يُسَنُّ: الاستِعدَادُ للمَوتِ (^١). والإكثَارُ مِنْ ذِكْرِهِ (^٢).
كِتابُ الجَنائز
الجنائزُ: بفتح الجِيمِ، جمعُ جِنازة، بالكسر، والفتحُ لُغَةٌ: اسمٌ للميِّت، أو للنَّعْشِ عليه ميِّت، فإن لم يكن عليه ميتٌ، فلا يقال: نعْشٌ، ولا جِنازة، بل سَريرٌ. واشتقاقه من: جَنَزَ، كضَرَبَ: إذا سَتَر.
وكان من حقِّ هذا الكتابِ أن يُذكر بين الوصايا والفرائض، لكن لمَّا كان من أهمِّ ما يُفعل بالميِّت الصلاةُ عليه، أعقبَه للصلاة. م ص [¬١].
(^١) قوله: (يُسنُّ الاستعدادُ للموتِ) أي: يُسنُّ التأهُّبُ للموت بالتوبة من المعاصي، والخروجِ من المظالم؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا﴾ [الكهف: ١١٠]. والتوبةُ ونحوُها واجبٌ على الفور. والمستحبُّ إنِّما هو ملاحظتُه في ذلك الخوفَ من اللَّه تعالى، والعرضَ عليه، والسؤالَ عنه، وغيرَه مما يقعُ له بعدَ الموت. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (والإكثارُ مِنْ ذِكرِه) أي: ويُسنَّ الإكثارُ من ذِكر الموت؛ لقوله ﷺ: «أكثروا من ذِكر هاذمِ اللَّذات». رواه البخاري [¬٣]. بالذال المعجمة، أي: الموت.
_________________
(١) [¬١] «كشاف القناع» (٤/ ٧) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٤٣٣) [¬٣] هذا الحديث ليس عند البخاري في الصحيح؛ بل أخرجه الترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (١٨٢٣) من حديث أبي هريرة، وهو حديث مختلف فيه. وانظر «علل الدارقطني» (٨/ ٣٩)، وقد صححه الألباني في «الإرواء» (٦٨٢)
[ ١ / ٥٠٧ ]
ويُكْرَهُ: الأَنِينُ (^١). وتَمَنِّي المَوتِ (^٢)، إلَّا لِخَوفِ فِتْنَةٍ (^٣).
وتُسَنُّ: عِيَادَةُ المَرِيضِ (^٤) المُسلِمِ (^٥).
(^١) قوله: (ويُكرهُ الأنينُ) ما لم يغلِبه؛ لأنه يُترجِمُ عن الشَّكوى. ويُستحبُّ له الصَّبرُ والترجِّي. ونقلَ عبد اللَّه في أنينِ المريض: أرجو أنه لا يكون شَكوى، ولكنَّه اشتكَى إلى اللَّه. الوالد.
(^٢) قوله: (وتمنِّي الموتِ) أي: ويُكرهُ تمنِّي الموت.
(^٣) قوله: (إلا لِخوفِ فِتنَةٍ) في دينه، أي: فلا يُكره تمنِّي الموت؛ لقوله ﵇: «وإذا أردت بعبادِك فتنةً، فاقبضني إليك غيرَ مفتُون» [¬١]. وليس تمنِّي الشهادةِ من تمنِّي الموتِ المنهيِّ عنه، كما في «الهدي» بل هو مُستحبٌّ. عثمان [¬٢].
(^٤) قوله: (وتُسنُّ عيادةُ المريضِ) أي: زيارته وافتقاده؛ من العود وهو: الرجوع.
(^٥) قوله: (المُسلمِ) أي: غيرِ مبتدعٍ يجبُ هجره كرافضيٍّ، أو يُسن [¬٣] هجرُه كمتجاهرٍ بمعصية.
واحترز بالمسلم عن الكافِر، فإنه تحرمُ عيادتُه، سواء كان ذميًّا، أو حربيًّا، أو مرتدًّا.
