بابُ الأذانِ والإقامَةِ
الأذان لغةً: الإعلامُ. وشرعًا: إعلامٌ بدخولِ وقتِ صلاةٍ، أو قُربِه لفجرٍ، بذكرٍ مخصوص.
واختُلف في السنة التي شُرع فيها الأذان. رجَّح الحافظُ ابنُ حَجَر كونَه في السنة الأولى من الهجرة.
والإقامة لغةً: مصدر أقام. وشرعًا: إعلامٌ بالقيامِ إلى الصلاة بذكرٍ مخصوص. جاء في الحديث: «المؤذنون أطولُ الناسِ أعناقًا يوم القيامة». رواه مسلم [¬١]. والأذان أفضل من الإقامَةِ؛ لأن الأذان أكثرُ ألفاظًا.
ولحديثِ أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه مرفوعًا: «الإمام ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتَمَنٌ، اللهم أرشِدِ الأئمةَ، واغفرْ للمؤذنين». رواه أحمد [¬٢]. والأمانةُ أعلى من الضمان، والمغفرةُ أعلى من الإرشاد.
وإنَّما لم يتولَّ النبيُّ ﷺ وخلفاؤه من بعده الأذانَ؛ لضيق وقتهم. ويشهد لفضل الأذان الحديثُ المتقدم.
والأصل في مشروعيته ما رَوَى أنَسٌ قال: لما كثُرَ الناسُ، ذكروا أن يُعَلِّمُوا وَقتَ الصلاةِ بشيءٍ يعرِفونَه، فذكروا أن يوقدوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمر
_________________
(١) [¬١] أخرجه مسلم (٣٨٧/ ١٤) من حديث معاوية [¬٢] أخرجه أحمد (١٢/ ٨٩) (٧١٦٩). وصححه الألباني في «الإرواء» (٢١٧)
[ ١ / ٢٤٩ ]
وهُمَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ (^١)، في الحَضَرِ (^٢)، على الرِّجَالِ (^٣)، الأَحرَارِ (^٤).
بلالٌ أن يشفعَ الأذانَ، ويوترَ الإقامة. متفق عليه [¬١]. م ص [¬٢] وإيضاح.
(^١) قوله: (وهُمَا فرضُ كِفايةٍ) أي: الأذانُ والإقامةُ فرضُ كفايةٍ للصلوات الخمس المؤدَّاة، والجمعة. قال في «المنتهى» [¬٣]: ويقاتلُ أهلُ بلدٍ تركوهما.
لا يقال: إن المصنِّف تركَ المطابقةَ بين المبتدأ والخبر، مع أنَّهُ يُشتَرَطُ بينهما المطابقة عربيةً، في الإفرادِ والتثنيةِ والجمعِ وغيرِ ذلك؛ لأنا نقولُ: إما لأنَّهما في المعنى شيءٌ واحدٌ يُدعى به للصَّلاة، أو على حذفِ مضافٍ تقديرُه: فعلُهما أي: فعلُ كلٍّ منهما فرضُ كفاية، أو أن قولَه: فرضٌ. من قبيلِ المصدر، وهو لا يُشترطُ فيه المطابقةُ بين المبتدأ والخبر. عثمان [¬٤] بإيضاح.
(^٢) قوله: (في الحضَرِ) أي: المقيمين بقرى وأمصار. والجارُ والمجرورُ متعلِّق بكلٍّ من الأذانِ والإقامة.
(^٣) قوله: (على الرِّجالِ) اثنين فأكثر، لا الواحد، ولا النساء والخناثَى. م ص [¬٥].
(^٤) قوله: (الأحرَارِ) صفة للرجال. لا الأرقاء والمبعَّضين؛ لأن فرض الكفاية لا
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٠٦)، ومسلم (٣٧٨) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٥٦، ٢٥٧) [¬٣] (١/ ١٤٠) [¬٤] «حاشية المنتهى» (١/ ١٣٩) [¬٥] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٥٩)
[ ١ / ٢٥٠ ]
ويُسَنَّانِ: لِلمُنفَرِدِ (^١)، وفي السَّفَرِ (^٢). ويُكرَهَانِ: للنِّسَاءِ (^٣)، ولَو بِلا رَفعِ صَوتٍ (^٤).
يلزم رقيقًا؛ لاشتغالهم بخدمة مُلَّاكِهم في الجملة أي: في بعض الصور وإلا فالظاهر: وجوبُ نحوِ ردِّ سلامٍ، وتغسيلِ ميِّتٍ، وصلاةٍ عليه، على رقيقٍ لم يوجد غيرُه. وقد صرحوا بتعينِ أخذِ اللقيطِ عليه، إذا لم يوجد غيرُه. م ص [¬١] بإيضاح.
(^١) قوله: (ويُسنَّانِ للمنفَرِدِ) أي: الأذان والإقامة.
(^٢) قوله: (وفي السَّفر) أي: ويسنَّان في السفَرِ أيضًا، ويسنان أيضًا لمقضيَّةٍ. ينبغي أن لا يرفع صوتَه في الأذان للمقضيَّة إن خافَ تلبيسًا، وكذا في غيرِ وقتِ الأذان، وكذا في بيته البعيدِ عن المسجد، بل يُكره؛ لئلا يضيعَ من يقصد [¬٢] المسجد. ويُشرعان للجماعة الثانية في غيرِ الجوامعِ الكبار. قاله أبو المعالي. دنوشري.
