وهِي: رَفْعُ الحَدَثِ (^١)،
كتاب الطهارة
فكتاب خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: مما يذكر كتابٌ، أو أن يكون مفعولًا لفعل محذوف تقديره: اقرأ، أو خذ، وكذا يقال في نظائره الآتية من الأبواب.
والكتاب مصدر كتب بمعنى: جمع، كنصر ينصر، كتب كتابًا وكتبًا وكتابة، وسمي به المكتوب مجازًا، كالخلق بمعنى المخلوق.
ومعناه في اللغة: الضم والجمع؛ لأنه يجمع جملة من مسائل العلم.
واصطلاحًا: اسم لجملةٍ من العلمِ مشتملةٍ على أبوابٍ وفصولٍ غالبًا.
والطهارة: مصدر طَهُرَ يطهُر، بضم الهاء فيهما، وهي في اللغة: النظافة والنزاهة، والخلوص من الأقذار الحسيَّة كالأنجاس، والمعنوية كالذنوب المُنقصةِ للإنسان المدنِّسة لعرضِه. وشرعًا: ما ذكره المصنف.
(^١) قوله: (وهي: رفعُ الحدثِ) أكبَرَ أو أصغَرَ. أي: زوالُ الوَصفِ المانعِ مِنْ صحة الصلاة ونحوها باستعمال الماء في جميع البدن، أو في الأعضاء الأربعة، على وجه مخصوص. والحدث ليس بنجاسة.
ثم إن الأَولى للمصنف أن يعبر بالارتفاع، كما عبَّر به في «المنتهى» و«الإقناع» ليطابق بين المفسِّر وهو الارتفاع والمفسَّر وهو الطهارة في اللزوم في فعليهما، بخلاف الرفع؛ لأنه تعريف للتطهير لا للطهارة، لكن سهَّله
[ ١ / ٧٣ ]
وزَوَالُ الخَبَثِ (^١).
وأقسَامُ المَاءِ (^٢) ثَلاثَةٌ: (^٣)
أحَدُها: طَهُورٌ (^٤):
كونُ الطهارةِ أثرَهُ وناشِئَةً عنه. وسمي الوضوء والغسل طهارة؛ لكونه ينقي الذنوب والآثام كما في الأخبار. ش ع وإيضاح [¬١].
(^١) قوله: (وزوالُ الخبَثِ) أي: النجس الطارئ، أي: النجاسة الحادثة في محل طاهر.
(^٢) قوله: (وأقسامُ الماءِ .. إلخ) أصل ماء مَوَهٌ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم أبدلت الهاء همزة فصار ماء، وهو: جوهر بسيط لطيف سيَّال بطبعه. والمراد بالبسيط ما لم يتركب من أجزاء مختلفة الطبائع، كالعناصر الأربعة، وخرج به ما تركب منها وبلطيف: الكثيف كالتراب، وبسيَّال: نحو الهواء، وبطبعه: بقية المائعات، فإنها إنما تسيل بالمعالجة، وله لون على المشهور، لا أنه لا لون له، وإنما يتلون بلون إنائه، ويدل للأول قوله ﵇ في ماء الحوض: «إنه أشد بياضًا من اللبن» [¬٢]. ش ع [¬٣].
(^٣) قوله: (ثلاثة) هذا تقسيم للماء باعتبار ذاته، اعتبارًا بتنويع الشارع له.
(^٤) قوله: (أحدُها طهورٌ) قدمه؛ لمزيته على الصنفين الآخرين؛ لاستعماله في العادات والعبادات، وهو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره. دنوشري [¬٤].
_________________
(١) [¬١] «كشاف القناع» (١/ ٣٢، ٣٣) [¬٢] أخرجه أحمد (٣٥/ ٢٥٥) (٢١٣٢٧)، ومسلم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر، وأخرجه مسلم (٢٣٠١) من حديث ثوبان [¬٣] انظر «فتح مولى المواهب» (١/ ١٠٣) [¬٤] انظر «فتح مولى المواهب» (١/ ١٠٤)
[ ١ / ٧٤ ]
وهُو: البَاقِي على خِلْقَتِه (^١). يَرفَعُ الحَدَثَ (^٢)، ويُزِيلُ الخَبَثَ (^٣).
وهُو أربَعَةُ أنوَاعٍ (^٤):
مَاءٌ يَحرُمُ استِعمَالُه (^٥)، ولا يَرفَعُ الحَدَثَ ويُزِيلُ الخَبَثَ (^٦). وهُو: ما لَيسَ مُبَاحًا (^٧).
(^١) قوله: (وهو الباقي على خِلْقَتِهِ) التي خُلِق عليها من حرارة أو برودة، أو عذوبة أو ملوحة، أو غيرها. ثم إنه تارة يكون على صفته حقيقة؛ بأن لم يطرأ عليه شيء، أو حكمًا وهو الذي يطرأ عليه شيء، لكن لا يسلبه الطهوريَّة، كالمتغيِّر بطول المُكث والطُحلُبِ ونحوه، كما سينبِّه عليه المصنف.
