بقلم
الإمام ابن رجب الحنبلي (١)
هو: عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ محمدَ بن قُدَامةَ بن مِقْدامِ بنِ نصرِ بنِ عبدِ اللهِ، المقدسيُّ، ثم الدِّمشقيُّ، الصَّالحيُّ، الفقيهُ، الزاهدُ، الإمامُ، شيخُ الإِسلامِ، وأحدُ الأعلامِ، موفَّقُ الدِّينِ، أبو محمدٍ.
وُلد في شعبان سنةَ إحدى وأربعين وخمس مئة، بـ: "جَمَّاعيل".
وقدم دمشق مع أهله وله عشرُ سنين، فقرأ القرآن، وحفظ "مختصر الخرقي"، واشتغل، وسمع من والده، وأبي المكارم بن هلال، وأبي المعالي بن صابر، وغيرهم.
ورحل إلى بغداد هو وابنُ خالَته الحافظُ عبد الغني سنة إحدى وستين، وسمعا الكثير من هبة الله الدَّقاق، وابن البَطِّيّ، وسعد الله
_________________
(١) نقلًا مختصرًا من "الذيل على طبقات الحنابلة" للإمام ابن رجب الحنبلي (١/ ١٣٣ - ١٤٩)، وانظر مزيدًا من ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ١٦٥)، و"العبر" (٣/ ١٨٠)، و"فوات الوفيات" (٢/ ١٥٨)، و"الوافي بالوفيات" (١٧/ ٢٣)، و"البداية والنهاية" (١٣/ ٩٩)، و"المقصد الأرشد" (٢/ ١٥)، و"المنهج الأحمد" (٤/ ١٤٨)، و"شذرات الذهب" (٥/ ٨٨)، وغيرها.
[ ١٣ ]
الدجاجي، والشيخ عبد القادر، وابن تاج الفراء، وابن شافع، وأبي زرعة، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن خضير، وأبي بكر بن النقور، وشُهد، وخلق كثير، وسمع بمكة من المبارك بن الطَّبَّاخ، وبالموصل من خطيبها أبي الفضل.
وأقام عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من "الخرقي"، ثم توفي الشيخ، فلازم أبا الفتح بن المنِّي، وقرأ عليه المذهب، والخلاف، والأصل، حتى برع، وأقام ببغداد نحوًا من أربع سنين، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى بغداد سنة سبع وستين.
وذكر الناصح ابن الحنبلي: أنه حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درسَ ابن المنِّي، قال: وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعًا على الشيخ أبي الفتح بن المنِّي، ثم رجع إلى دمشق، واشتغل بتصنيف كتاب "المغني في شرح الخرقي"، فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه، وأجاد فيه، وجَمَّلَ به
المذهب، وقرأه عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة.
قال: ومشى على سمت أبيه وأخيه في الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم.
وقال سبط ابن الجوزي: كان إمامًا في فنون، ولم يكن في زمانه بعد أخيه أبي عمر والعماد أزهدُ ولا أورعُ منه، وكان كثير الحياء، عزوفًا عن الدنيا وأهلها، هَيِّنًا، لينًا، متواضعًا، محبًا للمساكين، حسنَ الأخلاق، جوادًا، سخيًا، من رَآه كأنه رأى بعض الصحابة، وكأنما
[ ١٤ ]
النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سُبعًا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السنة في الغالب إلا في بيته؛ اتِّباعًا للسنة، وكان يحضر مجالسي دائمًا في جامع دمشق وقاسيون.
وقال أيضًا: شاهدتُ من الشيخ أبي عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد: ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساني حالُهم أهلي وأوطاني، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون معهم في دار المقامة.
وقال ابن النجار: كان الشيخ موفق الدين إمام الحنابلة بالجامع، وكان ثقةً، حُجَّةً، نبيلًا، غزيرَ الفضلِ، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكوت، حسن السَّمت، نزهًا، ورعًا، عَابدًا، على قانون السلف، على وجهه النور، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه، صنف التصانيف المليحة في المذهب والخلاف، وقصده التلامذة والأصحاب، وسار اسمه في البلاد، واشتهر ذكره، وكان حسن المعرفة بالحديث، وله يد في علم العربية.