(^٣) قوله: (ويُكرهَانِ للنِّساء) والخناثى؛ لأنهما وظيفةُ الرجالِ، ففيه نوعُ التشبُّهِ بهم. م ص [¬٣].
(^٤) قوله: (ولو بلا رفعِ صوتٍ) أي: ولو كان الأذانُ والإقامةُ منهما بلا رفعِ صوتٍ؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةَ يُشرعُ لهما رفعُ الصَّوت، والمطلوبُ من النِّساء خَفْضُ أصواتِهن، ولا يؤمنُ منهنَّ رفعُ صوتِهن بالأذان، ويُلحق بهنَّ الخَنَاثى. دنوشري.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٥٩) [¬٢] سقطت: «يقصد» من النسختين. والتصويب من «كشاف القناع» (٢/ ٣٩) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٠)
[ ١ / ٢٥١ ]
ولا يَصِحَّانِ (^١): إلَّا مُرَتَّبَينِ (^٢). مَتُوَالِيَينِ عُرْفًا (^٣). وأنْ يَكُونَا مِنْ وَاحِدٍ (^٤)
(^١) قوله: (ولا يصحَّان) أي: الأذان والإقامة، فيشترط لهما ثلاثة شروط.
(^٢) قوله: (إلا مرتَّبين) لأنه ذِكرٌ يُعتدُّ به، فلم يجُزِ الإخلالُ بنظمِه، كأركان الصلاة؛ بأن يأتي بالتكبير قبلَ الشهادتين، ويأتي بالشهادتين قبل «حي على الصلاة» وهلُمَّ جرا .. إلى آخر كلماتِ الأذانِ، فإن نكَّسه؛ بأن عَكَسَ الترتيبَ، لم يصحَّ. م ص [¬١] بإيضاح.
(^٣) قوله: (متواليينِ عُرفًا) ليحصلَ الإعلامُ؛ ولأنَّ مشروعيتهما كانت كذلك. فإن تكلَّم في أثناء أذانِه وإقامته بكلام محرَّم، كقذف، وغيبةٍ، بَطَلَا؛ لأنه فَعَلَ محرَّمًا فيهما، فكما لو ارتدَّ في أثنائهما، لا بعدهما. ولا بجنونِه إن أفاقَ سريعًا وأتمَّهما. أو سكتَ سكوتًا طويلًا، بطلا؛ للإخلالِ بالموالاةِ، وكذا إن أُغمي عليه، أو نامَ طويلًا، فيستأنفُهما. ولا تعتبرُ الموالاةُ بين الإقامةِ والصلاةِ، ويجوزُ الكلامُ بين الأذانِ والإقامةِ، وبعدَ الإقامةِ قبلَ الصلاةِ. «منتهى وشرحه الصغير». [¬٢]
(^٤) قوله: (وأن يكونَا من واحدٍ) أي: لا يصحُّ إلا أن يكون الأذان من شخصٍ واحدٍ، فلو أذَّن واحدٌ بعضَه، وكمَّله آخرُ، لم يصحَّ، وكذلكَ الإقامةُ، فلا تصحُّ إلا من شخصٍ واحدٍ قال في «الإقناع» [¬٣]: ولو لعذر؛ بأن مات، أو جُنَّ، ونحوه مَنْ شرَع في الأذان، أو الإقامة، فكمَّله الثاني. ففي كلام
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٩) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٩) [¬٣] (١/ ١٢١)
[ ١ / ٢٥٢ ]
بِنِيَّةٍ مِنهُ (^١).
وشُرِطَ (^٢): كَونُهُ مُسلِمًا (^٣)، ذَكَرًا (^٤)، عاقِلًا (^٥)، مُمَيِّزًا (^٦)،
المصنف حذفٌ تقديره: وأن يكون الأذانُ من واحد، والإقامة من واحدٍ آخرَ [¬١]، بدليلِ قوله أيضًا: «ويُسنُّ أن يتولى الأذان والإقامة واحد». م ص [¬٢] وزيادة.
(^١) قوله: (بنيَّةٍ مِنه) أي: ولا يصحُّ أيضًا إلا بنيَّةٍ من الشخصِ الواحدِ؛ المؤذن والمقيم؛ لحديث: «إنما الأعمالُ بالنيات» [¬٣].
(^٢) قوله: (وشُرِطَ) بالبناء للمفعول، في حقِّ المؤذِّنِ والمقيمِ؛ ستةُ شروطٍ.
(^٣) قوله: (كونُه مُسلِمًا) أحدها: كونُه مُسلِمًا؛ لكونها قربةً يشترط لها النية، وهي لا تصحُّ من الكافر.
(^٤) قوله: (ذكرًا) الشرطُ الثاني: كونه ذكرًا، فلا يعتدُّ بأذان امرأة؛ وفاقًا، ولا خُنثى، ولا يصحُّ؛ لأنه منهيٌّ عنه، كالحكاية.
(^٥) قوله: (عاقلًا) الشرطُ الثالثُ: كونه عاقلًا، فلا يصحُّ من مجنونٍ؛ لأنه لا قصد له، فعبادتُه كلُّها غيرُ صحيحة. دنوشري.
(^٦) قوله: (مميِّزًا) الشرطُ الرابعُ: كونُه مميِّزًا، فيُجزئُ أذانُه لبالغين؛ لصحَّةِ صلاتِه، كالبالغ. قال شيخنا عثمان [¬٤]: وفي «الاختيارات»: أن الأذان الذي يَسقُطُ به فرضُ الكفاية لا بد أن يكون من بالغٍ، حتى يُرجع إلى خَبَرِه. اه.