(^٢) قوله: (يرفعُ الحدثَ) وحدَه دون غيره، أي: يزيل الوصفَ القائمَ بالبدن المانعَ من نحو الصلاة.
(^٣) قوله: (ويُزيلُ الخبَثَ) أي: النجاسةَ الحادثةَ.
(^٤) قوله: (وهو أربعةُ أنواعٍ) أي: الماء الطهور أربعة أقسام. هذا تقسيمٌ له باعتبارِ الأوصاف، وباعتبارِ محلِّها التي يخرج منه، وهذا السبكُ والتلخيصُ على هذا الأسلوب لم يُر لغيره.
(^٥) قوله: (ماءٌ يحرم استعمالُه) هذا هو النوعُ الأوَّلُ.
(^٦) قوله: (ويزيلُ الخبثَ) فتزول النجاسةُ بنحو مغصوبٍ؛ لأن إزالتها من قسم التروك، بخلاف رفع الحدث.
(^٧) قوله: (وهو ما ليس مُباحًا) شمل المحرَّمَ بأنواعه، كالمسروق، والمغصوب، والمُودَعِ المجحود، والماء المسبَّلِ للشُّرب، فإن ذلك كلَّه لا يرفع حدثًا أصغرَ أو أكبرَ. دنوشري.
[ ١ / ٧٥ ]
وماءٌ يَرفَعُ حَدَثَ الأُنثَى (^١)، لا الرَّجُلِ (^٢) البَالِغِ، والخُنثَى (^٣). وهُو: ما خَلَتْ بهِ المَرأَةُ (^٤)، المُكلَّفَةُ (^٥)، لِطَهارَةٍ كامِلَةٍ (^٦)، عَنْ حَدَثٍ (^٧).
(^١) قوله: (وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى .. إلخ) أي: الماء الطَّهور الذي يرفع .. إلخ. وهو النوع الثاني.
(^٢) قوله: (لا الرجلِ) بجر رجلٍ، بحرف جرٍّ مقدر، أي: لا يرفع الحدثَ الصادرَ من الرَّجلِ البالغ.
(^٣) قوله: (والخُنثى) أي: المُشكل البالغ. ففيه حذفٌ من الثواني لدلالة الأوائل، وأما إذا كانت الخنثى متَّضح، فالأمر واضح، يُعطى حكمُه.
(^٤) قوله: (وهو ما خلتْ به المرأةُ) والمراد بالخلوة المذكورة أن لا يشاركها ولا يحضرها حالة الاستعمال من تزولُ به خلوةُ النكاح، ولو مميزًا، أو أعمى، أو كافرًا، أو أنثى. فمتى شاهدها أو شاركها أحدُ من ذُكِرَ، في الطهارة كلها، أو بعضها، لم يؤثر ذلك في استعمال الماء.
(^٥) قوله: (المكلفةُ) أي: العاقلة البالغة، ولو كافرة، حرة أو أمة، بماء يسير دون قُلتين.
(^٦) قوله: (لطهارةٍ كاملةٍ) أي: مستجمعة لشروطها وفروضها، استعملته فيها عن حدث أصغر أو أكبر، بل ليس للرجل والخنثى استعماله أيضًا في وُضوءٍ وغُسلٍ مستحبين، ولا في غَسلِهما ميِّتين، كما هو مقتضى كلام غيره.
(^٧) قوله: (عن حدثٍ) تعبُّدًا؛ لأمر الشارع به، وعدم عقلِ معناه؛ لأنه لا يظهر لنا وجهه، لا أنه الذي لا معنى له؛ لأن لكلِّ حكمٍ معنى. وأما الخبث فيزيله، ويرفع حدثَ المرأةِ والصبيِّ. والرجلُ إذا لم يجد غيرَه استعمله وتيمَّم.
[ ١ / ٧٦ ]
ومَاءٌ يُكرَهُ استِعمَالُهُ (^١) مَعَ عدَمِ الاحتِيَاجِ إليهِ (^٢). وهُو: ماءُ بِئرٍ بِمَقبَرَةٍ (^٣).
هذه المسألة اشتملت على قيودٍ ثمانية: الأول: خلوة. والثاني: بالماء. والثالث: القليل. الرابع: المرأة. الخامس: المكلفة. السادس: الطهارة. السابع: كاملة. الثامن: عن حدث.
يحترز بالخلوة عن: عدم الخلوة. وبالماء: عن التراب. وبالقليل: عن الماء الكثير. وبالمرأة: عن الرجل، والخنثى لاحتمال أنه رجل. وبالمكلفة: عن المجنونة والمراهقة. وبالطهارة: عن غير الطهارة. وبالكاملة: عن غير المستجمعة للشروط والواجبات. وبالحدث: عن زوال الخبث.
