وهُم ثَمانِيَةٌ (^١):
بابُ أهلِ الزَّكاةِ
أي: أهل [¬١] أخذِ الزكاة، وما يتعلقُ بذلِك من بيانِ شُروطِهم، وقدرِ ما يُعطاه كلُّ واحدٍ، وصدقِة التَّطوع. ش ع [¬٢].
(^١) قوله: (وهم ثمانية) أصناف، فلا يجوزُ صرفُها لغيرِهم، كبناءِ مساجدَ وقَناطِرَ، وتكفينِ مَوتَى، وسَدِّ بُثُوقٍ، ووقفِ مَصاحِفِ وغيرِها؛ لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله﴾ [التّوبَة: ٦٠]. وكلمة: «إنَّما» تفيدُ الحصر. أي: تُثبِتُ المذكورين وتنفي ما عداهم، وكذلك تعريفُ «الصدقات» بأل، تستغرِقُها. فلو جاز صرفُ شيءٍ إلى غيرِ الثمانية، لكانَ لهم بعضُها، لا كلُّها، ولحديث ابنِ الحارِث الصُدائي، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فبايعتُه، فأتاه رجلٌ، فقال: أعطني من الصدقة، فقال: «إن اللَّه لم يرض بحُكم نَبيٍّ ولا غيرِه في الصدقات، حتى حَكَم فيها هو، فجزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإن كنتَ من تلك الأجزاءِ أعطيتُك». رواه أبو داود [¬٣].
_________________
(١) [¬١] «أهل» ليست في النسختين [¬٢] «كشاف القناع» (٥/ ١١٤) [¬٣] أخرجه أبو داود (١٦٣٠) من حديث زياد بن الحارث الصدائي. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٨٥٩)
[ ٢ / ٧٧ ]
الأوَّلُ: الفَقِيرُ. وهُو: مَنْ لَم يَجِدْ نِصفَ كِفَايَتهِ (^١).
قال ابن نصر اللَّه: لو فُقِدَت الأصنافُ الثمانية، فهل يسقُط وجوبُ الزكاة، أو إنَّما يسقُط الأداءُ خاصة؟ لأن الأصنافَ شَرطٌ للأداء، لا للوجوب؛ لأن إيجابها، وإن كانت حِكمتُه إغناءَ الأصناف، فإنَّما شُرِعَ لأمرٍ عامٍّ لا يختلف حُكمُه لفقدِ ما شُرِع سببُه، كالقَصر في حقِّ من سافر فلم يجِد مشقةً. فيبقى الوجوبُ في ذمَّته متى وجدَ مستحقَّه دفعه إليه. ح ف وزيادة.
(^١) قوله: (وهو مَنْ لَم يجِد نِصفَ كِفايَته) يعني؛ الفقيرُ: هو من لم يجِد شيئًا البتَّة، أو لم يجِد نصفَ كفايته مع عائلتِه سَنةً. فهو أشدُّ حاجةً من المِسكين؛ لأن اللَّه تعالى بدأ به، وإنما يُبدأُ بالأهمِّ فالأهم. ولاشتقاقِ الفقرِ من فَقَرَ الظهرُ، بمعنى: مفقور، وهو الذي نُزِعت فقرةُ ظهرِه، فانقطعَ صلبُه. وقال تعالى في حقِّ المسكين: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩]. فأخبر تعالى أن لهم سفينةً. وقد سأل النبيُّ ﷺ المسكنةَ، واستعاذ من الفقر [¬١].
وأما قوله تعالى: ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ [البَلَد: ١٦]. وهو المطروحُ في التُّراب؛ لشدَّة حاجته.
فأجيب عنه: بأنه يجوزُ التفسيرُ عن الفقير بالمسكين مطلقًا. صوالحي [¬٢].
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٣٥٢) من حديث أنس في سؤاله المسكنة، وأخرجه البخاري (٦٣٦٨)، ومسلم (٥٨٩) من حديث عائشة في استعاذته من الفقر. وانظر «الإرواء» (٨٦٠، ٨٦١) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٥)
[ ٢ / ٧٨ ]
الثَّاني: المِسكِينُ. وهُو: مَنْ يجِدُ نِصفَها (^١)، أو أَكثَرَهَا (^٢).