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «أن يكون الأذان والإقامة من واحد والإقامة من واحد آخر» [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧٠) [¬٣] تقدم تخريجه [¬٤] «هداية الراغب» (٢/ ٤٤)
[ ١ / ٢٥٣ ]
ناطِقًا (^١)، عَدْلًا (^٢)، ولَو ظاهِرًا (^٣).
ولا يَصِحَّانِ: قَبلَ الوَقتِ (^٤)، إلَّا: أذَانَ الفَجْرِ، فَيَصِحُّ بَعدَ نِصفِ اللَّيلِ (^٥).
فلا يصحُّ ممن هو دون التمييز، والبلوغُ ليس بشرطٍ فيهِما، ويُلغزُ به فيقالُ: ما تقولُ في شخصٍ صحَّ أذانُه ولم تصحَّ إمامتُه؟ وهو المميِّز.
(^١) قوله: (ناطقًا) الشرطُ الخامسُ: كونُه ناطقًا، فلا يصحُّ من أخرس.
(^٢) قوله: (عدلًا) الشرطُ السادسُ: كونه عدلًا، فلا يعتدُّ بأذانِ فاسقٍ؛ لأنه ﵊ وصفَ المؤذنين بالأمانة، والفاسقُ غيرُ أمينٍ، وهذا في ظاهرِ الفسقِ، وأما مستورُ الحال، فيصحُّ أذانُه، قال في «الشرح»: بغير خلافٍ علمناهُ. م ص. [¬١]
(^٣) قوله: (ولو ظاهرًا) أي: ويكفي ولو كان ظاهرَ العدالةِ.
(^٤) قوله: (ولا يصحَّانِ) أي: الأذانُ والإقامةُ (قبلَ الوقتِ) لأنهما شُرعا للإعلام بدخولِ الوقت، وحثٍّ على الصلاة المؤدَّاة في وقتها، فلا يصحان في وقتٍ لا تصحُّ فيه. دنوشري.
(^٥) قوله: (إلا أذانَ الفجرِ، فيصحُّ بعدَ نصفِ اللَّيل) وفاقًا لمالك والشافعي؛ لقوله ﷺ: «إن بلالًا يؤذنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتوم». متفق عليه [¬٢].
وإنما جاز الأذان للفجر قبل دخولِ وقتِه؛ لأنه يدخلُ على النَّاس، وفيهم
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧٠) [¬٢] أخرجه البخاري (٦١٧، ٦٢٠، ٦٢٢، ٦٢٣)، ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر
[ ١ / ٢٥٤ ]
ورَفعُ الصَّوتِ: رُكنٌ (^١)، ما لَم يُؤذِّن لِحَاضِرٍ (^٢).
وسُنَّ كَونُهُ: صَيِّتًا (^٣)، أَمِينًا (^٤)، عالِمًا بالوَقتِ (^٥)،
الجُنُبُ والنائمُ، فاستُحبَّ تقديمُ أذانِه حتى يتهيئوا لها، فيدركوا فضيلةَ أوَّلِ الوقت. ويُستَحبُّ لمن يؤذن قبل الفجر أن يكونَ معه من يؤذِّن في الوقتِ، وأن [¬١] يتخذ ذلكَ عادةً؛ لئلا يغرَّ الناسَ. م ص. [¬٢]
(^١) قوله: (ورفعُ الصَّوتِ ركنٌ) أي: ورفعُ الصَّوتِ بالأذانِ للمؤذِّن ركنٌ؛ ليحصُلَ السماعُ المقصودُ للإعلام. صوالحي [¬٣].
(^٢) قوله: (ما لم يؤذِّن لحاضِر) فإن أذَّن المؤذنُ لحاضرٍ، فيؤذنُ بقدرِ ما يُسمعُه، وإن رَفَعَ صوتَه أفضل.
(^٣) قوله: (وسُنَّ كونُه صيِّتًا) بالبناء للمفعول. كونُ المؤذِّن صيتًا، أي: رفيعَ الصوت؛ لأنه أبلغُ في الإعلام المقصودِ من الأذان. زاد في «المغني» وغيرِه: وأن يكون حَسَنَ الصوتِ؛ لأنه أرقُّ لسامعيه. انتهى. م ص. [¬٤]
(^٤) قوله: (أمينًا) أي: وسُنَّ كونُه أمينًا، أي: زائدَ العدالة؛ ليؤمَنَ على الأوقاتِ، ونساءِ الجيران، ولقوله ﵇: «أمناءُ الناسِ على صلاتِهم وسُحورِهم المؤذِّنون» [¬٥]. دنوشري.
(^٥) قوله: (عالمًا بالوَقتِ) أي: وسُنَّ كونُه عالمًا بالوقت، لا يؤذِّن في أوَّله؛
_________________
(١) [¬١] في النسختين: «لأن» [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧١) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٢٣٧) [¬٤] «الروض المربع» (١/ ٤٣٥) «حاشية» [¬٥] أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٦) من حديث أبي محذورة، وحسنه الألباني في «الإرواء» (٢٢١)
[ ١ / ٢٥٥ ]
مُتَطَهِّرًا (^١)، قائِمًا فِيهِمَا (^٢). لكِنْ لا يُكرَهُ: أذَانُ المُحْدِثِ (^٣)، بَلْ: إقامَتُهُ (^٤).
