بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسيئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَاديَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أما بعد:
فَإِنَّ "كتابَ الهَادي"، أو "عُمدةَ الحازِمِ في تَلخيصِ المَسَائِلِ الخارجةِ عنْ مختصرِ أَبي القَاسِم"، من مُؤلفاتِ الإِمامِ شيِخِ الإِسلامِ أبي مُحمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ قدامةَ الحنبليِّ، المتوفَّى سنة (٦٢٠)؛ كتابٌ عظيمُ الفائدةِ، كثيرُ النَّفْعِ، مشهورٌ بينَ الأَصحابِ، معتمدٌ فيما يُذْكَرُ فيه من المسائِل العلميةِ.
وهوَ من جُملةِ المصادرِ التي اعتمدَ عليها، ونَقَلَ عنها علامةُ المذهبِ الحنبليِّ ومحرِّرُهُ الإِمامُ الشيخُ عليُّ بنُ سليمانَ المَرْداويُّ، في كتابِهِ "الإنصافِ" المشهورِ.
وقد لخَّصَ الإمامُ الموفَّقُ أكثرَ "عُمدةِ الحازمِ" من كتابِ "الهدايةِ"
[ ٥ ]
للعلامةِ أَبي الخَطَّابِ محفوظٍ بنِ أَحمدَ الكَلْوَذَانيِّ تلميذِ القاضي أبي يَعلى، وشيخِ الشيخِ عبدِ القادِرٍ الجَيْلانيِّ.
وقصدَ الإِمامُ الموفَّقُ بتلخيصِ "الهِدَايةِ" بهذا المختصرِ المفيدِ، أن ينقلَ فيهِ من مَسائلِ "الهدايةِ"، المسائلَ التي لم تُذكرْ في "مُختصرِ" أبي القاسم عمرَ بنِ الحسينِ الخِرَقِيِّ، المتوفي سنة (٣٣٤)؛ فجاءَ مصنفًا صغيرَ الحجْمِ، كثيرَ العِلْمِ.
ولم يصْنع فيهِ الإمامُ الموفَّقُ كَمَا صَنَعهُ في "عُمدةِ الفقْهِ"، حيثُ جعلَها على قولٍ واحد، اختارَهُ هو من الرواياتِ عن الإِمامِ أَحمدَ، بل مَشَى فيه على طريقةِ أصلِهِ، في بعضِ المواضع؛ من ذكرِ الرواياتِ عنِ الإِمامِ أَحمدَ -﵀- والوجوهِ عن أصحابِهِ.
وقد ذكرَ في أولِ كثيرٍ من فصولهِ بعضَ الأحاديثِ الجليلةِ التي بَنى عليها مسائلَ الفَصْلِ، وهذا عملٌ صالحٌ مُنَبِّهٌ للطالبِ الذَّكيِّ على تَتَبُّعِ الأَدِلةِ، وطلِبها من مظانِّها.
ومنْ تأمَّل مِنْ أهلِ العلمِ هذا المختصرَ، علمَ أنهُ مِنْ أجمعِ المتونِ للمسائلِ العلميةِ، وأنه يُغنى عن كثيرٍ من المُختصراتِ الفقهيةِ، ولا يغُني عنهُ غيرُهُ.
فرحمَ اللهُ الإمامَ الموفقَ، لقدْ جَدَّ واجتهدَ في نَصْرِ مذهبِ إِمامِ أهلِ السُّنَّةِ أَحمدَ بنَ حنبلٍ، حتى صارتْ كتبُهُ كلُّها عمدة عندَ الحنابلةِ، وقدَّموها على غيرِها من المؤلفاتِ.
وأما مختصرُ أبي القاسمِ الخِرقِيِّ، فقد قَرَأَهُ الإمامُ الموفَقُ على شيخِهِ الشيخِ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ، وشَرَحَهُ في كتابهِ "المغني" الذي هو
[ ٦ ]
أكبرُ مؤلَّفاتِ الموفَّقِ، وأكثرِها علمًا، وقد عُني علماءُ الحنابلةِ بهذا المختصرِ؛ بحفظِهِ وشرحِهِ ونظْمِهِ، حتى ذكر بعضُ العلماءِ أن له ثلاثمئةَ شَرْحٍ.
ومنَ العلماءِ من شَرَحَهُ بالنظمِ.
