وهِي: أفضَلُ تَطَوُّعِ البَدَنِ بَعدَ الجِهَادِ (^١)،
بابُ صلاةِ التَّطوُّعِ
التَّطوُّعُ في الأصلِ: فعلُ الطاعة.
وشرعًا وعُرفًا: طاعةٌ غيرُ واجبةٍ. والنَّفلُ، والنَّافِلةُ: الزيادة. والتنفُّل: التطوُّع.
قال في «الاختيارات» [¬١]: التطوُّعُ تُكمل به صلاةُ الفرض يومَ القيامة إن لم يكن المصلِّي أتمَّها. وفيه حديثٌ مرفوع، رواه الإمامُ أحمدُ في «المسند» [¬٢]، وكذلِك الزكاةُ، وبقيةُ الأعمال.
وهذا البابُ معقودٌ لذكرِ أفضلِ التَّطوُّعِ؛ من صلاةٍ وغيرِها من العبادات، وما يُلحَقُ بذلك من تفصيلِ [¬٣] أحكامِ نوافلِ الصلاة، والمحلِّ والوقتِ التي تكونُ فيه، وذكرِ أوقاتِ النهي، وشيءٍ من أحكامِ قِراءةِ القرآن. دنوشري.
(^١) قوله: (وهي أفضلُ تطوُّعِ البدَنِ بعدَ الجِهاد) أي: صَلاةُ التطوع أفضلُ تطوُّعِ البدن بعد الجهاد وتوابعِه ونحوِها، قال اللَّه تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ [النِّساء: ٩٥]. ثم العِلمُ؛
_________________
(١) [¬١] (ص/ ٦٢) [¬٢] أخرجه أحمد (١٥/ ٢٩٩) (٩٤٩٤) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٣٩) [¬٣] في النسختين: «تفضيل»
[ ١ / ٣٦٦ ]
والعِلْمِ (^١).
تعلُّمه وتعليمُه، من حديثٍ، وفقهٍ، وتفسيرٍ. ثم يلي ذلك في الفضيلة الصلاةُ؛ لقوله ﵊: «استقيموا ولن تُحصوا، واعلَموا أن خيرَ أعمالِكم الصلاة» [¬١]. ولأن فرضَها آكدُ الفروض، فتطوُّعُها آكدُ التطوُّعات، ولأنها تجمعُ أنواعًا من العبادات؛ الإخلاصِ، والخشوعِ، والقراءةِ، والركوعِ، والسجودِ، ومناجاةِ الرب، والتوجُّهِ إلى القِبلَةِ، والتسبيحِ، والتكبيرِ، والصلاةِ على البشيرِ النذيرِ. دنوشري.
(^١) قوله: (والعلم) أي: وبعدَ [¬٢] العِلمِ، قال الشِّهابُ الفُتوحي: العلمُ باللَّه وصفاتِه أفضلُ من العِلم بالأحكامِ الشَّرعيةِ، لأن العلم يشرُفُ بشرَفِ معلومِه، ويليه في الفضيلة التفسيرُ، ثم الحديثُ، ثم أصولُ الفقه، ثم الفِقهُ. انتهى.
قال أبو الدرداء: العالِمُ والمتعلِّم في الأجرِ سواء، وسائرُ النَّاس هَمَجٌ لا خيرَ فيهم [¬٣]. وقال أيضًا: مذاكرةُ العِلم خيرٌ من قِيامِ اللَّيل [¬٤].
وفي «الحلية» [¬٥] عن سلمان الفارسي أن النبي ﷺ قال: «نومٌ مع عِلم، خيرٌ من صلاةٍ مَعَ جهلٍ». وقال الإمامُ الشافعيُّ: من لا يحِبُّ العِلمَ لا خيرَ
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٣٧/ ٦٠) (٢٢٣٧٨) من حديث ثوبان. وصححه الألباني في «الإرواء» (٤١٢) [¬٢] في الأصل: «وبعده» [¬٣] أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢١٢)، وابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٤٥) [¬٤] أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٩٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٠٩)، والبيهقي في «الشعب» (١١٨). بلفظ: تفكر ساعة خير من قيام ليلة [¬٥] حلية الأولياء (٤/ ٣٨٥)
[ ١ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه [¬١]. وقال عليٌّ لكُمَيل بن زياد: يا كُمَيل، العلمُ خيرٌ لكَ من المال، العلمُ يحرُسُكُ، وأنت تحرُسُ المالَ، والمالُ تَنقُصُه النفقةُ، والعِلمُ يزكُو بالإنفاق [¬٢].
