وقوله (الحرة) خرج بذلك الأمة، فإن عورتها من السرة إلى الركبة، وهذا مذهب جماهير العلماء، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، فقد قال ابن قدامة: "وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائز لا نعلم أحدًا خالف في هذا إلا الحسن البصري".
• وقوله (البالغة) تخرج غير البالغة، فهذه كلها عورة إلا الرأس والكفين والقدمين، فلها أن تصلي في ثوبها دون أن تستر رأسها ما دام أنها لم تبلغ لمفهوم حديث عائشة: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).
[ ١ / ١٥٢ ]
م/ وَمُخَفَّفَة وَهِيَ: عَوْرَةُ اِبْنِ سَبْعِ سِنِينَ إِلَى عَشْرٍ، وَهِيَ اَلْفَرْجَانِ.
أي: عورة ذكر من سبع إلى عشر سنوات، هي الفرجان، أي: إذا ستر قُبُله ودُبُرَه فقد أجزأ السترُ، ولو كانت فخذيه بادية.
[ ١ / ١٥٣ ]
م/ وَمُتَوَسِّطَةٌ: وَهِيَ عَوْرَةُ مِنْ عَدَاهُمْ، مِنْ اَلسُّرَّةِ إِلَى اَلرُّكْبَةِ.
المراد بهذه العورة من عدا ما مضى وهو الرجل من عشر فما فوق، فإن عورته من السرة إلى الركبة.
وهذا مذهب جمهور العلماء: أن العورة الفرجان والفخذ.
واستدلوا بأحاديث فيها مقال لكن يقوي بعضها بعضًا، وقد صححها ابن حبان والحاكم والذهبي وابن حجر والألباني.
كحديث محمد بن جحش قال: (مرّ رسول الله -ﷺ- على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر غط فخذك فإن الفخذ عورة). رواه أحمد وعلقه البخاري
وعن جرهد قال: (مرّ عليّ رسول الله -ﷺ- وعليّ بردة وقد انكشف فخذي فقال: غط فخذك فإن الفخذ عورة). رواه أحمد وأبو داود
وذهب بعض العلماء إلى أن الفخذ ليس بعورة.
لحديث عائشة: (أن رسول الله -ﷺ- كان جالسًا كاشفًا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه …). رواه مسلم
والجواب عن هذا الدليل:
أولًا: أن هذه حكاية فعل لا تنتهض على معارضة الأحاديث القولية الدالة على أن الفخذ عورة، لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي، وإظهار شرعٍ عام، فكان العمل بها أولى.
قال الألباني: "وأدلة القائلين بأنه عورة؛ قولية من جهة، وحاضرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيدًا عن الهوى، قاعدتان: أن الحاضر مقدم على المبيح - والقول مقدم على الفعل لاحتمال الخصوصية وغيرها".
• وقول المصنف (من السرة إلى الركبة) ظاهره أن السرة والركبة ليسا من العورة، بل العورة ما بينهما، ويدل على أنهما ليسا من العورة: حديث (الفخذ عورة).
وحديث علي في قصة حمزة لما شرب الخمر وثمل شارفي جمل علي وطعنهما … في الحديث أن حمزة صعد النظر إلى سرة النبي -ﷺ-، فدل على أن السرة ليست من العورة.
وأيضًا جاء في صحيح مسلم في قصة أبي بكر: (قد جاء وفد رفع ثوبه وأبدى ركبتيه فقال -ﷺ-: أما صاحبكم فقد غافر).
وجاء في حديث: (ما بين السرة إلى الركبة عورة).
[ ١ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• وقول المصنف: (من السرة إلى الركبة) ظاهره يدل على أنه لا يجب ستر أحد العاتقين، وهذا هو الصحيح خلافًا لبعض العلماء الذين قالوا: يجب على الرجل أن يستر أحد العاتقين في الفرض.
مثال: لو صلى سنة الظهر وقد ستر ما بين السرة والركبة ولم يستر أحد عاتقيه فصلاته صحيحة، وفي فرض الظهر لو أنه صلى وستر ما بين السرة والركبة ولم يستر أحد عاتقيه فصلاته غير صحيحة.
وهذا هو مذهب الحنابلة.