ونظمَهُ جعفرُ بن أحمدَ السرَّاجَ، المتوفَّى سنةَ (٥٠٠)، ونظمَهُ -أيضًا- العلامةُ يحيى بن يوسفَ الصَّرْصَريُّ المتوفى سنة (٦٥٦)، ولما أتمَّ نظمَهُ، نظَمَ "زوائدَ الكافي على مُختصرِ الخِرَقِي" بمنظومةٍ سَمَّاها "واسطةُ العِقْدِ الثمينِ وعُمدةُ الحَافظِ الأمينِ" قال في أوَّلها:
سَأَلْتَ هَدَاكَ اللهُ لَمَّا نَظَمْتُ مَا رَوَى الخِرَقِيُّ مِنْ مَسَائِلِ أَحْمَدِ
وَزِدْتُ عَليها أنْ أُحَبِّرَ نَاظِمًا مَسَائِلَ لَم يُذْكَرْنَ فيهِ لِنُشَّدِ
فَوَافَقْتَ مِني للإِجَابَةِ لِلَّذِيْ سَأَلْتَ قَبُولًا مِنْ أَخٍ مُتَوَدِّدِ
وَعَوّلتُ في نَظْمِي عَلى مَا أَفَادَهُ الـ ـمُوفَّقُ في "الكَافِي" الكِتَابِ المُسَدَّدِ
وقالَ في آخِرِهَا:
وَعِدْتُهَا ألفَانِ كُنْ خَيْرَ آلِفٍ لَهَا تَحْمِدِ الآثَارَ مِنْهَا وَتُحْمَدِ
تَخَيَّرْتُهَا مِما حَوَى ابنُ قُدَامَةَ الـ ـموفَّقُ في "الكَافِي" تَخَيُّرَ مُقْتَدِ
هُمَا لَقَبَا صِدْقٍ لَهُ وَلِجَمْعِهِ بِتَوفيقِهِ تُكْفَى الضَّلالَ وَتَهْتَدِيْ" (١)
وبعدُ ثانيةً:
فهذا ما قَدَّم بِهِ الشيخُ العلامةُ محمدُ بنُ عبد العزيزِ بِنِ مانعٍ الحنبليُّ -رحمهُ اللهُ تعالى- الطبعةَ الأولى من هذا الكتابِ لما "صَدَرَ الأمرُ
_________________
(١) انظر: "كتاب الهادي" (طبعة العلامة ابن مانع) (ص: ٣ - ٤).
[ ٧ ]
الكريمُ من الشيخِ المعظَّمِ عليِّ بن الشيخِ عبد الله بن قاسمِ الثاني -حاكم قَطَرَ- بطبعِ "عُمدةِ الحازمِ" على نفقتِهِ، وجَعَلهُ وقفًا على طلبةِ العلمِ" (١).
أحببتُ التصديرَ بِهِ هُنا اعترافًا بفضْلِ هذا العَلَم الهُمَامِ -العلامةِ ابن مانعٍ- الذي نذرَ نفسَهُ لخدمةِ العلمِ وأهلِهِ، والسعيِ في طبع كتبهِ، وبخاصَّةٍ ما يتعلَّقُ بمذهبِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ -﵁-.
وإشادةً بجهود حاكمِ قطرَ الأسبقِ سمو الشيخِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ آل ثاني -رحمه الله تعالى- في نَشْرِ كتبِ المذهبِ الحنبليِّ وغيرِها، والتي لو لم يقُمْ بتمويلِ طَبعِها على نفقتهِ الخاصَّةِ لبقيَ الكثيرُ منها متعثّرًا لم يجد له من يطبعُهُ، فجزاهُ اللهُ خيرًا، ورحمهُ، وغفرَ لَهُ، على ما قَدَّم وأكرم (٢).
ومع أنَّ هذا الكتابَ كانَ قد طُبع سنة (١٣٨٠) إلا أني تطلبتُهُ مدةً من الزمن فلم أعثرْ عليه، وسألتُ عنه المهتمينَ من الكُتبيينَ فأكثرهُم أشارَ إلى أنه لم يُنمَ إليه خبرُه، ثم وقفتُ على نسخةٍ منه، فحرَّكتْ همتي لإعادةِ تحقيقِهِ ونشرِهِ، وذلك لأسبابٍ خمسةٍ:
_________________
(١) اقتباسًا من المصدر السابق (ص: ٤).
(٢) وقد صَدَر كتابٌ خاصٌّ "يضمُّ مجموعةً أولى من الكتب النادرة والمخطوطة التي نشرها هذا العالمُ المحسنُ تزيدُ على ٩٠ كتابًا، وهو يوزعُها كلها مجانًا في سبيل الله" بعنوان "فهرس مطبوعات الشيخ علي بن عبد الله الثاني حاكم قطر السابق" بعناية وإشراف الشيخ عبد البديع صقر -رحمه الله تعالى- مدير المكتبات بقطر حينَها، وطبع سنة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م.
[ ٨ ]
السببُ الأولُ: أهميتُهُ، وقد ذكرَ طرفًا منها العلامةُ ابنُ مانعٍ، في مقدمتِه السابقةِ.
السببُ الثاني: نُدرةُ وجودِ المطبوعةِ بين يدي طلبةِ العلمِ.
