وهِيَ ثَمَانِيَةٌ (^١):
أحَدُهَا: الخَارِجُ مِنْ السَّبيلَينِ (^٢)،
بابُ نواقضِ الوضوءِ
لمَّا فرغَ من الكلامِ على الوُضوءِ ومسْحِ الحوائلِ، وكان له مُبطلاتٌ، ناسبَ ذكرُها فقال: «باب نواقض الوُضوءِ» أي: بابُ بيانِ نواقضِ الوُضوءِ، أي: مفسِداته. جمعُ ناقِضةٍ، بمعنى ناقض، فإنَّ فاعلًا يُجمع على فواعل، إذا كان وصفًا لما لا يعقل كما هنا.
والنقضُ حقيقةً في البناء ونحوه، واستعماله في المعاني، كالعهد ونقضِ الوضوء ونحوهما، مجازٌ مرسلٌ، علاقته الإبطال. ومعناه شرعًا: مفسِداتُه. أي: إبطالُ حكمِ الطهارة. دنوشري وزيادة وإيضاح.
(^١) قوله: (ثمانية) أنواعٍ بالاستقراء، فإن الفُقهاءَ تتبعوا كلامَ الإمامِ أحمدَ بن حنبل فوجدوها ثمانيةً بدليل الإتيان بالضمير المنفَصِل المقتضي للحصر.
(^٢) قوله: (الخارجُ من السبيلين) إلى ما هو في حُكم الظاهرِ ويلحقه حكمُ التطهير، ولو كان الخارجُ نادرًا، نجِسًا أو طاهرًا، وسيأتي تمثيلُهما، إلا الدائم، كالسَّلَسِ والاستحاضة فلا ينقض؛ للضرورة. والسبيلان: واحدُهُما؛ سبيل، وهو الطريق، وهما مخرجُ البول والغائط.
تنبيه: إذا استدَّ المخرجُ وانفتح غيرُه، لم يثبت له أحكامُ المعتاد. وقال في
[ ١ / ١٥٣ ]
قَلِيلًا كانَ (^١) أو كَثِيرًا، طاهِرًا (^٢) أو نَجِسًا (^٣).
الثَّانِي: خُرُوجُ النَّجَاسَةِ (^٤) مِنْ بَقِيَّةِ البَدَنِ (^٥). فإنْ كانَ (^٦) بَولًا أو غائِطًا: نَقَضَ مُطلَقًا (^٧). وإنْ كانَ غَيرَهُمَا (^٨)،
«النهاية»: إلا أن يكون سُدَّ خِلقَةً، فسبيل الحدثِ: المنفتحُ، والمسدودُ كعضوٍ زائدٍ.
(^١) قوله: (قليلًا كان) نادرًا كدمٍ ودودٍ، أو معتادًا كبولٍ وغائطٍ. هذا تعميمٌ للخارج من السبيلين.
(^٢) قوله: (طاهرًا) كولدٍ بلا دمٍ، والريحِ، والنجسِ الذي لم يلوِّث المحلَّ، كما تقدم.
(^٣) قوله: (أو نجِسًا) كمذي وبول وغائط، ولو ريحًا من قُبُلِ أنثى أو ذكر، والحصا والدود.
(^٤) قوله: (خروجُ النجاسةِ) من إضافة المصدر إلى فاعله المَجَازي؛ لأن إسنادَ الخروجِ إلى النَّجاسة مجازٌ عقليٌّ، من إسنادِ الفعلِ إلى غيرِ مَنْ هو له؛ إذ فاعلُ الخروجِ الآدميُّ.
(^٥) قوله: (من بقيَّةِ البدن) غير السبيلين.
(^٦) قوله: (فإنْ كان) الخارجُ من بقية البدن .. الخ. هذا تفصيلٌ للخارج من باقي البدن.
(^٧) قوله: (نَقَضَ مطلقًا) سواء كان قليلًا أو كثيرًا، فالإطلاق في مقابلةِ تفصيلٍ سابقٍ.
(^٨) قوله: (وإن كان غيرَهُما) أي: وإن كان الخارجُ من باقي البدن غيرَ البولِ والغائط، فاسمُ كان محذوفٌ دلَّ عليه المذكور.
