تَجِبُ (^١): بِأَوَّلِ لَيلَةِ العِيدِ (^٢).
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
صدقةٌ واجبةٌ بالفِطْرِ من رمضَان. اسمُ مصدَرٍ من قولِكَ: أفطرَ الصائِمُ إفطارًا. والمراد بها: الصَّدقةُ عن البَدَنِ. وأضيفت إلى الفِطرِ؛ لأنها تجِبُ به، فهو من إضافةِ الشيءِ إلى سَببه. وفُرِضت في السنة الثانيةِ من الهِجرةِ، عامَ فُرِضَ صومُ رمضان. ح ف.
(^١) قوله: (تِجبُ) فِطرةٌ على الحُرِّ والعَبدِ، والذَّكر والأُنثى، والصَّغير والكبير، من المسلمين. صوالحي [¬١].
(^٢) قوله: (بأوَّلِ ليلةِ العيدِ) أي: عيدِ الفِطر؛ لإضافتِها إلى الفِطر، والإضافةُ تقتَضي الاختصاصَ والسَّببية، وأولُ زمنٍ يُقصدُ فيه الفطرُ من جميع رمضان: مغيبُ الشمس من ليلةِ الفِطر.
وهي طُهرةٌ للصائِم من الرَّفثِ واللَّغو، وطُعمةٌ للمساكين. قال سعيد بنُ المسيب، وعمرُ بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤]: هو زكاة الفِطرِ [¬٢]. وتصرفُ كمَصرِفِ زكاةٍ. ولا يَمنَعُ وجوبَها دينٌ إلَّا مع طلب. صوالحي وزيادة [¬٣].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٤٢) [¬٢] أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٣٦٧) عن سعيد، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٣٨٢) عن عمر بن عبد العزيز [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٥٤٢)
[ ٢ / ٥٥ ]
فَمَنْ ماتَ، أو أَعسَرَ (^١)، قبلَ الغُرُوبِ (^٢): فَلا زَكَاةَ عليهِ (^٣). وبَعدَهُ: تَستَقِرُّ في ذِمَّتِهِ (^٤).
وهِي واجِبَةٌ: علَى كُلِّ مُسلِمٍ (^٥)،
(^١) قوله: (فَمَنْ ماتَ أو أَعسَرَ) من تلزمُه عن نفسِه، أو مَنْ يمونُه، أو وُجِدَ نحوُ الموتِ، كطلاقِ، وعِتقٍ، وانتقال مِلكٍ، فلا فِطرَة؛ لزوالِ السَّبب قبلَ زمن الوجوب. م ص [¬١].
(^٢) قوله: (قبلَ الغُروبِ) أي: غُروب الشَّمس من آخِر رمضَانَ.
(^٣) وقوله: (فلا زكاةَ عليه) جوابُ الشَّرط.
(^٤) قوله: (وبعدَه تستَقِرُّ في ذِمَّته) أي: إن ماتَ بعدَ الغُروب تستقِرُّ زكاةُ الفِطرِ في ذِمَّته، فتؤدَّى من مِيراثه.
(^٥) قوله: (وهي واجِبةٌ على كُلِّ مُسلِمٍ) أي: وزكاةُ الفِطرِ واجبةٌ على كلِّ مُسلِمٍ، من أهلِ البوادي وغيرِهم، الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير. فلا تجبُ على كافرٍ ولو مُرتدًّا. وقوله: على كل مسلم أي: كلُّ مُسلِمِ تلزمُه مؤنةُ نفسِه، يجب عليه فطرتُه. فلا تَجبُ على من تلزمُ غيرَه مؤنتُه، كالزوجةِ، والعبد، والفقير العاجزِ عن الكسب، وقريبهِ الذي تلزمُه مؤنتُه. وتجبُ في مالِ اليتيم، فيُخرجُ عنه وليُّه، كما يأتي. وكذا من تلزمُ اليتيمَ نفقتُه. ويجبُ على سيِّدٍ مسلمٍ عن [¬٢] عبدِه المسلم. ح ف وزيادة.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (٢/ ٢٨٥) [¬٢] سقطت «عن» من النسختين
[ ٢ / ٥٦ ]
يَجِدُ ما يَفضُلُ عن قُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ (^١)، يَومَ العِيدِ (^٢) ولَيلَتَهُ، بَعدَ ما يَحتَاجُهُ (^٣) مِنْ مَسكَنٍ، وخَادِمٍ (^٤)، ودَابَّةٍ، وثِيِابِ بِذْلَةٍ (^٥)، وكُتُبِ عِلمٍ (^٦).
وتَلزَمُهُ: عن نَفسِهِ، وعَمَّن يَمُونُهُ مِنَ المُسلِمِينَ (^٧).
