يُشتَرَطُ لِكُلِّ مُتنَجِّسٍ (^١): سَبعُ غَسَلاتٍ (^٢)،
بابُ إزالةِ النَّجاسةِ
أي: الحكميَّة الطارئة على محلٍّ طاهر. والمرادُ بإزالتها: تطهيرُ مواردها. وذكَر أيضًا النجاساتِ وما يعفى عنه منها. وخرج بالحكميَّة العينية، كعظم ميتةٍ وجلدِها، فإنها لا تطهر بحال. ع [¬١].
(^١) قوله: (يُشترطُ لكلِّ متنجسٍ) أي: يشترط لتطهيرِ كلِّ متنجِّس حتى أسفل خُفٍّ وأسفل حذاءٍ بالمدِّ وكسر المُهملة وحتى ذيل امرأة. قال البهوتي: إنما نصَّ صاحب «المنتهى» على هذه الثلاثة؛ إشارة إلى محلِّ الخلاف فيها؛ لأن من الأئمة من قال: إنه يكفي في أسفل الخف والنعل الدلكُ بالأرض، وأنه يُعفى عن ذيل المرأة؛ للحرج والمشقة. وأما نفسُ الخُفِّ والحذاء وثوب المرأة، فوجوبُ تطهيرها محلُّ وفاقٍ، فلم يحتج إلى التنبيه عليها.
(^٢) قوله: (سبعُ غَسَلات) برفع «سبعُ» نائب فاعل «يشترط»؛ لعموم حديث ابن عمر: «أمرنا بغَسلِ الأنجاسِ سَبعًا» [¬٢]. فينصرفُ إلى أمرِه ﵇، وقياسًا على نجاسة الكلب. وقيسَ أسفلُ الخفِّ والحذاءِ على الرِّجل، وذيلُ المرأة على بقية ثوبِها. ويعتبر في كلِّ غَسلةٍ أن تستوعِبَ المَحَلَّ، ويحسبُ العددُ من أوَّلِ غسلةٍ، ولو قبل زوال عينها، فلو لم تزُل إلا في الأخيرة، أجزأ.
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٤٦١) [¬٢] لم أجده بهذا اللفظ، وانظر «إرواء الغليل» (١٦٣)
[ ١ / ٢١١ ]
وأنْ يَكُونَ إحدَاهَا (^١) بتُرَابٍ طَاهِرٍ (^٢)،
وتكفي السبعُ إن أنقت، وإلا فيزيد حتى تنقي النجاسةَ، بماءٍ طَهور، ولو غير مباح. م ص [¬١] وزيادة.
(^١) قوله: (وأن يكون إحداها) أي: إحدى السبع غسلات. قال في «المنتهى» [¬٢]: والأُولى أولى. قال م ص: والغسلة الأولى يجعل التراب فيها أولى مما بعدها؛ لموافقة لفظ الخبر، وليأتي الماءُ بعده فينظِّفه، فإن جعله في غيرها، جاز؛ لأنه روي في حديث [¬٣]: «في إحداهنَّ بالتراب» [¬٤]. وفي حديث: «أولاهن» [¬٥]. وفي حديث: «في الثامنة» [¬٦]. فدلَّ على أن محلَّ التراب من الغَسَلات غيرُ متيقن. فإطلاق المصنف؛ إشارة للجواز.
(^٢) قوله: (بتُرابٍ طاهر)، هذا ظاهرُ ما في «التلخيص». قال الدنوشري: قلت: وهو الصحيح؛ لأن الأشنان والصابون يقومان مقامَ التراب الطهور، فالترابُ الطاهرُ أولى بالإجزاء منهما. قال شيخنا عثمان [¬٧]: وعبَّر في المنتهى» وغيره: بالطهور بدلَ الطاهر، فعليه فلا يكفي ترابٌ نجسٌ ولا مستعمل. انتهى. ويجاب؛ بأن الظاهرَ لا يعارض الصريح، فكان على
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٣) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٥) [¬٣] سقطت «حديث» من الأصل [¬٤] أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦٩) من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني في «غاية المرام» (ص ١١٣)، وانظر «الإرواء» (١٦٧) [¬٥] سيأتي بهذا اللفظ قريبًا جدًّا [¬٦] أخرجه مسلم (٢٨٠/ ٩٣) من حديث عبد اللَّه بن مغفل [¬٧] انظر «هداية الراغب» (١/ ٤٦٥)
[ ١ / ٢١٢ ]
أو صَابُونٍ ونَحوِهِ (^١)، في مُتنَجِّسٍ بكَلبٍ أو خِنزِيرٍ (^٢).
