فَصْلٌ في صَلاةِ الخوفِ
وهي ثابتة بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ [النِّساء: ١٠٢] الآية. وبالسنة؛ لأنه ﷺ صلَّاها. وأجمعَ الصحابةُ ﵃ على فعلها، كما ورد، أي: على أحد الصِّفات الواردة عن النبي ﷺ. قال الإمام أحمد: صحَّ عن النبي ﷺ صلاةُ الخوف من خمسة أوجه، أو ستة. وفي رواية أخرى: من ستة أوجه، أو سبعة. قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقولُ بالأحاديث كلِّها، أم تختارُ واحدًا منها؟ قال: أنا [¬١] أقولُ: من ذهب إليها كلِّها فحسنٌ، وأما حديثُ سَهلٍ، فأنا أختاره.
وحديث سهل الذي أشار إليه الإمام: هو صلاته ﷺ بذات الرقاع؛ طائفةٌ صفَّت معه، وطائفةٌ وقفَت تُجاه العدو. فصلَّى بالتي معه ركعة، ثم ثبتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفسِهم، ثمَّ انصرفوا، وصَفُّوا تُجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى، فصلَّى بهم الركعة التي بَقِيت من صلاته، ثم ثبتَ جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم. متفق عليه [¬٢].
وهذا الحديثُ، هو الذي أشار إليه الإمام أحمد: أنه اختاره؛ لأنه أنكأُ
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «إنما» [¬٢] أخرجه البخاري (٤١٢٩، ٤١٣١)، ومسلم (٨٤١/ ٣٠٩، ٨٤٢) من حديث سهل بن أبي حثمة
[ ١ / ٤٥٤ ]
تَصِحُّ صَلاةُ الخَوفِ، إذا كانَ القِتَالُ مُبَاحًا (^١): حَضَرًا، وسَفَرًا (^٢).
ولا تَأثِيرَ لِلخَوفِ: في تَغيِيِرِ عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ (^٣)، بَلْ: في صِفَتِهَا (^٤)، وبَعْضِ شُرُوطِها.
للعدوِّ، وأقلُّ للأفعال، وأشبهُ بكتاب اللَّه تعالى، وأحوطُ للصلاة والحرب، وتحصيلُ المعادلة بينهما، فإن الأُولى أدركَت معه فضيلَةَ الإحرَامِ، والثانيةَ فضيلَةَ السَّلامِ. م ص [¬١].
(^١) قوله: (تَصِحُّ صلاةُ الخوفِ، إذا كانَ القتالُ مباحًا) فلا تباح بالقتال المحرَّم، كقتالٍ من أهلِ بغي، وقُطَّاع طريق؛ لأنها رخصةٌ، لا تُستباح بمحرَّم.
(^٢) قوله: (حَضَرًا وسَفَرًا) أي: تصحُّ صلاةُ الخوف، سواء كان حضرًا، أو كان سفرًا؛ لأن المبيحَ الخوفُ لا السفر، إلا الجمعة، فتصِحُّ حَضَرًا، لا سَفَرًا.
(^٣) قوله: (ولا تأثيرَ للخوفِ في تغيِيِر عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ) فلا يغيِّره الخوفُ؛ بناءً على قولِ أكثرِ الأصحاب الذين يمنعونَ الوجهَ السادس، وأما على ظاهر كلامِ الإمام، فيؤثِّر أيضًا في عددِها، كما في الوجهِ المشارِ إليه. بل المؤثر لتغيُّرِ عددِ الركعاتِ السفرُ. صوالحي [¬٢].
