بابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ
بتثليث الميم، وإسكانِها، والأصلُ الضَّم. ذكره الكرماني.
فُرضَت بمكةَ قبلَ الهِجرة. وقال الشيخُ [¬١]: فُعِلَت بمكةَ على صفة الجواز، وفُرِضَت بالمدينة.
سُمِّيت بذلك؛ لجمعها الجماعات، أو لجمعِ طينِ آدمَ فيها. وقيل: لأن آدم جُمِع فيها خلقُه. رواه الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة [¬٢]. وقيل: جُمع مع حواءَ في الأرض فيها. وقيل: لِمَا جُمِع فيها من الخير. وقيل: أول من سمَّاه يومَ الجمعة كعبُ بنُ لؤي. واسمُه القديمُ: يومُ العروبة.
ويومُها أفضلُ أيام الأسبوع. وصلاة الجمعة مستقلةٌ، ليست بَدَلًا عن الظهر، وأفضلُ من الظهر، وفَرضُ الوقتِ، فلو صلَّى الظهر أهلُ بلَدٍ مع بقاءِ وقت الجمعة، لم تصح. وتؤخَّرُ فائتةٌ لخوفِ فوتِها. والظُّهرُ بدلٌ عنها إذا فاتت.
والأصلُ في مشروعيتها قولُه تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجُمُعَة: ٩]. الآية. ع [¬٣].
_________________
(١) [¬١] أي: الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى [¬٢] أخرجه أحمد (١٣/ ٤٦٦) (٨١٠٢). وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٤٣٠) [¬٣] «هداية الراغب» (٢/ ١٨٥)
[ ١ / ٤٦٠ ]
تَجِبُ (^١): على كُلِّ ذَكَرٍ (^٢)، مُسلِمٍ، مُكلَّفٍ (^٣) حُرٍّ (^٤)، لا عُذْرَ لَهُ (^٥). وكذَا: علَى مُسَافِرٍ لا يُبَاحُ لَهُ القَصْرُ (^٦)،
(^١) قوله: (تجبُ) الجمعة، وجوبَ عين.
(^٢) قوله: (على كلِّ ذكَرٍ) لا امرأةٍ، ولا خُنثى مُشكلٍ؛ لأنه لا يُعلم كونُه رجلًا، لكن يُستحب له الحضورُ؛ احتياطًا. م ص [¬١].
(^٣) قوله: (مسلِمٍ مكلَّفٍ) لأن الإسلامَ والعقلَ شرطان للتكليف، وصحةِ العبادة، فلا تجبُ على مجنونِ إجماعًا، ولا على صبيٍّ، على الصحيحِ من المذهب؛ لما روى طارقُ بن شِهاب مرفوعًا: «الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جَماعةٍ، إلا أربعةٌ؛ عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ» [¬٢]. صوالحي وزيادة [¬٣].
(^٤) قوله: (حُرٍّ) لأن العبدَ محبوسٌ على سيده، أشبهَ المحبوسَ بالدَّين.
(^٥) قوله: (لا عُذرَ لهُ) من مرضٍ ونحوِه مما تقدَّم؛ ممن يُعذر بتركِ الجُمعة والجماعة.
(^٦) قوله: (وكذا على مسافرٍ) أي: وتجبُ الجمعةُ على مسافرٍ (لا يباحُ له القصرُ) في سفره، كمسافرٍ سفرَ معصية، أو مَنْ سفرُه دونَ المسافة، فتلزمه بغيره [¬٤]. صوالحي [¬٥].
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٨) [¬٢] أخرجه أبو داود (١٠٦٧) وصححه الألباني في «الإرواء» (٥٩٢) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٥) [¬٤] في الأصل: «لغيره» [¬٥] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٥)
[ ١ / ٤٦١ ]
و: علَى مُقِيمٍ خَارِجَ البَلَدِ، إذا كانَ بَينَهُمَا وبَينَ الجُمُعَةِ (^١) - وَقْتَ فِعلِهَا- فَرسَخٌ فأَقَلُّ (^٢).
