يُبَاحُ: اتِّخَاذُ كُلِّ إنَاءٍ طاهِرٍ، و: استِعمَالُهُ (^١)، ولو ثَمِينًا (^٢)،
باب الآنية
أعقبه للمياه؛ لأن الماء لا يقوم إلا بها. وبابٌ: بالتنوين، خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره: هذا باب يُذكر فيه أقسامُ الآنية. والباب، لغة: فرجة في ساتر. وفي الاصطلاح: اسم للألفاظِ المخصوصة من حيث دلالتها على المعاني المخصوصة، مشتملة على فصول ومسائل غالبًا. والبابُ ما يُدخل منه إلى المقصود، ويتوصل منه إليه، وهو قسمان: حسيٌّ ومعنويٌّ، فالحسيُّ: كباب الدار والمسجد، وما يدرك بالحواس. والمعنوي: ما ذكره في الاصطلاح.
والآنية: جمع إناء، كالأوعية: جمع وعاء، كسقاء وأسقية. وجمعهما أواني وأواعي. وأصل أوانٍ: أآني، أبدلت الهمزة الثانية واوًا؛ كراهة اجتماع همزتين وطلبًا للتخفيف. فمعناها لغة وعرفًا.: الأوعية، وهي ظرف للماء ونحوه.
(^١) قوله: (واستعمالُه) أي: يباح اتخاذ كلِّ إناءٍ طاهر، ويباح استعمالُه.
(^٢) قوله: (ولو ثمينًا) أي: يباح اتخاذ .. إلخ، ولو كان الإناء الطاهرُ ثمينًا، فهو غاية لقوله: «يباح اتخاذ». أي: غالي الثمن، كجوهر وبلور وياقوت وزمرد. وغيرُ الثمين، كخشب وزجاج وجلود وصفر وحديد؛ وذلك لفقد العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة؛ لأن كثيرًا من الفقراء لا يعرف
[ ١ / ٩٥ ]
إلَّا: آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ (^١)، والمُمَوَّهَ بِهِمَا (^٢). وتَصِحُّ: الطَّهارَةُ (^٣) بها (^٤)، و: بالإنَاءِ المَغصُوبِ.
الجوهر، وإنما يعرفه خواص الناس، ولأنه ليس من النقدين، فجاز استعماله وجعله آنية، ولو زاد ثمنه على ألف مثقال ذهبًا. ويجوز جعلُ فصٍّ من ذهبٍ إذا كان يسيرًا عرفًا. ولا يجوز اتخاذ خاتمٍ من ذهب مطلقًا. دنوشري. [¬١]
(^١) قوله: (إلا آنيةَ الذهبِ والفضَّةِ) مستثنى من قوله: «يباح». فيحرم اتخاذها، واستعمالها، وتحصيلها بشراء أو اتهاب أو غيرهما، وإن لم يقصد استعمالها، على الذكر والأنثى والخنثى بخلاف الحلي، فيباح للأنثى مكلفًا كان أو غيره، بمعنى أن وليَّه يأثم بفعله ذلك له، أو تمكينه منه.
(^٢) قوله: (والمُمَوَّهُ بهما) أي: وإلا المموَّه بهما، فيحرم المموَّهُ بالذهب والفضة. والتمويه؛ بأن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيه الإناء من نحاس ونحوه، فيكتسب من لونه، فيصير في رأي العين كأنه ذهب محض.
ونحو المموَّه المطليُّ؛ وهو أن يُجعل الذهبُ أو الفضةُ كالوَرَقِ، ويُطلى به الإناء. والمطعَّمُ والمُكَفَّتُ، فيحرم ذلك كله.
ويحرم اتخاذ واستعمال آنية من عظم آدمي أو جلده. صوالحي وزيادة [¬٢].
(^٣) قوله: (وتصح الطهارة) وضوءًا أو غسلًا أو غيرهما.
(^٤) قوله: (بها) أي: بآنية الذهب أو الفضة، وتصح الطهارة بإناءٍ محرَّمٍ أو ثمنُه حرام كغصبٍ أو غيره؛ بأن يغترف منه بيده، وكذا تصح به؛ بأن اغترف به
_________________
(١) [¬١] انظر «فتح مولى المواهب» (١/ ١٥٨) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٤٦)
[ ١ / ٩٦ ]
ويُبَاحُ: إنَاءٌ ضُبِّبَ (^١) بِضَبَّةٍ يَسِيرَةٍ، مِنْ الفِضَّةِ، لِغَيرِ زِينَةٍ. وآنِيَةُ الكُفَّارِ (^٢)، وثِيَابُهُم: طَاهِرَةٌ. ولا يَنجُسُ شَيءٌ: بالشَّكِّ (^٣)،
وتوضأ أو اغتسل، وفيه، كما لو غصب حوضًا يسع قلتين فأكثر وملأه ماءً مباحًا، وانغمس فيه بنية رفع الحدث، وإليه؛ بأن جعله مَصَبًّا لماء الوضوء والغسل، كالطست؛ لأن الماء يقع فيه بعد رفع الحدث.
(^١) قوله: (ويباح إناءٌ ضُبِّبَ .. إلخ) ولو وجد غيرها. وفهم من كلامه أن ضبَّة الذهب حرام مطلقًا، وكذا الكبيرة عرفًا من الفضة، ولو لحاجة، وأن التي لغير حاجة حرام، ولو يسيرة من فضة.
