يُسَنُّ (^١) لدَاخِلِ الخَلاءِ (^٢): تَقدِيمُ اليُسرَى (^٣)، وقَولُ: بِسمِ الله (^٤)،
فَصْلٌ
وهو في اللغة: الحاجزُ بين الشيئين، كفصلِ الربيع الحاجزِ بين الشتاء والصيف. وفي الاصطلاح: حاجزٌ بين أجناسِ المسائل وأنواعها، يُذكر فيه آدابُ التخلي، وهي ما ينبغي فعلُه حالَ الدخول لقضاء الحاجة والخروج، وما يتعلق بذلك.
(^١) قوله: (يُسنُّ) السنة، لغة: الطريقة. واصطلاحًا: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
(^٢) قوله: (لداخلِ الخَلاءِ) بالمدِّ وفتح الخاء، وهو المكان الذي لا شيء به، والمراد هنا: المكان المعدُّ لقضاء الحاجة. قال الجوهري: سُمي بذلك؛ لأنه يتخلَّى فيه؛ بأن ينفرد لقضاء حاجته. دنوشري.
(^٣) قوله: (تقديمُ اليُسرى) وهي صفة لموصوف، و«تقديم» نائب فاعل «يسن .. إلى آخره». أي: يُسنُّ لداخل الخلاء تقديمُ رجلِه اليسرى.
(^٤) قوله: (وقولُ: بسم اللَّه) عطفٌ على نائب الفاعل، والمعنى: ويسن عند دخول الخلاء، وعند إرادةِ قضاءِ الحاجة بالصحراء تقديمُ قول: بسم اللَّه. ومعناه: أتحصَّنُ ببسم اللَّه من الشيطان الرجيم، وتقال ابتداءَ كلِّ فعل؛ تبركًا بها، وقُدِّمت هنا على الاستعاذة؛ لأن التعوذ هناك للقراءة، والبسملة من القرآن، فيقدّم التعوذ. وشرطُه أن لا يقصِد بالبسملة القرآنَ عند دخول
[ ١ / ١٠٦ ]
أعُوذُ باللَّهِ (^١) مِنْ الخُبْثِ والخَبَائِثِ (^٢).
وإذا خَرَجَ (^٣): قَدَّم اليُمنَى، وقَالَ: غُفرَانَكَ، الحَمدُ لله الذي أذهَبَ
الخلاء، فإن قصدَه، حَرُم. قاله بعضهم. دنوشري بإيضاح. [¬١]
(^١) قوله: (أعوذُ باللَّه) أي: أعتصم. قال في «المصباح» [¬٢]: استعذت باللَّه، وعذت به، معاذًا وعياذًا: اعتصمت به.
(^٢) قوله: (من الخُبْثِ) بإسكان الباء. فسَّره القاضي بالشر. وقوله: (والخَبائِث) الشياطين. هذا قول القاضي عياض، وذكر أنه أكثر روايات الشيوخ، فكأنَّه استعاذ من الشرِّ وأهلِه.
وقال الخطابي: الخبُث، بضم الباء: جمع خبيث. والخبائث: جمع خبيثة، فكأنَّه استعاذ من ذُكران الشياطين وإناثِهم. وقيل الخبث: الكفر. والخبائث: الشياطين.
(^٣) قوله: (وإذا خرجَ .. الخ) عطف على قوله: «يسنُّ» أي: ويسنُّ أيضًا إذا أراد الخروج أن يقدِّم رجلَه اليمنى، وأن يقول حال خروجه: «غفرانَك». منصوبٌ بفعل محذوف، أي: أسألك غفرانَك، من الغَفْر، وهو السَّتر. والسرُّ في هذا الدعاء أنه لما خَلَص من النجو والبول المثقِلَين للبدَن، سأل اللَّهَ الخلاصَ مما يُثقِلُ القلبَ وهو الذنب بالغفران؛ لتكمل له الراحةُ الحسيَّةُ والمعنويَّةُ، بغفر الذنوب وسترها. وفي تخصيصه ﷺ بقول: «غفرانَك» [¬٣]
_________________
(١) [¬١] «فتح مولى المواهب» (١/ ١٨٣) [¬٢] ص (٢٢٥) (عوذ) [¬٣] أخرجه أحمد (٤٢/ ١٢٤) (٢٥٢٢٠)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠)، والنسائي في «الكبرى» (٩٩٠٧) من حديث عائشة. وصححه الألباني في «الإرواء» (٥٢)
[ ١ / ١٠٧ ]
عَنِّيَ الأَذَى وعافَانِي.