ولا تَجِبُ: علَى مَنْ يُبَاحُ لَهُ القَصْرُ، ولا: عَلى عَبْدٍ، ومُبَعَّضٍ، وامرَأَةٍ (^٣). ومَن حَضَرَهَا (^٤) مِنهُم: أجزَأَتْهُ (^٥)، ولَم يُحْسَب- هُوَ (^٦)
(^١) قوله: (وعلى مُقيمٍ خارجَ البلَدِ) أي: وتجبُ الجُمعةُ على مقيمٍ خارجَ البلد، (إذا كان بينَهما) أي: بين المسافر الذي لا يُباح له القصر، والمقيمِ الذي خارجَ البلد (وبينَ الجمُعة)، أي: بين محلِّ ما تقامُ فيه الجُمعة، فهو على حذفِ مضَافٍ.
(^٢) قوله: (وقتَ فِعِلها فرسخٌ) عندَ وقتِ فعلِها، إذا كان فَرسخًا (فأَقلُّ) من فرسَخٍ، لا أكثر.
(^٣) قوله: (ولا تَجِبُ على مَنْ يُباحُ له القَصرُ … إلخ) هذا محترزُ القيودِ المتقدِّمة، أي: ولا تجبُ الجمعةُ على مسافرٍ؛ ممن يُباحُ له القصر، ولا تَجبُ الجمعةُ على عبدٍ، ومبعَّضٍ، ولا على امرأةٍ، كما تقدَّم.
(^٤) قوله: (ومن حضَرَها) أي: الجمعة، ممن لا تجب عليهم؛ من مسافرٍ، وعبدٍ ومبعَّضٍ، وامرأةٍ وخُنثى.
(^٥) قوله: (منهم أجزأتهُ) عن الظُّهر؛ لأن إسقاطَ الجُمعة عنهم تخفيفًا. صوالحي [¬١].
(^٦) قوله: (ولم يُحسَب هُوَ) أي: من حضرَها منهم.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٦)
[ ١ / ٤٦٢ ]
ولا مَنْ لَيسَ مِنْ أهلِ البَلَدِ- مِنْ الأَربَعِينَ (^١). ولا تصِحُّ إمامَتُهُم فِيهَا (^٢).
(^١) قوله: (ولا من ليسَ من أهلِ البلد … إلخ) أي: ولا يحسَب من ليسَ من أهلِ البلد من عددِ الأربعين؛ لأنهم ليسوا من أهل الوجوب، وإنما تصِحُّ منهم الجمعة؛ تبعًا لمن انعقدت به.
(^٢) قوله: (ولا تصِحُّ إمامتُهم فيها) لئلا يصيرَ التابعُ متبوعًا. ولا تصِحُّ أيضًا إمامةُ من لزمته الجمعةُ بغيره فيها، كمسافرٍ أقامَ؛ لأنه ليس من أهل البلد، وكذا مَنْ بينَه وبين موضِعها فرسخٌ.
والمريضُ، والخائفُ على نفسِه ومالِه، ونحوِه؛ ممن له شُغلٌ، أو عذر يبيح [¬١] ترك الجمعة، إذا حضرها، وجبت عليه، وانعقدَت به، وجازَ أن يؤمَّ فيها؛ لأن الساقِط عنه الحضورُ للمشقة، فإن تكلَّفها وحَضَر، تعيَّنت.
ولا تصِحُّ صلاةُ الظُّهر يومَ الجمعةِ قبلَ تجميعِ الإمام لصلاة الجمعة بفراغِ ما تُدركُ به؛ ممَّن يلزمه حضورُ الجُمعة بنفسه إذا كان من أهل البلد، أو بغيره؛ كمن كان مسافرًا، فأقامَ ببلدٍ ليسَ من أهلِها، فإنه تلزمه الجمعةُ بغيرِه، إذا كان العددُ من أهلها تامًّا. وتصِحُّ من معذورٍ، قبلَ تجميع الإمام؛ لأنها فرضُه، وقد أدَّاه.
وحرُم سفرُ من تلزمُه في يومِها بعدَ الزوال حتَّى يصلِّيها، إن لم يخَفْ فوتَ رِفقةٍ. وكُرِهَ قبلَ الزوال، إن لم يأت بها في طريقِه. انتهى. صوالحي [¬٢].
