يُسَنُّ (^١):
بابُ السِّواكِ
أي: هذا بابٌ يُذكر فيه مسائل من أحكام التسوُّك، وحكم الاكتحال والختان، ونحو ذلك.
والسِّواك والمِسواك بكسر أولهما: اسمان للعود الذي يُتَسوَّك به، ويطلق السواك على التسوك، مأخوذ من التساوك، وهو التمايل والتردد؛ لأن المتسوك يردِّده في فيه ويحركه. وشرعًا: استعمالُ عودٍ في أسنانٍ ولِثَةٍ ولسانٍ.
لا يقال: كان على المصنف رحمه اللَّه تعالى أن يأتي بهذا التعريف رعايةً لجانب المبتدئ؛ لأنا نقول: أتى بما في معنى التعريف، إذ قوله: «يسن بِعود» أي: يسن استعمالُ السواك في الأسنان واللثة واللسان، ولا ريب أن في قوله: «يسن بعود». تصريحًا باستعماله إلا في الأسنان .. إلخ. غايةُ ما فيه أنه حذف نائبَ فاعل «يسن»، أعني: استعمال السواك، وأبقى حرف الجر، أعني: «بعود»؛ ليدل على المحذوف. لا يقال: هذا لا يسهِّل على المبتدئ؛ لأنا نقول: اتكالًا على الموقف.
(^١) قوله: (يُسَنُّ) السّوَاكُ باليَدِ اليُسرَى، والبُدَاءَةُ بالجانِبِ الأَيمَنِ، والسِّوَاكُ عَرْضًا بالنِّسبَةِ إلى الأسنَانِ، وتَسَوُّكُ اللِثَةِ واللِّسَانِ [¬١].
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «والأسنان»
[ ١ / ١١٢ ]
بِعُودٍ، رَطْبٍ (^١)، لا يَتَفَتَّت (^٢).
وهُو مَسنُونٌ: مُطلَقًا (^٣)، إلَّا بَعدَ الزَّوَالِ للصَّائِمِ (^٤)، فَيُكرَهُ (^٥).
(^١) قوله: (بعودٍ رَطْبٍ) أي: ليِّن، واليابس المندَّى أولى. من نحو أراك، كعُرجون. وذكر الأزَجيُّ أنه لا يعدل عنه وعن الزيتون والعرجون وهو ساعدُ النخل إلا لتعذُّره. فالأراك أفضل ما يُتسوَّك به، ثم الجريد أو الزيتون، ويُكره بقصَبٍ، وريحان، وآس ورمَّان؛ لأنهما يحرِّكان عرقَ الجُذام.
(^٢) قوله: (لا يتفتَّت) في الفم.
(^٣) قوله: (وهو مسنونٌ مطلقًا) أي: في جميع الأوقات، وقد اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة في حق الأمة. قال بعض الأطباء: إن التسوك باعتدالٍ يطيِّب الفم والنكهة، ويجلو الأسنان والبصر ويقويهما، ويشدُّ اللثة، ويخفِّف عن الرأس وفَمِ المعدة، ويصفِّي الحواس، ويُحِدُّ الذهن، ويقطع البلغم، ويُعين على الهضم، ويشهِّي الطعام، وينشِّط ويطرد النوم، ويذكِّر الشهادة عند الموت.
لا يقال: فيه تكرارٌ مع قوله: «يسن بعود .. إلخ». لأنا نقول: فيه التصريح بأنه يُسن في جميع الأوقات، ولو اقتصر على الأول؛ لفهم منه أنه يُسن في وقت دون وقت.
(^٤) قوله: (إلا بعدَ الزوالِ للصَّائمِ) مستثنى من قوله: «مطلقًا» منقطعًا؛ لأنَّ حكمه ليس من جنس ما قبله؛ إذ للصائم حكم غير حكم المفطر أُخِذَ من قاعدة الاستثناء، وهو إخراج ما لولاه لوجب دخولُه لغةً بإلَّا أو أحدِ أخواتِها من متكلمٍ واحد، وهو من المخصصات، وهو قصرُ العام على بعضِ أفراده.
(^٥) قوله: (فيُكره) له ذلك.
[ ١ / ١١٣ ]
ويُسَنُّ لَهُ (^١) قَبلَهُ (^٢): بِعُودٍ يابِسٍ (^٣)، ويُبَاحُ (^٤) بِرَطْبٍ (^٥). ولم يُصِبِ السُّنَّةَ (^٦): مَنِ استَاكَ بِغَيرِ عُودٍ (^٧).
ويَتَأكَّدُ (^٨): عِنْدَ وُضُوءٍ (^٩)،
(^١) قوله: (ويُسنُّ له) أي: للصائم أن يستاك.
(^٢) قوله: (قبلَه) أي: قبل الزوال.