(^١) قوله: (يجِدُ ما يفضُلُ عن قُوتِه وقُوتِ عِيالِه) يعني: تجبُ زكاةُ الفِطرِ بعدَ ما يفضُلُ عن قوتِه، وقوتِ عياله. والقوتُ: ما يقومُ به بدنُ الإنسان من الطَّعام. عثمان [¬١].
(^٢) قوله: (يومَ العيدِ) ظرفٌ لقوله: «ما يفضُلُ».
(^٣) قوله: (بعدَ ما يحتاجُه) ظرفٌ لقوله: «ما يفضُلُ»، والمعنى: تجبُ زكاةُ الفِطرِ بعدَ ما يفضل .. إلخ، يومَ العيد، وبعدَ ما يحتاجُه لنفسِه، أو لِمن تلزمُه مؤنتُه.
(^٤) قوله: (مِنْ مَسكَنٍ، وخَادِم .. إلخ) بيان ل «ما».
(^٥) قوله: (وثيابِ بِذلَةٍ) بالكسر، والفتحُ لغةٌ. أي: مِهنةٌ في الخِدمة. واحترز به عن ثيابِ التَّجمُّل، فلا يُشترطُ كونُها فاضلة عنها أيضًا. ح ف.
(^٦) قوله: (وكُتُبِ عِلمٍ) يحتاجُها لنظرٍ وحِفظٍ، وحُليِّ امرأةٍ للُبسٍ، أو كِراء يحتاج إليه، ودارٍ يحتاجُ إلى أجرِها لنفقَةٍ، وسائمةٍ يحتاجُ لِدَرِّها ونَسلِها، وبضاعةٍ يحتاجُ إلى رِبحها. صوالحي [¬٢].
(^٧) قوله: (وتلزمُه عن نفسِه، وعمَّن يمونُه من المُسلمين) أي: تلزمُ المُخرِجَ عن نفسه، وعمَّن يلزمُه أن يمونَه من المُسلمين، أي: يقومُ بمؤنتِه، أي:
_________________
(١) [¬١] «حاشية المنتهى» (١/ ٤٩٦) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٤٣)
[ ٢ / ٥٧ ]
فإن لَم يَجِد (^١) لِجَمِيعِهِم: بَدَأَ بِنَفسِهِ (^٢)، فزَوجَتِهِ (^٣)، فَرَقِيقِهِ (^٤)،
نفقَتِه؛ من زوجةٍ غيرِ ناشِزٍ، وقريبٍ، وخادِمِ زوجةٍ إن لزِمتهُ مؤنتُه، وزوجةِ عبدِه الحرَّة، وقريبِه الذي يلزمُه إعفافُه فتلزمُه عن كل مَنْ يمونه ومالكٍ نفعَ قِنٍّ فقط، كمن وصَّى له بنفعِه دون رقبتِه، ومريضٍ لا يَحتاجُ إلى نفقة، وعبدٍ آبقٍ، لا إن شَكَّ في حياته. صوالحي وزيادة [¬١].
(^١) قوله: (فإن لم يجِد) ما يكفيه في الزَّكاةِ.
(^٢) قوله: (لجميعهم، بدأ) لزومًا بإخراج زكاةِ الفطر. (بنفسه) لحديث: «ابدأ بنفسِك، ثم بمن تَعول» [¬٢]. ولأنَّ نفقةَ نفسِه مقدمةٌ فكذا فِطرتُها. م ص [¬٣].
(^٣) قوله: (فزوجَتِه) لوجوب نفقتِها مع اليَسارِ والإعسار، ولتأكُّدِها؛ لأنها على سَبيلِ المُعاوضَة. م ص [¬٤].
(^٤) قوله: (فرقِيقِه) لوجوبِ نفقتِه مع الإعسار، بخلافِ نفقةِ الأقارب؛ لأنها صِلةٌ. ولو مرهونًا، أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارة. لا عبد مأسور فيما يظهر؛ لخروجه عن ملكه بذلك. فتنبه. عثمان [¬٥].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٤٣) [¬٢] أخرجه البخاري (١٤٢٦)، ومسلم (١٠٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بشطره الثاني، وأخرجه مسلم (٩٩٧) من حديث جابر ﵁. وهو حديث مركَّبٌ من حديثين. انظر «الإرواء» (٨٣٣، ٨٣٤، ٨٣٦) [¬٣] «كشاف القناع» (٥/ ٦٠) [¬٤] «دقائق أولي النهى» (٢/ ٢٨٢) [¬٥] «هداية الراغب» (٢/ ٢٨٨)، «حاشية المنتهى» (١/ ٤٩٧)
[ ٢ / ٥٨ ]
فأُمِّهِ (^١)، فَأَبِيهِ (^٢)، فَوَلَدِهِ (^٣)، فأقرَبَ في المِيرَاثِ (^٤).