(^١) قوله: (وماءٌ يكره استعمالُه) مصدوقُ ماءٍ طَهور كره استعماله؛ لصفات عرضت له، فهذا هو النوع الثالث.
(^٢) قوله: (معَ عدمِ الاحتياجِ إليه) متعلق ب «يكره»؛ بأن وجد غيره، فإن احتيج إليه بأن لم يوجد غيره، تعين بلا كراهة؛ لأن الواجب لا يكون مكروهًا، وكذا كلُّ مكروه. عثمان [¬١].
(^٣) قوله: (وهو ماءُ بئرٍ بمقبَرةٍ) أي: الماء الطهور الذي يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه تسعة أشياء: ماء بئر بمقبرة، بتثليث الباء مع فتح الميم، وبفتح الباء مع كسر الميم. قال في «الفروع» في الأطعمة: وكره أحمدُ ماءَ بئرٍ بين القبورِ، وشوكَها وبقلَها. قال ابن عقيل: كما سُمِّد بنجس، والجلَّالة [¬٢].
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ١٠٩) [¬٢] الجلَّالة: البقرة تتبع النجاسات. «القاموس المحيط»: (جلل)
[ ١ / ٧٧ ]
ومَاءٌ اشتَدَّ حَرُّهُ أو بَرْدُهُ (^١). أو سُخِّنَ بنَجاسَةٍ (^٢)، أو سُخِّنَ بمَغصُوبٍ (^٣).
وظاهره: يكره استعمال مائِها في أكلٍ وشرب وطهارة، وغير ذلك. م ص [¬١]
لعلَّ الماء الذي يُسمَّد بنجس؛ بأن تكون بركة بجنبها من داخلها نجاسة، والماءُ الطهورُ الكثيرُ ملاصقٌ له. قال م ص على «المنتهى» [¬٢] في قسم الماء الطاهر: وإن تغيَّر بعضُ الماءِ دون بعض، فلكلٍّ حكمُه، ومتى زال تغيُّرُه عادت طهوريتُه. انتهى.
(^١) قوله: (وماءٌ اشتدَّ حرُّه أو بردُه) لأذاه ومنعه كمال الطهارة.
(^٢) قوله: (أو سُخِّن بنجاسةٍ) ما لم يتحقق وصول دخان النجاسة إلى الماء، وكان قليلًا، فإنه ينجس به؛ لأن الاستحالة لا تطهِّر على المذهب. وكره إيقادُ النجاسة في تسخين ماءٍ وغيرِه، ويستثنى من كراهة المسخن بنجسٍ الحَمَّامُ. قال في «المبدع» [¬٣]: لأن الرخصة في دخول الحمام تشمل الموقودةَ بالطاهِر والنَّجِسِ. انتهى.
(^٣) قوله: (أو سخِّن بمغصُوبٍ) أي: بشيء مغصوب ونحوه، وكذا ماءُ بئرٍ في موضعِ غصبٍ، أو حفرُها، أو أجرتُه غصبٌ، فيكره الماء؛ لأنه أثرُ محرَّمٍ. م ص [¬٤].
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٦، ٢٧) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٣٠) [¬٣] (١/ ٣٩) [¬٤] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٧)
[ ١ / ٧٨ ]
أو استُعمِلَ في طهارَةٍ لم تَجِب (^١)، أو في غُسْلِ كافِرٍ (^٢). أو تَغَيَّرَ بمِلحٍ مائِيٍّ (^٣)،
(^١) قوله: (أو استُعمِل في طهارةٍ لم تجب) أي: ويكره أيضًا استعمال ماءٍ قليلٍ في طهارة لم تجب، كتجديد وضوءٍ، والغسلة الثانية والثالثة، إذا عمَّت الأولى في الوضوء، والأغسالِ المستحبَّة. صوالحي [¬١].
(^٢) قوله: (أو في غُسلِ كافرٍ) ولو ذميَّة من حيض أو نفاس؛ لِحِلِّ وطءٍ لمسلم، فلا يسلبه الطهورية؛ لأنه لم يرفع حدثًا، والكافر ليس من أهل النية.
قياسه: ما استعمل في غسل مسلمة ممتنعة؛ لأنها لا تصلي به كما يأتي، وإنما أبيح الوطء لأنه حقُّ آدميٍّ، وهو مبني على المشاحَّةِ. وما استعمل في غُسل المجنونة من حيض أو نفاس، فالظاهر أنه كالمستعمل في غَسل الميت؛ لأنه ينوي عنها عند غير أبي المعالي، كما يأتي في الغسل. ش ع.