ويُسنُّ لعائدٍ تذكيرُ المريض، مخوفًا كان مرضُه، أو لا، التوبةَ؛ لأنه أحوجُ
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٧) (٣٤٨٤) من حديث ابن عباس. وصححه الألباني في «الإرواء» (٦٨٤) [¬٢] «حاشية المنتهى» (١/ ٣٨٥) [¬٣] في الأصل: «أو سُن»
[ ١ / ٥٠٨ ]
وتَلقِينُهُ عِنْدَ مَوْتِه: «لا إلَهَ إلَّا اللَّه» مَرَّةً (^١).
إليها من غيره، وهي واجبةٌ على كلِّ أحدٍ في كلِّ وقتٍ من كلِّ ذنبٍ حتَّى مِنْ تأخيرها. وتذكيرُه الوصيةَ. ويدعو له بالعافية والصلاح إن رَجاها، وإلا بالتهوين، وهو المراد بالصلاح.
ويدعو له بما ورد. ومما ورد: «أسألُ اللَّه العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يشفيك. سَبعًا» [¬١]. وأن يقرأَ عنده فاتحةَ الكتابِ، والإخلاصَ، والمعوذتين، و: «لا بأس، طهورٌ إن شاء اللَّه» [¬٢]. ولا بأس بوضِع يدِه عليه، ويقول [¬٣]: «اللَّهم ربَّ الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» [¬٤]. م ص [¬٥].
(^١) قوله: (وتلقينُه عندَ موته: لا إله إلا اللَّه، مَّرةً) أي: ويُسنُّ تلقينُه عند موتِه قولَ: لا إله إلا اللَّه، مرةً، إن أجابَ، ولم يتكلم بَعدُ، وإلا أعاد. فإن لقَّنه لا إله إلا اللَّه، ولم يُجبه، لقَّنه ثانيًا، وثالثًا. واقتصر عليها؛ لأن إقراره بها إقرارٌ بالأخرى. وفيه شيء. وقال بعضُ العلماء: يلقَّن الشهادتين؛ لأن الثانيةَ تبعٌ، فلهذا اقتصر في الخبر [¬٦] على الأولى. م ص [¬٧].
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٤/ ٤٠) (٢١٣٧)، وأبو داود (٣١٠٦)، والترمذي (٢٠٨٣) من حديث ابن عباس. وصححه الألباني [¬٢] أخرجه البخاري (٣٦١٦، ٥٦٥٦) من حديث ابن عباس [¬٣] سقطت «ويقول» من الأصل [¬٤] أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١) من حديث عائشة [¬٥] «دقائق أولي النهى» (٢/ ٦٨، ٦٩) [¬٦] «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه». أخرجه مسلم (٩١٦، ٩١٧) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة [¬٧] «كشاف القناع» (٤/ ٣٣)
[ ١ / ٥٠٩ ]
ولم يَزِدْ إلَّا أن يَتكَلَّمَ (^١). وقِرَاءَةُ «الفاتِحَة» (^٢)، و«يس» (^٣). وتَوجِيهُهُ إلى القِبلَةِ، على جَنبِهِ الأَيمَنِ، مَعَ سَعَةِ المَكَانِ (^٤)،
وظاهرُه: استحبابُ التلقين، ولو لغيرِ مكلَّف. وأطلقَ المصنِّفُ كغيره: التلقين. فظاهره: أنه يقول له: قل لا إله إلا اللَّه. ولعله غير مراد، بل ينبغي قولُها بحضرته وهو يسمع؛ ليتفطنَ فيقولها، إلَّا إن كان كافرًا فيقول له: قل. انتهى ما رأيته بخط الوالد.
(^١) قوله: (ولم يَزِدْ إلَّا أن يتكلَّم) أي: ولم يَزِدْ على الثلاث؛ لئلا يضجَر، إلا إن لم يُجب، أو يتكلَّم بعدها، فيُعادُ التلقينُ؛ ليكون آخرَ كلامه: لا إله إلا اللَّه؛ لقوله ﷺ: «من كان آخرُ كلامه: لا إله إلا اللَّه، دخل الجنة» [¬١]. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (وقراءةُ الفاتحةِ) أي: ويُسنُّ أن يقرأ عنده «الفاتحةَ» نص عليه.
