كِتابُ الزَّكَاةِ
لغةً: النماءُ والزِّيادة. يقال: زكا الزرع، إذا نَما وزاد. وتُطلَق على المدحِ، والتَّطهير، والصَّلاح. فمِن الأوَّل: قوله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ [النّجْم: ٣٢]. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشّمس: ٩]. أي: طهَّرها. ومن الثالث: يقال: زكَّى القاضي الشهودَ، إذا بيَّن زيادتَهم في الخير. واشتقاقُها من زكا يزكو، إذا نَما. أي: زادَ .. إلخ. وسُمِّي المُخْرَجُ زكاةً؛ لأنه يزيدُ في المُخرَجِ منه، ويقيهِ الآفات.
وهي أحدُ أركان الإسلام ومبانيه، المشار إليها بقوله ﵊: «بُني الإسلام على خمس» [¬١]. وأجمَعوا على فرضيَّتها، واختلفوا هل فُرضت بمكةَ أو بالمدينة؟ قال: صاحبُ «المغني» و«المحرر» والشيخ تقي الدين: إنها مدنيَّة [¬٢]. وقال الحافظُ شرفُ الدين الدِّمياطي: فُرضَت في السنةِ الثانيةِ من الهجرة بعدَ زكاةِ الفطر. وفي «تاريخ ابن جرير الطبري»: فُرِضَت في السنة الرابعة من الهجرة.
وهي شرعًا: حقٌّ واجبٌ من عُشرٍ، أو نِصفِه، أو رُبعِه، في مالٍ خاصٍّ،
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر [¬٢] انظر «الفروع» (٣/ ٤٣٧)
[ ٢ / ٥ ]
شَرْطُ وجُوبِها (^١) خَمسَةُ أشيَاءَ:
أحَدُها: الإسلامُ. فلا تَجِبُ على الكافِرِ، ولو مُرْتَدًّا (^٢).
الثَّاني: الحُرِّيَّةُ. فلا تَجِبُ على الرَّقيقِ (^٣)، ولو مُكَاتَبًا (^٤)، لَكِنْ: تَجِبُ على المُبَعَّضِ بِقَدرِ مِلْكِهِ (^٥).
لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوص، هم المذكورونَ في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التّوبَة: ٦٠] الآية.
فخرج بقوله: «واجبٌ» الحقوقُ المسنونةُ، كالسَّلام، والصَّدقةِ، والعِتْقِ. وبقوله: «في مالٍ خاصٍّ» ردُّ السَّلام، والنفقةُ، ونحوُها. وبقوله: «لطائفةٍ مخصوصَةٍ» الديةُ. «بوقت مخصوص» هو: تمامُ الحول، وبدوُّ الصلاحِ، وخرجَ به: النذرُ بمالٍ خاصٍّ لطائفةٍ. انتهى الوالد.
(^١) (شرطُ وجوبِها) تجبُ الزكاةُ في سائمةِ بهيمةِ الأنعامِ، والخارجِ من الأرض، والأثمانِ، وعُروضِ التِّجارة. وسيأتي تفصيلُها.
(^٢) قوله: (فلا تجبُ على الكافرِ، ولو مُرتدًّا) فلا يقضيها إذا أسلَم.
(^٣) قوله: (فلا تجبُ على الرَّقيق) أي: وجوبَ أداءٍ؛ لأنه لا مالَ له. أمَّا وجوبُ خطابٍ، فثابتٌ على الأصحِّ. ابن نصر اللَّه.
(^٤) قوله: (ولو مُكاتبًا) أي: ولو كان الرقيقُ مكاتبًا، أو مُدَبرًا، أو أمَّ ولدٍ؛ لأنهم عبيدٌ، ومِلكُهم غيرُ ثابت.
(^٥) قوله: (لكن تجِبُ على المُبعَّضِ بقدرِ مِلكِه) أي: فيما مَلَكه بجُزئِه الحُرِّ بشرطِه، وهو: أن تبلُغ حصَّتُه نصابًا. فلو كَسَبَ مبعَّضٌ نصفُه حرٌ ألفَ دِرهمٍ، وحالَ عليها الحولُ، وجبَ عليه زكاةُ خمسمائة؛ لأنها قدرُ ما
[ ٢ / ٦ ]
الثَّالِثُ: مِلكُ النِّصَابِ. تَقرِيبًا: في الأثمَانِ (^١)، وتَحدِيدًا: في غَيرِها (^٢).
