يَجُوزُ (^١)
باب مسح الخفين
تكلَّم المصنف في هذا الباب على شروطِ جوازِ المسحِ على الخفين، وعلى مدَّةِ المسحِ، وعلى كيفيَّته، وعلى مبطلاته.
ووجه مناسبتِه للباب الذي قبلَه أنَّ مسحَ الحائلِ بدلٌ عن غَسل أو مسحِ ما تحته في الطهارة من الحدث. ومسحُ الخفين وما في معناهما رخصةٌ، وهي لغةً: الانتقال من صُعوبةٍ إلى سُهولة. وشرعًا: ما ثبت على خلافِ دليلٍ شرعيٍّ لمعارض راجح. وضدُّها: العزيمة، وهي لغةً: القصدُ المؤكَّدُ. وشرعًا: ما ثبت بدليل شرعيٍّ خالٍ عن معارضٍ راجح. وهما وصفان للحكم الوضعي.
والمسحُ أفضلُ من غَسلِ الرجلين، وهو من المفردات. وإنَّما كان أفضلَ من الغسل؛ لأنه ﵇ وأصحابه إنما طلبوا الأفضل من الأعمال وارتكبوه، ولِمَا فيه من مخالفةِ أهلِ البدعِ، ولأنَّ اللَّه تعالى يُحِبُّ أن تؤتى رخصُه، كما يكرهُ أن تؤتَى معاصيه [¬١]. ويرفعُ الحدثَ. ولا يُسنُّ أن يلبسَ ليمسح. دنوشري وزيادة.
(^١) قوله: (يجوزُ) أي يصح المسحُ على الخفِّ، ونحوه كجرموق خفٍّ قصير،
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (١٠/ ١٠٧) (٥٨٦٦) من حديث ابن عمر. وصححه الألباني في «الإرواء» (٥٦٤)
[ ١ / ١٤٣ ]
بِشُرُوطٍ سَبعَةٍ (^١): لُبْسُهُمَا بعدَ كَمَالِ الطَّهارَةِ بالمَاءِ (^٢).
وجَوربٍ من صُوفٍ أو غيره، وغشاءٍ من صُوف.
والجائزُ لغةً: العابرُ. يقال: جاز المكانَ، سار فيه. وفي اصطلاح الفقهاء: ما لا يَمتَنِعُ شرعًا. فيعمُّ غيرَ الحرام مباحًا كان، أو واجبًا، أو مندوبًا، أو مكروهًا. انظر «تحرير المنقول في علم الأصول» [¬١] لصاحب «المنتهى».
(^١) قوله: (بشروطٍ سبعة) متعلق ب: «يجوز» فإذا اختلَّ شرطٌ من السبعة، وجب الغسل دون المسح، كما بيَّن ذلك المصنف.
(^٢) قوله: (لبسهُما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ) من إضافة الصفة للموصوف، أي: الطهارة الكاملة عن حدثٍ؛ أخذًا من تقييده فيما تقدم عند قوله: «وهو ما خلت به المرأة .. إلى آخره». لا يقال: الإطلاق في محلِّ التقييدِ خطأٌ؛ لأنا نقول: المقامُ يعيِّنُ.
ولو مسحَ فيها على حائل، كما لو توضأَ وضوءًا كاملًا مسح فيه على عمامة أو جبيرة ونحوها، ثمَّ لبِسَ الخفَّ فله المسحُ عليه.
وفُهم من قوله: «بالماء» أنه لا يصحُّ المسحُ إنْ لبسَهُما على طهارةِ تيمَّم؛ لأن التيمُّمَ لا يرفع الحدث.
وفُهِمَ من قوله: «لبسهما» أنه لا يصح المسح أيضًا إن لبس خفًّا برِجلٍ واحدةٍ على طهارةٍ، والأخرى بتيمم، أو أنه أحدَث قبل تَمام لبُسِهِما؛ بحيث إنَّ الخفين أو أحدهما لم يصل لموضعه من القدم، وكذا حكم عمامة ونحوها. صوالحي وزيادة [¬٢].
_________________
(١) [¬١] (١/ ٤٢٩) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٥)
[ ١ / ١٤٤ ]
وسَتْرُهُمَا لِمَحَلِّ الفَرضِ (^١)، ولَو بِرَبطِهِمَا (^٢). وإمكَانُ المَشْيِ بِهِمَا عُرْفًا (^٣). وثُبُوتُهُمَا (^٤) بِنَفسِهِمَا (^٥). وإباحَتُهُمَا (^٦).
(^١) قوله: (وسترُهما لمحلِّ الفرضِ) والثاني من الشروط: سترُهُما لمحلِّ الفرض، وهو القدمُ كلُّه، فلو كان الفرضُ ظاهرًا، لم يجز المسح عليه؛ لأن حكمَ ما ظهر الغَسلُ، وحكمَ ما سُتِرَ المسحُ، ولا سبيل إلى الجمع بينهما من غير ضرورة، فوجب الغَسلُ؛ لأنه الأصل، فلو ظهر من الرِّجل شيءٌ وجب الغسل. دنوشري وزيادة.
