الاستِنجَاءُ (^١): هُو إزَالَةُ ما خَرَجَ (^٢) مِنْ السَّبِيلَينِ (^٣)، بِمَاءٍ طَهُورٍ (^٤)،
بابُ الاستنجاءِ وآدابِ التخلِّي
الاستنجاءُ استفعالٌ مأخوذٌ من نجوتُ الشجرةَ، إذا قطعتُها، فكأن المستنجِيَ قطعَ به الأذى عن نفسِه، وهو مختص بالماء. وإزالةُ الخارج عن المَخرجِ يُسَمَّى أيضًا: استجمارًا، من الجمار، وهي الحجارة الصغار؛ لأن المستجمر يستعملها في إزالة الخارج من السبيلين. وعبَّر بعضُهم عن الاستنجاء بالاستطابة، يقال: استطاب وأطاب، إذا استنجى؛ لأن نفسه تطيبُ بإزالة الخبث. وشرعا ما ذكره المصنف.
قوله: (وآدابِ التخلِّي) الآداب جمعُ أدب، وعُرِّفَ بأنه: وضعُ الأشياء موضعَها. وقيل: الخصلةُ الحميدة. وقيل: الورعُ. وقيل: ما فِعلُه خيرٌ من تركِه. وهو هنا ما ذكره في الفصل الآتي.
(^١) قوله: (الاستننجاءِ … إلخ) شرعا. وأول من استنجى بالماء سيدنا إبراهيم ﵇.
(^٢) قوله: (هو إزالةُ ما خرجَ) معتادًا كان، أو غير معتادٍ كالمذي. أي: إنقاءُ ما خرج .. إلخ. ولذا فرَّع عليه قوله: «فالإنقاء .. إلخ»
(^٣) قوله: (من السَّبيلينِ) القبل والدُّبر.
(^٤) قوله: (بماءٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: «إزالة .. إلخ» وقوله: «طَهورٍ» ولو غير مباح؛ بدليل صنيعه، وهو إهمال الطهور من غير قيد الإباحة، وقيَّد
[ ١ / ١٠٠ ]
أو حَجَرٍ (^١) طَاهِرٍ (^٢)، مُبَاحٍ (^٣)، مُنْقٍ (^٤).
فالإنقَاءُ بالحَجَرِ ونَحوِهِ: أن يَبقَى أثَرٌ لا يُزِيلُهُ إلَّا المَاءُ (^٥). ولا يُجزِئُ (^٦) أقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ (^٧)،
الحجرَ بها. وقوله: «أو حجر» عطف على «ماء». وقوله: «طاهرٍ» وما عطف عليه صفة بعد صفة لحجر.
(^١) قوله: (أو حجرٍ) أي: أو إزالة حكمه بحجر ونحوه، كخرق وخشب ونحوه.
(^٢) قوله: (طاهرٍ) فلا يصح بنجس.
(^٣) قوله: (مباحٍ) فلا يصح بمحرَّمٍ كمغصوب، وذهب وفضة؛ لأنه رخصةٌ فلا تستباح بمعصية. ولو استجمر بعده فلا يجزئه إلا الماء. صوالحي [¬١].
(^٤) قوله: (مُنقٍ) فلا يجزئ أملس، كزجاج ونحوه، ويجزئه الاستجمار بعده؛ لأنه غير معصية.
(^٥) قوله: (فالإنقاءُ) أي: حدُّ الإنقاء. فالكلام على حذف مضاف، وهو مفرَّعٌ على تعريف الاستنجاء، وهو لفٌّ ونشرٌ مُشَوَّش، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وهو أوقع في النفس، فالإنقاء الذي يحصل (بالحَجَرِ ونحوِه) كالخرق والخشب: إزالة العينِ بحيث (أن يبقى) على المخرج (أثرٌ .. إلخ)
(^٦) قوله: (ولا يجزئُ) في الاستجمار.
(^٧) قوله: (أقلُّ من ثلاثِ مَسَحَاتٍ) مُنقِية؛ إما بحجَرٍ ذي ثلاثِ شُعَبٍ، أو بثلاثة أحجار؛ لأن المقصود تكرارُ المسح لا الممسوح به، والحاصلُ من
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٤٩)
[ ١ / ١٠١ ]
تَعُمُّ كُلُّ مَسحَةٍ المَحَلَّ (^١).