الثَّالِثُ: العامِلُ علَيها (^٣). كجَابٍ (^٤)، وحَافِظٍ، وكَاتِبٍ (^٥)،
(^١) قوله: (وهو مَنْ يَجِدُ نِصفَها) أي: نصفَ الكفاية.
(^٢) قوله: (أو أكثرَها) أي: أو يجدُ أكثرَ مِنْ نِصفِها؛ من كَسبٍ أو غَيرِه.
ومن ملَكَ نصابًا فأكثرَ، وكان لا يقومُ بكفايتِه وكفايةِ عيالهِ، فليس بغنيٍّ، فيأخذ تمامَ كفايته من الزكاة. قال الإمام أحمد: لو كان له ضَيَعةٌ أو عقارٌ يستغلُّها عشرة آلاف فأكثر لا يكفيه [¬١]، يأخذ من الزكاة.
فيُعطَيانِ تمامَ كفايتِهما مع عائلتِهما سنةً كاملة.
وإن تفرَّغ لطلَبِ العِلم الشرعيِّ مَنْ له قُدرةٌ على الكَسبِ، وتعذَّر الجمعُ بينهما، أُعطي من الزكاة، لا إن تفرَّغ للعبادة؛ لأن نفعَها مقصورٌ عليه، بخلافِ العلم؛ لأن نفعَه عامٌ، لأن الغِنَى في باب الزكاة نوعان: نوعٌ يوجبُها، ونوعٌ يمنعُها. والغِنَى هنا ما تحصلُ به الكِفاية، فإذا لم يكن محتاجًا، حرُمت عليه الزكاة، وإن لم يملِك شيئًا، وإن كان محتاجًا، حلَّت له، ولو مَلَك نِصابًا فأكثرَ. صوالحي [¬٢].
(^٣) قوله: (الثالثُ: العاملُ علَيها) أي: على الزكاة؛ للنص.
(^٤) قوله: (كجابٍ) أي: ساعٍ يبعثُه الإمامُ لأخذِ الزكاة من أربابِها. انتهى. الوالد.
(^٥) قوله: (وحافِظٍ وكاتِبٍ) على الجابي. صوالحي [¬٣].
_________________
(١) [¬١] من هنا بداية السقط في النسخة (ب)، ويعتبر الموضع الثالث من السقط الطويل فيها حيث استمر إلى آخر كتاب الصيام [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٥) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٦)
[ ٢ / ٧٩ ]
وقَاسِمٍ (^١).
(^١) قوله: (وقاسِمٍ) للزكاة بينَ مستحقِّيها، ومن يُحتاجُ إليه فيها؛ لدخولهم في قوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ [التّوبَة: ٦٠]. كجَامعِ المواشي، وعدَّادِها، وكيَّال، ووزَّان، وسَاع، وراع، وجمَّال، وحمَّال، غيرُ قاضٍ، ووالٍ.
ويُشتَرط كونُ العامل مُسلمًا؛ لقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عِمرَان: ١١٨]. ولأنها ولاية ولو كان العاملُ قِنًّا، أو غنيًا أمينًا، مكلفًا، كافيًا، أي: قادرًا على العمل، من غيرِ بَني هاشم، وكذا موالِيهم؛ لأن النبي ﷺ أبى أن يبعثَ على الصَّدقة الفضلَ بن العباس، وعبدَ المطلب بنَ ربيعةَ بن الحارث، وقال: «إنَّما هذه أوساخُ النَّاس، وإنها لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمد». رواه الإمام أحمد [¬١].