(^٣) قوله: (ويس) أي: ويقرأ أيضًا عنده «يس»؛ للحديث [¬٣]. وفي «المستوعب» [¬٤]: ويقرأ «تبارك»
(^٤) قوله: (وتوجيهُهُ إلى القِبلَة) أي: ويُسنُّ توجيهُه إلى القبلة (على جنبهِ الأيمَنِ) وذلك (مع سَعَةِ المَكان)
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٣٦/ ٣٦٣) (٢٢٠٣٤)، وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ، وصححه الألباني في «الإرواء» (٦٨٧) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٤٤٠) [¬٣] «اقرؤوا على موتاكم يس». أخرجه أبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨) من حديث معقل بن يسار. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٦٨٨) [¬٤] (١/ ٢٩٦)
[ ١ / ٥١٠ ]
وإلَّا: فَعَلَى ظَهرِهِ (^١).
فإذَا مَاتَ، سُنَّ: تَغمِيضُ عَينَيْهِ (^٢).
(^١) قوله: (وإلَّا فعلَى ظَهرِه) أي: وإن لم يكن المكانُ واسعًا، فيوجِّههُ على ظَهرِه، مستلقيًا على قَفاه ورجلاه إلى القبلة، ويرفعُ رأسَه قليلًا؛ ليصيَر وجهُه إلى القبلة دون السماء.
وينبغي للمريض أن يشتغلَ بنفسِه؛ بأن يستحضِر في نفسِه أنه حقيرٌ من مخلوقاتِ اللَّه تعالى، وأن اللَّه تعالى غنيٌّ عن عباداته وطاعاته، وأن لا يطلب العفوَ والإحسانَ إلا منه، وأن يُكثِر، ما دامَ حاضرَ الذِّهن، من القراءَة والذِّكر، وأن يبادرَ إلى أداء الحقوق؛ بردِّ المظالم، والودائعِ، والعواري، واستحلالِ نحو زوجةٍ، وولدٍ، وقريبٍ، وجارٍ، وصاحبٍ، ومَنْ بيَنه وبينَه معاملةٌ، ويُحافظَ على الصَّلوات، واجتنابِ النجاسات، ويصبرَ على مشقَّة ذلك، ويجتهدَ في ختم عمرِه بأكمل الأحوال، ويتعاهد نفسَه بنحو تقليم ظُفْرٍ، وأخذِ عانةٍ، وشاربٍ، وإبطٍ. م ص [¬١].
(^٢) قوله: (سنَّ تغميضُ عينَيه) لأنه ﷺ غَمَّضَ أبا سلمة، وقال: «الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون» [¬٢]. ولئلا يَنفَتِحَ مَنظَرُه، ويُساءَ به الظنُّ. ويُغمضُ ذاتَ محرَمٍ، وتُغمِضُه؛ ذكرًا أو أنثى. وظاهره: لا يُباح من غير محرم، ولعله: إن أدَّى إلى لمسِ أو نَظَرِ ما لا يجوزُ ممَّن لعورتِه حُكمٌ، بخلافِ طفلٍ وطفلة. وظاهرُه: أنه يجوزُ أن يُغمِضَ زوجتَه، وأن تغمِضَه، كالغَسلِ. ح ف وزيادة.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (٢/ ٧٣) [¬٢] أخرجه مسلم (٩١٩/ ٦، ٩٢٠/ ٧) من حديث أم سلمة
[ ١ / ٥١١ ]
وقَولُ: «بِسمِ الله، وعلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّه» (^١).
(^١) قوله: (وقولُ: بسم اللَّه وعلى وفاةِ رسولِ اللَّه) أي: ويُسنُّ عندَ تغميضِه قولُ: بسم اللَّه، وعلى وفاةِ رسول اللَّه ﷺ. ولا يتكلَّمُ من حضَره إلا بخيرٍ، ويَشُدُّ لِحيَيه، ويُلينُ مفاصِلَه، ويجعلُ على بطنِه مرآةَ حديدٍ.