(^٤) قوله: (بلْ في صِفَتِهَا) أي: بل التأثير في صِفة الصلاة، فهو إضرابٌ إبطالي.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٦٢٣) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٢)
[ ١ / ٤٥٥ ]
وإذَا اشتَدَّ الخَوفُ (^١): صَلَّوا (^٢) رِجَالًا (^٣) ورُكْبَانًا، للقِبلَةِ وغَيرِهَا (^٤)، ولا يَلزَمُ افتِتَاحُهَا (^٥) إليهَا (^٦)، ولو أمكَنَ (^٧)، يُوْمِئُوْنَ طَاقَتَهُمْ (^٨). وكَذَا: في حَالَةِ الهَرَبِ مِنْ عَدُوٍّ (^٩)،
(^١) قوله: (وإذا اشتدَّ الخوفُ) أي: تواصَلَ الضربُ والطَّعنُ، والكرُّ والفرُّ، ولم يمكن تفريقُ القوم، ولم يمكن صلاتُهم على ما سبق. انتهى صوالحي [¬١].
(^٢) قوله: (صَلَّوا) وجوبًا، إذا حضرتِ الصلاةُ، ولا يؤخِّرونها إلى الأمن.
(^٣) قوله: (رجالًا) أي: مُشاةً.
(^٤) قوله: (ورُكبانًا، للقبلَةِ وغيرِها) لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٩]. قال ابنُ عمر: فإن كان خوفٌ أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالًا: قيامًا على أقدامهم، ورُكبانًا، مستقبلي القبلةَ، وغير مستقبليها. متفق عليه [¬٢]. انتهى الوالد.
(^٥) قوله: (ولا يلزمُ افتتاحُهَا) أي: الصلاة.
(^٦) قوله: (إليها) أي: القِبلَةِ.
(^٧) قوله: (ولو أمكَنَ) المصلِّي التوجُّه للقبلة.
(^٨) قوله: (يُومِئُونَ طَاقَتَهُم) أي: يومِئوُن المصلون بركوعٍ وسجودٍ، حسب طاقتِهم. والسجودُ أخفضُ من الركوع.
(^٩) قوله: (وكذا في حالةِ الهَرَبِ مِنْ عدُوٍّ) أي: كشدَّةِ صلاةِ الخوفِ الصَّلاةُ في حالة الهرب من عدوٍّ هربًا مباحًا. واحترز بالهربِ المُباح عن المحرَّم،
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٢) [¬٢] أخرجه البخاري (٤٥٣٥)، ومسلم (٨٣٩/ ٣٠٦)
[ ١ / ٤٥٦ ]
أو: سَيْلٍ، أو: سَبُعٍ (^١)، أو: نَارٍ، أو: غَرِيمٍ ظالِمٍ (^٢)، أو: خَوفِ فَوْتِ وَقْتِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (^٣)، أو: خَافَ على نَفسِهِ، أو أهْلِهِ، أو مالِه (^٤)، أو: ذَبٍّ عَنْ ذلِكَ (^٥)، وعَن نَفْسِ غَيرِهِ (^٦).
كالعاصي بهربه، كمن يهرب من حقٍّ عليه، قادرٌ على وفائه، وكقاطعِ [¬١] طريقٍ، والسارقِ، فليس لهم أن يصلُّوها كذلك؛ لأنها رخصةٌ ثبتت للدفع عن نفسِه في محلٍّ مُباح، فلا تثبت بالمعصية، كرُخَصِ السفر. ح ف.
(^١) قوله: (أو سَيلٍ، أو سَبُعٍ) أي: أو الهرب من سيلٍ، أو سَبُعٍ؛ حيوان معروف، وقد يُطلَق على كلِّ حيوان مُفترس، وهو المرادُ هنا. انتهى الوالد.
(^٢) قوله: (أو نارٍ، أو غريمٍ ظالِمٍ) أي: أو الهرب من نارٍ، أو من غريمٍ ظالمٍ، لا قدرةَ له على وفائه. فإن كان الظلم بحقٍّ؛ بأن يقدِرَ على وفائه، لم يجز. م ص [¬٢] وإيضاح.
(^٣) قوله: (أو خَوفِ فَوتِ وَقتِ الوقُوفِ بعَرفَةَ) فيصلي بالإيماءِ صلاةَ خائفٍ.