واشتراطُ ذكوريَّته أولى. قاله في «الإقناع» [¬٢]. وكذا لابدَّ من عِلمِه بأحكَامِ الزَّكاة إن كان ممَّن يفوَّضُ إليه عمومُ الأمر، بخِلاف ما إذا عيَّن له الإمامُ ما يأخذُه. قاله القاضي. نقله عنه في «الإقناع» [¬٣]
ويُعطَى العاملُ قدرَ أُجرَتِه منها، كما يأتي في المَتن، ما لم تتلَف بيد العامِل بلا تفرِيطٍ، فتكون أجرته من بيت المال، وإن عَمِلَ عليها إمامٌ أو نائبه، لم يأخذ منها شيئًا؛ لأن رَزقَه على بيت المال.
ويُصدَّقُ ربُّ المال في دفعها للعامِلِ بلا يمين، ويُحلَّفُ عاملٌ ويَبرأ.
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٢٩/ ٥٩) (١٧٥١٨) من حديث عبد المطلب بن ربيعة. وهو عند مسلم (١٠٧٢/ ١٦٨). وانظر «الإرواء» (٨٧٩) [¬٢] (١/ ٤٦٩) [¬٣] (١/ ٤٦٩)
[ ٢ / ٨٠ ]
الرابعُ: المُؤَلَّفُ (^١). وهُو: السيِّدُ المُطَاعُ في عَشِيرَتِه، مِمَّنْ يُرجَى إسلامُهُ، أو يُخشَى شَرُّه (^٢)، أو يُرجَى بعَطِيَّتِه قُوَّةُ إيمَانِه (^٣)، أو جِبَايَتُها مِمَّنْ لا يُعطيِها (^٤).
ويُصدَّق عاملٌ في دفعٍ لفقير ونحوه. ويُصدَّق فقيرٌ في عدَم الدَّفع إليه. قال صاحب «المنتهى» في «شرحه»: وظاهرُه: بلا يمين. صوالحي وزيادة [¬١].
(^١) قوله: (الرابع: المؤلَّفُ) بمعنى: أنه مؤلِّفٌ في نفسِه، ويؤلِّف غيرَه. فسُمِّي مؤلَّفًا باعتبار كونِ التأليف واقعٌ عليه.
(^٢) قوله: (أو يُخشَى شَرُّه) ولو مُسلِمًا، كما في «الإقناع». وظاهرُه: ولو امرأة، كِبلْقِيسَ، والقعورةِ، وملكةِ فارس. وفي «الإقناع»: ولا يحل للمؤلَّف المُسلِم ما يأخذُه إن أُعطي ليكُفَّ شرَّه، كالهديَّة للعامِل، وإلا حلَّ. عثمان.
(^٣) قوله: (أو يُرجى بعطيَّتِه قوَّةُ إيمانِه [¬٢]) لقول ابنِ عباس. أو يُرجَى بعطيَّته إسلامُ نظيرِه لإعطاء أبي بكرٍ ذلِكَ. صوالحي [¬٣].
(^٤) قوله: (أو جِبايتُها ممَّن لا يُعطيِها) أي: أو من أجل جبايةِ الزكاة ممَّن لا يُعطيها إلا بالتخويف، أو التَّهديد، أو لأجل دفعِ ضررٍ عن المُسلمين. ويُعطى بقدرِ ما يحصُل به التأليف. صوالحي [¬٤].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧) [¬٢] في الأصل: «قوة إيمانه أو إسلام نظيره» [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٧) [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٨)
[ ٢ / ٨١ ]
الخَامِسُ: المُكاتَبُ (^١).
السَّادِسُ: الغَارِمُ (^٢).
(^١) قوله: (الخامسُ: المُكاتَبُ) وهو الذي في قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠]. ولو قبلَ حلولِ مالِ الكِتابة، ولو مع القُوة والكَسب.
قال في «الإقناع»: ولو تلفت في يدهِ أجزأت، كالغارم، وابن السبيل.
ويُجزئُ من عليه زكاةٌ أن يشتري بالزكاة رقبةً، لا تَعِتقُ برَحِمٍ وتعليقٍ، ويُعتِقُها؛ لعموم الآية. ويُجزئُ السيَّدَ دفعُ زكاته لمكاتبه، نصًّا. لأنه معه كالأجنبي. وقيَّد في «الوجيز»، وغيرِه: بأن لا يكون حيلةً. ويجوز أن يفدي بالزكاة أسيرًا مُسلمًا، نصًّا. ولا يُجزئُ إن عَتَقَ قنًا عندَه عن الزكاة أو مكاتَبَهُ. صوالحي وزيادة [¬١].