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). متفق عليه
قالوا: فيجب على المصلي في صلاة الفرض أن يستر أحد عاتقيه، وخصوه بالفرض دون النفل لأن صلاة النفل مبناها على التخفيف.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب ستر العاتق في الصلاة.
واستدلوا بحديث جابر أن النبي -ﷺ- قال: (إن كان ضيقًا فاتزر به). متفق عليه
ومعنى ذلك أن جابر سوف يصلي وعاتقاه مكشوفتان.
وأما حديث أبي هريرة: (لا يصلي أحدكم وليس على عاتقه …) فمحمول على الاستحباب، ولأنه أبلغ في الزينة.
• والمراد بالثوب في قوله: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد …) الإزار الذي يكسوا أسفل جسم الإنسان، أو الرداء الذي يكسو أعلاه، ليس المراد به القميص.
• لا خلاف بين العلماء في جواز كشف الرجل عاتقيه خارج الصلاة.
• لا خلاف بينهم في مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، وأن ذلك هو الأكمل والأفضل في حق المصلي [وإنما الخلاف في الوجوب كما سبق]
[ ١ / ١٥٥ ]
م/ وَمِنْهَا: اِسْتِقْبَالُ اَلْقِبْلَةِ.
أي ومن شروط الصلاة استقبال القبلة، فلا تصح بدونه، والمراد بالقبلة الكعبة، وسميت قبلة؛ لأن الناس يستقبلونها بوجوههم ويؤمونها ويقصدونها، والدليل على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة:
قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
وقال -ﷺ- للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر). متفق عليه
وأجمع المسلمون على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة، وممن نقل الإجماع ابن عبد البر، والقرطبي.
• الحكمة من ذلك: أن يتجه الإنسان ببدنه إلى بيت الله، كما يتجه بقلبه إلى ربه في السماء.
• وكانت القبلة أولًا إلى بيت المقدس، ثم نسخت إلى الكعبة، وكان تحويل القبلة في شعبان في السنة الثانية.
ثم ذكر المصنف الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة:
[ ١ / ١٥٦ ]
م/ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اِسْتِقْبَالِهَا، لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ، كَمَا تَسْقُطُ جَمِيعُ اَلْوَاجِبَاتِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا.
أي: من الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة إذا كان عاجزًا، مثل أن يكون مريضًا لا يستطيع الحركة وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة، فهنا يتجه حيث كان وجهه، ومثله المأسور والمصلوب إلى غير القبلة.
لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). ولقوله -ﷺ-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، ولأن هذا شرط عجز عنه فسقط.
ثم ذكر المصنف الحالة الثانية، لكنه ذكر الدليل الذي يدل عليها فقال:
[ ١ / ١٥٧ ]
م/ وَكَانَ النَّبِيُّ يُصّلِّي فِي السَّفَر النافلةَ على راحلته حيث توجهت به. متفق عليه، وفي لفظٍ: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
أي: ومن الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة: المسافر المتنفل على راحلته.
المسافر: فلا يجوز للمقيم أن يصلي إلى غير القبلة، المتنفل: فلا يجوز في الفرض أن يصلي إلى غير القبلة.
على راحلته: فلا يجوز للمسافر النازل أن يتنفل إلى غير القبلة، فلا بد أن يكون مسافرًا، ويصلي نافلة على راحلته.
والدليل على هذا فعل النبي -ﷺ- كما جاء في حديث الباب الذي ذكره المصنف.
ولحديث ابن عمر (أن رسول الله -ﷺ- كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه). متفق عليه
وعن جابر: (أن النبي -ﷺ- كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة). رواه البخاري.
وعن عامر بن ربيعة -﵁- قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي على راحلته حيث توجهت به). متفق عليه
زاد البخاري: (يومئ برأسه - ولم يكن يصنعه في المكتوبة).
• قال النووي: "جواز التنفل على الراحلة حيث توجهت به جائز بإجماع المسلمين".
• قوله (كان يسبح) قال الحافظ: "أي يصلي النافلة، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل".
• وطريقة الصلاة على الراحلة: يومئ برأسه كما في الحديث السابق، وعند الترمذي: (يجعل السجود أخفض من الركوع).
قال الشوكاني: "الحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه، ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج، ولا يبذل غاية الوسع في الانحناء، بل يخفض سجوده بمقدار يفترق فيه السجود عن الركوع".