عن ابن عباس: عليكَ بالعلمِ، فإنَّ العلمَ خليلُ المؤمنِ، والحِلمُ وزيرُه، والعقلُ دليلُه، والعملُ قيِّمُه، والرِّفقُ أبوه، واللِّين أخوه، والصبرُ أميرُ جنودِه [¬٣].
نقل مُهَنَّا: طلبُ العلمِ أفضلُ الأعمالِ لمن صحَّت نيَّتُه. قيل له: فأي شيء تصحيحُ النية؟ قال: ينوي أنه يتواضع فيه، وينفي عنه الجهلَ.
ولأن نفعَ العلمِ مُتَعدٍ، والتطوعَ قاصرٌ، والنفعُ المتعدِّي أفضلُ من القاصِرِ.
وسأل الإمامَ ابنُ هانئ: يطلبُ الحديثَ بقدرِ ما يظنُّ أنه قد انتفَعَ؟ فقال: العلمُ لا يعدِلُه شيءٌ.
وإنَّ العلمَ يحفظُ صاحبَه، والمالَ يحفظُه صاحبُه. وليحذرِ العالِمُ، ويجتَهِدَ في أمرِ دينه، فإنَّ دينه أشدُّ. نقل المرُّوذي: العالمُ يقتدَى به، وليس العالِم مِثلُ الجاهل.
وقال الفضيل بن عياض: يُغفر لسبعين جاهلًا قبل أن يُغفر لعالمٍ واحدٍ، وأقربُ العلماءِ إلى اللَّه، وأولاهم به، أكثرُهم له خشيةً.
_________________
(١) [¬١] أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٥١/ ٤٠٨) [¬٢] أخرجه الخطيب في تاريخه (٦/ ٣٧٩)، وابن عساكر في تاريخه (١٤/ ١٨) [¬٣] لم أجده عن ابن عباس، والمعروف أنه من كلام وهب بن منبه. انظر تهذيب الكمال (٣١/ ١٤٨)، والسير (٤/ ٥٤٩)
[ ١ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونقل ابن منصور: أن تذاكُرَ بعضِ ليلةٍ أحبُّ إلى أحمدَ من إحيائها، وإن العِلم الذي ينتفعُ به النَّاسُ في أمرِ دينِهم؛ الصلاةُ، والصومُ، والزكاةُ، والحجُّ، والطلاقُ، ونحو هذا.
والأشهرُ عن الإمام أحمدَ الاعتناءُ بالحديث والفقه، والتحريضُ على ذلك. وقال: ليس قومٌ خيرًا من أهل الحديث. وعابَ على محدِّثٍ لم يتفقه.
وقال الإمامُ أحمدُ: يعجِبُني أن يكونَ الرجلُ فَهِمًا في الفقه. وقال: معرفةُ الحديثِ، والفقِهِ فيه، أعجبُ إليَّ مِنْ حِفظِه.
وفي خطبة «مُذْهَبِ» ابن الجوزي: بضاعةُ الفِقه أربحُ البضائعِ. وفي كتاب «العلم» له: الفقهُ عُمدةُ العلوم. وفي «صيد الخاطر» له: الفقه عليه مدارُ العلوم.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «التفقه حقٌّ على كلِّ مُسلِمٍ ومُسلِمة» [¬١]. وقال الإمام الشافعي، وأبو حنيفة: إن لم تكن الفقهاءُ أولياءَ للَّه، فليس للَّه وليٌّ. وقال إمامنا أحمدُ: هذا في أهلِ الحديث.
وقد أمر عمرُ بالتفقه فقال: تفقَّهوا قبلَ تُسوَّدوا [¬٢]. انتهى. ما رأيته بخط الوالد رحمه اللَّه تعالى.