(^٣) قوله: (أو تغيَّر بملحٍ مائيٍّ) هذا هو القسم الثامن مما يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه، أي: وكذا يكره استعمالُ الماء المتغيِّر بالملح المائي نسبةً إلى الماء لأنه ماءٌ أرسل على أرض سبخة فيصير ملحًا. وإنما كان مكروهًا فقط، ولو وضع قصدًا؛ لأنه منعقد من الماء، أشبه ذوبَ الثلج. ومحلُّ ذلك ما لم يكن مستعملًا قبل انعقاده. واحترز بالمائي: عن المعدنيِّ وهو النابت في الأرض، والجبليِّ وهو النطرون، فإنهما يسلبانه الطهوريَّة، هذا إذا تغير بهما تغيرًا كثيرًا؛ لأنه غيرُ منعقد من الماء، أشبه الزعفران، هذا إذا لم يكن الملح المعدني في مقرِّ الماء، كالآبار المالحة جدًّا، فإنه لا يضر ولا يسلبه الطهورية. دنوشري بإيضاح.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٣٨)
[ ١ / ٧٩ ]
أو بِمَا لا يُمازِجُهُ (^١)، كتَغَيُّرِه بالعُودِ القَمَارِيِّ (^٢)، وقِطَعِ الكافُورِ، والدُّهْن (^٣). ولا يُكرَهُ مَاءُ زَمزَمَ إلَّا في إزالَةِ الخَبَثِ (^٤).
(^١) قوله: (أو بما لا يُمازِجُه) هذا هو القسم التاسع، أي: ويكره أيضًا استعمالُ الماء المتغيِّر بما لا يمازجه، أي: بما لا تَختَلِطُ [¬١] أجزاؤه في الماءَ. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (كتغيُّره بالعودِ القَماريِّ) والقَماريُّ، بفتح القاف، نسبة إلى بلدة قَمَار، قاله في «شرح المنتهى» [¬٣]. وقال في «المطلع» [¬٤]: بكسر القاف، منسوب إلى قِمَار، موضعٌ ببلاد الهند، عن أبي عبيد البكريِّ.
(^٣) قوله: (وقطعِ الكافورِ والدُّهن) فإنَّ التغيُّرَ بذلك تغيُّر مجاورةٍ، لا ممازجة واختلاط، وينضبط المجاورُ بما يمكن فصلُه، والمخالطُ والممازجُ بما لا يمكن فصله. ومفهوم قوله: «قطع» أنه إذا سُحِقَ ووقع في الماء، فإنه يسلبه الطهوريَّة، لتغيُّره تغيَّر ممازجة ومخالطة؛ لتحلُّل أجزائه فيه. دنوشري بإيضاح.
(^٤) قوله: (ولا يكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالةِ الخبثِ) تعظيمًا له واحترامًا؛ لأن استعماله في إزالة الخبث يؤدي إلى إهانته وعدم احترامه، بخلاف استعماله في رفع الحدث؛ لأنه عبادة، وهو غير مكروه الاستعمال فيه، كما هو مقتضى كلامه.
_________________
(١) [¬١] في جميع النسخ: «لا يخالط» والتصويب من «مسلك الراغب» [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٣٩) [¬٣] «معونة أولي النهى» (١/ ١٦٠) [¬٤] ص (٦)
[ ١ / ٨٠ ]
ومَاءٌ لا يُكرَهُ (^١). كَمَاءِ البَحْرِ (^٢)، والآبَارِ، والعُيُونِ، والأنهَارِ، والحَمَّامِ (^٣). والمُسَخَّنِ بالشَّمْسِ (^٤). والمُتَغَيِّرِ بِطُولِ المُكْثِ (^٥)، أو بالرِّيحِ (^٦) مِنْ نَحوِ مَيتَةٍ، أو بِمَا يَشُقُّ صَونُ الماءِ عَنهُ (^٧) كطُحْلُبٍ (^٨)،
(^١) قوله: (وماءٌ لا يكره) أي: لا يكره استعماله، وهو النوع الرابع.
(^٢) قوله: (كماءِ البحر) لقوله ﵇: «هو الطَّهورُ ماؤه، الحلُّ ميتته» [¬١]. ولأن ملوحته بأصل خلقته، بخلاف المتغيِّر بالملح المائيِّ. دنوشري.
(^٣) قوله: (والحمَّام) أي: وماء الحمَّام، يعني: أن ماء الحمَّام لا يكره استعماله؛ لما تقدم عن «المبدع».
(^٤) قوله: (والمسخَّن بالشَّمس) سواء كان في آنية منطبعة كالنُحاس، أو لا كالأدم، وسواء كان في قِطرٍ حارٍّ أو باردٍ؛ خلافًا للشافعي، وسواء سُخِّن قصدًا أو اتفاقًا، حيث لم يشتدَّ حرُّه؛ لأنه يصير مكروهًا، كما تقدم فيما يكره استعماله.
(^٥) قوله: (والمتغيِّرُ بطولِ المُكْثِ) في أرضٍ، أو آنيةٍ من أدمٍ أو نحاس، أو غيرها؛ لمشقة الاحتراز عنه. والمكث: هو طول الإقامة في مقرِّه.