قال المباركفوري: "كان السر فيما ذكر من جواز التطوع على الدابة في السفر؛ تحصيل النوافل على العبادة وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم رحمة من الله بهم".
إذًا الحكمة هي: حتى لا ينقطع المسافر عن العبادة، ولا المتعبد عن السفر.
• وهذه الأحاديث التي تدل على جواز ذلك؛ ظاهرها أنه لا يلزم افتتاح الصلاة إلى جهة القبلة، وهذا هو الصحيح.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام.
لحديث أنس: (أن رسول الله -ﷺ- كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه). رواه أبو داود
والراجح القول الأول، وهذا الحديث - إن صح - فهو محمول على الاستحباب، لأنه فعل والفعل يدل على الاستحباب.
قال ابن القيم بعد أن ذكر حديث أنس: "وفي الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته -ﷺ- على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها، كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر وجابر، وحديثهم أصح من حديث أنس هذا".
• الحديث دليل على استحباب التنفل، والصحيح من أقوال العلماء أن المسافر يصلي جميع النوافل ما عدا راتبة الظهر والمغرب والعشاء، فقد ثبت أنه -ﷺ- كان يوتر على بعيره في السفر، وثبت أنه -ﷺ- صلى عام الفتح سنة الضحى.
وثبت أنه -ﷺ- كان لا يدع سنة الفجر لا حضرًا ولا سفرًا.
[ ١ / ١٥٨ ]
م/ وَمِنْ شُرُوطِهَا: اَلنِّيَّةُ.
أي: ومن شروط الصلاة النية. وهي لغة: القصد، وشرعًا: العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله.
لقوله -ﷺ-: (إنما الأعمال بالنيات)، والإنسان إذا أراد أن يصلي ينبغي أن ينوي: فعل الصلاة تقربا إلى الله - أن ينوي فعل هذه الصلاة تاسيًا بالنبي -ﷺ- ونية تعيين هذه الصلاة هل هذه فريضة أم نافلة.
• والنية تتميز بها العبادات عن العادات، كما تتميز العبادات بعضها عن بعض، فإن الأعمال تتفق في كثير من الأحيان في مظهرها فلا تتميز إلا بالنية، فتتميز صلاة الظهر عن العصر، وراتبة الظهر عن صلاة الفجر إذا صلاهما منفردًا، ويتميز القضاء عن الأداء، وحج الفريضة عن النافلة.
• فيجب أن ينوي المصلي عين صلاة معينة كالظهر أو العصر، أو الوتر أو راتبة الفجر.
• إذا قطع النية في أثناء الصلاة بطلت، مثال: كرجل قام يتنفل، ثم ذكر أن له شغلًا، فقطع النية، فإن الصلاة تبطل، لقوله -ﷺ-: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نوى القطع فانقطعت.
• إن تردد في القطع: كأن يسمع قارعًا يقرع الباب فتردد بين قطع الصلاة والاستمرار فيها: قيل: تبطل، لأن استمرار العزم شرط وقيل: لا تبطل بالتردد، وذلك لأن الأصل بقاء النية.
• لو انتقل بالنية من فرض إلى فرض: مثال: إنسان شرع يصلي العصر، ثم ذكر أنه صلى الظهر على غير وضوء، فنوى أنها الظهر؛ فلا تصح صلاة الظهر ولا العصر، فالعصر بطلت لأنه قطع النية، والظهر لم تنعقد لأنه لم يبدأ بها من أولها.
[ ١ / ١٥٩ ]
م/ وَتَصِحُّ اَلصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
أي: الأصل أن الصلاة تصح في كل موضع من الأرض، ويدل لذلك حديث جابر في قوله -ﷺ-: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي … وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وهذا من خصائص هذه الأمة، لأن الأمم السابقة لا تصح صلاتهم إلا في مواضع معينة.
لكن هناك مواضع مستثناة لا تصح بها، ذكرها المصنف منها، قال:
[ ١ / ١٦٠ ]
م/ إِلَّا: فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ.
أي: فلا تصح الصلاة في محل ومكان نجس، وقد سبق أن من شروط الصلاة طهارة ثوب المصلي وبدنه وبقعته.
والدليل على أن الصلاة لا تصح إذا كانت البقعة نجسة:
لقوله تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود).