والإنقاءُ (^٢) بالمَاءِ: عَوْدُ خُشُونَةِ المَحَلِّ (^٣) كمَا كانَ (^٤). وظَنُّهُ (^٥): كافٍ (^٦).
وسُنَّ: الاستِنجَاءُ بالحَجَرِ (^٧)،
ثلاثة أحجار حاصلٌ من ثلاثِ شُعبٍ، وكذا لو مسح ذكرَه في ثلاثِ مواضع من صخرةٍ ونحوِها. فيه: أنه بيَّن عددَ المَسَحَات في جانب الحجرِ، ولم يبيِّن عدد الغَسَلاتِ في جانب الماء؛ اتكالًا على باب إزالة النجاسة.
(^١) قوله: (تعمُّ كلُّ مسحَةٍ المحلَ) بنصب المحلّ، مفعول تعمّ، وكلّ: فاعل، أي: تعمُّ كلُّ مسحةٍ محلَّ الخارج وجوبًا، وهو المَسْرَبَةُ والصفحتان.
(^٢) قوله: (والإنقاءُ) أي: حدُّ الإنقاء الذي يحصل بالماء.
(^٣) قوله: (عَودُ خشُونةِ المحلِّ) بالغَسل وعودُه خشنًا.
(^٤) قوله: (كما كان) قبلُ، وذلك بعد الغَسلِ سَبعًا، كما يأتي في باب إزالة النجاسة، فإن لم ينق، زاد بحيث ينقي، وسُنَّ قطعُه على وتر، والخشونة لا تأتي إلا في الكبير، وأما الصغير فليس له خشونة، فيكفي عوده كما كان. صوالحي [¬١].
(^٥) قوله: (وظنُّه) بالإنقاء.
(^٦) قوله: (كافٍ) في الإجزاء، فإذا أتى بالعدد المعتبر في الاستنجاء، اكتفى في إزالة النجاسة بغلبة الظن لا باليقين.
(^٧) قوله: (وسُنَّ الاستنجاءُ بالحجر) أولًا.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٥١)
[ ١ / ١٠٢ ]
ثُمَّ بالمَاءِ (^١). فإنْ عَكَسَ (^٢): كُرِهَ (^٣). ويُجزِئُ أحَدُهُمَا (^٤)، والمَاءُ أفضَلُ (^٥).
ويُكرَهُ: استِقبَالُ القِبلَةِ (^٦) واستِدبَارُهَا (^٧) في الاستِنجَاءِ.
(^١) قوله: (ثم بالماء) أي: ثم بعد الاستجمار بالحجر يستنجي بالماء.
(^٢) قوله: (فإن عَكَسَ) أي: استنجى ثم استجمر.
(^٣) قوله: (كُرِهَ) له فعل ذلك؛ لما فيه من العبث وعدم الفائدة؛ لأن المستنجي أزال العين والأثر بالماء، فلم يبق للحجر فائدة، فكان مكروهًا. وقيل: إنه فِعْلُ الرافضة. (دنوشري)
(^٤) قوله: (ويجزئ أحدُهما) أي الاستجمار. أو الاستنجاء. فيكفي الاستجمار ولو مع قدرة على ماء، وإذا أراد الاقتصار على الماء يكثر صبَّ الماء حينئذ، ويسترخي قليلًا ويدلك المخرج حتى تذهب النعومة وتأتي الخشونة. «ويُجزئ أحدُهما» بضم الياء، من أجزأ. فعل وفاعل. وقوله: «والماءُ أفضلُ» مبتدأ وخبر. وقوله: «ويُكره استقبالُ» فعل وفاعل. وقوله: «القبلة» مضاف إليه. وقوله: «واستدبارُها» عطف على الفاعل.
(^٥) قوله: (والماءُ أفضل) أي: والماء إذا اقتصر عليه أفضل من اقتصاره على الحجر، لكن جمعُهما على الكيفية المسنونة أفضل. صوالحي بإيضاح [¬١].
(^٦) قوله: (ويُكره استقبالُ القبلة) أي: ويكره في الفضاء استقبال … إلخ.