(^٦) قوله: (أو بالرِّيح) أي: أو تغيَّر الماءُ بسبب مرور الريح عليه من جهة ميتةٍ بجانبه.
(^٧) قوله: (أو بما يشُقُّ صونُ) أي: أو تغيَّر الماءُ بشيءٍ يشُقُّ صونُ، أي: احتراز (الماء عنه)
(^٨) قوله: (كطحلُب) بضم اللام وفتحها تخفيفًا: شيءٌ أخضر لزجٌ يُخلَق في
_________________
(١) [¬١] أخرجه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩، ٣٣٢)، وابن ماجه (٣٨٦) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في «الإرواء» (٩)
[ ١ / ٨١ ]
ووَرَقِ شَجَرٍ (^١)، ما لَم يُوضَعَا (^٢).
الثاني (^٣): طاهِرٌ (^٤):
الماء، ويعلوه بسببِ الشمس. م ص. [¬١].
(^١) قوله: (وورقِ شجَرٍ) سقط في الماء بنفسه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ؛ لمشقة التحرز منه، وكذا ما نبت في الماء، والسمكُ ونحوُه من دواب البحر، والجرادُ ونحوه مما لا نفس له سائلة، وما تلقيه الرياحُ والسيولُ، وما تغيَّر بممرِّه أو مقرِّه، ككبريت ونورة وزرنيخ، فكله غير مكروه؛ للمشقة. م ص [¬٢].
(^٢) قوله: (ما لم يوضَعا) أي: الطحلُب وورقُ الشجرِ، فإن وضعا في الماء قصدًا، انسلبت الطهورية إن تغير بهما، كسائر الطاهرات التي لا يشقُّ التحرز منها؛ لأن التغير حينئذ مُمازَجَةٌ ومُخالَطَةٌ، لا مُجاوَرَةٌ. وتقدم الفرق بينهما.
(^٣) قوله: (الثاني) من أقسام الماء.
(^٤) قوله: (طاهرٌ) في نفسه، غيرُ مطهِّرٍ لغيره، كالماء المستخرج بالعلاج كماء وردٍ وزهر ونحو ذلك من المُعتَصَرَاتِ؛ لأنه لا يطلق عليه اسمُ الماء بلا قيدٍ.
وحكمه أنه لا يرفع حدثًا، ولا يزيل خبثًا، ولا يستعملُ في طهارة مندوبة، وإنَّما يستعمل في العادات دون العبادات. وجعَله المصنفُ في الوسط؛ لسلب أحدِ الوصفين منه وبقاء الآخر، وبينه وبين الطهور عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ؛ لاجتماعهما في جواز الاستعمال في العادات، وينفرد الطَّهور
_________________
(١) [¬١] انظر «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٨) [¬٢] «دقائق أولي النهى» (١/ ٢٨)
[ ١ / ٨٢ ]
يَجُوزُ استِعمَالُهُ في غَيرِ رَفعِ الحَدَثِ (^١)، وزَوَالِ الخَبَثِ (^٢). وهُو: ما تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَونِهِ أو طَعمِهِ أو رِيحِهِ (^٣)،
بالاستعمال في العبادات، بخلاف الطاهر.
حاصل ما ذكره المصنف في الطاهر أنه ذكر حكمَه وتعريفَه وكيفيةَ تطهيره إن تغيَّر بشيء طاهر. لا يقال: فيما ذكره الحكمُ على الشيء قبلَ تصوُّره؛ لأنا نقول: المقام يُعيِّن؛ لأنه في مَعرِضِ التقسيم. وقوله: «ومن الطاهر .. إلخ»: المتقدم تعريفُه، أو أنَّه من تتمة التعريف، فكأنه قال: الطاهر ما تغير كثير من .. إلخ .. بشيء طاهر أو كان قليلًا واستعمل في رفع حدث .. إلخ. قالوا: وللتقسيم، فقسمٌ من الطاهر ما تغير بشيء طاهر. وقسمٌ لم يتغير بشيء أصلًا، وكيفية تطهير ما تغير بشيء كذا. ولم يصنع المصنف هكذا ملاحظًا في ذلك الإيضاح، لأنه التزم في خطبته أنه يبيِّن الأحكامَ أحسنَ بيان، أي إيضاح. دنوشري وزيادة.
(^١) قوله: (يجوز استعمالُه في غيرِ رفعِ الحدثِ) كشرب، وطبخ، وعجن، ونحوه.
(^٢) قوله: (وزوالِ الخبثِ) أي: ويجوز استعماله في غير زوال الخبث؛ لأنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، فحذف من الثاني لدلالة الأول.
(^٣) قوله: (وهو ما تغيَّر .. إلخ) أي: والطاهر هو الذي تغير كثيرٌ .. إلخ. في غيرِ محلِّ تطهيرٍ. واحترز بالكثير عن: تغيُّرِ يسيرٍ من أحدِ هذه الأوصاف، فإنه لا يضر، وأما اليسيرُ من الأوصافِ الثلاثة بحيث لو ضُمَّ لكان كثيرًا من صفةٍ واحدة، فإنه يضرُّ.