ويُكرَهُ في حَالِ التَّخلِّي: استِقبَالُ الشَّمسِ والقَمَرِ (^١)، ومَهَبِّ الرِّيحِ (^٢).
قولان؛ أحدهما: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها عليه من إطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه؛ فلجأ إلى الاستغفار من التقصير. والثاني: أنه استغفر من تركه ذكر اللَّه تعالى مدَّةَ لُبثِه على الخلاء، أي: محل المرتفق، فإنه كان ﷺ لا يترك ذكر اللَّه تعالى بلسانه وقلبه إلا عند قضاء الحاجة، فكأنه رأى ذلك تقصيرًا فتداركه بالاستغفار.
(^١) قوله: (ويُكره في حالِ التخلِّي استقبالُ .. إلخ) استقبالُ بالرفع نائب فاعل «يكره»؛ احترامًا وصونًا لهما عن مقابلتهما بالخارج من السبيلين؛ لما فيهما من نور اللَّه تعالى؛ ولأن أسماء اللَّه مكتوبةٌ عليهما، ولأنهما آيتان عظيمتان من آيات اللَّه، وبهما يستضيءُ الكون، وروي أن معهما ملائكة من ملائكة الرحمن، وأنهما يلعنانه حين استقبالهما بالخارج.
فإن قيل: اللعن؛ الطرد من رحمة اللَّه تعالى، وهو الموت على الكفر، وحينئذٍ فاعِلُ ذلك مستحقُّ اللعن، والمسلم لا يقال في حقه ذلك. إلا أن يُجابَ بأنَّ المراد باللعن: مطلق الطرد؛ أي المطرود عن العمل بالسنة، وليس المراد باللعن الموت على الكفر، والعياذ باللَّه من ذلك. وبه يجاب عن مثل هذا. دنوشري [¬١] وزيادة.
(^٢) قوله: (ومهبِّ الريحِ) أي: ويكره استقبال مهبِّ الريح، فهو معطوف على
_________________
(١) [¬١] «فتح مولى المواهب» (١/ ٢٠١)
[ ١ / ١٠٨ ]
والكَلامُ (^١). والبَولُ في إنَاءٍ (^٢)، وشَقٍّ (^٣)، ونَارٍ، ورَمَادٍ (^٤). ولا يُكُرَهُ البَولُ قائِمًا (^٥).
المضاف إليه؛ لأنه ربَّما يعود إليه رشاشُ البول فينجِّسه. ومحل الكراهة إذا كان بلا حائل.
(^١) قوله: (والكلامُ) عطف على المضاف، أي: ويكره الكلامُ في محلِّ خلائه مطلقًا، سواء كان الكلام قبل ذلك واجبًا؛ كرد السلام، أو مستحبًّا، كإجابة المؤذن؛ وإنما كان مكروهًا لما قيل: إن الملكين الموكَّلينِ ينعزلان عند دخول الخلاء، فإذا تكلم أحوجهما إلى العود، فيلعنانه. وتحرم القراءة فيه. لكن يجب على داخل نحو الخلاء تحذير معصوم عن مهلكة كأعمى وغافل. أفاده ع. [¬١]
(^٢) قوله: (والبولُ) عطف على الكلام. (في إناءٍ) أي: ويكره البول في إناءٍ بلا حاجة، أما إذا كان لحاجة، فلا بأس به.