_________________
(١) [¬١] في النسختين: «لا يبيح» [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٧)
[ ١ / ٤٦٣ ]
وشُرِطَ لِصِحَّةِ الجُمُعَةِ أربَعَةُ شُرُوطٍ (^١):
أحَدُها: الوَقْتُ (^٢). وهُو: مِنْ أوَّلِ وَقتِ العِيدِ (^٣)، إلى آخِرِ وَقتِ الظُّهْرِ (^٤). وتَجِبُ: بالزَّوالِ (^٥)، وبَعْدَهُ: أفْضَلُ (^٦).
(^١) قوله: (وشُرِطَ لصحَّةِ الجُمُعةِ أربعةُ شُروطٍ) مع بقيَّةِ شروطِ الصلاة إلَّا الوقت؛ لذِكره هُنا. ح ف.
(^٢) قوله: (أحدُها: الوَقْتُ) لأنها صلاةٌ مفروضة، فاشتُرطَ لها الوقتُ، كبقيةِ الصلوات، فلا تصِحُّ قبلَ الوقت ولا بعدَه إجماعًا. قاله في «المبدع». عثمان [¬١].
(^٣) قوله: (وهو مِنْ أوَّلِ وقتِ العيد) وهو ارتفاعُ الشمس قِيدَ رُمحٍ؛ لأن ابن مسعود ومعاويةَ صلياها ضُحىً، وقالا: إنما جَمَّعنا خشيةً عليكم الحرَّ. وعُلِمَ منه: أنها لا تصِحُّ قبل ذلك. وقيل: تجوزُ بعدَ طلوع الفَجر. ح ف.
(^٤) قوله: (إلى آخرِ وقتِ الظُّهر) إلحاقًا لها بها؛ لوقوعِها موضعَها.
(^٥) قوله: (وتجبُ بالزَّوال) أي: وتجبُ الجمعةُ بحصولِ الزوال؛ لأن ما قبلَه وقتُ جوازٍ ورُخصةٍ.
(^٦) قوله: (وبعده أفضلُ) خروجًا من الخلاف. ولأنه الوقتُ الذي كان ﷺ يصلِّيها فيه في أكثرِ أوقاتِها. والأَولى فعلُها عَقِب الزوال، صَيفًا وشِتاءً.
وتُدرَكُ الجُمعةُ في الوقتِ بركعة، فإن لم تُدرك فيها الركعة، صلَّوا ظهرًا. انتهى. صوالحي وزيادة [¬٢].
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (٢/ ١٨٨) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٨)
[ ١ / ٤٦٤ ]
الثَّاني: أنْ تَكُونَ بِقَرْيَةٍ (^١)، ولَو مِنْ قَصَبٍ (^٢)، يَستَوطِنُهَا (^٣) أربَعُونَ (^٤)، استِيطَانَ إقامَةٍ (^٥)،
(^١) قوله: (الثاني: أن تكونَ بقريةٍ) الشرطُ الثاني: أن تكونَ صلاةُ الجُمعَةِ بقريةٍ مبنيَّةٍ بما جرت العادةُ به من آجُرٍّ، أو لَبِنٍ، أو خشبٍ. فلا تُتَمَّمُ من مكانين متقاربَيَن لم يشمله اسمٌ واحدٌ. صوالحي وزيادة [¬١].
(^٢) قوله: (ولو مِنْ قَصَبٍ) أي: ولو كانت القريةُ من قَصَبٍ. وأمَّا أهلُ الخِيامِ وبُيوتِ الشعر، فلا جمعةَ عليهم؛ لأن العرب كانوا حولَ المدينة، وكانوا لا يصلُّون الجمعةَ، ولا أمرهم ﵇ بها، ولأنهم على هيئة المُستَوفِزِين. م ص.
(^٣) قوله: (يستوطِنُها) أي: القرية.
(^٤) قوله: (أربعون) رجلًا بالإمام؛ لما رواه أبو داود، عن كعب بن مالك، قال: أول من صلَّى بنا الجمعة في نقيعِ الخَضِمات [¬٢] أسعد بن زرارة، وكنا أربعين. صححه ابن حبان [¬٣]. ولم ينقل عمن يقتدى به أنها صليت بدون ذلك. صوالحي [¬٤].