[ ١ / ١٥٤ ]
كالدَّمِ والقَيءِ (^١): نَقَضَ (^٢) إنْ فَحُشَ في نَفسِ كُلِّ أحَدٍ بحَسَبِهِ.
الثَّالِثُ: زَوَالُ العَقلِ (^٣)،
(^١) قوله: (كالدمِ والقيءِ) والقيح. مثالٌ للغير. والقيءُ ينقُض ولو بحالِه، كما لو شَرِبَ ماءَ عِرقِ الدسوس [¬١]، أو شَرِبَ ماءً وقذفه في الحال بصفته؛ لأن نجاسته بوصوله إلى الجوف، لا باستحالته. وينقُض كثيرُه دون قليله. دنوشري وإيضاح.
(^٢) قوله: (نَقَضَ) يعني: إن كان الخارجُ من باقي البدن غيرهما، فلا ينقض الوضوءُ إلا بشرط أن يكثُر، وضابطُ الكثرةِ ذكرَها المصنِّفُ بقوله: (إن فحُش في نفسِ كلِّ أحدٍ بحَسبِه) أي: بحسب حالِه واعتقادِه، فإن اعتقد أنها فاحشة، انتقض وضوءُه، وإن اعتقد أنها غير فاحشة، فلا نقض؛ عملًا باعتقاده؛ لقول ابن عباس: الفاحشُ ما فحُش في قلبك [¬٢]. ولأنَّ اعتبارَ حالِ الإنسان بما يستفحشه غيرُه حرجٌ، فيكون منتفيًا عنه. نصَّ عليه الإمامُ المبجَّلُ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل.
(^٣) قوله: (زوالُ العقل) بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو سُكرٍ، أو بِرسامٍ، كثيرًا كان ذلك أو قليلًا، إجماعًا؛ لأن هؤلاء لا يشعرون بحال. والعقل لغة: المنع. وقيل: التثبت في الأمور. وقيل: سُمِّي عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عن التورُّط في المهالك. أي: يحبسه. والجنون: زوالُ الشُّعور من القلب مع بقاء حركة الأعضاء وقوَّتها. والإغماء: زوالُ الشُّعورِ من القلب مع فُتُورِها. والبِرسامُ:
_________________
(١) [¬١] هكذا في الأصل. ولعله يريد «ماء عرق السوس»، وهو: شجرٌ في عروقه حلاوة وفي فروعه مرارة. «القاموس المحيط» (السين)، وانظر «لسان العرب» (سوس) [¬٢] لم أجده مسندًا
[ ١ / ١٥٥ ]
أو تَغطِيتُه (^١) بإغمَاءٍ أو نَومٍ (^٢)، ما لَم يَكُنِ النَّومُ يَسِيرًا عُرْفًا (^٣) مِنْ جالِسٍ وقائِمٍ (^٤).
ورمٌ حارٌّ يعرِضُ للحجاب الذي بين الكَبِدَ والمِعاء، ثم يتَّصلُ بالدِّماغِ، كما في كتب الطب.
(^١) قوله: (أو تغطيتُه) أي سترُه. عطف تفسير على «زوال».
(^٢) قوله: (أو نوم) بالجر عطف على «إغماء» أي: أو تغطيته بنوم؛ لحديث عليٍّ: «العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» [¬١]. والسَّه، بالسين المهملة مشدَّدة مفتوحة، جَعَلَ اليقظةَ وِكاءَ الدبرِ؛ لأن الوِكاءَ هو رباطُ القِربةِ، والنومُ مظِنَّةُ الحدَث، فأقيمَ مقامَه، شبَّه اليقظةَ بالوكاء بجامع الحفظ، واستعار اسمَ المشبَّه به للمشبَّه، فهي استعارةٌ تصريحيةٌ أصليةٌ، أو تشبيهٌ بليغ بحذف أداة التشبيه. العين كالوكاء، مثل: زيدٌ أسدٌ. والنومُ رحمةٌ من اللَّه على عبده ليستريح به بدنُه عند تعبه، وهو غَشْيَةٌ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنعُ المعرفةَ بالأشياء. «نهاية» وإيضاح.