الرَّابِعُ: المِلكُ التَّامُّ. فَلا زَكاةَ على السيِّدِ في دَيْنِ الكِتَابَةِ (^٣). ولا في حِصَّةِ المُضَارَبِ قَبلَ القِسْمَةِ (^٤).
يملِكه من ذلك. عثمان [¬١].
(^١) قوله: (تقريبًا في الأثمانِ) والعروضِ، فلا يضُرُّ نقصُ حَبتينِ؛ لأنه لا ينضبِطُ غالبًا. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (وتحدِيدًا في غيرِها) أي: غيرِ الأثمانِ والعروضِ من الحُبوب والثِّمارِ والمواشي. فإن نَقصَ نصابُها ولو بجُزءٍ يسير، لم تجب، لكن لا اعتبارَ بنقصٍ يدخُل في الكيل. م ص [¬٣].
(^٣) قوله: (فلا زكاةَ على السيِّد في دَينِ الكِتابَةِ) لنقصِ مِلكِه فيه بعدم استقرارِه بحال، وعدمِ صحَّةِ الحَوالِة عليه وضمانِه؛ ولأنه يملِكُ تعجيزَ نفسِه، وحينئذ فلا يَلزمُ سيده زكاتُه لما مَضى إذا قبضَه، بل يستقبلُ به الحولَ إن بلغ نصابًا، وإلا فكمُستفادٍ، وكذا إن عَجَز وبيدِه شيءٌ. الوالد.
(^٤) قوله: (ولا في حِصَّةِ المُضَارَبِ قبلَ القِسمَةِ) أي: ولا زكاةَ في حصَّةِ المُضارَبِ قبلَ القسمة؛ لعدم استقراره، لأنه وقايةٌ، فَمِلكُه ناقصٌ، فلا ينعقدُ عليها الحولُ قبلَ القسمة.
وتجبُ الزكاةُ على المالِك عند قبضه ممَّن هو في جهتِه بعدَمِ تمامِ الحولِ
_________________
(١) [¬١] «حاشية المنتهى» (١/ ٤٣٦) [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ٥٠٤) [¬٣] «دقائق أولي النهى» (٢/ ١٧٢)
[ ٢ / ٧ ]
الخَامِسُ: تَمَامُ الحَوْلِ. ولا يَضُرُّ: لَو نَقَصَ نِصفَ يَومٍ (^١).
في دَيْنٍ، ولو كانَ المديونُ مُعسِرًا، وفي دَينٍ مؤجلٍ، وفي دَينٍ ناكرُه المديون، وفي مالٍ مغصوبٍ بيدِ الغاصِب، لكنْ يرجِعُ ربُّ المال على الغاصِب زمَن غَصبه؛ لنقصِه المال بيدِه.
وتجبُ الزكاة في لُقَطَةٍ، فزكاةُ حولِ التعريفِ على ربِّها، وما بعدَ حولِ التعريف على مُلتَقِطٍ؛ لدخوله في مِلكِه، فإن أخرجَ الملتقِطُ ما لزِمَه من الزكاةِ بعدَ حول التعريفِ، ثم أخذَها ربُّها، رجَعَ بما أخرجَه عليه.
وتجبُ في مسروقٍ، ومدفونٍ منسيٍّ، في دارِه أو غيرِها، أو مجهولٍ عندَ مَنْ هو، وفي موروثٍ، ومرهونٍ، وفي مودَعٍ، وفي مالِ غائبٍ مع عبدٍ أو وكيلٍ. يجبُ كلُّ ذلك عندَ قبضِه. صوالحي.
(^١) قوله: (تمامُ الحولِ … إلخ) رِفقًا بالمالِك، وليتكاملَ النَّماءُ فيواسى منه. ويُعفى فيه عن نصفِ يَومٍ.
وإنما يُعتبر الحولُ في غيرِ معَشَّرٍ، كحبوبٍ وثِمارٍ، فلا يُعتبرُ في المعشَّرِ حولٌ. فيُزكَّى كلُّ مالٍ إذا تم حوله.