(^٥) قوله: (استيطانَ) منصوبٌ على المصدرية، وهو مضاف، و(إقامةٍ) مضافٌ إليه.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٨) [¬٢] من أودية الحجاز يدفع سيله إلى المدينة يسلكه العرب إلى مكة. «معجم البلدان» (٥/ ٣٠١) [¬٣] أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وابن حبان (٧٠١٣) وحسنه الألباني في «الإرواء» (٦٠٠) [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٩)
[ ١ / ٤٦٥ ]
لا يَظعَنُونَ صَيفًا ولا شِتَاءً (^١). وتَصِحُّ: فِيمَا قارَبَ البُنيَانَ (^٢) مِنْ الصَّحرَاءِ (^٣).
الثَّالِثُ: حُضُورُ أربَعِينَ (^٤).
(^١) قوله: (لا يَظعنُونَ) أي: بحيثُ لا يرتحِلون عن القرية (صَيفًا ولا شِتاءً) ولو فراسخ، فلا جُمعة على أهلِ خَرْكٍ وخِيامٍ … إلخ كما تقدم.
(^٢) قوله: (وتصِحُّ فيما قاربَ البُنيان) يعني: تصحُّ صلاةُ الجمعة في مكانٍ قاربَ البنيان.
(^٣) قوله: (مِنْ الصَّحراء) ولو بلا عُذر. بيان ل «ما»، أي: وتصح إقامةُ الجُمعَة بمكانِ من الصحراء قريبٍ من البلَد؛ بأن يكون بينهما فرسخٌ فأقلُّ. فالاستيطانُ بموضعٍ قريبٍ من مَوضِعِ إقامتِها كالاستيطانِ بموضعِ إقامتها. وقيَّد بالصحراء؛ لأن الجُمَعَ كانت تقامُ بها في الصدر الأول، فلا يُشترط لها المسجد، ولا البُنيان، ولا يُشترط لها المصر أيضًا، خلافًا لأبي حنيفة. ح ف وزيادة.
(^٤) قوله: (الثالثُ: حضورُ أربعين) رجلًا الخُطبةَ والصَّلاةَ من أهلِ وجوبِها صفة لأربعين، أي: أربعين كائنين ممَّن تلزمُهم الجمعةُ.
قال الصوالحي [¬١]: ولو كان فيهم خُرْسٌ غيرُ الخطيب صحَّت، أو صُمٌّ؛ لوجودِ الشرط. فإن كانوا كلُّهم خُرسًا حتى الخطيب أو كانوا كلُّهم صُمًّا، لم تصحَّ جمعتُهم؛ لفوات الخُطبة في صورة الخُرسِ، ولفواتِ سماعِها في صورة الصُّمِّ. قال شيخنا في «حاشية الإقناع»: لكن إذا كان كلُّهم طُرشًا
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٩)
[ ١ / ٤٦٦ ]
فإنْ نقَصُوا (^١) قَبْلَ إتمَامِهَا: استَأنَفُوا ظُهرًا (^٢).
الرَّابِعُ: تَقَدُّمُ خُطبَتَينِ (^٣).
غيرُ الإمام، لم يحصُل مقصودُ الخُطبة، فلا ينبغي أن تصِحَّ على مقتضى تعليلِهم. اه.
(^١) قوله: (فإن نقصوا) الأربعون.
(^٢) قوله: (استأنفوا ظُهرًا) لأن العددَ شرطٌ، فاعتُبر في جميعِها، كالطَّهارة. والمسبوقُ إنَّما صحت منه؛ تبعًا لصحتها ممن لم يحضر الخطبة، إن لم تمكن إعادتها جمعة بشروطها. فإن أمكنت، وجبت؛ لأنها فرضُ الوقت. م ص [¬١].