السببُ الثالثُ: احتواءُ المطبوعِ على جملةٍ وافرةٍ من الأخطاءِ الطباعيةِ، فضلًا عن الأخطاء الأساسية الواقعةِ في أصلِ نَسْخِ المخطوط، أو قراءَتِهِ أثناءَ تحقيقِهِ.
السببُ الرابعُ: كثرةُ السِّقطِ الحاصلِ في المطبوعِ حتى بلغَ أحيانًا ربعَ صفحة كاملة، مما ستراه لاحقًا أثناءَ مروركَ على النصِّ.
السببُ الخامسُ: حصولي على نسخةٍ خطيةٍ مهمةٍ هي أصلٌ للنسخةِ الخطيةِ التي اعتمدَ عليها العلامةُ ابنُ مانعٍ في مطبوعتِهِ السابِقةِ.
* عند ذلك صحتِ العزيمةُ على تحقيقِهِ ونشرِهِ، وكانتْ خُطَّةُ العملِ فيه ما يلي:
١ - نَسخُ الكتابِ من المخطوطِ الأصلِ، ثم معارضةُ هذا المنسوخِ بالمطبوعِ (مطبوعةِ العلامةِ ابنِ مانع).
٢ - الإشارةُ إلى أهمِّ الفروقِ الموجودة بين المخطوطِ الأصلِ والمطبوعِ، وقد بلغتْ عامةُ الفروق ما يزيد عن (٥٠٠) فرق، مما يدلُّ على كثرةِ التصحيفِ والتحريِفِ الناشئِ معظمُهُ من خللٍ في الناسخِ الذي قام باستنساخِ المخطوطِ أَصلًا.
٣ - اعتمادُ النصِّ المخطوطِ أصلًا إلا في مواضعَ يسيرةٍ جدًا، كان الصوابُ فيها مع ما جاء في المطبوع، فأثبتُّهُ في صُلبِ النصِّ، وأشرتُ
[ ٩ ]
إلى الخلاف مع المخطوط في الحاشيةِ، وذلك رغبةً في وقوفِ طالبِ العلم على نصٍّ كاملٍ صحيحٍ أثناءَ قراءَتِهِ للكتابِ أو دراستِهِ له، ومنشئُ الخطأ في المخطوط مردُّه -كما هو معروفٌ لدى الخُبَراءِ- إلى فسادِ نقلِ الناسخِ من الأصلِ الذي نقلَ عنهُ.
٤ - ضبطُ النصِّ بالشكلِ الكاملِ، حتى تَسْهُلَ على طالبِ العلم قراءتُهُ دونَ توقُّفٍ.
٥ - تخريجُ الأحاديثِ والآثارِ الواردة في النصِّ، وذلكَ بذكرِ راوي الحديثِ، وذكرِ الكتابِ والبابِ ورقم الحَديثِ، فإن كان الحديثُ في الصحيحين اقتصرتُ على العزو لهما، وإلا ففي السننِ الأربعةِ، ثم باقي الكُتبِ الحديثيةِ.
٦ - كتابةُ مقدمةٍ للكتابِ.
٧ - إدراج ترجمةٍ للمؤلفِ، بقلم الإِمام ابن رجب الحنبلي.
٨ - صناعةُ فهرسٍ خاصٍّ بالموضوعاتِ.
* أما النسخة الخطيةُ فهي من محفوظاتِ المكتبةِ المحموديةِ بالمدينةِ النبويَّةِ، وتقعُ في (١٥٥) ورقة، برقم (٦٦ فقه حنبلي)، نُسخت سنة (٨٣٨)، وهي نسخةٌ متوسطةُ الجودةِ والصِّحةِ، لكن يغفِر لها أنها الوحيدةُ بتاريخِها وقدمِها.
وقد جاء في صدر النسخة: "كتابُ الهادي على مذهبِ الإمامِ المبجَّلِ أبي عبدِ اللهِ أحمدِ بنِ محمدِ بنِ حنبلٍ الشيبانيِّ قدسَ اللهُ وجهَهُ ونوَّرَ ضريحَهُ، وأثابَهُ الجنةَ بمنِّهِ، آمين. وهو زوائدُ الهدايةِ على
[ ١٠ ]
الخِرَقِي، جمعُ شيخِ الإِسلامِ موفقِ الدينِ أبي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ ابنِ قُدامَةَ المقدسيِّ -﵁-".
وجاء في ختامها: " في أصح الروايتينِ، آخرُهُ والحمدُ لله ربِّ العالمينَ، وكانَ الفراغُ من تتمةِ هذا الكتابِ المباركِ بتاريخِ ثامنِ من [كذا] شهر جُمادى الأولى، سنةَ ثمانٍ وثلاثين وثمانمئة".
* * *
هذا وأسألُ الله تعالى أن يتقبل هذا العَمل، ويجعلَه خالصًا لوجهِهِ الكريمِ، وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
وَكتبه
نور الدين طالب
سوريا - دمشق - دومة
١٦ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ
[ ١١ ]
ترجَمَة