وليؤمَنَ خطؤُه. ويصحُّ أذانُ الجاهلِ بهِ إذا قلَّد عالِمًا. انتهى. حفيد.
(^١) قوله: (متطهرًا) أي: وسُنَّ كونه متطهرًا من الحدثَين، وكذا من نجاسةِ ثوبٍ وبدنٍ. «رعاية».
(^٢) قوله: (قائمًا فيهِمَا) أي: وسُنَّ كونُه قائمًا في الأذان والإقامة؛ لقوله ﵇ لبلال: «قُم فأذِّن» [¬١]. فيُكرهان من قاعدٍ، لغير مسافرٍ ومعذورٍ؛ لمخالفةِ السنة، وكذا راكبًا، وماشيًا، ومضطجعًا. وصَحَّا من نحوِ قاعدٍ؛ لأنهما ليسا بآكدَ من الخطبة. م ص [¬٢] وزيادة.
(^٣) قوله: (لكنْ لا يُكرَهُ أذانُ المحدِثِ) استدراك من قوله: «متطهرًا». دَفَعَ به ما يُتوهَّم ثبوتُه، يعني: لا يُكره أذانُ المحدِثُ حَدَثًا أصغرَ، بخلاف أذان الجنب، فإنه يكره، نصًّا. والفرق بين كراهةِ أذانِ الجُنُبِ وعدَمِ كراهةِ أذانِ المُحدِثِ؛ أنَّ للأذانِ شَبَهًا بالصلاة من حيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُشترَطُ له دخولُ الوَقتِ، واستقبالُ القِبلةِ، وشَبَهًا بغيرِها من حيثُ الحقيقةُ، فتشترطُ الطهارةُ عن أغلظِ الحدثين دون أخفِّهما؛ عملًا بالشَّبَهَين.
(^٤) قوله: (بل إقامتُه) إضرابٌ إبطاليٌّ. يعني: تكره إقامةُ المحدِثِ حدثًا أصغر، أو أكبر؛ لما فيه من الدعاءِ إلى ما لا يجيب بِنفسِه، وللفصلِ بين الإقامةِ والصَّلاةِ بالوضوء، ولأن الإقامةَ آكدُ من الأذان؛ لأنها أقربُ إلى الصلاة.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٥٩٥) من حديث أبي قتادة [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٦)
[ ١ / ٢٥٦ ]
ويُسَنُّ: الأَذَانُ أَوَّلَ الوَقتِ (^١). والتَّرَسُّلُ فِيهِ (^٢). وأنْ يَكُونَ علَى عُلُوٍّ (^٣). رافِعًا وَجْهَهَ (^٤). جاعِلًا سَبَّابَتَيهِ في أُذُنَيهِ (^٥). مُستَقْبِلَ القِبلَةِ (^٦).
صوالحي وزيادة [¬١].
(^١) قوله: (ويُسنُّ الأذانُ أوَّلَ الوقتِ) أي: يُسنُّ الأذانُ في أوَّلِ الوقتِ؛ ليصلي المتعجِّل. وظاهره: أنه يجوزُ مطلقًا ما دامَ الوقتُ. ويتوجَّه: سقوطُ مشروعيتِه بفعلِ الصلاة. ذكره في «المبدع» م ص. [¬٢]
(^٢) قوله: (والترسُّلُ فيه) أي: ويُسنُّ الترسُّلُ في الأذان؛ بأن يتمهَّل فيه، ويتأنى. من قولهم: جاء على رِسله، بكسر الراء، أي: تؤدةٌ وتمهُّلٌ؛ بأن يفصِلَ بين كلِّ كلمتين بسكتة. م ص. [¬٣]
(^٣) قوله: (وأن يكونَ على علوٍّ) أي: ويُسنُّ أن يكون الأذانُ والإقامةُ على علوٍّ، أي: موضعٍ عالٍ، كمنارَةٍ؛ لأنه أبلغُ في الإعلام. م ص. [¬٤]
(^٤) قوله: (رافعًا وجهَهُ) أي: ويُسنُّ أن يكونَ المؤذِّنُ والمقيمُ رافعًا وجهَهُ إلى السماء في أذانِه كلِّه.
(^٥) قوله: (جاعلًا سبَّابتيه في أُذنيه) لأمره ﷺ لبلال: «أن يضع إصبعيه في أذنيه» [¬٥].
(^٦) قوله: (مُستقبِلَ القِبلةِ) ويُسَنُّ أيضًا أن يكون مستقبلَ القبلةِ؛ لفعل مؤذني
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٢٣٨) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٥) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٥) [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٧) [¬٥] أخرجه ابن ماجه (٧١٠) وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢٣١)
[ ١ / ٢٥٧ ]
يَلتَفِتُ (^١) يَمِينًا ل: «حَيَّ علَى الصَّلاةِ»، وشِمَالًا ل: «حَيَّ على الفَلاحِ (^٢)» ولا يُزِيلُ قَدَمَيهِ (^٣)، ما لَمْ يَكُنْ بِمَنَارَةٍ (^٤). وأنْ يَقُولَ بَعدَ حَيعَلَةِ أذَانِ
رسول اللَّه ﷺ، فإن أخلَّ به، صح وكره؛ لأن القبلة أشرفُ الجهات. م ص [¬١] بإيضاح.