(^٣) قوله: (الرابُع: تَقدُّم خُطبتَين) الرابع من الشروط: تقدُّمُ خطبتين؛ لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجُمُعَة: ٩]. والذِّكر هو الخطبة. والأمر بالسعي إليه دليلُ وجوبه، ولمواظبته ﵊ على ذلك. قال ابنُ عمر: كان ﵊ يخطُبُ خُطبتَين وهو قائمٌ، يفصِلُ بينهما بجلوس. متفق عليه [¬٢]. والخطبتان بدلُ ركعتين؛ لقول عمر وعائشة رضي اللَّه تعالى عنهما: قُصِرَت الصلاةُ من أجلِ الخُطبة [¬٣]. لا بدلُ ركعتين من الظُّهر؛ لأن الجُمعةَ ليست بدلًا عن الظُّهر، بل مستقِلَّة، كما تقدَّمَ. صوالحي [¬٤].
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (٢/ ١٤) [¬٢] أخرجه البخاري (٩٢٨)، ومسلم (٨٦١) [¬٣] أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٧٩) عن عمر، ولم أجده عن عائشة. وانظر «الإرواء» (٦٠٥) فقد ضعفه عن عمر [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ٤٠٠)
[ ١ / ٤٦٧ ]
مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا (^١) خَمسَةُ أشيَاءَ: الوَقْتُ (^٢). والنِّيَّةُ (^٣). ووُقُوعُهُمَا حَضَرًا (^٤). وحُضُورُ الأَربَعِينَ (^٥). وأن يَكُونَا (^٦) مِمَّنْ تَصِحُّ إمامَتُهُ فِيهَا (^٧).
(^١) قوله: (مِنْ شَرطِ صِحَّتِهمَا) أي: من شروطِ صحَّةِ الخُطبتَين. والمرادُ بالشرط هنا: ما تتوقفُ عليه الصِحَّة، أعمُّ من أن يكونَ داخلًا أو خارجًا. عثمان [¬١].
(^٢) قوله: (الوقتُ) أحدُها: الوقت. فلا تصِحُّ واحدةٌ منهما قبلَه.
(^٣) قوله: (والنيَّةُ) والثاني من الخمسةِ أشياء: النيَّةُ للخُطبتين.
(^٤) قوله: (ووقوعُهما حَضَرًا) والثالث: وقوعُهما أي: الخُطبتين في الحضَرِ دونَ السفر.
(^٥) قوله: (وحضورُ الأربعين) والرابع: حضورُ الأربعين الخطبتين لسماعِ العددِ الواجب؛ لأنه ذِكرٌ اشتُرِط للصلاة؛ فاشتُرط له العدد، كتكبيرةِ الإحرام. فإن نقَصوا، وعادوا قبل فَوتِ رُكنٍ منها، بنوا. وإن كثُر التفريقُ، أو فاتَ منها ركنٌ، أو أحدَث فتطهَّر، استأنف مع سَعَةِ الوقت. عثمان [¬٢].
(^٦) قوله: (وأن يكونا) الخامِسُ: أن يكونا. أي: الخطبتان.
(^٧) قوله: (ممَّن تصِحُّ إمامتُه) بأن يكون مستوفيًا للشروط السابقة، فلا تصِح خُطبةُ من لا تجبُ عليه بنفسِه، كعبدٍ، ومسافرٍ، ولو أقامَ لعلمٍ أو شُغلٍ بلا استيطان؛ لما تقدم. م ص [¬٣].
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (٢/ ١٩١) [¬٢] «هداية الراغب» (٢/ ١٩٣) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (٢/ ١٨)
[ ١ / ٤٦٨ ]
وأركانُهُما (^١) سِتَّةٌ: حَمدُ الله (^٢). والصَّلاةُ على رَسُولِ الله (^٣). وقِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (^٤). والوَصِيَّةُ بتَقوَى اللَّهِ (^٥).
(^١) قوله: (وأركانُهما) أي: الخطبتين.
(^٢) قوله: (سِتَّةٌ: حمدُ اللَّه) تعالى، أي: سِتَّةُ أركانٍ، أحدُها: حمدُ اللَّه تعالى، أي: بلفظ «الحمدُ للَّه»؛ لحديث ابن مسعود، وحديث أبي هريرة [¬١].