_________________
(١) [¬١] أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) بلفظ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وصححه الألباني بهذا اللفظ، وقال البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٣٢٥): هذا حديث متنه مشهور وأسانيده ضعيفة لا أعرف له إسنادًا يثبت بمثله الحديث [¬٢] أخرجه البخاري (٧٣) تعليقًا. ووصله البيهقي في «الشعب» (١٦٦٩)، وانظر تغليق التعليق (٢/ ٨١، ٨٢)
[ ١ / ٣٦٩ ]
وأفضَلُها (^١): ما سُنَّ جَمَاعَةً (^٢). وآكَدُهَا (^٣): الكُسُوفُ (^٤). فالاستِسْقَاءُ (^٥). فالتَّرَاوِيحُ (^٦). فالوِتُر (^٧):
(^١) قوله: (وأفضَلُها) أي: صلاة التطوع.
(^٢) قوله: (ما سُنَّ جماعةً) لأنه أشبهَ بالفرائِض. ثم الرواتب. م ص [¬١].
(^٣) قوله: (وآكدُها) أي: آكدُ ما يُسنُّ جماعةً. م ص [¬٢].
(^٤) قوله: (الكُسوفُ) لأنه ﵇ فعلَها، وأمرَ بها [¬٣]. وجهُ تقدُّمه على الاستسقاءِ: خوفُ فوتِها بالانجلاءِ، كالوقت بالزمان. وكذا وجهُ تقديمِ الاستسقاءِ على الوتر.
(^٥) قوله: (فالاسْتِسقَاءُ) لأنه ﵇ كان يستسقي تارةً، ويترك أخرى، بخلافِ الكسوفِ، فلم يترك صلاتَه عنده فيما نُقِل عنه. م ص [¬٤] باختصار.
(^٦) قوله: (فالتراويحُ) لأنها تُسنُّ لها الجماعة.
(^٧) قوله: (فالوِترُ) لأنه تشرعُ له الجماعةُ بعد التراويح، وهو سنَّةٌ مؤكدة. روي عن الإمام أحمد ﵁: من ترك الوتر عمدًا، فهو رجلُ سُوءٍ، لا ينبغي أن تُقبلَ له شهادة. م ص [¬٥].
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٨٥) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٨٥) [¬٣] أخرجه البخاري (١٠٤٤، ٣٢٠١)، ومسلم (٩٠١، ٩١٤) من حديث عائشة وابن عمر [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٨٥) [¬٥] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٨٦)
[ ١ / ٣٧٠ ]
وأقَلُّهُ: رَكعَةٌ (^١). وأكثَرُهُ: إحدَى عَشرَةَ (^٢). وأدنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بسَلامَينِ (^٣)، ويَجُوزُ بِوَاحِدٍ سَرْدًا (^٤).
(^١) قوله: (وأقلُّهُ ركعةٌ) لقوله ﵇: «الوِترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل». رواه مسلم [¬١]. ولا يُكره الاقتصارُ عليها؛ لثبوته عن عًشًرة من الصحابة؛ منهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعائشةُ، رضي اللَّه تعالى عنهم.
(^٢) قوله: (وأكثرُه إحدَى عشرَةَ) ركعة، أي: أكثرُ الوترِ إحدَى عشرةَ ركعةً، يسلِّم من كلِّ ثِنتَين، ويوترُ بركعة؛ لحديث عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ يصلِّي بالليل إحدَى عشرة ركعةً، يوتر منها بواحدة [¬٢]. وهذا أفضلُ من سَردِهَا؛ لأنها أكثرُ عملًا؛ لزيادةِ النية، والتكبيرِ والتسليم. م ص [¬٣] باختصار.
(^٣) قوله: (وأدنَى الكمالِ ثلاثٌ بسلامَين) بأن يصلِّي ثِنتَين ويسلِّمَ، ثمَّ ركعةً ويسلِّم؛ لأنه أكثرُ عملًا.
(^٤) قوله: (ويجوزُ بواحدٍ سَردًا) راجعٌ للمسألتين قبلَه، فيجوزُ أن يصلِّي الإحدَى عشرَةَ ركعةً سَردًا، بسلامٍ واحدٍ؛ بأن يسرُدَ عشرًا، ثم يجلِس فيتشهَّد، ولا يُسلِّم، ثم يأتي بالأخيرة، ويتشهَّد ويسلِّم. ويجوزُ أن يصلِّي الثلاثَ بسلامٍ واحد سَردًا، من غيرِ جُلوسٍ عَقِبَ الثانيةِ؛ لتخالِفَ المغرب. انتهى.