ويَضُرُّ: بَقَاءُ طَعمِ النَّجاسَةِ (^٣).
المصنف الاقتداء ب «المنتهى» في التعبير بذلك. ويجاب عنه بأنه أراد بالطاهر ما قابل النجس فيشمل الطهور.
(^١) قوله: (أو صابونٍ ونحوِه) أي: أو بما يقومُ مقامَ التراب من صابونٍ ونحوه، كأشنان، وغاسول، ونخالة، ونحو ذلك مما له قوُّة الإزالة. يعمُّ الترابُ ونحوُه المحلَّ المتنجِّس مع الماءِ؛ لأن العلة في اشتراط التراب غِلَظُ النجاسة الكلبية وشدة استقذارها، والأشنان والصابون أبلغ من التراب في إزالة النجاسة، فقام مقامه، وأجزأ عنه. دنوشري وزيادة.
(^٢) قوله: (في متنجِّس بكلب أو خنزير) جار ومجرور متعلق بقوله: «وأن يكون إحداها بتراب … إلخ» في متنجِّسٍ بنجاسةِ كلبٍ، أو نجاسةِ خنزيرٍ [¬١]، وما تولَّد منهما، أو من أحدهما؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «إذا ولغ الكلبُ في إناءِ أحدِكم، فليغسلْه سبعًا أولاهنَّ بالتراب». رواه مسلم [¬٢]. ويعتبر استيعابُ المحلِّ المتنجِّس بالتراب، بأن يُمر الترابَ مع الماء على جميع أجزاء المحلِّ المتنجِّس، فلا يكفي أن يَذُرَّه عليه، ويتبعه الماء. م ص [¬٣]. وإيضاح.
(^٣) قوله: (ويضُّر بقاءُ طعمِ النجاسة) في المحلِّ المغسول، ولو عجزًا؛ لأن بقاء الطعم يدلُّ على بقاءِ العين، ولسهولة إزالتِه، فلا يطهُر المحلُّ مع بقائه؛ لأنه
_________________
(١) [¬١] إلى هنا نهاية السقط في النسخة (ب) [¬٢] أخرجه مسلم (٢٧٩/ ٩١) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٥)
[ ١ / ٢١٣ ]
لا: لَونِها، أو رِيحِها، أو هُمَا؛ عَجْزًا (^١).
ويُجزئُ في بَولِ غُلامٍ (^٢)
لا يُحكم بطهارة المحلِّ المغسول إلا إذا زالَ جِرمُ النَّجاسةِ وطعمُها. م ص [¬١] وزيادة.
(^١) قوله: (لا لونِها، أو ريحِها، أوهُمَا عجزًا) أي: ولا يضر بقاءُ لونِ النجاسة، أو بقاءُ ريحِها، أو بقاؤهما عجزًا عن إزالتهما؛ دفعًا للحرج. ويطهر المحلّ.
قال الشيشيني على «المحرر»: ومِن صورِ بقاءِ الَّلون المعجوزِ عن إزالته: ما لو صُبغ ثوبٌ بنجاسة ثم غُسل، فإنه يطهُر ولا يضرُّ بقاءُ اللون؛ لأنه عرض، والنجاسة لا تخالطُ العرض، والماءُ يخالط العينَ، فإذا زالت العين التي محلُّ النجاسةِ زالت النجاسة بزوالها. جزم في «الفصول» بمعنى ذلك.
ومن صور ذلك أيضًا: أن يخضِب يدَه أو شعرَه بحناءَ متنجِّسٍ ببولٍ أو دمٍ أو خمرٍ ونحوها، ثم يزيلُ الحناءَ، ويغسلُ المحلَّ، ويبقى لونُه، فإنه يطهرُ على أصحِّ الوجهين؛ لأنه إذا ورد الماءُ عليه علمنا أن ما مرَّ عليه من النجاسة قد زال، وإنما يبقى اللون.
(^٢) قوله: (ويجزئُ في بولِ غُلام … إلخ) أي: ويجزئ في تطهير بول غلامٍ، ومثلُه قيئه.
اعلم أن النجاسة التي تنجَّست العينُ بها؛ إما أن تكونَ نجاسةً مطلقةً، وهي التي لم يرد الشرع فيها بتخفيفٍ ولا تغليظ، كالنجاسة على الأرض ونحوها. أو مغلظةً، وهي التي ورد الشرعُ فيها بالتغليظ، وهي نجاسةُ
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٥)
[ ١ / ٢١٤ ]
لَم يَأكُلْ طَعَامًا لِشَهوَةٍ: نَضْحُهُ، وهُو: غَمرُهُ بالمَاءِ (^١).