(^٣) قوله: (والصلاةُ على رسولِ اللَّه) لأن كلَّ عبادةٍ افتقرت إلى ذِكر اللَّه، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ويتعيَّن لفظُ الصلاة. والظاهِرُ أن المجزئَ منها ما يُجزئُ في تشهُّد الصلاة، كما أفتى به بعضُ مشايخنا، وهو الشيخ محمد بن بلبان. عثمان [¬٢].
(^٤) قوله: (وقراءةُ آيةٍ من كِتابِ اللَّه) والثالثُ: قراءةُ آية من كتاب اللَّه تعالى كاملة. ولا تُجزئ آيةٌ لا تَستقِلُّ بمعنًى أو حُكم، كقوله: ﴿ثم نظر﴾ [المدَّثِّر: ٢١]. أو: ﴿مدهامتان﴾ [الرَّحمن: ٦٤]. ذكره أبو المعالي وغيرُه.
والمذهبُ: لابدَّ من قراءةِ آيةٍ، ولو جُنُبًا مع تحريمِها. فلو قرأ ما تضمَّن الحمدَ والموعِظَة، ثمَّ صلَّى على [¬٣] النبي ﷺ، أجزأ. عثمان [¬٤].
(^٥) قوله: (والوصيَّةُ بتقوى اللَّه) والرابع: الوصيةُ بتقوى اللَّه ﷿؛ لأنه المقصودُ، قال في «المبدع» [¬٥]: ويبدأ بالحمد للَّه، ثم الصلاة، ثم
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٤) (٣٧٢١)، وأبو داود (١٠٩٧)، والنسائي (٣٢٧٧) من حديث ابن مسعود. وانظر «خطبة الحاجة» للألباني (ص ١٠، ١١) [¬٢] «هداية الراغب» (٢/ ١٩٢) [¬٣] من هنا ابتداءُ السقط في النسخة (ب) والذي استمر حتى آخر باب زكاة السائمة [¬٤] «هداية الراغب» (٢/ ١٩٢) [¬٥] (٢/ ١٥٩)
[ ١ / ٤٦٩ ]
ومُوالاتُهُمَا (^١) مَعَ الصَّلاةِ (^٢). والجَهْرُ بِحَيثُ يُسمِعُ العَدَدَ المُعتَبَرَ، حَيثُ لا مانِعَ (^٣).
الموعظة، ثم القراءة؛ في ظاهر كلام جماعة. ولابد في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان.
قال في «التلخيص»: ولا يتعين لفظها [¬١]، وأقلها: اتقوا اللَّه، وأطيعوا اللَّه، ونحوه. وذكر أبو المعالي، والشيخُ تقي الدين: لا يكفي ذكرُ الموت، وذمُّ الدنيا، ولابدَّ أن يحركَ القلوبَ، ويبعثَ بها إلى الخير، فلو اقتصر على: أطيعوا اللَّه واجتنبوا معاصيه. فالأظهر: لا يكفي، ولو كان فيه وصية؛ لأنه لابدَّ من اسم الخُطبة عرفًا. ش ع [¬٢].
(^١) قوله: (وموالاتُهما) والخامس: موالاتهما، أي: الخطبتين، فتُشترط الموالاةُ بين أجزاءِ الخُطبتين، وبينَهما وبينَ الصلاة؛ لأنه لم يُنقل عنه ﵇ خلافُه. م ص [¬٣].
(^٢) قوله: (معَ الصَّلاةِ) فلا يفصِلُ بينَ شيءٍ منهما، ولا بينَ الصلاةِ فصْلًا طويلًا. صوالحي [¬٤].
(^٣) قوله: (والجهرُ، بحيث يُسمِعُ العددَ) والسادسُ: الجهرُ بالخطبتين، «بحيث يُسمع … إلخ» بضم أوله، أي: يُسمع الخطيبُ الجماعةَ المعتبرَ حضورُهم القدرَ الواجب من الخطبتين، وقوله: (حيثُ لا مانِع) أي: لهم
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «لفظهما» [¬٢] «كشاف القناع» (٣/ ٣٤٦) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (٢/ ١٩) [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ٤٠٢)
[ ١ / ٤٧٠ ]
وسُنَنُهُما (^١): الطَّهارَةُ (^٢). وسَتْرُ العَورَةِ (^٣). وإزالَةُ النَّجَاسَةِ (^٤). والدُّعَاءُ للمُسلِمِينَ (^٥). وأنْ يَتَوَلَّاهُمَا، معَ الصَّلاةِ، واحِدٌ (^٦).