(^٣) قوله: (ما لم يكُنِ النومُ يسيرًا عرفًا) أي: لا نقضَ مدةَ كونِ النومِ يسيرًا في العرف. فعرفًا: منصوب على نزع الخافض، فمرجع القِلَّةِ والكثرةِ العرفُ؛ لأنه لا حدَّ له في الشرع. وقيل: ما لم يتغيَّر عن هيئته، كسقوطه. ومن لم يغلب على عقله، فلا وضوءَ عليه، وإن رأى رؤيا فكثير.
(^٤) قوله: (مِنْ جالسٍ وقائمٍ) جار ومجرور متعلق بيسير. أي: ما لم يكن النومُ
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٧ (٨٨٧)، وأبو داود (٢٠٣)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (١/ ٣٦٧) (١٩٩)
[ ١ / ١٥٦ ]
الرَّابِعُ: مَسُّهُ (^١) بِيَدِهِ (^٢) - لا ظُفُرِهِ (^٣) - فَرْجَ الآدَمِيِّ (^٤)،
يسيرًا من جالسٍ غير محتبٍ ومتكئٍ ومستند.
والحاصل: أن النوم لا ينقضُ الوضوءَ إلا بشرطين؛ أن يكون يسيرًا عرفًا. وأن يكون من جالس وقائم.
فاليسير من غير جالس أو قائم ينقض الوضوء، إلا نوم النبي ﷺ ولو كان كثيرًا على أيِّ حالٍ كانَ؛ فإنه كانت تنامُ عيناه ولا ينام قلبه [¬١]، وهو من خصائصه ﷺ. صوالحي وإيضاح [¬٢].
(^١) قوله: (مسُّه) مصدر مضاف لفاعله، أي: مسُّ فرجِ الآدميِّ، ذكرًا كان أو أنثى، بشهوةٍ أو بلا شَهوة. صوالحي وإيضاح [¬٣].
(^٢) قوله: (بيدِه) ولو زائدة، سواء كان المسُّ ببطن كفه، أو ظهرِها أو حرفِها، فلا نقض لو مسَّه بغيرها. ع. [¬٤]
(^٣) قوله: (لا ظُفره) أي: مسُّه بظفرِه.
(^٤) قوله: (فرجَ) بالنصب معمول للمصدر، وفرج مضاف [¬٥] والآدمي مضاف إليه: القبل متعمدًا أو غير متعمد، دون سائر الحيوانات أو الدبر؛ من الماس أو غيره.
_________________
(١) [¬١] يشير إلى حديث عائشة، الذي أخرجه البخاري (٣٥٦٩)، ومسلم (٧٣٨). وأخرجه البخاري (٣٥٧٠) من حديث أنس [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٨٢) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ١٨٣) [¬٤] «هداية الراغب» (١/ ٣٦٣) [¬٥] سقطت: «مضاف» من الأصل
[ ١ / ١٥٧ ]
المُتَّصِلَ (^١)، بِلا حائِلٍ (^٢)، أو حَلْقَةَ دُبُرِه (^٣). لا: مَسُّ الخُصْيَتَينِ. ولا: مَسُّ مَحَلِّ الفَرجِ البَائِنِ (^٤).
الخَامِسُ (^٥): لَمْسُ بَشَرَةِ الذَّكَرِ الأُنثَى (^٦)،
(^١) قوله: (المتَّصلَ) صفة لفرج، فلا نقض بمس منفصل؛ لذهاب حرمته بقطعِه.
(^٢) قوله: (بلا حائل) متعلق بمسَّ، فإنْ مسَّ بحائلٍ فلا نقض.
(^٣) قوله: (أو حلْقةَ) بالنصب. عطف على فرج، وحلقة مضاف، ودبر مضاف إليه: أو مسه حلقة دبره، أي: دبر الآدمي، منه، أو من غيره؛ لقوله ﷺ: «من مسَّ فرجَه فليتوضأ». رواه الترمذي وصححه [¬١]. صوالحي وإيضاح [¬٢].
