فَصْلٌ
* يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الفَتْوَى، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ؛ إِمَّا لِتَسَارُعِهِ (١) قَبْلَ تَمَامِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ، وَتَرْكَهُ عَجْزٌ وَنَقْصٌ.
* فَإِنْ سَبْقَتْ مَعْرِفَتُهُ لِمَا سُئِلَ عَنْهُ قَبْلَ [تَمَامِ] (٢) السُّؤَالِ، فَأَجَابَ سَرِيعًا؛ جَازَ.
* وَإِنْ تَتَبَّعَ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ؛ كَالسُّرَيْجيَّةِ (٣)، أَوِ الْمَكْرُوهَةَ، أَوِ الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، أَوِ التَّغْلِيظَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مَضَرَّتَهُ؛ فَسَقَ.
وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ فِي حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا تَقْتَضِي (٤) مَفْسَدَةً؛ [لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ] (٥) مِنْ يَمِينٍ صَعْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا؛ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى
_________________
(١) في (ب): لمسارعةً.
(٢) من (ب).
(٣) قال ابن القيِّم في (إعلام الموقعين) ٥/ ٢٠١: "وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْحِيلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ الَّتِي حَدَثَتْ فِي الْإسْلَامِ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ تَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَاقِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ تَسُدُّ عَلَيْهِ بَابَ الطَّلَاقِ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يَبْقَى لَهُ سَبِيلٌ إلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ مُخَالعَتُهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْخُلْعَ طَلَاقًا، وَهِيَ نَظِيرُ سَدِّ الْإنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ. فَهَذَا لَوْ صَحَّ تَعْلِيقُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ فِي الْإسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مَا عَاشَ، وَذَلِكَ لَوْ صَحَّ شَرْعُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَةً أَبَدًا. وَصُورَةُ هَذ الْحِيلَةِ أَنْ يَقُولَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ -أوْ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي- فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا" وَسُمِّيَتْ بـ (السُّرَيْجِيَّةِ) نِسْبَةً لِابْنِ سُرَيْج أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّافِعِيِّ، أَوَّلُ مَنْ قَال بِهَا.
(٤) في (أ): يقتضي.
(٥) في (ب): لتخلص المستفتي بها.
[ ١٨٩ ]
- لِأَيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١) لَمَّا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢).
وَقَدْ قَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ" (٣).
* * *
_________________
(١) سورة ص: ٤٤.
(٢) يُنظر: (الفقيه والمتفقه): ٧٥٥، و(أدب المُفتي): ١١١، و(مقدمة المجموع): ١/ ١٠٢، و(إعلام الموقعين): ٦/ ١٤٢، و(الدر النضيد): ٣٣٠، و(منار أصول الفتوى): ٢٩٣، و(عرف البشام): ٢٦.
(٣) أخرجه ابن عبد البرِّ في (جامع بيان العلم) رقم: ١٤٦٧، وذكره ابن الصلاح في (أدب المُفتي): ١١٢، والنَّووي في (مقدمة المجموع): ١/ ٨٠.
[ ١٩٠ ]