من سماعِه، كنومٍ، أو غفلةٍ، أو صمَمِ بعضِهم. فإن لم يسمَعوا؛ لخفضِ صوتِه، أو بُعدِهم عنه، ونحوه، لم يصحُّ؛ لعدم حصولِ المقصودِ. عثمان [¬١].
(^١) قوله: (وسُننهُما) أي: الخُطبتين، تسعةُ أشياء.
(^٢) قوله: (الطَّهارةُ) من الحدثين. فتصِحُّ من محدِثٍ حدثًا أصغر، أو أكبر. صوالحي [¬٢].
(^٣) قوله: (وسَترُ العورَة) فتصِحُّ من مكشُوفِها.
(^٤) قوله: (وإزالةُ النَّجاسَةِ) من بدنٍ، وثوبٍ.
(^٥) قوله: (والدعاءُ للمسلمين) ذكورًا وإناثًا؛ لأنه مسنونٌ في غير الخُطبة، ففيها أولى. وهو يشملُ المسلماتِ تغليبًا؛ لما رواه حربٌ، أنه ﷺ كان إذا خَطَبَ يومَ الجُمعة دعا وأشار بإصبعه، وأمَّن الناس [¬٣]. صوالحي [¬٤].
(^٦) قوله: (وأن يتولَّاهُما مع الصَّلاةِ واحدٌ) فلو خَطَبَ واحدٌ الأولى، وآخرُ الثانيةَ، أجزأتا. وسُنَّ أن يتولَّاهما من تولَّى الصلاة؛ لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ بمفردِها. ولا يُشترطُ حضوُر متولِّي الصلاةِ الخُطبة، ما لم يكن من تَمام
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (٢/ ١٩٣) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٤٠٢) [¬٣] أخرجه البيهقي (٣/ ٢١٠) عن الزهري معلقًا. وقال عقبه: ورواه قرة عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة موصولًا وليس بصحيح. وانظر «الإرواء» (٦١٣) [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ٤٠٣)
[ ١ / ٤٧١ ]
ورَفعُ الصَّوتِ بهِمَا حَسَبَ الطَّاقَةِ (^١). وأنْ يَخطُبَ قائِمًا على مُرتَفَعٍ (^٢)، مُعتَمِدًا على سَيفٍ، أو عَصًا (^٣).
الأربعين، فلا بدَّ من حضورِه. ويُبطِلهما كلامٌ محرمٌ، ولو يسيرًا، كغيبةٍ، ونميمةٍ، وقذفٍ. ولا تُجزئ بغيرِ العربية مع القدرة. انتهى الوالد.
(^١) قوله: (ورفعُ الصَّوتِ بهمَا حسَبَ الطَّاقةِ) لأنه أبلغُ في الإعلان.
(^٢) قوله: (وأن يخطُب قائمًا على مرتَفَعٍ) كمِنبَرٍ؛ لفعله ﵇ وهو بكسر الميم من النَّبر وهو: الارتفاع. واتخاذه سُنَّة مجمعٌ عليها. قاله في «شرح مسلم» [¬١] ويصعدُ على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السَّطح. وكان مِنبره ﵇ من أثلِ [¬٢] الغابة، اتخذه سنةَ سبعٍ بعد الهجرة. وقيل: سنةَ ثمان. وكان ثلاثَ درجٍ. وفي رواية البخاري: «من طرفاء الغابة» [¬٣]. والطَّرفاء، بالمد: الأثل. والغابة: موضع معروف من عوالي المدينة. قاله النووي [¬٤].