[ ١ / ٨٣ ]
بشَيءٍ طاهِرٍ (^١). فإن زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفسِهِ (^٢): عادَ إلى طَهُورِيَّتِهِ (^٣).
ومِن الطَّاهِرِ: ما كانَ قَلِيلًا (^٤) واستُعمِلَ في رَفعِ حَدَثٍ (^٥)،
(^١) قوله: (بشيءٍ طاهرٍ) متعلق ب «تغير» من غير جنس الماء، مما لا يشقُّ صَونُ الماءِ عنه، سواء طبخ فيه كمرَقِ الباقِلَّا والحمص ونحوهما، أو لم يطبخ، كما لو سقط فيه زعفران أو نحوه من كلِّ طاهرٍ مخالطٍ فتغيَّر به تغيرًا كثيرًا، فيسلبه الطهورية؛ لأنه زال إطلاق اسم الماء عنه بلا قيد؛ بأن يقال فيه: ماء زَعفران، ماء باقلَّا ونحوه؛ ولأن الكثيرَ من صفةٍ بمنزلةِ كلِّها. ع [¬١].
(^٢) قوله: (فإن زال تغيُّره بنفسه) أي: فإن زال تغيُّر الماءِ الطهورِ قليلًا كان أو كثيرًا، بنفسه، أو ضَمِّ شَيءٍ إليهِ، عادَت طهوريتُه، لأن السلب للتغير وقد زال، فعاد إلى أصله. وإن زال تغير بعضه عادت طهورية ما زال تغيره، فإن تغير به بعضه فما لم يتغير منه طهور على أصله؛ لعدم ما يزيله عنه. ش ع [¬٢].
(^٣) قوله: (عاد إلى طَهوريَّته) أي: رجع إلى ما كان عليه من الطهورية، فيرفع الحدث، ويزيل الخبث.
(^٤) قوله: (ومن الطاهرِ ما كان قليلًا) أي: دون القُلَّتين، أي: ومن مسائل الطاهر الذي لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث ما كان … إلى آخره.
(^٥) قوله: (واستُعمل في رفعِ حدثٍ) أكبر أو أصغر، فإنه يكون طاهرًا غيرَ مطهر، وكذا يسيرٌ استُعمل في غَسل ميِّتٍ، لكن ما دام الماء مترددًا على الأعضاء فطهور، ولا يصير الماء مستعملًا في الطهارتين إلا بانفصاله.
وعُلم مما تقدم أنه لو كان الماء في الصور الثلاث أعني: الأكبر، والأصغر،
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ١١٨) [¬٢] «كشاف القناع» (١/ ٦٤)
[ ١ / ٨٤ ]
أو انغَمَسَتْ فيهِ (^١)
وغسل الميت كثيرًا، كما لو انغمس الجنبُ، أو غمس المتوضئُ أعضاء وضوئه واحدًا بعد واحد، أو غُمس الميِّتُ في كثيرٍ، لم تنسلب طهوريته.
وأنه لو استُعمل اليسيرُ في طهارةٍ مستحبة، كتجديدِ وضوءٍ وغُسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة، لم تنسلب طهوريته أيضًا، لكن صرَّح في «الإقناع» بكراهة هذا النوع. وظاهر «المنتهى» ك «التنقيح» و«الفروع» و«المبدع» و«الإنصاف» وغيرها: عدم الكراهة، واستوجه المصنف ما ذكره صاحب «الإقناع»؛ لأن الظاهر لا يعارض الصريح؛ لقوته، فلعل كلامهم غيرُ مراد. عثمان بإيضاح [¬١].
(^١) قوله: (أو انغمَست فيه .. إلخ) أي: الماء الطهور القليل، فهو معطوف على قوله: «واستعمل» أي: ومن الطاهر ما كان قليلًا وانغمست فيه .. إلخ. قال في «شرح الإقناع»: ولو بلا نية تطهير، ولو غمسها ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا، أو حصل في كلها من غير غمسٍ؛ بأن صَبَّ على جميع يده من الكوع إلى أطراف الأصابع، ولو باتت مكتوفة، أو بجراب ونحوه؛ لأنهم لم يفرقوا بين كون اليد نُوي غسلُها بالغمس أو الحصول، ولم يفرقوا أيضًا بين المطلقة والمشدودة بنحو جراب؛ لعموم الخبر، ولأن الحكم إذا عُلِّق على مظنَّةٍ، لم تعتبر حقيقةُ الحكمةِ فيه، كالعِدَّة لاستبراءِ الرحم من الصغيرة والآيسة.