ويجبُ أن يسارِعَ في قضاءِ دينِه، وبراءةِ ذمَّته؛ من دفعِ الحقوق إلى أهلِها، وإخراجِ كفارةٍ، وحجٍ واجب، ونذرٍ من موجودٍ، وإمضاءِ وصيَّةٍ قبلَ الصلاةِ عليه إن أمكن ذلك، وإلا استُحِبَّ الإسراعُ في تجهيزه، إلَّا في موتِ الفجأةِ ممَّن ماتَ بغتةً، أو بصعقةٍ، أو هدمٍ، أو خوفٍ، أو سَبعٍ، أو تردٍّ [¬١]، أو غيرِ ذلك مما يُشكُّ في موته حتى يُعلمَ موتُه يقينًا؛ بانخسافِ صُدغَيه، وميلِ أنفِه، وانفصالِ كفَّيه، وارتخاءِ رِجليه، وغيبوبةِ سوادِ عينيه في البالغين، وهو أقواها. زاد في «الشرح» [¬٢] و«الرعاية»: وامتداد جلدةِ وجهِه.
ووجه تأخيرِ تجهيزه؛ لاحتمالِ أن يكونَ عرضَ له مرضُ السكتةِ ونحوِها، وقد يفيقُ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ بلياليها. ويحرمُ فعلُ النعي؛ لحديث: «إياكم والنَّعي، فإن النعي من عملِ الجاهلية». رواه الترمذي. [¬٣] عن [¬٤] ابن مسعود، مرفوعًا. صوالحي [¬٥].
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «أو برد» [¬٢] «الشرح الكبير» (٦/ ٢٣) [¬٣] قد أخرجه الترمذي (٩٨٤) من حديث ابن مسعود. وضعفه الألباني [¬٤] سقطت: «عن» من الأصل. والتصويب من (ج) [¬٥] «مسلك الراغب» (١/ ٤٤٣)
[ ١ / ٥١٢ ]
ولا بَأْسَ: بِتَقبيلِهِ، والنَّظَرِ إليهِ (^١)، ولَو بَعدَ تَكفِينِهِ (^٢).
(^١) قوله: (ولا بأسَ بتقبيلِه والنظرِ إليه) أي: ولا بأس بتقبيلِ الميت، والنظرِ إليه ممَّن يباحُ له ذلك في الحياة.
(^٢) قوله: (ولو بعدَ تكفينِه) أي: ولو كان بعد تكفينه، نصَّ عليه.
روى الإمام أحمد ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن يموتُ بعرق الجبين» [¬١]. فعرقُ الجبين موتُ [¬٢] العبدِ على الإيمان. قال الترمذي: قال عبد اللَّه: «إن المؤمنَ تبقى عليه خطايا من خطاياه، فيُجازى بها عندَ الموت؛ فيعرقُ لذلك جبينُه». حياءً من اللَّه لِمَا اقترف من مخالفته؛ لأن ما سَفُلَ منه قد مات، وإنما بقيت قُوى الحياة وحركتُها فيما علا، والحياءُ في العينين. والكافر في عمَّى عن هذا كلِّه.
قال في «الاختيارات»: عرضُ الأديان على العبدِ عندَ الموتِ ليس عامًا لكلِّ أحدٍ، ولا منفيًا عن كلِّ أحدٍ، بل من الناس من تُعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كلُّه من فتنةِ المحيا، والشيطانُ أحرصُ ما يكون على إغواءِ بني آدم وقتَ الموت. صوالحي باختصار [¬٣].
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٣٨/ ٦٢)، والنسائي (١٨٢٩) من حديث بريدة، وصححه الألباني [¬٢] كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: «فعرق الجبين دليل موت» كما في «مسلك الراغب» [¬٣] «مسلك الراغب» (١/ ٤٤٤)
[ ١ / ٥١٣ ]