(^٧) قوله: (واستدبارُها) أي: ويكره استدبار القبلة في الاستنجاء؛ تعظيمًا لها، بخلاف بيت المقدس في ظاهر نقل إبراهيم بن الحارث. وهو ظاهر ما في
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٥١)
[ ١ / ١٠٣ ]
ويَحرُمُ (^١): برَوثٍ (^٢)، وعَظمٍ (^٣)، وطَعَامٍ (^٤)، ولو لِبَهِيمَةٍ (^٥). فإن فَعَلَ (^٦): لَم يُجزِئْهُ بَعدَ ذلِكَ (^٧) إلَّا المَاءُ (^٨)، كما لو تَعَدَّى الخارِجُ مَوضِعَ العَادَةِ (^٩).
«الخلاف». وحُمِلَ النهيُ حيث كان قبلةً. وظاهر نقل حنبل فيه: يكره. وظاهر «الإقناع» وغيره: لا يكره استدبارها إذن. م ص. [¬١]
(^١) قوله: (ويحرُم) الاستجمار.
(^٢) قوله: (بروث) مأكول أو غير مأكول.
(^٣) قوله: (وعظمٍ) ولو من مذكى.
(^٤) قوله: (وطعامٍ) لأنه ﵇ علَّل النهي عن الاستجمار بالروث والعظم بكونه: «زاد إخواننا الجن» [¬٢]. فزادنا وزاد بهائمنا من باب أولى في الحرمة، وعدم الإجزاء من زاد الجن المنهي عنه. دنوشري.
(^٥) قوله: (ولو لبهيمة) أي: ولو كان الطعام لبهيمة، كحشيش ونحوه.
(^٦) قوله: (فإن فَعَلَ) بأن استجمر بما ذُكر من روثٍ وما عطف عليه.
(^٧) قوله: (لم يجزئْه بعدَ ذلك) أي: الاستنجاء بما ذُكر.
(^٨) قوله: (إلا الماءُ) أي: لا يجزئه إلا الاستنجاء بالماء، فالماء صفة لموصوف محذوف. وإلا: أداة حصر ملغاة لا عمل لها، والماء: فاعل يجزئه.
(^٩) قوله: (كما لو تعدَّى) هذا تنظير لما قبله، أي: تجاوز (الخارجُ موضعَ العادةِ).
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٦٧) [¬٢] أخرجه أحمد (٧/ ٢١٥) (٤١٤٩)، ومسلم (٤٥٠/ ١٥٠، ١٥١)، والترمذي (٣٢٥٨) من حديث ابن مسعود
[ ١ / ١٠٤ ]
ويَجِبُ الاستِنجَاءُ (^١): لِكُلِّ خارِجٍ (^٢)، إلَّا: الطَّاهِرَ (^٣)، والنَّجِسَ الذي لَم يُلَوِّثِ المَحَلَّ (^٤).
والمعنى: مثلُ الإجزاءِ في الخارجِ الذي تعدَّى موضعَ العادة في أنه لا يجزئ فيه إلا الماء، مثلُ أن ينتشر الخارجُ إلى الصفحتين، أو يمتدَّ إلى الحشفة امتدادًا غيرَ معتاد، فيجب الماء للمتعدِّي فقط؛ لأن الاستجمار في المعتاد رخصةٌ؛ لمشقة غسله لتكرُّر نجاسته، فما لا يتكرر، لا يجزئ فيه إلا الماء، ويجزئ الاستجمار في محلِّ العادةِ، كما لو لم يكن غيره. ع. [¬١]
(^١) قوله: (ويجبُ الاستنجاءُ) أو الاستجمار.
(^٢) قوله: (لكلِّ خارجٍ) من سبيلٍ، معتادًا كان الخارج كالبول، أو لا كالمذي.
(^٣) قوله: (إلا الطاهرَ) كريحٍ ومنيٍّ وولدٍ بلا دم.
(^٤) قوله: (والنجِسُ الذي لم يلوِّث المحلَّ) أي: وإلا النجس الذي .. إلخ. لا يجب له الاستنجاء أو الاستجمار، لأنه لم يلوث المحلَّ. أي: لا ينفصل منه أثرٌ في المحل يزيله الحجر، كالبعر الناشف، بأن خرج الغائط يابسًا.
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٢٠٩)
[ ١ / ١٠٥ ]