(^٢) قوله: (وآنيةُ الكفار) أهل كتاب أو غيرهم، كالمجوس، وعبدة الأوثان، والمرتدين، والزنادقة، والدروز، والتيامنة، والنصيرية، فأواني هؤلاء وثيابهم طاهِرَةٌ مباحَةُ الاستِعمَالِ إن جُهِلَ حالُها؛ وفاقًا لأبي حنيفة.
وفي «الإقناع» [¬١]: تصح الصلاة في ثياب المرضعة والحائض وثياب الصبيان، مع الكراهة، ما لم تعلم نجاستها.
(^٣) قوله: (ولا ينجُسُ شيءٌ بالشَّكِّ) من آنيةِ أو ثيابِ مَنْ لابَسَ النَّجاسَةَ كثيرًا، كمُدمِنِ خمرٍ، وكسَّاح السِّرَابِ [¬٢].
وبدن الكافر، وطعام أهل الكتاب، وماؤهم، وكذا ما صبغوه ونسجوه، طاهرٌ مباح الاستعمال ما لم تعلم نجاسته؛ عملًا باليقين، وطرحًا للشك؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، وحينئذ ذكرها المصنف كالدليل
_________________
(١) [¬١] (١/ ٢٠) [¬٢] الكسح: الكنس. والكساح، بفتح الكاف وتشديد السين من: كسح الكنيف، إذا نزحه وأخرج ما فيه. «معجم لغة الفقهاء» (١/ ٣٨١)، وانظر «لسان العرب» (كسح)
[ ١ / ٩٧ ]
ما لَم تُعلَم (^١) نَجَاسَتُهُ.
وعَظمُ المَيتَةِ (^٢)، وقَرْنُها، وظُفُرُهَا، وحافِرُها، وعَصَبُها، وجِلدُهَا: نَجِسٌ، ولا يَطهُرُ بالدِّبَاغِ (^٣).
والشَّعْرُ (^٤)، والصُّوفُ (^٥)، والرِّيشُ (^٦): طاهِرٌ، إذا كانَ مِنْ مَيتَةٍ (^٧)
لطهارة آنية الكفار، وما عطف عليها.
(^١) قوله: (ما لم تُعلم) أي: تتحقق. أي: توجد وتشاهد.
(^٢) قوله: (وعظمُ الميتة .. إلخ) وكذا لبن الميتة؛ لأنه مائع لاقى وعاءً نجسًا فتنجَّس. هذا ليس مما نحن فيه إلا أن يقال: إنه ترجم لشيء وزاد عليه، وهو ليس بمعيب عندهم، أو أنه ذكره لعدم جواز أن يعمل منه آنية؛ لأن المقام يعيِّن.
(^٣) قوله: (ولا يطهُر بالدِّباغ) أي: ولا يطهر جلدُ ميتة نجُس بموتها، ولا جلد غير مأكولة، بالدبغ، كلحمه.
(^٤) (والشعرُ) من المعز.
(^٥) قوله: (والصوفُ) من الضأن، وكذا الوبر من الإبل.
(^٦) قوله: (والريشُ) من الطائر.
(^٧) قوله: (إذا كان من ميتةٍ) شرط في الخبر أعنى: «طاهر» لأنه خبر عن قوله: «والشعر .. إلخ». فيه: أنه لم تحصل المطابقة بين المبتدأ والخبر في الجمع، إلا أن يقال: طَاهِرٌ كُلٌّ مِنهَا [¬١]، على التَّوزِيعِ.
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «ظاهر كل منهما» والتصويب من (ج)
[ ١ / ٩٨ ]
طاهِرَةٍ في الحَيَاةِ (^١)، ولو غَيرَ (^٢) مأكُولَةٍ، كالهِرِّ والفَأْرِ.
ويُسنَّ: تَغطِيَةُ الآنِيَةِ (^٣)، وإيكَاءُ الأَسقِيَةِ (^٤).
(^١) قوله: (طاهرةٍ في الحياة) لأن ذلك كله لا تُحِلُّه الحياة، فلا يحلُّه الموت.
(^٢) قوله: (ولو غيرَ) بالنصب، خبر كان المحذوفة مع اسمها. والمعنى: والشعر … إلخ، طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة، ولو كانت الميتةُ غيرَ مأكولةٍ.
(^٣) قوله: (ويسنُّ تغطيةُ الآنيةِ) أي: الأوعية، ولو أن يعرِضَ عليها عودًا، ويقول: بسم اللَّه، حين الوضع. ويسن أيضًا إغلاقُ الباب، وإطفاءُ المِصباحِ والجَمرِ عند الرُّقاد.
(^٤) قوله: (وإيكاءُ الأسقيةِ) هذا زائد عما ترجم له، أي: ربطُ فَمِ الأسقيةِ إذا أمسى؛ صونًا لما فيها عن إراقته. والأسقيةُ جمع سِقاء، ككِساء؛ وهي جلدُ السخلة، يكون للماء واللبن، والحكمة في ذلك: حفظهما عما يحصل من الضرر.
ويسنُّ النظرُ في وصيته، ونفضُ فراشه، ووضعُ يده اليمنى تحت خدِّه الأيمن، ويجعل وجهه نحو القبلة على جنبه الأيمن، مع ذكر اسم اللَّه فيهن.
ويكره نومُه على بطنه، وعلى قفاه إن خاف انكشاف عورته، وبعد الفجر والعصر، وتحت السماء مجرَّدًا، وبين قومٍ مستيقظين، ونومُه وحدَه كسفرِه وحدَه، وجلوسٌ بين شمسٍ وظلٍّ، وركوبُ بحرٍ عند هيجانه، وخروجٌ ليلًا إلى ضَجَّةٍ.
[ ١ / ٩٩ ]