والذي تلخص من هذه المسألة: أن غسل يد القائمِ من نومِ الليل لا يسلبه
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ١٢٠، ١٢١)
[ ١ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطهورية إلا إذا استوفى سبعة شروط، أشار للأول بقوله: «كل». وللثاني بقوله: «يد». وللثالث بقوله: «المسلم». وللرابع بقوله: «المكلف». وللخامس بقوله: «النائم ليلًا». وللسادس بقوله: «ينقض الوضوء». وللسابع بقوله: «قبل غسلها ثلاثًا بنية [¬١]».
والمراد باليد هنا إلى الكوع؛ لأنه المفهومُ عند الإطلاقِ في لغةِ العرب، والإجماعُ على ذلك في قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المَائدة: ٣٨]. وخُصَّ الحكمُ بالمسلم المكلف لأن الصحابة المكلفين هم المخاطبون بذلك. وبنومِ الليل من قوله في الحديث: «لا يدري أين باتت يدُه» [¬٢]. والمبيت لا يكون إلا بالليل. وخُصَّ النومُ بما ينقض؛ لأن غيره لا أثر له، والمراد بالليل إلى طلوع الفجر، وخص الحكم بنوم الليل؛ لأنه يطول فيكون احتمال النجاسة.
ومحترزاتها ظاهرةٌ لا تَسلبُ الماءَ الطهوريَّةَ، فمحترز قوله: «كل» ما إذا غمس بعض اليد بلا نية، ويحترز ب: «يد» عن الرِّجل ونحوها، وب: «المسلم» عن الكافر، وب: «المكلف» عن غير البالغ، والمجنون، وب: «نوم الليل» عن نوم النهار، وب: «الكثير» عن النوم اليسير من قائمٍ وجالس، وب: «قبل غسلها ثلاثًا» عما لو غمس يده في الماء القليل بعد غسلها ثلاثًا، فلا يكفي مرة أو مرتين، وكون هذا الماء يستعمل أو لا؟ مع عدم الاحتياج
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «بالصفة» [¬٢] أخرجه أحمد (١٢/ ٢٢٧) (٧٢٨٢)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة
[ ١ / ٨٦ ]
كُلُّ يَدِ المُسلِمِ المُكَلَّفِ، النَّائِمِ لَيلًا نَومًا يَنقُضُ الوُضُوءَ، قَبلَ غَسلِها (^١) ثَلاثًا، بنِيَّةٍ، وتَسمِيَةٍ، وذلِكَ واجِبٌ (^٢).
الثَّالِثُ: نَجِسٌ (^٣):
إليه أو لا؟. انظر «شرح المنتهى» [¬١].
(^١) قوله: (قبل غسلِها) ظرف لقوله: «أو انغمست». أما لو غسلها ثلاثًا بنية شُرِطت وتسميةٍ وجَبت؛ بأن قال: نويتُ غَسلَ اليدينِ من نومِ الليل، خارجَ الإناء الذي فيه الماءُ القليل، ثم غَمَس يديه فيه، لا يضر؛ لأن غسل اليدين من نوم الليل طهارةٌ مستقلة.
(^٢) قوله: (بنيةٍ) شُرطت. وقوله: (وتسميةٍ) أي: عند أول الغَسل وجبت. وقوله: (وذلك واجبٌ) أي: غسل اليدين لقائمٍ من نوم ليل على هذه الكيفية، واجب.
قال م ص: وتسقط التسميةُ سهوًا وجهلًا، وأما النية فهي شرط في غسل اليدين، فلا تسقط.
(^٣) قوله: (الثالثُ نجسٌ) أي: القسم الثالث نجس، بتثليث الجيم وسكونها أي متنجِّس؛ لأن نجسَ العين كالبول لا يمكن تطهيرُه، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول.
وهو لغة: المستقذر. وعرَّفه صاحب «المنتهى» [¬٢] بالعدِّ بقوله: وهو قسمان؛ الأول: ما تغيَّر بمخالطة نجاسةٍ أحدُ أوصافه، عن ممازجة أو
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٣٢) [¬٢] انظر «دقائق أولي النهى» (١/ ٣٤)
[ ١ / ٨٧ ]
يَحرُمُ استِعمَالُهُ (^١) إلَّا لِضَرُورَةٍ (^٢)، ولا يَرفَعُ الحَدَثَ، ولا يُزِيلُ الخَبَثَ. وهُو: ما وَقَعَت فِيهِ نَجاسَةٌ (^٣) وهُو قَلِيلٌ (^٤)،
مجاورةٍ، تغيرًا كثيرًا أو يسيرًا، ولا ينجس ما تغير بنجاسةٍ بمحلِّ تطهير. الثاني ذكره بقوله: وكذا قليلٌ لاقاها.
وحكمه أنه يحرم استعماله، كما ذكر، إلا لعطشِ معصومٍ، أو طَفْي حريقٍ متلفٍ، ولا طاهر، ويجوز بلُّ التراب به وجعله طينًا يطيَّن به ما لا يصلى عليه لأنه مسجد.