الكَلبِ والخنزير، وما تولد منهما. أو مخففةً، وهي ما ورد الشرعُ فيها بالتخفيف نصًّا، وهي بولُ الغلامِ الذي لم يأكل الطعام بشهوة. أو مختلف فيها، وهي ما عدا ذلك من بولٍ ودمٍ وغيرهما. شيشيني على «المحرر».
(^١) قوله: (لم يأكلْ طعامًا لشهوةٍ، نضحُه وهو غمرُه بالماء) أي: سترُه، وإن لم ينفصل الماءُ عن محلِّه. والمرادُ أنه يطهر بغسلةٍ واحدةٍ، ولا يحتاجُ إلى مرسٍ، ولا عصر.
وقوله: «لشهوة»: أي: بشهوة واختيار وطلبٍ، لا عدم الأكل بالكلية؛ لأنه يُسقَى الأدويةَ، والسُّكَّرَ، ويُحنَّكُ حين الولادة. وقَيئُهُ مِثلُ بَولِه، بل هو أخفُّ.
وعُلم منه: أنه لو أكلَ الطعامَ لشهوةٍ غُسل سبعًا، وأنه يُغسَل غائطه سبعًا مطلقًا، وأن بول الأنثى والخنثى يُغسل سبعًا.
والحكمة فيه: أن بول الغلامِ يخرجُ بقوة فينتشر، وأنه يكثرُ حملُه على الأيدي، فتعظُم المشقَّة بغسلهِ، أو أنَّ مِزَاجَه حارٌّ، فبوله رقيقٌ، بخلافِ الجارية.
وقال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: لم يتبيَّن لي فرقٌ من السُنَّة بينهما [¬١].
وذكر بعضُهم أن الغلامَ أصلُه من الماء والتراب، والجاريةَ من اللحم والدم، وقد أفاده ابن ماجه في «سننه» [¬٢] وهو غريب. اه شيخنا عثمان [¬٣].
_________________
(١) [¬١] انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٤١٦) [¬٢] ابن ماجه عقب (٥٢٥). وانظر «الضعيفة» (٦٤٩٩) [¬٣] «هداية الراغب» (١/ ٤٧٦)
[ ١ / ٢١٥ ]
ويُجْزئُ في تَطْهِيرِ صَخْرٍ، وأحوَاضٍ (^١)، وأَرضٍ تَنَجَّسَت بِمَائِعٍ (^٢)، ولَو مِنْ كَلبٍ أو خِنزِيرٍ: مُكَاثَرَتُها بالمَاءِ (^٣)، بِحَيثُ يَذهَبُ (^٤) لَونُ النَّجاسَةِ، ورِيحُها (^٥).
ولا تَطُهُر الأَرضُ: بالشَّمسِ، والرِّيحِ، والجَفَافِ (^٦).
(^١) قوله: (ويجزئُ في تطهيرِ صخرٍ وأحواضٍ) وأَجرِنةٍ صغار مبنيَّةٍ، أو كبيرةٍ مطلقًا، وحيطان. «منتهى وشرحه» [¬١].
(^٢) قوله: (تنجَّست بمائعٍ) كبولٍ، أو ذاتِ جرمٍ أُزيل عنها.
(^٣) قوله: (مكاثرتُها بالماء) برفع «مكاثرتها» فاعل «يجزئ» أي: يجزئ مكاثرتها بالماء، ولو من مَطرٍ وسيلٍ، بحيث يغمرها؛ لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه النية، فاستوى فيه ما صبَّه الآدمي وغيرُه، من غيرِ عددٍ. دنوشري.
(^٤) قوله: (بحيثُ يَذهبُ) هذه الحيثية للتقييد، فالإجزاء مشروط بذهاب اللون والريحة.
(^٥) قوله: (لونُ النَّجاسةِ وريحُها) لأن بقاءهما، أو بقاءَ أحدِهما يدل على بقاءِ النجاسة، ما لم يَعجِزْ عن إذهابهما أو إذهابِ أحدِهما، فتطهرُ كغير الأرض. ويضرُّ بقاءُ طعمٍ أيضًا؛ لأن وجودَه يدلُّ على بقاء عين النجاسة؛ ولهذا ضرَّ بقاؤه مع العجز عن إزالته في غير ذلك أيضًا. حفيد.