(^٤) قوله: (لا مسُّ الخِصْيتين) أي: لا ينقض مسُّ .. الخ (ولا مسُّ مَحلِّ الفرجِ البائنِ) أي: ولا ينقض مسُّ محلِّ الفرجِ البائنِ، أي: المقطوع من أصول الأنثيين؛ لأنه ليس بفرج، ولا بمسِّ زائدٍ، أو أحدِ قُبُلَيْ خنثى مشكل، بلا شهوة، وكذا لا ينقض مسُّ شُفرَي امرأة، وهما: حافتا فرجِها دون فرج، وهو مخرج بول ومني وحيض. عثمان. [¬٣]
(^٥) قوله: (الخامسُ) أي: النوع الخامس من نواقض الوضوء.
(^٦) قوله: (لمسُ بشرَةِ الذَّكر) بشرةَ (الأنثى) فحذف بشرة؛ لدلالة المذكور عليه. فإن قيل: لِمَ عبَّر هنا بلمس وفي النوع الرابع ب «مس» هل بينهما فرق؟
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٨٢) من حديث بسرة. وصححه الألباني في «الإرواء» (١١٦) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٨٣) [¬٣] «هداية الراغب» (١/ ٣٦٤)
[ ١ / ١٥٨ ]
أو الأُنثَى الذَّكَرَ (^١)؛ لِشَهوَةٍ، مِنْ غَيرِ حائِلٍ (^٢)، ولَو كانَ المَلمُوسُ مَيِّتًا (^٣)، أو عَجُوزًا (^٤)، أو مَحْرَمًا (^٥).
قلت: قد يفرق بينهما؛ أخذًا من صنيع المصنف رحمه اللَّه تعالى؛ بأنَّ المسَّ خاصٌّ باليد، واللَّمسُ بجميع البدن، ولذا قيَّد مسَّ الفرج باليد، وأطلَق في جانب المرأة، ولم يقيد باليد، بل يدخلون فيه اللمس باليد وبغيرها، فلهذا يقولون: لَمَسَ الرجلُ المرأةَ ببشرته. فاللَّمس أعمُّ من المسِّ على المعتمد، ولَمْس مصدر مضاف لمفعوله، أي: لمسُ الذكرِ بشرةَ الأنثى.
(^١) قوله: (أو الأنثى الذكر) أي: لمسُ بشرةِ الأنثى بشرةَ الذكرِ. فقوله: «أو الأنثى» عطف على الذَّكر.
(^٢) قوله: (لشهوةٍ من غيرِ حائلٍ) هذان القيدان شرطان في نقضِ الوُضوءِ، فالجار والمجرور متعلق بالمسألتين؛ الذكر والأنثى، وأما لو كان اللَّمس لغير شهوة، وهي التلذُّذ بذلك، أو بحائل، فلا نقض. فينتقضُ مع الشهوةِ لمس أحدِهما الآخر، ولو بزائدٍ لزائدٍ، أو أشل. ع [¬١] وزيادة.
(^٣) قوله: (ولو كان الملموسُ ميِّتا) غاية لقوله: «لمس بشرة .. إلخ».
(^٤) قوله: (أو عجوزًا) أي: ولو كان الممسوس عجوزًا لا تشتهى.
(^٥) قوله: (أو محرَمًا) بالنصب؛ عطفًا على: «عجوزًا» ولا فرقَ بين كونِ الملموسِ مَظِنَّةً للشهوة، أو لا. وقال الشافعيُّ: لا نقضَ بلمس ذواتِ المحرَمِ. ح ف.
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٣٦٧)
[ ١ / ١٥٩ ]
لا: لَمْسُ مَنْ دُونَ سَبعٍ (^١). ولا: لَمسُ سِنٍّ (^٢)، وظُفرٍ، وشَعْرٍ. ولا اللَّمْسُ بذلِكَ (^٣).
ولا يَنتَقِضُ: وُضُوءُ المَمْسُوسِ فَرجُهُ (^٤)، أو المَلمُوسِ بَدَنُه (^٥)، ولو وَجَدَ شَهوَةً (^٦).