(^١) قوله: (يلتفتُ) برأسِه وعنقِه وصدرِه في الأذان فقط؛ بأن يقولَ يمينًا: «حي على الصلاة» مرتين، ويسارًا: «حي على الفلاح» مرتين. دنوشري.
(^٢) قوله: (يمينًا لحَيَّ على الصلاةِ وشمالًا لحَيَّ على الفلاح) ومعنى حَيَّ: أقبِلوا وتعالَوا. والفلاحُ: الفوزُ والرضا والبقاء؛ لأن المصلي يدخلُ الجنَّةَ إن شاء اللَّه تعالى، فيبقى فيها ويخلُدُ. وقيل: هو الرُّشدُ والخيرُ، وطالبُهما مُفلِحٌ؛ لأنه يصيرُ إلى الفلاح، ومعناه: هلمُّوا إلى سبب ذلك. وختم ب «لا إله إلا اللَّه» كما بدأ به؛ ليختِمَ بالتوحيد، وباسم اللَّه تعالى. وشُرعت «لا إله إلا اللَّه» مرةً واحدةً؛ إشارة إلى وحدانيةِ المعبودِ ﷾. دنوشري.
(^٣) قوله: (ولا يُزيلُ قدمَيه) من موضعِ أذانه إلى حين فراغِه. وأن لا يستندَ، سواءٌ أذَّن على منارةٍ أو غيرِها، أو على الأرض. قال في «الإنصاف»: وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وجزمَ به أكثرُهم. دنوشري.
(^٤) قوله: (ما لمْ يكنْ بمنارَةٍ) فيحتاجُ ذلكَ؛ لأجل التبليغ. تَبِعَ في ذلك القاضيَ، والمجدَ، وجمعًا [¬٢]. قال في «الإنصاف» [¬٣]: وهو الصواب؛
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٨) [¬٢] في النسختين: «وجع» [¬٣] (٣/ ٧٧)
[ ١ / ٢٥٨ ]
الفَجْرِ: «الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ (^١)»، مَرَّتَينِ، ويُسمَّى: التَّثْوِيبَ (^٢).
لأنه أبلغ في الإعلام. وعبارة «المنتهى» [¬١] وغيره: ولا يزيلُ قدميه. قال الشيخ [¬٢]: وسواءٌ كان على منارة، أو غيرها.
(^١) قوله: (وأن يقولَ بعدَ حيعلةِ أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّومِ) وظاهره: ولو قبل طلوعِه؛ لأنه وقتٌ ينامُ الناسُ فيه غالبًا. ويُكرَهُ في غيرِ أذانِ فجرٍ، وبينَ أذانٍ وإقامة.
وقال الدنوشري: قلتُ: وظاهرُ قولِ الأصحابِ: «بعد حيعلة أذان الفجر» أنه لا يقولُه للأذان الأوَّل الذي قَبلَ الفَجْرِ. انتهى.
ومعنى «حيعَلَة»: حكايةٌ عن حَيَّ على الصلاة، حي على الفلاح. و«حَسْبَلَ»: قولُ: حسبُنا اللَّهُ ونِعمَ الوكيل. و«سَبْحَلَ»: قولُ: سبحانَ اللَّهِ. و«حَوْقَلَ»: قول: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه. و«بَسْمَلَ»: قول: بسم اللَّه.
(^٢) قوله: (ويُسَمَّى التثويبَ) أي: ويُسمَّى قولُ المؤذن: «الصلاةُ خيرٌ منَ النَّوم»: التثويب. من ثابَ، إذا رَجَعَ؛ لأن المؤذن دعَا إلى الصلاةِ بالحيعلَتين، ثم عاد [¬٣] إليها بالتثويب؛ لأن معناه لغةً: العودُ، ومنه: المثابة ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ [البَقَرَة: ١٢٥]. لأن الناس يعودون إليه. وسُمِّيت المرأةُ: ثيبًا؛ لأنها ترجِعُ إلى أهلها بوجهٍ غيرِ الأول. وهو هنا: العودُ إلى الإعلام، بعدَ الإعلامِ الأول، كما نبَّه عليه في «شرح المنتهى الصغير» [¬٤].
_________________
(١) [¬١] (١/ ١٤٤) [¬٢] هو الشيخ منصور في شرحه «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٨) [¬٣] في الأصل: «دعا» [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٦)
[ ١ / ٢٥٩ ]
ويُسنُّ: أن يَتَوَلَّى الأذَانَ والإقامَةَ واحِدٌ (^١)، ما لم يَشُقَّ (^٢).
وحكمةُ ذلك: ظهورُ التواني في الأمورِ الدينيةِ، وقلَّما يقومون عندَ سَماعِ الأذان، فيزيدُ؛ للمبالغةِ في الإعلام لجميع الناس، لا يختص به أحد.
وقد يكون المثوِّبُ هو المؤذن. كما أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقولَ لمن فوقَه في العلمِ والجاهِ: حان وقتُ الصلاةِ سِوَى المؤذن؛ لأنه استفضالٌ لنفسِه. انتهى. م ص [¬١] وزيادة.
(^١) قوله: (ويُسنُّ أن يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ) أي: رجلٌ واحدٌ، فيسن أن يتولى الإقامة من يتولَّى الأذان؛ لأنهما ذِكْرانِ يتقدمان الصلاة، فيسنُّ أن يتولَّاهما واحدٌ، كالخطبتين. بمحلٍّ واحدٍ؛ بأن يقيمَ بالموضِعِ الذي أذَّن فيه؛ لقولِ بلالٍ للنبي ﷺ: لا تسبقني بآمين [¬٢]. لأنه لو كان يقيمُ بالمسجدِ، لما خافَ أن يسبقَه بها. كذا استنبطه الإمام أحمد، واحتجَّ به. م ص [¬٣] وزيادة.