(^٢) قوله: (السادِسُ: الغارِمُ .. إلخ) وهو ضربان:
الأول: من تديَّن لأجل الإصلاحِ بينَ النَّاس من أهل القُرى أو القبائِل، ولو من أهل الذمَّة، سواءٌ كان التشاجر في دماءٍ أو أموالٍ؛ خيفَ منه التي يحدُث بسببِها الشحناءُ والعداوةُ، ويُخافُ من ذلك الفتنُ، وذهابُ النفوس والأموالِ، فيتوسَّطَ الرَّجلُ بينَهما؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله أصلحوا ذات بينكم﴾ [الأنفَال: ١]. والبينُ: الوصلُ. وكذا من تديَّن ديةً بسببِ إتلافِ نفسٍ، أو مالًا بسبب إتلافِ مالٍ أو نهبٍ؛ لتسكينِ الفِتنةِ، ولو كان غنيًا، ما لم يكن دفعَها من مالِه، فليسَ له الأخذُ منها. وكذا من ضَمِنَ غيرَه، وأعسرَ كلٌّ منهما. صوالحي باختصار [¬٢].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٨) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٩)
[ ٢ / ٨٢ ]
وهُوَ: مَنْ تَديَّنَ للإِصلاحِ بَينَ النَّاسِ. أو تَديَّنَ لِنَفسِهِ وأَعسَرَ (^١).
السَّابِعُ: الغَازِي في سَبيلِ اللَّهِ (^٢).
(^١) قوله: (أو تديَّن لنفسهِ وأعسَر).
الضربُ الثاني: من تديَّن لنفسِه في شيءٍ مُباح، أو محرَّمٍ وتابَ منه، أو تديَّن لشراءِ نفسِه من كُفَّارٍ وأعسَر بالدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ [التّوبَة: ٦٠]. ويُعطى لوفاءِ دَينِ كتابةٍ لا قدرةَ له على وفائِه. ولا يُعطى لدينٍ على ميِّتٍ؛ لأنه يُشتَرطُ [¬١] التمليكُ، والميِّت لا مِلك له. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (السابِعُ: الغازي في سبيل اللَّه) تعالى؛ للنص. لأنَّ السبيلَ عند الإطلاق هو الغزو؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا﴾ [الصَّف: ٤]. وهو الذي لاحقَّ له من تعيينِ شيءٍ فى الديوان؛ لأنَّ من له شيءٌ معيَّن في الديوانِ يكفِيه فهو مُستَغنٍ به، ومن له ما لا يكفِيه، فيُعطَى ما يحتاجُ إلى كفايتَه.
ويجوز أن يُعطى من الزكاة لحَجِّ فرضِ فقيرٍ وعمرَتِه، على الأصح [¬٣]؛ لما روى أبو داود، عن ابن عمر: أن رجلًا جعَلَ ناقةً في سبيل اللَّه، فأرادت امرأتُه الحجَّ، فقال النبي ﷺ: «اركبيها، فإن الحجَّ من سَبيل اللَّه» [¬٤].
ولا يجوزُ لربِّ المالِ شراءُ شيءٍ مما يحتاجه من آلةِ الغَزوِ لنفسِه من زكاتِه. صوالحي باختصار [¬٥].
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «لا يشترط» والتصويب من (ج)، «مسلك الراغب» [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٥٩) [¬٣] في الأصل: «الحج فرض وعمرته على الأصح فقير» [¬٤] أخرجه أبو داود (١٩٩٠) من حديث ابن عباس. وصححه الألباني في «الإرواء» (١٥٨٧) [¬٥] «مسلك الراغب» (١/ ٥٦٠)
[ ٢ / ٨٣ ]
الثامِنُ: ابنُ السَّبيلِ (^١). وهُو: الغَرِيبُ المُنقَطِعُ بِغَيرِ بَلَدِهِ (^٢).