_________________
(١) [¬١] أخرجه مسلم (٧٥٢) من حديث ابن عمر [¬٢] أخرجه مسلم (٧٣٦) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٨٩)
[ ١ / ٣٧١ ]
ووَقتُه (^١): ما بَينَ صَلاةِ العِشَاءِ وطُلُوعِ الفَجْرِ (^٢).
ويَقنُتُ فيهِ: بَعدَ الرُّكُوعِ؛ نَدْبًا (^٣). فلو كبَّر ورَفَعَ يَدَيهِ، ثمَّ قنَتَ قَبلَ الرُّكُوعِ: جاز (^٤).
ولا بَأسَ أن يَدْعُوَ في قُنُوتِهِ بمَا شَاءَ. ومِمَّا ورَدَ (^٥): «اللَّهُمَّ اهدِنا فِيمَن
(^١) قوله: (ووقتُه) أي: وقتُ الوتر.
(^٢) قوله: (ما بين صلاةِ العِشَاءِ وطلوعِ الفَجرِ) قال «م ص» في شرحه ل «لإقناع» [¬١]: وفُهِمَ منه: أنه يصحُّ بعدَ العِشاء قبلَ سنَّتِها، لكنَّه خلافُ الأولى. انتهى.
(^٣) قوله: (ويَقنُتُ فيهِ بعدَ الرُّكُوع) القنوتُ: يطلَق على طُول القيام، وبه فُسِّر قولُه تعالى: ﴿أمن هو قانت آنا الليل﴾ [الزُّمَر: ٩]. وقوله ﷺ: «أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت» [¬٢]. وعلى الطاعةِ والدُّعاء. والمشهورُ الدعاءُ هنا. وقولُهم: دعاءُ القنوتِ. الإضافة بيانية. وهو في الوتر معناه: الدعاءُ دونَ القِيام، أي: دعاءُ القُنوتِ، كما علَّمه جبريلُ للنبيِّ ﷺ.
(^٤) قوله: (فلو كبَّر ورفَع يديه ثمَّ قنَتَ قبلَ الركوعِ، جازَ). لأن الأحاديث كلَّها معلولةٌ، لكن يجوزُ العملُ بالحديثِ الضعيف في فضائلِ الأعمَال، بشرطِ أن لا يشتدَّ ضعفُه، وأن لا ينويَ سنَّة، وأن يعمَلَ به لنفسِهِ. م خ [¬٣].
(^٥) قوله: (وممَّا ورَدَ) فيرفعُ يديه إلى صدرِه، يبسطهما، وبطونُهما نحوَ السماءِ، ولو مأمومًا، ويقول: (اللَّهم … إلخ).
_________________
(١) [¬١] «كشاف القناع» (٣/ ٢٢٥) [¬٢] أخرجه مسلم (٧٥٦) من حديث جابر [¬٣] «حاشية الخلوتي» (١/ ٣٥٩)
[ ١ / ٣٧٢ ]
هَدَيتَ (^١)، وعافِنَا فِيْمَن عافَيْتَ (^٢)، وتَوَلَّنا فِيمَن توَلَّيتَ (^٣)، وبارِكْ لَنا (^٤) فيِمَا أعطَيتَ (^٥)،
(^١) قوله: (اهدِنا فيمَنْ هديتَ) الظرفُ بمعنى: مَعَ، أي: مَعَ مَنْ هَدَيتَ [¬١]، أي: ثَبِّتنا على الهِدايةِ.
فلا يُقال: طلبَ النبيُّ ﷺ الهدايةَ من جِهةِ المُؤْمنين، مع كونِهم مهتَدين، فهو تحصيلُ الحاصل، وهو باطل.
وحاصل الجواب: أنه بمعنى طلبِ التَّثبيتِ [¬٢]، أو بمعنى المزيدِ منها.
(^٢) قوله: (وعافِنا فيمَن عافَيتَ) صيغةُ أمر من: عافاه عافيةً؛ من الأسقامِ والبلاءِ. والمعافاةُ: أن يعافيك اللَّه من النَّاس، ويعافيهِم منِكَ. م ص [¬٣].