(^٢) قوله: (ما لم يَشُقَّ) ذلك على المؤذن، كمن أذَّن في منارَةٍ، أو مكانٍ بعيدٍ عن المسجِدِ، فيقيمُ فيه، أو يقيمُ في غير موضعِ الأذان، فيؤذِّن بالمنارة، ويقيمُ أسفَلَ. قال صاحب «المنتهى» في «شرحه» [¬٤]: قُلْتُ: وهو الصواب، وعليه العمل في جميع الأمصار والأعصار. انتهى.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٦) [¬٢] أخرجه أحمد (٣٩/ ٣١٥) (٢٣٨٨٣)، وأبو داود (٩٣٧) مرسلًا. ورجح أبو حاتم والدارقطني وغيرهما إرسالَه. انظر «علل ابن أبي حاتم» (١/ ١١٦) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٨) [¬٤] «معونة أولي النهى» (١/ ٤٧٦)
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومَن جَمَعَ (^١)، أو قَضَى فَوَائِتَ (^٢): أذَّنَ لِلأُوْلَى (^٣)، وأقَامَ لِلكُلِّ (^٤).
وسُنَّ لِمَنْ سَمِعَ المُؤَذِّنَ، أو المُقِيمَ: أنْ يَقُولَ مِثلَهُ (^٥)،
لكن لا يقيمُ إلا بإذنِ الإمام. ولا تُعتبرُ الموالاةُ بين الإقامةِ والصلاةِ إن أقامَ عندَ إرادَةِ الدُّخولِ فيها. ويجوز الكلام بعد الإقامة قبل الدخول فيها. أفاده م ص [¬١].
(^١) قوله: (ومَن جَمَعَ) أي: أرادَ الجمعَ بين صلاتين؛ لعذرٍ، أذَّن للأُولى، وأقامَ لكلٍّ منهما، سواءٌ كان جمعَ تقديمٍ، أو تأخيرٍ؛ لأن ما بعدَ الأولى من المجموعتين، أو الفوائت، أُذِّن لمماثلتها، فلم يُشرع لها أذان. دنوشري وزيادة.
(^٢) قوله: (أو قَضَى فوائتَ) أي: أو قضى صلاةَ فرائضَ كانت فوائتَ عليه.
(^٣) قوله: (أذَّن للأُولى) من المجموعتين، أو الفوائت.
(^٤) قوله: (وأقامَ للكلِّ) أي: لكلِّ صلاةٍ صلَّاها من المجموعتين، أو الفوائت. قال في «المبدع» [¬٢]: جزم به أكثر الأصحاب.
وإن كانت واحدة، أذَّن لها وأقام، ثم إن خافَ تلبيسًا مِنْ رفع صوتِه، أسرَّ، وإلَّا جَهَرَ، فلو ترك الأذان لها، فلا بأس. وعنه: يكفي إقامةٌ واحدةٌ للكلِّ، كالأذان. دنوشري.
(^٥) قوله: (وسُنَّ لمن سَمِعَ المؤذنَ أو المقيمَ أن يقولَ مثلَه) أي: يقول السامعُ سرًّا مثلَ ما يقولُ المؤذِّن والمقيمُ. وتكونُ متابعةُ الإجابةِ عَقِبَ كلِّ جُملةٍ، فلا تقارِن، ولا تتأخر. ولو في طوافٍ، أو قراءةٍ. ويقضيه مصلٍّ ومُتَخَلٍّ.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦٩) [¬٢] (١/ ٣٢٦)
[ ١ / ٢٦١ ]
إلَّا في الحَيعَلَةِ، فيَقُولُ: «لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلَّا باللَّه (^١)»، وفي التَّثوِيبِ: «صَدَقتَ وبَرِرْتَ (^٢)»،
(^١) قوله: (إلا في الحيعَلَةِ فيقولُ: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه) أي: فيقول من سَمِعَ المؤذِّنَ أو المقيمَ. زاد بعضُهم: «العليِّ العظِيم» وتبعه في «المبدع» [¬١] متمسكًا بما في «المسند» [¬٢].
قال بعضهم: ومعنى «لا حول ولا قوة إلا باللَّه» إظهارُه العجزَ، والافتقارَ، وطلبُ المعونةِ من اللَّه ﷾ في كلِّ الأمورِ، وهو حقيقةُ العبوديَّةِ. وقال الهيثم: أصلُ «لا حول»: من حالَ الشيءُ، إذا تحرَّك، يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا باللَّه.
وقال ابن مسعود: معناه: لا حول عن معصيةِ اللَّه إلا بعصمة اللَّه، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته [¬٣]. قال الخطابي: هذا أحسنُ ما جاءَ فيه. وعبَّر عنها الأزهريُّ بالحوقلة؛ على أخذ الحاء من «حول» والقاف من «قوة»، واللام من اسم اللَّه تعالى.
(^٢) قوله: (وفي التَّثويبِ صدقتَ وبررتَ) أي: وإلَّا في التثويبِ، فيقولُ السامعُ: صدقتَ وبررتَ [¬٤]، بكسر الراءِ الأولى، وحُكي فتحُها، أي: صِرتَ ذا برٍّ، أي: خيرٍ كثيرٍ.