ولحديث أنس قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي -ﷺ-، فلما قضى بوله أمر النبي -ﷺ- بذنوب من ماء فأهريق عليه). متفق عليه [بذنوب] الذنوب الدلو المليء بالماء.
• لكن لو حبسَ في مكان نجس؛ فإن صلاته صحيحة، لأنه مكره على المكث في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة.
[ ١ / ١٦١ ]
م/ أَوْ مَغْصُوبٍ.
هذا هو الموضع الثاني الذي لا تصح الصلاة فيه على كلام المؤلف، وهو المغصوب. (كل ما أخذ من مالكه قهرًا بغير حق).
والراجح - وقد سبقت المسألة - أن الصلاة في مكان مغصوب أو ثوب مغصوب صحيحة، لأن تحريمها لأمر خارج عن الصلاة.
[ ١ / ١٦٢ ]
م/ أَوْ فِي مَقْبَرَةٍ.
هذا هو الموضع الثالث الذي لا تصح فيه، وهو المقبرة، والمقبرة: موضع دفن الموتى.
والأدلة على عدم صحة الصلاة في المقبرة:
لحديث عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). متفق عليه
ولحديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها). رواه مسلم
فإذا نهي عن الصلاة إلى القبور؛ فالنهي عن الصلاة عندها من باب أولى. (لا تجعلوا بيوتكم قبورا)
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). رواه الترمذي
• الحكمة من النهي عن الصلاة في المقبرة: هي الشرك، فإن الصلاة في المقبرة ذريعة إلى الشرك، لأن أول شرك حدث في العالم سببه تعظيم الصالحين والغلو فيهم، وكونه يصلي في المقابر فإن ذلك يؤدي إلى الغلو في هؤلاء الصالحين فيكون ذريعة إلى الشرك، وما ذهب إليه بعض العلماء إلى أن العلة هي النجاسة ربما تنبش القبور ويخرج منها صديد الأموات فينجس التراب، فهذه علة ضعيفة، لأمور:
أولًا: أن الأصل عدم النبش، ثانيًا: أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة إلى القبور، وهذا يدل على أن العلة تتعلق بخشية تعظيم المقبورين. ثالثًا: أن صلاة الجنازة تجوز في المقبرة، كما صلى -﵇- على المرأة التي كانت تقم في المسجد، وهذا يدل على أن العلة ليست بنجاسة الأرض.
• لا فرق في ذلك بين صلاة الفرض والنفل.
• ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا دفن فيه قبر أو قبران أن هذا جائز ولا بأس، والصحيح أنه لا يجوز ولو دفن فيه قبر واحد، لأن العلة هي خشية الوقوع في الشرك.
[ ١ / ١٦٣ ]
م/ أَوْ حَمَّامٍ.
هذا هو الموضع الرابع الذي لا تصح الصلاة فيه، وهو الحمام، والحمام: هو موضع الاغتسال بالماء الحار، ثم قيل لموضع الاغتسال بأي ماء كان.
والدليل حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). رواه الترمذي
• والعلة: قيل: لأنه مظنة النجاسة، وقيل: لأنه مأوى الشياطين، وفيه تكشف العورات.
• ويقاس على الحمام الكنيف، بل هو أولى، وكذا دورات المياه، لأنها مأوى للشياطين.
[ ١ / ١٦٤ ]
م/ أَوْ أَعْطَانِ إِبِلٍ.
هذا هو الموضع الخامس من المواضع التي لا تصح الصلاة فيه، وهو أعطان الإبل جمع عَطَن: هي مباركها وما تقيم فيه وتأوي إليه. والدليل على ذلك:
حديث جابر بن سمرة: (أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا). رواه مسلم
ولحديث البراء قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين). رواه أبو داود
وهذا هو المذهب، وذهب الجمهور إلى الكراهة، والراجح القول الأول.
• الحكمة من النهي عن ذلك: قيل: لنجاستها، لكن هذا ليس بصحيح، لأن الراجح أن أبوال وألبان الإبل طاهرة.
وقيل: لانها ربما تنفر وتشغله، وقيل: لأنها خلقت من الشياطين، وهذا الصحيح، لأنه هو الذي ورد به النص.
[ ١ / ١٦٥ ]