(^١) قوله: (لا لمسُ) بالرفع، فاعل ينقض المقدر في نظم الكلام، أي: لا ينقضُ لَمسُ مَنْ سِنُّه دون سبع سنين، كطفلةٍ وطفلٍ، أي: لا ينقضُ مسُّ الرجلِ الطفلةَ، ولا المرأةِ الطفلَ؛ لأنه ليس محلًا للشهوة. ولا مسُّ أمردَ، ولو بشهوة. وعُلم منه: أنه إذا لمس صغيرةً تُشتهى، وهي بنتُ سبعٍ فأكثر؛ لشهوةٍ، انتقض الوضوء؛ لعموم: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النِّساء: ٤٣]. ش ع. [¬١]
(^٢) قوله: (ولا لَمسُ سِنٍّ) أي: ولا ينقض لَمسُ سنِّ الملموس. فالتنوين عوضٌ عن المضاف إليه، وكذا يقال فيما بعده.
(^٣) قوله: (ولا اللَّمسُ بذلك) أي: ولا ينقض اللَّمسُ بالسنِّ والظفر والشعر.
(^٤) قوله: (ولا ينتقضُ وضوءُ) «وضوء» [¬٢] فاعل «ينتقض»، وهو مضاف و«ممسوس» مضاف إليه، و«فرجه» بالرفع نائب فاعل «ممسوس». والمعنى: الذي مُسَّ فرجُه لا ينتقض وضوءُه.
(^٥) قوله: (أو الملموسِ بدنُه) بالرفع، عطف على ما قبله.
(^٦) قوله: (ولو وَجَدَ شهوةً) غاية لقوله: «ولا ينتقض وضوء .. إلخ». أي:
_________________
(١) [¬١] انظر «كشاف القناع» (١/ ٢٩٩) [¬٢] سقطت: «وضوء» من الأصل. والتصويب من (ج)
[ ١ / ١٦٠ ]
السَّادِسُ: غَسْلُ المَيِّتِ (^١)، أو بَعضِهِ. والغَاسِلُ: هُو مَنْ يُقلِّبُ المَيِّتَ ويُباشِرُه، لا مَنْ يصُبُّ المَاءَ (^٢).
السَّابِعُ: أكلُ لَحمِ الإبِلِ (^٣)، ولو نِيْئًا (^٤).
الذي مُسَّ فرجُه أو بدنُه لا ينتقض وضوءُه، ولو كان الملموسُ فرجُه أو بدنُه وَجَدَ شهوةً؛ لأنه لا نصَّ فيه. ولا يصح قياسُه على اللَّامس؛ لفرطِ شهوته، ومتى لم ينقض مسُّ أنثى، استُحبَّ الوضوء. ولا نقض أيضًا بانتشارٍ لفكرٍ، وتكرارِ نَظَرٍ. ع [¬١] وإيضاح.
(^١) قوله: (غَسلُ الميِّت) بفتح الغين المعجمة. أي: تغسيل، ولو في قميص، مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا؛ لأن الغاسل لا يسلم من مسِّ عورةِ الميِّت غالبًا، فأقيم مقامه، كالنوم مع الحدث. ع. [¬٢]
(^٢) قوله: (لا من يصُبُّ الماءَ) على الميِّتِ، ولا مَنْ يمَّمه. مستثنى من قوله: «غَسلُ الميِّت» لأن الذي يصُبُّ الماءَ لا يباشره.
(^٣) قوله: (السابعُ: أكلُ لحمِ الإِبلِ) النوع السابع من نواقض الوضوء: أكلُ لحمِ الإبلِ، سواء علِمَه أو جهله، قليلًا كان أو كثيرًا، عَلِمَ الحديث الواردَ فيه، أو لا.
(^٤) قوله: (ولو نَيئًا) غاية لقوله: «أكل لحم الإبل». ولو كان اللحم نَيئًا من غير طبخ؛ وذلك تعبُّدًا لا يُعقَلُ معناه. صوالحي وإيضاح [¬٣].
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٣٦٩) [¬٢] انظر: «هداية الراغب» (١/ ٣٧٠) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ١٨٥)
[ ١ / ١٦١ ]
فَلا نَقضَ: بِبَقِيَّةِ أجزَائِها (^١)، كَكَبِدٍ (^٢)، وقَلبٍ، وطِحَالٍ، وكَرِشٍ، وشَحْمٍ، وكُليَةٍ، ولِسَانٍ، ورَأسٍ، وسَنَامٍ، وكَوارِعَ، ومُصرَانٍ، ومَرَقِ لَحمٍ. ولا يَحنَثُ بذلِكَ (^٣) مَنْ حَلَفَ: لا يَأكُلُ لَحْمًا.
الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ (^٤).
(^١) قوله: (فلا نقضَ ببقيَّةِ أجزائِها) مفرَّعٌ على «أكل لحم الإبل» وهو من المفردات. أي: فلا نقض للوضوء إنْ أكلَ من بقيَّة أجزائها؛ لأن النَّص لم يتناولها، وهو خاص باللَّحم؛ لورود الأخبار الصحيحة [¬١] فيه؛ ولأنَّ الأمور التعبدية لا تعلل، ولا يعقل معناها، ولا تتعدى إلى غيرها كلحم الغنم والبقر، فاقتصر فيها على مورد النص. م ص [¬٢] وإيضاح.
(^٢) قوله: (كَكَبِدٍ) أي: كأكل كَبِدٍ. مثالٌ للأجزاءِ، وإنما نصَّ على باقي الأجزاء بعد الإتيان بالكاف؛ لأن الفروعَ الفقهية لا بد من نصٍّ فيها على كلِّ جُزئية، وهو من الأعضاءِ الذي في الآدمي تؤنث، وكذا الكَرش، وأمَّا اللِّسان فيجوز فيه التذكيرُ والتأنيث، والرأس يُذكَّر. وذكر في «الذريعة» لابن العماد في الآدمي خمسة وأربعين عضوًا، منها ما يذكر، ومنها ما يؤنث، ومنها ما يجوز فيه التذكيرُ والتأنيث. ارجع إليها إن شئت.
(^٣) قوله: (ولا يحنثُ بذلك .. إلخ) أي: لا يقع عليه حِنثٌ (من حلفَ لا يأكلُ لحمًا) فأكل ما ذُكر من كَبِدٍ، وما عطف عليه من فاعل يحنث.
(^٤) قوله: (الثامنُ: الرِّدَّة) النوع الثامن من النواقض: الردَّةُ عن الإسلام، والعياذ باللَّه تعالى من ذلك، وهو من المفردات؛ لأنها حدثٌ؛ لقول ابن عباس:
_________________
(١) [¬١] أخرجه مسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة، وقد تقدم قريبًا [¬٢] انظر «كشاف القناع» (١/ ٣٠٢)، «دقائق أولي النهى» (١/ ١٤٥)
[ ١ / ١٦٢ ]
وَكُلُّ ما أوجَبَ الغُسْلَ (^١): أوجَبَ الوُضُوءَ (^٢)، غَيرَ المَوتِ (^٣).
الحدثُ حدثان؛ حدثُ اللِّسان، وحدثُ الفرج. وحدثُ اللِّسان أشدُّ من حدثِ الفرج، وفيهما الوضوء [¬١]. إذ الردةُ ما يَخرجُ به صاحبُه عن الإسلامِ، نطقًا كان، أو اعتقادًا، أو شكًّا. ح ف وزيادة وإيضاح.
(^١) قوله: (وكلُّ ما أوجبَ الغُسلَ) كالإسلام، وانتقال المنيِّ، والحيضِ، والنِّفاس. هذا دليلٌ على أن الرِّدَّة من نواقض الوضوء. والمعنى: الثامنُ من نواقضِ الوضوء: الردة؛ لأن كلَّ ما أوجب .. إلخ.
(^٢) قوله: (أوجبَ الوضوءَ) فهو ملازمٌ له. يعني: أنَّ موجباتِ الغُسل كلَّها توجبُ الوضوءَ.
(^٣) قوله: (غيرَ الموت) مستثنى من قوله: «وكلُّ ما أوجب الغسل .. إلخ» فإنَّ الموتَ يوجبُ الغُسل دون الوضوء، كما سيجيء، بل ويُسنُّ. وعلم مما سبق: أنه لا نقضَ بنحوِ كذبٍ، وغيبةٍ، ورفث، وقذف، ولا بأكلِ ما مسَّت النار. م ص [¬٢] وإيضاح.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البيهقي في «الشعب» (٦٧٢٤) بنحوه. وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٧٩) مختصرًا [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ١٤٥)
[ ١ / ١٦٣ ]