_________________
(١) [¬١] (١/ ٣٣٠) [¬٢] لم أجده في «المسند». وانظر «زاد المعاد» (٢/ ٣٩١) [¬٣] أخرجه البزار (١٧٦٧)، والبيهقي في «الشعب» (٦٦٤، ٦٦٥) مرفوعًا. وانظر «الضعيفة» (٣٣٥٥) [¬٤] انظر «التلخيص الحبير» (١/ ٥١٩)، «والجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث» (ص ١٢٣)
[ ١ / ٢٦٢ ]
وفي لَفظِ الإقامَةِ: «أقامَها اللَّهُ وأدَامَها (^١)»، ثُمَّ يُصَلِّي علَى النَّبِيِّ ﷺ إذا فَرَغَ (^٢)، ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ (^٣)، والصَّلاةِ القَائِمَةِ (^٤)،
(^١) قوله: (وفي لفظِ الإقامةِ: أقامَها اللَّهُ وأدامها) أي: وإلَّا في لفظ الإقامة، وهو قول المقيم: قد قامت الصلاةُ. فيقولُ هو وسامعُه: أقامَها اللَّهُ وأدامَها [¬١]. م ص. [¬٢]
(^٢) قوله: (ثمَّ يصلِّي على النبي ﷺ إذا فرغَ) أي: يصلِّي المؤذِّنُ وسامعُه بعدَ فراغِه من الأذان والإقامة. وفي «الرعاية»: يرفعُ بصرَه إلى السماءِ، ويدعو بما ورد، ويقولُ: اللهم … إلخ. دنوشري.
(^٣) قوله: (اللَّهم ربَّ هذِهِ الدَّعوةِ التامَّةِ) بفتح الدال المهملة، أي: دعوةِ الأذان. سُميت تامَّة؛ لكمالِها، وعِظَم موقِعها، وسلامتِها من نَقصٍ يتطرقُ إليها؛ ولأنها ذِكرُ اللَّه تعالى إلى طاعته. وهذه الأمورُ الأخرويَّةُ هي التي تستحقُّ صفةَ التَّمامِ والكمالِ، وما سواه من أمورِ الدُّنيا، فإنه معرَّضٌ للنَّقصِ والفسادِ. وكان الإمامُ نفعنا اللَّه به [¬٣] في الدِّين والدنيا والآخرة يستدلُّ بهذا على أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق. قال: لأنه ما من مخلوقٍ إلا وفيه نقصٌ. دنوشري وزيادة.
(^٤) قوله: (والصلاةِ القائمةِ) أي: التي ستقومُ، وتُفعَل بصفاتِها.
_________________
(١) [¬١] لحديث أخرجه أبو داود (٥٢٨) عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ مرفوعًا. وضعفه الألباني [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧٤) [¬٣] أي: بعلمه
[ ١ / ٢٦٣ ]
آتِ (^١) مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ (^٢)، وابعَثهُ مَقَامًا مَحمُودًا الذي وَعَدْتَهَ (^٣)»،
(^١) قوله: (آتِ) بمدِّ الهمزةِ وكسرِ التاء. فعلُ دعاءٍ، مبنيٌّ على حَذفِ الياء، معناه: أعط. ع. [¬١]
(^٢) قوله: (محمَّدًا الوسيلَةَ) هي أعلى منزلةٍ في الجنَّة، وهي منزلةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ودارُه، وهي أقربُ أمكنةِ الجنَّة إلى العرش.
وأما «الفضيلَةُ»: فهي الرتبةُ الزائدةُ على سائرِ الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلةً أخرى، أو تفسيرًا للوسيلةِ. ذكره في «المواهب» ملخصًا. وأما: «الدرجة الرفيعة» المدرجُ فيما يُقال بعد الأذان، فلم أرَهُ في شيءٍ من الروايات. كذا قاله السخاوي في «المقاصد»، واللَّه أعلم. اه. شيخنا عثمان. [¬٢]
(^٣) قوله: (وابعثهُ مقامًا مَحمودًا الذي وعدتَه) قال الشيخ منصور على «المنتهى» [¬٣]: المقامُ المحمودُ: هو الشفاعةُ العُظمى في موقفِ القيامة؛ لأنه يحمدُه فيه الأوَّلون والآخِرون. والحكمةُ في سؤالِ ذلك مع كونِه متحقق الوقوعِ بوعد اللَّه تعالى، إظهارُ كرامتِه، وعِظمُ منزلتِه. وقد وقع في الحديث مُنَكَّرًا؛ تأدبًا مع القرآن. فقوله: «الذي وعدته» نُصِبَ على البدلية، أو على إضمار فعلٍ، أو رُفِعَ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف. انتهى.