(^٣) قوله: (وتولنَّا فيِمَن تولَّيتَ) الوليُّ: ضِدُّ العدوِّ، من تليتَ الشيءَ، اعتنيتَ به، كما ينظرُ الوليُّ في مالِ اليتيم؛ لأن اللَّه تعالى ينظُر في أمرِ ولِيِّه بالعناية. ويجوزُ أن يكون من وليتَ الشيء، إذا لم يكن بينَك وبينه واسطة، بمعنى: أن الوليَّ يقطع الوسائط بينه وبين اللَّه، حتى يصيَر فى مقامِ المُراقبةِ والمشاهَدة، وهو مقامُ الإحسان. م ص [¬٤].
(^٤) قوله: (وباركْ لَنا) البركةُ: الزيادة، أو حلولُ الخير الإلهيِّ في الشيء.
(^٥) قوله: (فيما أعطيتَ) أي: أنعَمتَ به، والعطيةُ: الهِبةُ. م ص [¬٥].
_________________
(١) [¬١] في (ب): «هديته» [¬٢] في النسختين: «التثبت» [¬٣] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٩٤) [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٩٥) [¬٥] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٩٥)
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقِنَا شَرَّ ما قَضَيتَ، إنَّكَ تَقضِى (^١) ولا يُقْضَى علَيكَ (^٢)، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ والَيتَ (^٣)، ولا يَعِزُّ (^٤) مَنْ عادَيتَ (^٥)، تَبارَكتَ (^٦) رَبَّنا وتَعَالَيتَ (^٧)، اللَّهُمَّ
(^١) قوله: (وقِنَا) من الوِقايةِ، وهي الحفظُ بالعنايةِ بدَفعِ (شرِّ ما قضيتَ) بواسطةِ الالتجاءِ إليك في دفعِه، فلا خُلْفَ لِوَعدِك، كما قُلتَ في مُحكَم كتابِك: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غَافر: ٦٠].
وليس هذا من قَبيلِ ردِّ القضاءِ المُبرَم، بل المعلَّق على نحوِ الدُّعاءِ، وصلةِ الرحم، وصلةِ غيرِه بالإحسان. أشار إليه المصنِّفُ على لسانه ﷺ بقوله مؤكِّدًا: (إنَّك تقضِي) بما شئتَ، لا رادَّ لأمرك، ولا مُعقِّبَ لحُكمِكَ.
(^٢) قوله: (ولا يُقضَى عليكَ) لأنك الواحدُ الأحد، لا شريكَ لك في المُلكِ، فنطلبُ موالاتَك.
(^٣) قوله: (لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ) لعِزتكَ، وسلطانِ قَهْرِكَ [¬١].
(^٤) قوله: (ولا يَعِزُّ) بفتح الياءِ، وكسرِ العَين.
(^٥) قوله: (من عادَيتَ) أي: لا ناصرَ له؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين أمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محَمَّد: ١١].
(^٦) قوله: (تباركتَ) تقدَّستَ وتنزَّهت، قال في «القاموس» [¬٢]: تبارك اللَّه: تقدَّسَ وتنزَّه، صفةٌ خاصةٌ باللَّه تعالى. وقال البيضاوي [¬٣]: لا تستعمل إلا للَّه.
(^٧) قوله: (ربَّنا) أي: يا سيدنا ومالكَنا، ومعبودَنا ومُصلِحنا. وقال البيضاوي [¬٤]:
_________________
(١) [¬١] في (أ): «وسلطانِكَ قَهركَ» [¬٢] «القاموس المحيط» (بركة) [¬٣] «تفسير البيضاوي» (٤/ ٢٠٥) [¬٤] انظر المرجع السابق
[ ١ / ٣٧٤ ]
إنَّا نَعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِك، وبِعَفوِك مِنْ عُقُوبَتِكَ (^١)، وبِكَ مِنْكَ (^٢)، لا نُحصِي ثَنَاءً علَيكَ (^٣)، أنتَ كمَا أثنَيتَ على نَفسِكَ» (^٤).
تبارك اللَّه: تعالى شأنُه في قُدرَتِه وحكِمتَهِ. انتهى. فهو معنى: (وتعاليت) ووجهُ تقديمِ «تباركتَ»: الاختصاصُ به ﷾. وفي «المصباح» [¬١]: تعالى تعاليًا، من الارتفاع. انتهى.