وقال عُمرُ بنُ الحاجب الحافظ في "معجمه": هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنت في ذكره الأمصار، وضنت بمثله الأمصار، قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية؛ فأما الحديث: فهو سابق فرسانه؛ وأما الفقه: فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا، وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار، وكان مجلسه عامرًا بالفقهاء
[ ١٥ ]
والمحدثين وأهل الخير، وصار في آخر عمره يقصده كل أحد، وكان كثير العبادة، دائم التهجد، لم يُرَ مثله، ولم يَرَ مثلِ نفسِهِ.
وقال أبو شَامة: كان شيخ الحنابلة موفق الدين إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبًا حسانًا في الفقه وغيره، عارفًا بمعاني الأخبار والآثار، سمعت عليه أشياء، وكان بعد موت أخيه أبي عمر هو الذي يؤم بالجامع المظفري، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر، فإن لم يحضر، فعبد الله بن أبي عمر هو الخطيب والإمام، وأما بمحراب الحنابلة بجامع دمشق، فيصلي فيه الموفق إذا كان حاضرًا في البلد، وإذا مضى إلى الجبل، صلى العماد أخو عبد الغني، وبعد موت العماد: كان يصلي فيه أبو سليمان بن الحافظ عبد الغني، ما لم يحضر الموفق، وكان بين العشاءين يتنفل حذاء المحراب، وجاءه مرة الملك العزيز بن العادل يزوره، فصادفه يصلي، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته، ثم اجتمع به، ولم يتجوز في صلاته، وكان إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضي إلى بيته بالرصيف، ومعه من فقراء الحلقة من قدره الله تعالى، فيقدم لهم ما تيسر يأكلونه معه.
ومن أظرف ما حكي عنه: أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها، فاتفق ليلة خطفت عمامته، فقال لخاطفها: يا أخي! خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها، ورُدَّ العمامة أغطي بها رأسي، وأنت في أوسع الحل مما في الورقة، فظن الخاطف أنها فضة، ورآها ثقيلة،
[ ١٦ ]
فأخذها وَرَدَّ العمامة، وكانت صغيرة عتيقة، فرأى أخذ الورقة خيرًا منها بدرجات، فَخَلَّصَ الشيخُ عمامته بهذا الوجه اللطيف.
وبلغني من غير وجه عن الإِمام أبي العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه قال: ما دخلَ الشامَ بعدَ الأوزاعيِّ أفقَهُ من الشيخِ الموفَّقِ.
قال الضياء: كان -﵀- إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في علم الحديث ومشكلاته، إمامًا في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إمامًا في أصول الفقه، إمامًا في النحو، إمامًا في الحساب، إمامًا في النجوم السيارة والمنازل.
قال: ولما قدم بغداد، قال له الشيخ أبو الفتح بن المنِّي: اسكن هنا؛ فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك، وكان شيخنا العماد يعظم الشيخ الموفق تعظيمًا كثيرًا، ويدعو له، ويقعد بين يديه كما يقعد المتعلم من العالم.
وسمعت الإِمام المفتي شيخنا أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة ببغداد يقول: ما أعرف أحدًا في زماني أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.
وسمعت أبا عمرو بن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق.
وقال الشيخ عبد الله اليونيني: ما أعتقد أن شخصًا ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه؛ فإنه -﵀- كان كاملًا في صورته ومعناه؛ من الحسن، والإحسان، والحلم، والسؤدد، والعلوم المختلفة،
[ ١٧ ]
والأخلاق الجميلة، والأمور التي ما رأيتها، كملت في غيره، وقد رأيت من كرم أخلاقه، وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه، وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها: ما قد عجز عنه كبار الأولياء؛ فإن رسول الله - ﷺ - قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره"؛ فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظم من ذلك وأحسن: ما كان جِبلَّةً وطبعًا؛ كالحلم، والكرم، والعقل، والحياء، وكان الله قد جبلهَ على خُلُقٍ شريفٍ، وأفرغ عليه المكارم إفراغًا، وأسبغ عليه النعم، ولطف به في كل حال.
قال: وكان لا يناظر أحدًا إلا وهو يتبسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيح يقتل خصمه بتبسمه.
قال: وأقام مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة، ثم ترك ذلك في آخر عمره، وكان يشتغل عليه الناس من بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم يقرأ عليه بعد الظهر، إما من الحديث، أو من تصانيفه إلى المغرب، وربما قرأ عليه بعد المغرب وهو يتعشى، وكان لا يُرِي لأحدٍ ضَجَرًا، وربما تضرر في نفسه، ولا يقول لأحد شيئًا.