قوله: لأنه يحمدُه. تعليلُ المحذوفِ، تقديرُه: لِمَ وصفَ المقام:
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (٢/ ٥٢) [¬٢] «حاشية المنتهى» (١/ ١٤٧) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧٥)
[ ١ / ٢٦٤ ]
ثُمَّ يَدعُو هُنَا (^١)،
بالمحمود؟ لأنه … إلخ. قوله: الأولون والآخِرون. حين يشفعُ لهم. وقوله: وقد وقع في الحديث مُنَكَّرًا، أي: مقامًا محمودًا. قال ابن القيم [¬١]: الذي وقع في «صحيح البخاري» [¬٢] وأكثرِ الكتبِ بالتنكير، وهو الصحيح؛ لأمور: أحدُها: اتفاقُ الرواةِ عليه. الثاني: موافقةُ القرآن. الثالث: أنَّ لفظَ التنكيرِ قد يُقصَدُ بالتعظيم. الرابع: أنَ وجودَ اللام تُعَيِّنُه، وتخصُّه بمقامٍ معيَّن، وحذفُها يقتضي إطلاقًا وتعدادًا، ومقاماته المحمودة في الموقِفِ متعدِّدة، فكان في التنكير ما ليس في التعريف. الخامس: أنه ﵇ كان يُحافظُ على ألفاظِ القرآن تعريفًا وتنكيرًا، وتقديمًا وتأخيرًا، كما يحافظ على معانيه. انتهى.
وقوله: فقوله: «الذي وعدته» مفرَّع على قوله: مع كونه متحقِّقَ الوقوع. عطفُ بيانٍ على «مقامًا» أو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: أعني الذي وعدته. أو مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: هو الذي وعدته. حفيد.
(^١) قوله: (ثمَّ يدعو هُنا) أي: بعد الأذان؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: «الدعاءُ لا يُردُّ بين الأذان والإقامة» [¬٣]. وعندَ صعودِ الخطيبِ المنبرَ، وبينَ الخُطبتين، وعندَ نزولِ الغيثِ، وبعدَ العصرِ يومَ الجمعةِ. فجملتها ستةٌ. م خ [¬٤].
_________________
(١) [¬١] «بدائع الفوائد» (٤/ ٩١٢) [¬٢] أخرجه البخاري (٦١٤) [¬٣] أخرجه أحمد (١٩/ ٢٣٤) (١٢٢٠٠)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢) من حديث أنس، وصححه الألباني في «تمام المنة» ص (١٤٩) [¬٤] «حاشية الخلوتي» (١/ ٢٢٣)
[ ١ / ٢٦٥ ]
وعِندَ الإقامَةِ (^١).
ويَحرُمُ بَعدَ الأَذَانِ: الخُرُوجُ مِنْ المَسجِدِ بِلا عُذرٍ (^٢)، أو نِيَّةِ رُجُوعٍ (^٣).
(^١) قوله: (وعندَ الإقامةِ) فعلَهُ الإمامُ أحمدُ، ورفعَ يديهِ ويقولُ عندَ أذانِ المغربِ: «اللهم هذا إقبالُ ليلِك، وإدبارُ نهارِكَ، وأصواتُ دعاتِك، فاغفر لي» [¬١]. كما ورد في الخبر. م ص. [¬٢]
(^٢) قوله: (ويحرُمُ بعدَ الأذانِ الخروجُ من المسجِدِ) أي: ويحرُمُ على مَنْ وجبت عليه صلاةٌ مع صحَّتها منه، بعدَ الأذانِ وهو في المسجِدِ، الخروجُ منه قبلَ أدائها فيه. لكنْ إن كانَ لعذرٍ، جازَ الخروجُ بنيَّةِ الرجوعِ إلى المسجد. صوالحي [¬٣].
(^٣) قوله: (أو نيَّةِ رجُوعٍ) إلى المسجدِ، فلو كان الأذان لفجرٍ قبلَ وقته [¬٤]، أو خرجَ لعذرٍ، أو بنيَّةِ رجوعٍ قبلَ فوتِ الجماعة، لم يحرم. ع. [¬٥]
تتمَّة: يُسنُّ أن يُنادى: الصلاة جامعة. عندَ كُسوفٍ، واستسقاءٍ؛ بأن يقال: الصلاةَ جامعة.
ويحرُمُ أخذُ الأُجرةِ على الأذان والإقامةِ، فإن لم يوجَد من يتطوَّعُ بهما، عَيَّن الإمامُ لمن يقومُ بِهما رزقًا من بيتِ المال.
_________________
(١) [¬١] أخرجه أبو داود (٥٣٠)، والترمذي (٣٥٨٩) من حديث أم سلمة. وضعفه الألباني [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧٦) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٢٤٣) [¬٤] في الأصل: «قبله» [¬٥] «هداية الراغب» (٢/ ٥٥)
[ ١ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والبصيرُ أولى بالأذان من الأعمى.
والأذانُ خمسةَ عشرَ كلمةً: التكبيرُ في أوله أربعٌ، والشهادتان أربعٌ، بلا ترجيع الشهادتين. والترجيع: بأن يخفِضَ المؤذنُ بهما صوتَه، ثم يعيدُهما رافعًا بهما صوتَه. والحيعلتان أربعٌ، وبعدَه التكبيرُ اثنان، والخامسَ عشرَ: لا إله إلا اللَّه مرةً واحدة.
وإن رجَّع، وهو عند إتيانه بالشهادتين في الأذان؛ يأتي بالشهادتين مرتينِ سِرًّا، فيكون تسعةَ عشرَ كلمةً، وكذلك إن رجَّع في الإقامة فتكون سبعةَ عشرَ كلمةً.
والإقامةُ أحدَ عشرَ كلمةً: التكبيرتان في أوله، والشهادتان، والحيعلتان، وقد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاة، والتكبيرتان، ولا إله إلا اللَّه مرةً واحدةً.
ولا يصح الأذان بغيرِ العربية مطلقًا. صوالحي [¬١].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٢٤٣)
[ ١ / ٢٦٧ ]