وتَجِبُ (^٥): علَى مَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ شَهرَ رمَضَانَ (^٦).
(^١) قوله: (فأُمِّهِ) لتقديمها في البِرِّ؛ لقوله ﵊ للأعرابي حين قال: من أبرُّ؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال ثم من؟ قال: «أباك» [¬١]. ولضعفِها عن الكسب. م ص [¬٢].
(^٢) قوله: (فأبيه) لحديث: «أنتَ ومالُك لأبيك» [¬٣].
(^٣) قوله: (فولَدِه) لقُربه، ولوجوبِ نفقَتِه في الجُملة.
(^٤) قوله: (فأقربَ في المِيراثِ) لأنه أولَى من غيره. فإن استوى اثنان، كأولادٍ وإخوة وأعمام، ولم يَفضلْ إلا صاعٌ، أُقِرعَ. الوالد.
(^٥) قوله: (وتجبُ) زكاة الفطر.
(^٦) قوله: (على من) أي: شخص (تبرَّعَ بمؤنَةِ شَخْصٍ) مدةَ (شهرِ رمضانَ) نصًّا؛ لعموم حديث: «أدُّوا صدقةَ الفِطرِ عمَّن تمونون» [¬٤]. وقال أبو الخطاب: لا تلزمُه فطرتُه. وصححه في «المُغني» و«الشرح»، وحَمَل كلامَ أحمد على الاستحباب. ولا فِطرةَ على من تبرَّع بمؤنَةِ بعض الشهر، أو تبرَّع به جماعةٌ مدَّةَ الشَّهر؛ لعدمِ انفراد أحدِهم بجميع الشَّهر. صوالحي [¬٥].
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة بنحوه [¬٢] «دقائق أولي النهى» (٢/ ٢٨٢) [¬٣] أخرجه أحمد (١١/ ٥٠٣) (٦٩٠٢) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. وقد ورد عن جماعة من الصحابة مرفوعًا. وقد صححه الألباني في «الإرواء» (٨٣٨) [¬٤] أخرجه الدارقطني (٢/ ١٤١)، والبيهقي (٤/ ١٦١) من حديث ابن عمر. وحسنه الألباني في «الإرواء» (٨٣٥، ٨٣٩). وانظر «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٩٨، ٣٩٩) [¬٥] «مسلك الراغب» (١/ ٥٤٤)
[ ٢ / ٥٩ ]
لا: علَى مَنِ استَأجَرَ أَجِيرًا بطَعَامِهِ (^١).
وتُسَنُّ: عن الجَنِينِ (^٢).
(^١) قوله: (لا على من استأجَر أجِيرًا بطَعامه) أي: لا تجِبُ الفِطرةُ على من استأجرَ أجيرًا بطعامِه، أو ظِئرًا؛ لأن الواجبَ هاهُنا أجرةٌ تُعتَمَدُ بالشَّرط في العَقد، فلا يزادُ عليها، كما لو كانت بدراهم، ولهذا تَختصُّ بزمنٍ مقدَّر، كسائرِ الأُجَر. ولا من وجبت نفقتُه في بيتِ المال، كلقيطٍ.
ولا تجبُ فطرةٌ لزوجةٍ ناشِزٍ، ولو حاملًا؛ لأنها لا نفقةَ لها، فهي كالأجنبية، وكذا من لم تجب نفقتُها؛ لصغرٍ. ونحوِه، كحبسها ولو ظُلمًا، أو غيبتِها لقضاءِ حاجتِها ولو بإذنه، ولا لأمةٍ تسلَّمَها ليلًا فقط، وتجبُ على سيِّدهِا. عثمان [¬١].
(^٢) قوله: (وتُسَنُّ عن الجَنينِ) أي: وتُسنُّ زكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ، وهو الحَملُ الذي في البطن؛ لفعل عثمان [¬٢]. وعن أبي قلابة: كان يُعجِبهم أن يُعطوا زكاةَ الفِطر عن الصغير، والكبير، حتَّى عن الحَملِ في بَطنِ أمه [¬٣]. رواه أبو بكر في «الشافي». ولا تجبُ عنه. كما لا تجِبُ الزكاةُ في أجنَّةِ السَّوائِم. صوالحي وزيادة [¬٤].
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (٢/ ٢٨٩)، «حاشية المنتهى» (١/ ٤٩٨) [¬٢] أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٥٥)، وأحمد في «المسائل» (٦٤٤ رواية عبد اللَّه). وضعفه الألباني في «الإرواء» (٨٤١) [¬٣] أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٨١، ٣٥٥) [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ٥٤٤)
[ ٢ / ٦٠ ]