(^٢) قوله: (ولو بِربطِهِما) غايةٌ لقوله: «سترهما». أي: ولو كان سترُ محلِّ الفرض بربطِهما، وتنضمُّ الخروق باللبس. صوالحي [¬١].
(^٣) قوله: (وإمكانُ المشيِ بهِمَا عُرفًا) والثالث: إمكانُ المشي بهما عرفًا، أي: في عرف الفقهاء، ولو كان غيرَ معتادٍ لُبسُه، أو مانعًا لنفوذ الماء؛ كحديدٍ، وخشبٍ، وزجاجٍ لم يصف البشرةَ، ولِبْدٍ، وأمَّا الذي لم يمكن المشي به، لم يصح المسح عليه. صوالحي [¬٢].
(^٤) قوله: (وثبوتُهما) أي: الخفين، وهو الشرط الرابع.
(^٥) قوله: (بنفسهما) أي: ثبوت الخفَّين بذاتهما من غير شدٍّ؛ إذ الرخصة وردت في المعتاد، وما لا يثبت غيرُ معتاد، لكن لو ثبت بنعلين، صحَّ المسحُ على سُيورِ النعلين وما ظهر من الخفِّ.
(^٦) قوله: (وإباحتُهما) والخامس: إباحتُهما، فلا يصحُّ المسح على مغصوبٍ
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٦) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٦)
[ ١ / ١٤٥ ]
وطَهارَةُ عَينِهِمَا (^١). وعَدَمُ وَصفِهِمَا البَشَرَةَ (^٢).
فَيمسَحُ المُقِيمُ (^٣)، والعَاصِي بسَفَرِهِ (^٤) -
ونحوِه، ولا على حريرٍ لذَكَرٍ، ولو لضرورة، كخوف سقوط أصابعه من شدَّة البردِ. فإن لبسه ومسحَ أعاد الطهارة؛ لأن المسح رخصةٌ فلا تستباح مع المعصية. دنوشري.
(^١) قوله: (وطهارةُ عينهما) والسادس: طهارة عينهما مطلقًا، فلا يصح على نجسٍ، ولو لضرورة، كجلدِ كلبٍ وخنزيرٍ ونحوِهما، ولا على جلدِ الميتة، ولو مدبوغًا. دنوشري وزيادة.
(^٢) قوله: (وعدمُ وصفِهِما) والسابع: عدمُ وصفِهِما، أي: عدمُ رؤيةِ (البشرةِ) منهما؛ لخفَّتِهما كالجورب إذا كان خفيفًا يصفُ القدم، أو صفائهما كزُجاج رقيقٍ.
وإذا نُزِعَ الخفُّ الممسوحُ عليه وكان تحته شيءٌ، لزم نزعُ ما تحتَه. صوالحي [¬١].
(^٣) قوله: (فيمسح المقيمُ) الفاء في جواب شرط مقدر، أي: إذا استوفي الخفُّ هذه الشروطَ فيجوز أن يمسح المقيمُ ولو عاصيًا، فهو بيان لمدة المسح باعتبار المقيم والمسافر.
(^٤) قوله: (والعاصي بسفره) كمن سافر لقطعٍ أو قتل ونحوه، يمسحُ كالمقيم؛ لأنه لا يستبيحُ بسفر المعصيةِ الرُّخصَ.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٦)
[ ١ / ١٤٦ ]
مِنْ الحَدَثِ (^١) بَعدَ اللُّبسِ (^٢) -: يَومًا وليلةً (^٣). والمُسَافِرُ (^٤):
لا العاصي في سفر، كمن حدث له في سفره شربُ خمرٍ ونحوه، فيمسح مسحَ مسافر. صوالحي [¬١].
(^١) قوله: (من الحدث) أي: ابتداءُ مدَّةِ المسحِ تكون من حين الحدث، ف «من» ابتدائية.
(^٢) قوله: (بعد اللبس) لخفٍّ. الظرف متعلِق ب «يمسح»، و«من حدث» متعلق ب «يمسح» أيضًا. والمعنى: يمسح المقيم بعد اللبس من الحدث مدةَ يومٍ وليلة. وفُرِّعَ على هذا شيئان: فلو مضى .. فلو بقي .. إلخ ونحوه، إلى مثله، وهو انتهاءُ اليوم والليلة أو الثلاثة؛ لأنها عبادةٌ مؤقتة فاعتُبر أولُ وقتِها من حين جواز فعلها، كالصلاة. فلو مضى من الحدث يومٌ وليلةٌ، أو ثلاثةٌ إن كان مسافرًا، ولم يمسح، انقضت المدةُ ولزِمه الخلعُ. وأمَّا قبلَ الحدث، لا يُحسب من المدة، فلو بقي لبسُه يومًا وليلة على طهارة اللبس ثم أحدث، استباح بعد الحدث المدَّة؛ لأن الزمانَ الذي يحتاج فيه المسح هو الحدث. دنوشري.
(^٣) قوله: (يومًا وليلة) ظرفان للمسح، يعني: أنه يصح المسحُ على الخفِّ مدةَ يوم وليلةٍ لمقيم أو مسافر دون المسافة.