وتبارك: تكاثَر خيرُه؛ من البركة، وهي: كثرةُ الخير، أو تزايدَ على كلِّ شيءٍ، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإنَّ البركةَ تتضمَّن معنى الزيادة.
(^١) قوله: (اللَّهمَّ إنَّا نعوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ … إلخ) قال الخطابيُّ [¬٢]: في هذا معنى لطيف، وذلك أنه سأل اللَّهَ تعالى أن يُجيرَه برضاه من سَخَطِه، وبمعافاتِه مِنْ عِقَابِه. والرِّضا والسخَطُ ضدَّان متقابِلان، وكذا المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلمَّا لجأَ إلى ما لا ضدَّ له، وهو اللَّه تعالى، أظهرَ العَجزَ، والانقطاعَ، وفزعَ منه إليه، فاستعاذَ به منه.
(^٢) وقوله: (منك). أي: من مكروهاتِكَ. م ص.
(^٣) قوله: (لا نُحصِي ثناءً عليكَ) أي: لا تُعَدُّ نعمُك، ولا تُضبطُ، ولا يُحفظُ الثناءُ بها عليك، ولا نبلغه، ولا تنتهي غايته. والإحصاء: العدُّ، والضَبطُ، والحِفظُ. م ص [¬٣] بإيضاح.
(^٤) قوله: (كما أثنيتَ على نَفسِكَ) اعترافٌ بالعجز عن الثناءِ، وردٌّ إلى المُحيطِ
_________________
(١) [¬١] (١/ ٢٢١) مادة (ع ل و) [¬٢] انظر «شأن الدعاء» (ص ١٥٨) [¬٣] «كشاف القناع» (٣/ ٣٧)
[ ١ / ٣٧٥ ]
ثمَّ يُصَلِّي علَى النَّبيِّ ﷺ (^١)، ويُؤَمِّنُ المَأمُومُ (^٢). ثُمَّ يَمسَحُ وَجهَهُ بِيَدَيهِ: هُنَا (^٣)، وخارِجَ الصَّلاةِ (^٤). وكُرِهَ: القُنُوتُ في غَيرِ الوِتْرِ (^٥).
علمُه بكلِّ شيء جملةً وتفصيلًا، كما أنَّه لا نهايةَ لسُلطانِه وعَظَمتِه، لا نهايةَ للثناءِ عليه؛ لأنه تابعٌ للمُثنَى عليه. م ص [¬١].
(^١) قوله: (ثمَّ يُصلِّي على النَّبي ﷺ نص عليه. ولا بأس بقوله: وعلى آله؛ لحديث: «الدعاءُ موقوفٌ بينَ السماءِ والأَرض، لا يصعدُ منه شيءٌ، حتَّى تصلِّي على نبيِّك». رواه الترمذي [¬٢].
(^٢) قوله: (ويؤمِّنُ المأمُومُ) إن سمِعَه.
(^٣) قوله: (ثمَّ يمسحُ وجهَهَ بيديه هنا) أي: عَقِبَ القُنوتِ.
(^٤) قوله: (وخارجَ الصَّلاةِ) أي: ويمسحُ وجهَهَ أيضًا خارجَ الصَّلاة إذا دعا. ويقول المنَفرِدُ: اللهم اهدِني. بصيغة الإفراد … إلخ.
(^٥) قوله: (وكُرِهَ القُنُوتُ في غيرِ الوِترِ) إلا إذا نزل بالمسلمين نازلةٌ، أي: شدَّةٌ من شدائدِ الدَّهر، كالظُّلمَةِ نَهارًا، والزِلزالِ، والصَّواعقِ، غير الطَّاعون. فيقنتُ الإمامُ الأعظمُ ندبًا في الفرائض غيرِ الجُمُعة، ويُجهَرُ به في جهريَّة.
ومن ائتم بقانتٍ في فجرٍ، تابعَ الإمامَ، وأمَّن، فيقفُ من غيرِ رفعٍ ليديه ولا دعاءٍ، ولو لم يسمعْه. ويقولُ بعد وترِه: سبحانَ الملِكِ القدُّوسِ. ثلاثًا، يمدُّ صوتَه في الثالثة. ع [¬٣].