(^٤) قوله: (أو خافَ على نفسِهِ، أو أهلِه، أو مالِه) أي: وكذا إن خافَ على نفسِه، أو خافَ على أهله، أو خاف على مالِه.
(^٥) قوله: (أو ذبٍّ) بالجر، عطف على قوله: «في حالة هرب» أي: وكذا في حالة ذبٍّ (عن ذلك) بالذال المعجمة أي: دفعه عن نفسه، أو أهله، أو ماله، فيصلي صلاةَ خائف. صوالحي [¬٣].
(^٦) قوله: (وعن نَفسِ غيرِه) أي: وكذا ذبُّه عن نفسِ غيرِه، أو مالِ غيره.
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «وكقطاع» [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٦٣١) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٣)
[ ١ / ٤٥٧ ]
وإنْ خَافَ عَدُوًّا إنْ تَخَلَّفَ عَنْ رُفْقَتِهِ، فَصَلَّى صَلاةَ خائِفٍ، ثُمَّ بانَ أمْنُ الطَّرِيقِ: لَم يُعِدْ (^١).
ومَن خَافَ أو أمِنَ في صَلاتِهِ: انتَقَلَ (^٢)، وبَنَى (^٣).
ولِمُصَلٍّ: كَرٌّ وَفَرٌّ (^٤) لِمَصلَحَةٍ (^٥). ولا تَبطُلُ بُطُولِهِ (^٦).
وجَازَ لِحَاجَةٍ: حَملُ نَجَسٍ (^٧)،
صححه في «الإنصاف» [¬١]؛ دفعًا للضرر. الوالد.
(^١) قوله: (لم يُعِدْ) الصلاةَ؛ لعموم البلوى بذلك.
(^٢) قوله: (ومن خافَ أو أمِنَ في صلاتِه، انتقلَ) أي: ومن صلى صلَاة أمن فخافَ في صلاته، أو صلَّى صلاةَ خوفٍ فأمِنَ في صلاتِه، انتقلَ في الصورة الأُولى من الأمنِ إلى الخوف، وفي الثانية من الخوفِ إلى الأمن. صوالحي [¬٢].
(^٣) قوله: (وبَنَى) على ما مضى من صلاته في الصورتين.
(^٤) قوله: (ولمُصَلٍّ) في صلاةِ خوفٍ (كرٌّ) على العدو (وفرٌّ) منه.
(^٥) قوله: (لمصلحَةٍ) وكذا لا يضُرُّ تأخُّرُ الإمامِ عن المأموم في شِدَّةِ الخوف؛ لدعاءِ الحاجة إليه. صوالحي [¬٣].
(^٦) قوله: (ولا تبطُلُ) الصلاةُ (بطُولِه) أي: الكرِّ والفرِّ؛ لأنه موضعُ ضرورة، بخلاف الصِّياح، فإنه لا حاجةَ إليه، بل السكوتُ أهيبُ في نفوسِ الأقران.
(^٧) قوله: (وجازَ لحاجةٍ حملُ نجَس) أي: وجاز في الصلاةِ لأجل حاجةٍ حملُ
_________________
(١) [¬١] (٥/ ١٥١) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٣) [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٣)
[ ١ / ٤٥٨ ]
ولا يُعِيدُ (^١).
نجَسٍ لا يُعفى عنه في غيرها. صوالحي [¬١].
(^١) قوله: (ولا يُعيد) ما صلَّاه في الخوفِ مع النجَسِ الكثيرِ؛ للعذر.
تتمة: يُسن لخائفٍ أن يحمِلَ في الصلاة ما يدفَعُ به عن نفسِه؛ من سَيفٍ وسِكِّينٍ، ما لم يثقِلْه، فيكره. ويُكره حملُ ما يمنعُ إكمالَ الصلاة. صوالحي [¬٢].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٣) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٣٩٣)
[ ١ / ٤٥٩ ]