(^٦) قوله: (ولا تطهرُ الأرضُ بالشمس والريح والجفاف) لأنه ﵇ أمرَ أن يُصبَّ على بولِ الأعرابي ذنوب من ماء [¬٢]، والأمر يقتضي الوجوب،
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٧) [¬٢] أخرجه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٤) من حديث أنس
[ ١ / ٢١٦ ]
ولا النَّجَاسَةُ: بالنَّارِ (^١). وتَطهُرُ الخَمرَةُ بإنائِها (^٢): إنْ انقَلَبَت خَلًّا بنَفسِها (^٣).
ولأنه محلٌّ نجُس، فلم يطهر بغير الغَسل، كالثياب. م ص [¬١]
(^١) قوله: (ولا النجاسةُ بالنار) أي: ولا تطهر النجاسة بالنار، فرمادُها، ودخانُها، وبخارُها، وغبارُها، نجسٌ.
ولا تطهر النجاسة بالاستحالة، كالدود المتولِّد من النجاسة، وصراصير الكنيف، ونحوه؛ خلافًا للشيخ؛ إلا علقةً يُخلَقُ منها حيوانٌ طاهر، فتطهر بذلك. صوالحي وزيادة [¬٢].
(^٢) قوله: (وتطهُر الخمرةُ بإنائها) فيطهر بطهارتها؛ لأنَّ من لازم طَهارَتِها الحُكمَ بطَهارَته، حتى ما لم يُلاقِ الخَلَّ مما فوقه، مما أصابه الخمرُ في غليانه، كمحتَفَرٍ من أرضٍ طَهُرَ ماؤه بمكثٍ، أو بإضافة، أو زوالِ تغيُّره بنفسه، فيطهر هو ومحلُّه؛ تبعًا له. ويدخل في ذلك ما بني في الأرض من الصهاريج [¬٣]، والبحرات. م ص [¬٤] وزيادة.
(^٣) قوله: (إنْ انقلبت خَلًّا بنفسِها) شرطٌ في تطهير الخمرة مع إنائها. أو بنقلها من غير قصد تخليلها مِنْ دنٍّ إلى دَنٍّ، أو من موضع إلى آخر. يحترز بذلك عن قَصدِ تخليلها، فإنها لا تطهر؛ لخبر النهي عن تخليلها [¬٥]. م ص [¬٦] وزيادة.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٩) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٢١٥) [¬٣] الصِّهْريج: حوض يجتمع فيه الماء. «القاموس المحيط»: (صهريج) [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢١٠) [¬٥] يشير إلى حديث أنس، أخرجه مسلم (١٩٨٣/ ١١) [¬٦] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٠٩)
[ ١ / ٢١٧ ]
وإذا خَفِيَ مَوضِعُ النَّجَاسَةِ (^١): غَسَلَ (^٢) حتَّى يَتَيَقَّنَ غَسلَها (^٣).
(^١) قوله: (وإذا خَفِيَ موضعُ النجاسة) في بدن، أو ثوب.
(^٢) قوله: (غَسَلَ) ما احتمل إصابته.
(^٣) قوله: (حتى يَتيقَّنَ غسلَها) ليخرج من العهدة بيقين. فإن جَهِلَ جهتَها من بدنٍ أو ثوب، غسلَه كلَّه، وإن علِمَها في إحدى يديه، أو أحَدِ كُمَّيه، ونسيه، غسلهما. وإن علمها فيما يُدركه بصرُه من بدنه أو ثوبه، غسل ما يدركه منهما. فإن صلَّى قبل ذلك، لم تصح؛ لأنه تيقَّن المانع، فهو كمَن تيقَّن الحدثَ وشكَّ في الطهارة، ولا يلزمُه غسلٌ إن خفيت النجاسة في صحراء ونحوها، كالحوش الواسع، فلا يجبُ غسلُ جميعه؛ لأنه يشقُّ، ويصلِّي فيها بلا تحرٍّ؛ دفعًا للحرج والمشقَّة. فإن كان صغيرًا كالبيت والحوش الصغير، وخفيت فيه النجاسةُ، وأراد الصلاة فيه، لزمه غسله كلَّه، كالثوب. م ص [¬١] وزيادة.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢١١)
[ ١ / ٢١٨ ]
فَصْلٌ
المُسكِرُ المَائِعُ (^١). وكذَا: الحَشيشَةُ (^٢). وما لا يُؤكَلُ مِنْ الطَّيرِ والبَهائِمِ، مِمَّا فَوقَ الهِرِّ خِلْقَةً (^٣):