_________________
(١) [¬١] «كشاف القناع» (٣/ ٣٧) [¬٢] أخرجه الترمذي (٤٨٦) عن عمر، موقوفًا. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٤٣٢)، وسيأتي في باب صلاة الاستسقاء [¬٣] «هداية الراغب» (٢/ ١٢٩)
[ ١ / ٣٧٦ ]
وأفضَلُ الرَّوَاتِبِ: سُنَّةُ الفَجْرِ (^١)، ثمَّ المَغرِبِ (^٢)، ثُمَّ سَوَاءٌ (^٣).
والرَّوَاتِبُ المُؤَكَّدَةُ عَشْرٌ (^٤):
(^١) قوله: (وأفضَلُ الرَّواتبِ سُنَّةُ الفَجرِ) لقوله: ﷺ: «صلُّوا ركعتَي الفَجرِ، ولو طردتكم الخيلُ» [¬١]. ويُسنُّ تخفيفُها، والاضطجاعُ بعدَها على جنبه الأيمن، نصَّ عليه الإمامُ أحمد.
(^٢) قوله: (ثمَّ المغرِبِ) أي: ثمَّ سُنَّةُ المغرِبِ؛ لحديث عبيدٍ مولى رسولِ اللَّه ﷺ أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يُصلِّي بينَ المغرِبِ والعِشاء [¬٢].
ويُسنُّ أن يقرأ في ركعتي الفُجرِ، وركعتَي المَغرِبِ؛ في أُولاهما بعد الفاتحة: ﴿قل يأيها الكافرون﴾ [الكافِرون: ١]. وفي الثانيةِ بعدَ الفاتحةِ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. للخبر. صوالحي [¬٣].
(^٣) قوله: (ثمَّ سواءٌ) أي: ثمَّ بقيةُ الرواتب سواءٌ في الفَضيلَةِ.
(^٤) قوله: (والرواتبُ المؤَكَّدةُ عشر) ركعاتٍ يتأكَّد فِعلُها، ويُكره تركُها، وتسقُطُ العدالةُ بذلك، إلا في سَفَرٍ، فيُخيَّر بين الفِعل وتركِه، إلا سُنَّة فجرٍ ووترٍ، فيُفعلان في السفرِ. قال بعضهم: والحكمةُ فيها: أنَّها تُكمِّلُ ما نَقَصَ من الفرائض نَقصًا غيرَ مُبطِلٍ، كَتركِ الخُشوعِ، وتدبُّرِ القراءة، ونحوِ ذلك. ح ف.
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (١٥/ ١٤٣) (٩٢٥٣)، وأبو داود (١٢٥٨) من حديث أبي هريرة. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٤٣٨) [¬٢] أخرجه أحمد (٣٩/ ٥٩) (٢٣٦٥٢) وضعفه الألباني في «الإرواء» (٤٣٩) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٣٣٦)
[ ١ / ٣٧٧ ]
رَكعَتَانِ قَبلَ الظُّهرِ (^١). ورَكعَتَانِ بَعدَهَا. ورَكعَتَانِ بَعدَ المَغرِبِ. ورَكعَتَانِ بَعدَ العِشَاءِ. ورَكعَتَانِ قَبلَ الفَجْرِ.
ويُسَنُّ: قَضَاءُ الرَّوَاتِبِ والوِتْرِ. إلَّا: ما فَاتَ معَ فَرضِهِ وكَثُرَ، فالأَوْلَى تَركُهُ (^٢). وفِعْلُ الكُلِّ (^٣) بِبَيتٍ: أفضلُ (^٤).
ويُسَنُّ: الفَصْلُ بَينَ الفَرضِ وسُنَّتِهِ بِقِيَامٍ، أو كَلامٍ (^٥).
(^١) قوله: (ركعتانِ قبلَ الظهر … إلخ) لحديث ابنِ عمر قال: حفِظتُ من رسول اللَّه ﷺ عشرَ رَكَعَاتٍ .. الحديث [¬١].
ولا سُنَّةَ راتبة لجمعةٍ قبلَها، وأقلُّها بعدَها ركعتان، كما تقدَّم، وفِعلُها مكانَ مصلَّاه أفضلُ نصًّا. وأكثرُ سنَّةِ الجُمُعةِ بعدَها سِتٌّ.