فمتى نقصَ النِّصابُ في بعضِ الحَولِ، انقطَع، أو باعَه، أو أبدلَه بغيرِ جِنسِه، كبهيمة لو غيَّر غَنمًا ببقرٍ، انقطعَ الحولُ، غير الذهبِ والفضَّةِ، وعُروضِ التجارة. ومتَى باعَ شيئًا بقصدِ الفرارِ من الزكاة، حَرُمَ، ولم تسقُط. صوالحي وزيادة [¬١].
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ٥٠٥)
[ ٢ / ٨ ]
وتَجِبُ: في مالِ الصَّغِيرِ، والمَجنُونِ (^١).
وهِيَ في خَمسَةِ أشيَاءَ: في سائِمَةِ بَهيمَةِ الأَنعَامِ (^٢). وفي الخَارِجِ مِنْ الأَرضِ (^٣). وفي العَسَلِ. وفي الأثمَانِ (^٤). وفي عُرُوضِ التِّجارةِ (^٥).
ويَمنَعُ وجُوبَها: دَينٌ (^٦) يَنقُصُ النِّصَابَ (^٧).
(^١) قوله: (وتَجِبُ في مالِ الصَّغيرِ والمجنُون) لأن الزكاةَ مواساةٌ، وهما من أهلِها كالمرأة، لا فيما وُقف لحَملٍ من إرثٍ [¬١]، أو وصيَّةٍ، ولو انفصَلَ حيًّا، كما جزم به في «الإقناع»؛ خلافًا لابن حمدان، قال: لحُكِمنا بمِلكِه ظاهرًا، حتى منعنَا باقي الورثة. عثمان [¬٢].
(^٢) قوله: (في سائمةِ بَهيمةِ الأَنَعامِ) الإبلِ، والبقرِ، والغنمِ.
(^٣) قوله: (وفي الخارجِ من الأرضِ) من حبوبٍ، وثمارٍ، ومَعْدِنٍ، ورِكَازٍ.
(^٤) قوله: (وفي الأثمانِ) وهي الذهبُ والفضُّة.
(^٥) قوله: (وفي عُروض) والخامس: في عُروض (التِّجارة)، فلا تجبُ في غيرِ ذلك من خيلٍ، ورقيقٍ، وغيرِهما. وهذه الخمسةُ أشياء تأتي مفصَّلة على هذا الترتيب.
(^٦) قوله: (ويمنعُ وجوبَها دينٌ) حالٌّ أو مؤجَّل.
(^٧) قوله: (يَنقُصُ النِّصابَ) باطنًا كان المالُ، كأثمانٍ وعُروضِ تجارة، أو ظاهرًا، كماشيةٍ وحبوبٍ وثِمارٍ. ولو كان الدَّينُ كفَّارةً ونذرًا مُطلقًا، وزكاةً، ودينَ حجٍّ وغيرِه؛ لأنه يجبُ قضاؤه، أشبهَ دينَ الآدمي؛ ولقوله عليه
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «وارث» [¬٢] «حاشية المنتهى» (١/ ٤٣٦)
[ ٢ / ٩ ]
ومن ماتَ وعلَيهِ زَكاةٌ: أُخِذَت مِنْ تَرِكَتِهِ (^١).
الصلاة والسلام: «دينُ اللَّهِ أحقُّ بالوفاء» [¬١]. ومتَى بَرِئَ ابتدأ حولًا. انتهى الوالد.
(^١) قوله: (ومن ماتَ وعليهِ زكاةٌ أُخِذَت من تَرِكَتِه) لترتُّبها في ذِمَّته، فيلزم الورثة دفعُها، ولو لم يوصِ بها، كالعُشر؛ لحديث: «فدينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء» [¬٢]. ولأنها حقٌّ واجبٌ تصِحُّ الوصيةُ به، أشبهَ دينَ الآدمي. صوالحي وزيادة.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١٨٥٢) من حديث ابن عباس [¬٢] أخرجه البخاري (٦٦٩٩)، ومسلم (١١٤٨) من حديث ابن عباس
[ ٢ / ١٠ ]