فيُعُطِي للجَمِيعِ مِنَ الزَّكاةِ: بِقَدْرِ الحَاجَةِ (^٣).
(^١) قوله: (الثامِنُ: ابنُ السَّبيل) وسُمِّي ابنَ السَّبيل؛ لأنَّ السبيل: الطريق. وسُمِّي المسافر ابنًا له؛ لملازَمتِه له. صوالحي [¬١].
(^٢) قوله: (وهو الغريبُ المُنقَطِعُ بغيرِ بلَدِه) في سفرٍ مُباحٍ، أو مُحرَّم وتابَ منه، لا سفر مكروه، ونزهة؛ في الأصح. ويُعطَى ابنُ السبيل إذا لم يكن معه ما يُوصِلُه إلى بلَده، أو إلى مُنتهَى قصدِه، وعودِه إلى بلَده، ولو مع غِناه ببلَدِه، ولو وَجَد من يُقرِضُه. صوالحي [¬٢].
(^٣) قوله: (فيعُطى للجميع .. إلخ) أي: للأصنافِ الثمانيةِ المذكورَة (مِنْ الزَّكاةِ، بقدِرِ الحاجَة) لا زيادةً عن الحاجة. فيعطَى مؤلَّفٌ ما يحصُلُ به تأليفُه عندَ الحاجةِ إليه. ويُعطَى المكاتبُ وفاءَ دينه؛ لعجزِه عنه، ولو قبلَ حُلولِ نَجْمٍ، أو مع قُدَرته على كَسبٍ. ويُعطَى الغازي [¬٣] ما يحتاجُه في غَزوِه ذَهابًا وإيابًا. ويُعطَى ابنُ السبيل ما يوصِلُه لبلده، ولو وجَدَ مُقرِضًا. وإن قصَدَ بلدًا، أو احتاجَ قبل وصولِها، أُعطي ما يُوصِلُه إلى البلَد الذي قَصَدَه، وما يرجِعُ به إلى بلَدِه.
وإن فَضلَ مع ابنِ السبيل، أو غازٍ، أو غارمٍ، أو مكاتَبٍ، شيءٌ، ردَّه. وغيرُهم يتصرَّفُ بما شاء؛ لملكه له مِلكًا مُستقرًّا؛ لأن اللَّه تعالى أضافَ
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٦٠) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٦٠) [¬٣] في الأصل: «قوله: ويعطى الغازي»
[ ٢ / ٨٤ ]
إلَّا العَامِلَ، فَيُعُطَى (^١): بقَدْرِ أُجرَتِهِ، ولو غَنِيًّا (^٢)، أو قِنًّا.
ويُجزِئُ: دَفْعُها إلى الخَوَارِجِ، والبُغَاةِ (^٣). وكذلِكَ: مَنْ أخَذَهَا مِنَ
الزكاةَ إليهم بلام المِلك، ثم قال في الأربعة الأخرى: ﴿وفي الرقاب﴾ .. إلخ.
ولأنهم يأخذون لمعنًى يحصُلُ بأخذِهم، وهو: إغناءُ الفقراءِ والمساكين، وأداءُ أجر العاملين، وتأليفُ المؤلفَة. والأربعةُ الآخرون يأخذون بمعنًى لا [¬١] يحصُل بأخذِ الزكاة، فافترقوا.
وتُجزئُ الزكاةُ لشَخصٍ واحدٍ، ولو غريمِه أو مُكاتَبِهِ، إن لم يكن حِيلَةً؛ بأن يقصد إحياءَ مالِه، كما يدل عليه نصُّ الإمام. وقال القاضي وغيرُه: ومعنى الحيلة: أن يُعطيَه بشرطِ أن يردَّها عليه من دينه؛ لأنَّ من شَرطِها تملُّكًا صحيحًا، فإذا شرطَ الرجوعَ لم يوجد، فإن لم يشترط جاز له الأخذ. ولا يجزئُ أن يستخدِمَ بالزكاة قريبًا ولا غيره.
