فَإذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَمَنْ كَانَ مُحِلًّا، أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَيَمْضِي إِلَى مِنًى، فَيَبِيتُ بِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَيَدْفَعُ إِلَى عَرَفةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيُقِيمُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ.
ثُمَّ يَنْزِلُ بِهِمْ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ صَلاتَيْنِ، هذَا كُلُّهُ سُنَّةٌ.
وَلا يَجُوزُ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ إِلَّا لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا فَصَاعِدًا.
ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَهُوَ مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عَرَفَةَ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَيَكُونَ رَاكِبًا، وَقِيلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ.
وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: "لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفي
[ ٢٠١ ]
سَمْعِي نُورًا، وَفي بَصَرِي نُورًا، وَيَسِّرْ لي أَمْرِي".
وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.
فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ عَاقِلٌ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَمَنْ وَافَى عَرَفَةَ لَيْلًا، فَوَقَفَ بِهَا، أَوْ وَافَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نَصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَتِهَا، فَلا دَمَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ يَدْفَعُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَحَدُّهَا مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، فَيُصَلِّي بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ.
وَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي طَرِيقِ مُزْدَلِفَةَ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَهُ (١ وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمارِ، وَيَكونُ أَكْبَرَ منَ الحِمِّصِ وَدُونَ البُنْدُقِ، وعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصاةً، وَهَلْ يُسَنُّ غَسْلُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١).
وَإذَا أَصْبَحَ بِمُزْدَلِفَةَ، صَلَّى الْفَجْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَيَرْقَى عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلَّا وَقَفَ عِندَهُ، وَدَعَا، وَيَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلكَ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ إِلَى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] ".
ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى مِنًى، فَيَبْتَدِىَ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ
_________________
(١) ما بينهما ساقط من "ط".
[ ٢٠٢ ]
بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدةً، وَيُعْلَمُ حُصُولُهَا فِي الرَّمْيِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وَالأَفْضَلُ أَنْ يَرْمِيَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلا يُجْزِىَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ الْحَصَى، وَلا بِحَجَرٍ قَدْ رُمِيَ بِهِ. وَيَرْفَعُ (١) يَدَهُ فِي الرَّمْيِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ يَنْحَرُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِهِ، وَلا يُجْزِىَ بَعْضُهُ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ؛ كَالْمَسْحِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ.
وَالْحِلاقُ نُسُكٌ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِطْلاقٌ مِنْ مَحْصورٍ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَيَخْطُبُ الإِمَامُ يَوْمَ النَّحْرِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ، وَالإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ.
ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ نِصْفُ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عن أَيَّامِ مِنًى، جَازَ.
فإذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، لَمْ يَسْعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، أَتَى بِالسَّعْيِ.
_________________
(١) في "ط": "ويرمي".
[ ٢٠٣ ]
ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ، فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا كَمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ منه، وَيَقُولُ: "بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ".
ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، فَيَبِيتُ بِهَا، وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلاثَ بَعْدَ الزَّوَالِ، كُلُّ جَمْرَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِسَبع حَصَيَاتٍ.
وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ، وَكَذلِكَ عَدَدُ الْحَصَى، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ مِنَ الأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُكْمِلَ الأُولَى، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ (١) تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
وَمَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا، وَالدُّعَاءَ، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ الْيَوْمَ الأَوَّلَ إِلَى الثَّانِي، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، لكِنَّهُ يُقَدِّمُ بِالنِّيَّةِ رَمْيَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثِ، وَإِنْ تَرَكَهُ (٢) حَتَّى مَضَتْ (٣) أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ حَصَاةً وَاحِدَةً، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَعَنْهُ: نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَعَنْهُ: مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلاثٍ دَمٌ؛ كَالشَّعْرِ.
وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى الرِّوَايَاتُ الأَرْبَعُ.
_________________
(١) في "ط": "أي".
(٢) في "ط": "ترك".
(٣) في "خ": "مضي".
[ ٢٠٤ ]
وَإذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرَّمْيُ وَالْبَيْتُوتَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ.
وَيَخْطُبُ الإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا بَقِيَّةَ مَنَاسِكِهِمْ.
ثُمَّ يَطُوفُ لِلْوَدَاعِ، فَإِنْ تَرَكَ طَوَافَ الْقُدُومِ، أَوْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ عن طَوَافِ الْوَدَاعِ.
فإذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ، وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ هذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمِنَ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ إلى (١) دَارِي، فَهذَا أَوَانُ انْصِرَافِي، إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ، وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ، فَحَسَنٌ.
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -.
_________________
(١) "إلى" ساقطة من "ط".
[ ٢٠٥ ]
إِلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ، وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ، فَدَعَتْ بِذلِكَ.
وَالْقَارِنُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي جَمِيعِ ذلِكَ سَوَاءٌ.
وُيسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ (١)، وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ -﵄-.
* * *
_________________
(١) في "ط": "في مكة".
[ ٢٠٦ ]