(^٤) قوله: (والمُسافرُ) أي: ويمسحُ المسافرُ من حين الحدث بعد اللُّبسِ، بشرط أن يكون سفرًا تُقصرُ فيه الصلاةُ؛ بأن كان مباحًا، مسافتُه يومان فأكثر. صوالحي وزيادة [¬٢].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٦) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٧)
[ ١ / ١٤٧ ]
ثَلاثَةَ أيَّامٍ بَلَيَالِيهِنَّ (^١).
فلَو مَسَحَ في السَّفَرِ ثُمَّ أقَامَ (^٢). أو: في الحَضَرِ ثُمَّ سافَرَ. أو: شَكَّ في ابتِدَاءِ المَسحِ: لَم يَزِد على مَسحِ المُقِيمِ (^٣).
ويَجِبُ: مَسحُ أكثَرِ أعْلَى الخُفِّ (^٤).
(^١) قوله: (ثلاثةَ أيامٍ بليالِيهنَّ) ولو مستحاضة ونحوها. وإنما أَنَّثَ «لياليهن» ولم يقل: لياليها؛ لما في الأيام من الجمعية، أو لأنها اقترنت بلفظ الليلة، فاكتسبت التأنيث منه، كقول بعضهم:
كما شرِقَت صدرُ القناةِ من الدَّمِ
وكقوله تعالى: ﴿أياما معدودات﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]. دنوشري.
(^٢) قوله: (فلو مسح في السفر .. إلخ) مفرَّعٌ على قوله: «فيمسح المقيم .. إلخ» (ثم أقام) أي نوى الإقامة.
(^٣) قوله: (أوشكَّ في ابتداء المسح) هل وقع ابتداء المسح في السفر فيمسح مسح مسافر، أو في الحضر فيمسح مسح مقيم؟ فالحكمُ أنه (لم يَزِد) في هذه الصور الثلاث (على مسح المقيم) وهو اليوم والليلة؛ لأنه اليقين وهو الأقل فيبني عليه.
(^٤) قوله: (ويجب مسح أكثر [¬١] أعلى الخفِّ) هذا بيان لجواز محلِّ المسح من الخفِّ، ويلزم ذلك بيانَ الكيفيةِ، ويجزئ الاقتصار عليه بغير خلاف، وعليه الجمهور. وقيل: جميعه؛ وفاقًا لمالك، لا قدر ثلاثة أصابع، أو ما سُمِّي مسحًا؛ خلافًا لأبي حنيفة.
وصفة المسح: أن يبتدئ المسح من أصابع رجليه إلى ساقه، فيضع يديه
_________________
(١) [¬١] سقطت «أكثر» من الأصل
[ ١ / ١٤٨ ]
ولا يُجزِئُ: مَسْحُ أسفَلِهِ، وعَقِبِهِ (^١). ولا يُسَنُّ (^٢).
ومَتَى حَصَلَ ما يُوجِبُ الغُسْلَ (^٣). أو: ظَهَرَ بَعضُ مَحَلِّ الفَرضِ (^٤). أو: انقَضَتِ المُدَّةُ: بَطَلَ الوُضُوءُ (^٥).
مفرجتي الأصابع على أظفار أصابع رجليه، ثم يُمرُّهما على ظاهر قدميه إلى ساقيه مرة واحدة، فتكره الزيادة عليها، وكيف مسح أجزأ. عثمان [¬١] وزيادة.
(^١) قوله: (ولا يجزئ مسح أسفله وعقِبِه [¬٢]) إن اقتصر عليهما. صوالحي [¬٣].
(^٢) قوله: (ولا يُسنُّ) ذلك يعني: مسحَ أسفلِه ولا عقِبه. فإن قيل: يُتَرَاءَى التنافرُ بين قوله: «ولا يجزئ .. إلخ» وقولِه: «ولا يُسنُّ» لأنه إذا انتفى الإجزاء انتفت السنية؟. أجاب م ص [¬٤] بقوله: ولا يُسنُّ مسحُهما مع أعلى الخفِّ.
(^٣) قوله: (ومتى حصل ما يوجب الغسل) من أحكام الجنابة. هذا شروعٌ في بيانِ مبطلاتِ المسح على الخفين.
(^٤) قوله: (أو ظَهَرَ بعضُ محلِّ الفرضِ) من قدمٍ، بعد حدثٍ قبل انقضاء المدة، استأنف الطهارة. وعُلِمَ منه: أنه لو نَزع الخفَّ قبل الحدث؛ بأن نزعه وهو على الطهارة التي لبس فيها، لم تبطل طهارته.
(^٥) قوله: (أو انقَضَتِ المدَّةُ بطلَ الوضوء) في الصور الثلاث، أي: واستأنف الطهارة، سواء فاتت الموالاة، أو لم تفت، فيتطهر ويغسل ما تحت الحائل، وبطلت الصلاةُ إن وجد ذلك في أثنائها.
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٣٤٥) [¬٢] في الأصل: «ولا عقبه» [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ١٧٧) [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ١٣٣)
[ ١ / ١٤٩ ]