(^٣) قوله: (بعودٍ يابسٍ) مندَّى بغير خلاف؛ لأن الرَّطب مَظِنةُ التحلُّلِ، هذا في حق الصائم، وما تقدم في حق المفطر.
(^٤) قوله: (ويباحُ) للصائم السواك.
الإباحة أنزل رتبة من السنة، وهي: ورودُ خطاب الشرع بتخيير بين الفعل والترك، كقوله ﷺ حين سئل عن الوضوء من لحوم الغنم: «إنْ شئت فتوضأ، وإلا فلا تتوضأ» [¬١].
والسنة: ورودُ خطاب الشرع بطلب فعلٍ ليس معه جزم، نحو: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. ففي حقِّ المفطرِ التسوُّكُ بعودٍ رطبٍ سنةٌ، وفي حقِّ الصائمِ يباحُ.
(^٥) قوله: (برطْب) أي: ليِّن هشٍّ لا يتفتت؛ أخذًا مما تقدم.
(^٦) قوله: (ولم يُصب السنَّة .. الخ) فهو مكروه إذا استاك بما ذُكر.
(^٧) قوله: (من استاك بغيرِ عُودٍ) كأصبع وخرقة؛ لعدم وروده وإنقائه.
(^٨) قوله: (ويتأكَّدُ) استحباب السواك، أي: يزداد طلبه وفضيلته.
(^٩) قوله: (عندَ وُضُوءٍ) وغُسل.
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٣٤/ ٤٤٣) (٢٠٨٦٩)، ومسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة
[ ١ / ١١٤ ]
وصَلاةٍ (^١)، وقِرَاءَةٍ (^٢)، وانتِبَاهٍ مِنْ نَومٍ (^٣)، وتَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمٍ (^٤). وكَذَا: عِنْدَ دُخُولِ مَسجِدٍ (^٥)، ومَنزِلٍ (^٦)،
(^١) قوله: (وصلاةٍ) أي: وعند صلاة؛ لقوله ﵊: «صلاةٌ بسواك أفضلُ من سبعين صلاة بغير سواك» [¬١]. وهذا عام في الفرض والنفل، حتى صلاة المتيمِّم، وفاقدِ الطهورين، وصلاةِ الجنازة. والظاهر أنه لا يدخل فيه الطوافُ وسجودُ الشكر والتلاوة. دنوشري.
(^٢) قوله: (وقراءةٍ) أي: وعند القراءة؛ تعظيمًا للقرآن، وفَصاحَةِ اللِّسَانِ.
(^٣) قوله: (وانتباهٍ من نومٍ) أي: وعند انتباه من نوم، ليلًا كان أو نهارًا.
(^٤) قوله: (وتغيُّر رائحةِ فمٍ) بالجر عطف على مدخول الظرف، أي: ويتأكد استحبابه عند تغيُّر رائحة فم بأكل أو غيره، كسكوت طويل، أو جوع أو عطش. وكان السواك واجبًا على النبي ﷺ [¬٢].
(^٥) قوله: (وكذا عند دخولِ مسجدٍ) أي: ويُسَنُّ التسوُّك عند دخول مسجد، ولا يتأكد استحبابه، وكذَا فَصَلَه [¬٣] عما قبله بكذا، فهو معطوف على قوله أول الباب: «فيسن بعود .. إلخ».
(^٦) قوله: (ومنزلٍ) أي: ويسنُّ عند دخول منزل.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البيهقي في «الكبرى» (١/ ٣٨) من حديث عائشة. وقال: وهذا إسناد غير قوي. وانظر «ضعيف الجامع الصغير» (٧٩٥٨) [¬٢] لحديث عبد اللَّه بن أبي حنظلة بن أبي عامر، أن رسول اللَّه ﷺ أُمر بالوضوء عند كل صلاة، طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق عليه ذلك، أُمر بالسواك لكل صلاة. أخرجه أحمد (٣٦/ ٢٩١) (٢١٩٦٠)، وأبو داود (٤٨). وحسنه الألباني [¬٣] في الأصل: «وكذا فصله»
[ ١ / ١١٥ ]
وإطالَةِ سُكُوتٍ (^١)، وصُفْرَةِ أسنَانٍ (^٢). ولا بَأسَ: أن يَتَسَوَّكَ (^٣) بالعُودِ الواحِدِ اثنَانِ، فَصَاعِدًا (^٤).
(^١) قوله: (وإطالةِ سُكوتٍ) أي: ويسنُّ عند إطالة سكوت.
(^٢) قوله: (وصُفْرَةِ أسنانٍ) أي: ويسن عند صُفرة أسنان.
(^٣) قوله: (ولا بأس أن يتسوَّك) أي: لا يضر.
(^٤) قوله: (فصاعدًا) أي: فأكثر من اثنين.
[ ١ / ١١٦ ]