(^١) قوله: (إلا العامِلُ فيعُطَى) من الزكاة.
(^٢) قوله: (ولو غنِيًّا) أي: ولو كانَ العامِلُ غنيًّا.
(^٣) قوله: (ويُجزِئُ دفعُها إلى الخَوارِج والبُغاةِ) إذا غَلَبوا على البلَد.
ويُجزئُ دفعها لصغيرٍ، ولو لم يأكُل الطعام، ويَقبَلُ ويَقبِضُ له وليُّه، فإن لم يكن وليٌّ، فمن يليه من أمٍّ أو غيرِها. صوالحي [¬٢].
_________________
(١) [¬١] سقطت: «لا» من جميع النسخ، والتصويب من «مسلك الراغب» (١/ ٥٦١) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٦١)
[ ٢ / ٨٥ ]
السَّلاطِينِ، قَهرًا (^١) أو اختَيارًا، عَدَلَ فِيها أو جَارَ (^٢).
(^١) قوله: (وكذلك مَنْ أخذَها مِنْ السَّلاطِين قهرًا) أي: ومثلما يُجزئُ دفعُها للخوارِج والبغاةِ يجزئُ دفعُها لمن أخذَها من السَّلاطين قهرًا على ربِّ المال.
(^٢) قوله: (أو اختيارًا، عدلَ فيها أو جارَ) أي: أو أخذَها السُّلطان اختيارًا منه، عدلَ السلطانُ فيها أو جارَ.
قال في «الشرح الكبير» [¬١]: لا يختلف المذهب أنَّ دفعَها للإمام جائزٌ، سواءٌ كان عدلًا أو غير عدل، وسواءٌ كان من الأموالِ الظَّاهرة أو الباطنة. ويبرأُ بدفِعها، سواءٌ تلِفَت في يدِ الإمام، أو لا، وسواءٌ صرَفَها في مصرِفِها، أو لم يَصرفها. انتهى.
ويُشتَرطُ لإجزاءِ الزَّكاة تمليكُ المُعطَى له، فلا يَكفي إبراءُ فقيرٍ من دَينِه، ولا حوالتُه بها.
ومن أبيحَ له أخذُ شيءٍ من الزكاة، أبيحَ له سؤالُه. وإعطاءُ السائل، مع صِدقه، فرضُ كفاية؛ لحديث: «لو صدَق، ما أفلَح من ردَّه» [¬٢]. احتجَّ به الإمامُ أحمد، وأجاب بأنَّ السائلَ إذا قال: أنا جائعٌ، وظَهر صدقُه، وجبَ إطعامُه. وإن سألوا مطلقًا لغير مُعيَّن، لم يجب إعطاؤهم، ولو أقسَموا؛ لأن إبرارَ القَسم إنِّما هو إذا أقسَم على معيَّن، وإن جُهل حالُ السائِل، فالأصلُ عدمُ الوجوب. وإطعامُ جائعٍ، فرضُ كِفاية.
_________________
(١) [¬١] (٧/ ١٥٦) [¬٢] أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٥/ ٢٩٧) من حديث علي. وانظر «الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث» للغزي العامري (ص ١٨٤)
[ ٢ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويجبُ قبولُ مالٍ طيِّب، أتى بلا مسألة، ولا استشرافِ نفس.
وسُنَّ تعميمُ الأصنافِ الثمانية بلا تفضيل بينهم إن وُجِدت. وسُنَّ تفرقتُه في أقاربه الذينَ لا تلزمهُ نفقتُهم، كذَوِي رحِمِه، ومن لا يرِثُه لحجبٍ، كأخٍ وعمٍّ حُجِبَ بابنٍ وإن سَفَل أو أبٍ ونحوِه، على قدرِ حاجتِهم.
ويجوزُ الاقتصارُ على إنسانٍ واحدٍ في دفعِ الزكاة له، ولو غريمه أو مكاتبه؛ لقوله تعالى: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البَقَرَة: ٢٧١]. صوالحي وزيادة [¬١].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٦٢ - ٥٦٣)
[ ٢ / ٨٧ ]