(^٣) قوله: (وَشَقٍّ) عطف على إناء. أي: ويكره البول في شَقٍّ، بفتح الشين: واحد الشقوق، وهو ما انشق من الأرض، ولو فَمَ بالوعةٍ، وسَرَبَ، وهو ما يتخذه الوحش والدبيب في الأرض؛ لنهيه ﷺ عن البول في الجحر [¬٢].
(^٤) قوله: (ونارٍ ورمادٍ) أي: ويكره البول في نار ورماد؛ لأنه يورث السَّقم.
(^٥) قوله: (ولا يُكره البولُ قائمًا) منصوب على أنه حال من الفاعل. أي: ولا يكره البول حال كونه قائمًا، ولو لغير حاجة، إن أمِنَ تلوثًا وناظرًا. وقيل:
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ١٩٦، ١٩٧) [¬٢] يشير إلى حديث عبد اللَّه بن سرجس، أخرجه أحمد (٣٤/ ٣٧٢) (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩)، والنسائي (٣٤) وضعفه الألباني في «الإرواء» (٥٥)
[ ١ / ١٠٩ ]
ويَحرُمُ: استِقبَالُ القِبلَةِ واستِدبَارُهَا في الصَّحرَاءِ بِلا حائِلٍ (^١)، ويَكفِي: إرخَاءُ ذَيلِهِ (^٢). وأن يَبُولَ (^٣) أو يتَغَوَّطَ بطَرِيقٍ مَسلُوكٍ، وظِلٍّ نافِعٍ (^٤)، وتَحتَ شَجرَةٍ عَلَيهَا ثَمَرٌ يُقصَدُ (^٥)، وبَينَ قُبُورِ المُسلِمِين (^٦). وأنْ يَلبَثَ فَوقَ حاجَتِهِ (^٧).
كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا؛ فلعله فعله ﷺ لذلك [¬١]، أو للتشريع؛ إشارة للجواز. دنوشري بإيضاح.
(^١) قوله: (في الصحراءِ بلا حائل)؛ لنهيه ﷺ عن ذلك [¬٢]، ويجوز في البنيان، وبحائلٍ في الصحراء.
(^٢) قوله: (ويكفي) في الحائل (إرخاءُ ذيلِه)
(^٣) قوله: (وأن يبولَ .. إلخ) أي: ويحرمُ أن يبول .. إلخ.
(^٤) قوله: (وظلٍّ نافعٍ) أي: ينتفع به الناس، ويقيهم الحر، ومثله مَشْمَسٌ زمنَ شتاءٍ، ومُتحدَّثٌ لا بنحو غيبة، وإلا فيُفَرِّقُهُم بما يَستَطِيع. وخرج بقوله: «نافع» الظلُّ اليسير الذي لا ينتفع به. دنوشري.
(^٥) قوله: (وتحتَ شجرةٍ عليها ثمرٌ يُقصدُ) أي: يقصد للأكل، أو غيره كالقطن؛ لأنه يُفسِدُه، فإن لم يكن عليه ثمرٌ، جاز إن لم يكن له ظِلٌّ نافع؛ لأن أثره يزول بمجيء المطر قبل مجيء الثمر. ع [¬٣]
(^٦) قوله: (وبين قبور المسلمين) أي: ويحرم التخلي بين .. الخ.
(^٧) قوله: (وأنْ يلبَثَ) أي: يحرم أن يلبث، أي: يجلس في نحو خلاء (فوقَ
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٢٢٥، ٢٢٦)، ومسلم (٢٧٣) من حديث حذيفة [¬٢] أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري [¬٣] «هداية الراغب» (١/ ٢٠٣، ٢٠٤)
[ ١ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاجتِه) أي زائدًا عليها، ولو في ظلمة؛ لأنه كشفُ عورةٍ بلا حاجة، ومُضِرٌّ عند الأطباء، حتى قيل: إنه يُدمي الكبدَ بسبب الرائحة الكريهة، وأنه يورث الباسور. ع [¬١].
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٢٠١)
[ ١ / ١١١ ]