(^٣) قوله: (معتمِدًا على سيفٍ أو عصا) أو قوسٍ؛ لفعله ﵇ [¬٥]، ولأنه أمكن له. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينَ فُتح به. ويكونُ بيدِه اليُسرى،
_________________
(١) [¬١] (٥/ ٣٤) [¬٢] الأثل: شجر وهو نوع من الطرفاء، الواحدة: أثلة. والجمع أثلاث. «مختار الصحاح» (أثل) [¬٣] أخرجه البخاري (٩١٧، ٢٠٩٤) من حديث سهل بن سعد [¬٤] «شرح مسلم» (٥/ ٣٥) [¬٥] انظر «زاد المعاد» (١/ ١٨٩، ١٩٠، ٤٢٩)، «والتحديث بما قيل: لا يصح فيه حديث» (ص ٨٣)
[ ١ / ٤٧٢ ]
وأن يَجلِسَ بَينَهُما (^١) قَلِيلًا. فإنْ أبَى (^٢)، أو خَطَبَ جالِسًا: فَصَلَ بَينَهُمَا بسَكتَةٍ (^٣).
وسُنَّ: قَصْرُهُما (^٤)، والثَّانِيَةُ أقصَرُ (^٥).
والأخرى بحرفِ المِنبَر. ذكره في «الفروع» [¬١] توجيهًا. فإن لم يعتمد، أمسَك شمالَه بيمينه، أو أرسلَهُما. وأن يقصِدَ تِلقاءَ وجهِه؛ لفعله ﵇. «أو عصا» [¬٢] مقصور، ولا يقال: عصاة. قال ابن السكيت: أول لحن سمع: هذه عَصاتي. ح ف.
(^١) قوله: (وأن يجلِسَ بينَهما) أي: بينَ الخُطبتين. قال في «التلخيص»: بقدِرِ سُورة الإخلاص. صوالحي [¬٣].
(^٢) قوله: (فإن أَبَى) أن يجلس.
(^٣) قوله: (فَصَلَ بينَهُما بسَكتَةٍ) خفيفةٍ؛ ليحصل التمييز.
(^٤) قوله: (وسُنَّ قصرُهُما) أي: الخطبتين.
(^٥) قوله: (والثانيةُ أقصَرُ) من الأولى؛ لحديث: «إن طولَ صَلاةِ الرَّجُل وقِصَرَ خُطبته مئنةٌ [¬٤] من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة» [¬٥]. م ص [¬٦].
_________________
(١) [¬١] (٣/ ١٧٧) [¬٢] «أو عصا» ليست في الأصل، ولا بد منها في السياق [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٤٠٤) [¬٤] «مئنة» ليست في جميع النسخ» والتصويب من «دقائق أولي النهى» [¬٥] أخرجه مسلم (٨٦٩/ ٤٧) من حديث عمار بن ياسر [¬٦] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٢)
[ ١ / ٤٧٣ ]
ولا بأسَ: أن يَخطُبَ مِنْ صَحِيفَةٍ (^١).
(^١) قوله: (ولا بأسَ أن يخطُبَ من صَحيفَةٍ) كقراءةٍ في الصلاة من مُصحَفٍ. قال في «المبدع»: وينزلُ مسرِعًا.
وإذا غلَبَ الخوارجُ على بلدٍ، فأقاموا فيه الجُمعةَ، جاز اتِّباعُهم، نصًّا. وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة، ويعيدُها ظهرًا. عثمان [¬١].
تتمة: يُسنُّ أن يسلِّم الإمامُ على المأمومين، إذا خرجَ عليهم، وإذا أقبلَ عليهم بعدَ صُعودِه على المِنبر؛ لحديث جابر [¬٢]. ويجبُ على المأمومين ردُّه.
ويُسنُّ أن يجعلَ خطبته تلقاء وجهه، فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا؛ لفعله ﵇. ويُسنُّ أن يعربهما بلا تمطيط، كالأذان، ويستقبلُ المأمومين، وينحرفون إليه فيستقبلونَه، ويتربَّعون فيها. ويُسنُّ دعاؤه عَقِبَ صُعودِه. ويُستَحبُّ أن ينزلَ الإمامُ عندَ قولِ المؤذن: قد قامت الصلاة. ويُسنُّ إذا صعدَ أن يتأنَّى، وإذا نزلَ نزلَ مُسرعًا. قاله ابن عقيل وغيره.
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (٢/ ١٩٦) [¬٢] أخرجه ابن ماجه (١١٠٩). وحسنه الألباني
[ ١ / ٤٧٤ ]