والسُننُ غيرُ الرواتب؛ أربعٌ قبلَ الظُّهر، وأربعٌ بعدَها، وأربعٌ قبلَ الجُمُعة، وأربعٌ قبلَ العَصر، وأربعٌ بعدَ المغرب، وأربعٌ بعدَ العِشاء. ويُسنُّ لمن شاءَ قبلَ المَغرِب ركعتان، ويُسنُّ ركعتانِ بعدَ الوتر جالسًا. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (فالأَولَى تركُه) كما تقدَّم، إلا سُنَّةَ الفجر.
(^٣) قوله: (وفعل الكلِّ) أي: جميع الرواتب.
(^٤) قوله: (ببيتٍ أفضلُ) من الفعلِ بالمسجِد.
(^٥) قوله: (ويُسنُّ الفصلُ .. إلخ) لأمره ﷺ معاويةَ بذلك [¬٣].
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١١٨٠، ١١٨١) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٣٣٧) [¬٣] أخرجه مسلم (٨٨٣) من حديث معاوية
[ ١ / ٣٧٨ ]
والتَّرَاويحُ: عِشرُونَ رَكعَةً بِرَمَضَانَ (^١).
ووَقتُها (^٢): ما بَينَ العِشَاءِ والوِتْرِ (^٣).
(^١) قوله: (والتراويحُ عِشرونَ ركعةً برمضانَ) جماعةً؛ لما روى مالكٌ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمنِ عُمَرَ في رمضانَ بثلاثٍ وعشرين ركعة [¬١].
سُمِّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يجِلسونَ بين كلِّ أربعٍ، يستريحونَ. وقيلَ: مشتقةٌ من المراوحَةِ، وهي: التَّكرَارُ في الفِعل. والسِّرُ في أنها عشرون: أنَّ الرواتب عشر، فضوعِفَت في رمضان؛ لأنَّه وقتُ جدٍّ.
ويجهَرُ بالقراءة فيها إمامٌ. وهي سُنَّة مؤكدة، سنَّها النبيُّ ﷺ، وليست مُحدَثَةً لعُمَرَ، وهي من أعلامِ الدِّين الظاهرة. ولا بأس بزيادةٍ عن عشرينَ ركعة نصًّا. ويُسلِّم من كلِّ ركعتين.
وفي «الآداب الكبرى» [¬٢]: التراويح: قيام الليل، واقتصر عليها خلق. قال في «الكافي» [¬٣]: وهي قيامُ رمضان.
ومن أوترَ، ثمَّ أراد التطوُّع، لم ينقُضْه، وصلَّى شَفعًا، ما شاءَ. ويُكره التطوُّع بين التراويح. ح ع [¬٤].
(^٢) قوله: (ووقتُها) أي: وقتُ صلاةِ التراويح.
(^٣) قوله: (ما بينَ العِشاءِ والوِترِ) وبعد صلاةِ سُنَّتها، ويصحُّ فعلُها قبلَ سنَّتها
_________________
(١) [¬١] الموطأ (١/ ١١٥) [¬٢] «الآداب» (٢/ ٣٧٩) [¬٣] (١/ ٣٤٦) [¬٤] انظر «حواشي الإقناع» (١/ ٢٥٢)
[ ١ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكنْ خلافُ الأَولى، وفعلُها في مسجدٍ وأوَّلَ الليلِ أفضلُ، والسُّنَّةُ أن يوتر بعدَ التراويح جماعةً ثلاثَ ركَعَات، والأفضلُ لمن له تهجُّدٌ أن يوترَ بعدَه استحبابًا. صوالحي بإيضاح [¬١].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٣٣٩)
[ ١ / ٣٨٠ ]
فَصْلٌ
وصَلاةُ اللَّيلِ: أفضَلُ مِنْ صَلاةِ النَّهَارِ (^١). والنِّصفُ الأَخِيرُ: أفضَلُ مِنَ الأَوَّلِ (^٢). والتَّهَجُّدُ: ما كَانَ بَعدَ النَّومِ (^٣).
ويُسَنُّ: قِيَامُ اللَّيلِ (^٤).