حاصل ما تكلم المصنف على هذا القسم أنه ذكر حكمه، وتعريفه، وكيفية تطهيره، وذكَر قدرَ الماء الذي يدفع النجاسةَ عن نفسه وما يسعه، وذكَرَ مسائلَ تتعلقُ بذلك.
(^١) قوله: (يحرم استعماله .. إلخ) هذا حكمه. لا يقال: هذا من باب الحكم على الشيء قبل تصوره، وهو معيب عندهم، وجوابه كسابقه.
(^٢) قوله: (إلا لضرورةٍ) التنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه. أي: لضرورة لقمةٍ غصَّ بها، ولا طاهر، أو عطش .. إلخ.
(^٣) قوله: (وهو ما وقعت فيه نجاسةٌ) ولو كانت صغيرة لا يدركها طرفٌ، أو لم يمض زمنٌ تسري فيه، كمائع وطاهر ولو كثيرًا. وهذا تعريف الماء النجس، وجعله قسمين ك «المنتهى» قليلًا أو كثيرًا، وحكم الأول: أنه ينجس بمجرد الملاقاة. والثاني، كثيرٌ قلتان فأكثر: أنه ينجس إذا تغير أحدُ أوصافه، فأوفى التعريف للتقسيم وهو يرجع لما سلكه «المنتهى».
(^٤) قوله: (وهو قليلٌ) أي: الماء المتنجس الذي يحرم استعماله قليلٌ دون قلتين، فينجس بمجرَّد ذلك، ولو لم يتغير بها.
[ ١ / ٨٨ ]
أو كانَ كَثِيرًا وتَغَيَّرَ بها أحَدُ أوصَافِه (^١).
فإنْ زالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفسِهِ (^٢). أو: بإضَافَةِ طَهُورٍ (^٣) إليهِ (^٤). أو: بنَزحٍ (^٥)
(^١) قوله: (أو كان كثيرًا) يبلغ قلتين (وتغيَّر بها أحدُ أوصافِه) الثلاثة؛ طعمه أو لونه أو ريحه، ولو تغيرًا يسيرًا، كما هو ظاهر إطلاقه؛ لاستقذار النجاسة، بخلافه في الطاهر، فإنه لا بد من التغير الكثير، كما تقدم.
هذا إن كان في محلٍ غير قابل للتطهير، وفيه [¬١]، طهورٌ إن كان الماءُ واردًا، فإن كان مورودًا؛ بأن غُمِس متنجسٌ في ماءٍ، فإن كان قليلًا، نجس بمجرد الملاقاة، أو كثيرًا وتغير، نجس أيضًا، وإلا فلا. فإن تغير بعضه، فما تغير فنجس، وغيره طهور إن كثر، بأن كان قلتين فأكثر. م ص [¬٢].
(^٢) قوله: (فإن زال تغيُّره بنفسه) هذا كيفية تطهير المتغير منه، أي: من غير إضافة؛ بأن يقصُرَه [¬٣] الهواء فيزول تغيره بطول مكثه، وكالخمر تنقلب خلًّا، لا بوضع شيء فيه من تراب، أو مِسكٍ، أو جامد، أو مائع، أو غير ذلك، فإنه لا يطهر.
(^٣) قوله: (أو بإضافةِ طهورٍ) عطف على قوله: «بنفسه» أي: أو زوالُ تغيُّره بإضافة ماءٍ طهورٍ كثير.
(^٤) قوله: (إليه) أي: إلى الماء الطهور المتغير بالنجاسة بحسب الإمكان عرفًا، بصبِّ الماء الكثير، وإن لم يتصل الصبُّ، مع زوال تغيره إن كان متغيرًا.
(^٥) قوله: (أو بنزحٍ) عطف على «بنفسه»، أي: أو زوال تغيره بنزحٍ، أي:
_________________
(١) [¬١] أي: في محل التطهير [¬٢] انظر «كشاف القناع» (١/ ٦٥) [¬٣] من قصر الشيء يقصره قصرًا: حبسه. «لسان العرب» (قصر)
[ ١ / ٨٩ ]
مِنهُ ويَبقَى بَعدَهُ كَثِيرٌ: طَهُرَ (^١).
والكَثِيرُ: قُلَّتَانِ (^٢) تَقرِيبًا (^٣).
إخراج بعض الماء النجس، قلَّ النزحُ أو كثُر، فيصير طهورًا إن بقي بعد النزح كثيرٌ يبلغ قلتين.
والحاصل: أن طهورية الماء المتنجس تحصل بثلاثة أشياء: بزوال تغيره بنفسه، أو بإضافة ماء كثير إليه، أو زوال [¬١] تغيره بنزح منه بشرط أن يبقى بعده كثير.
(^١) (طهُر) جواب إنْ، أي: طهر به. ولا يجب تطهير جوانب بئر نزحت؛ للمشقة. صوالحي [¬٢].
(^٢) قوله: (والكثيرُ) عند فقهائنا (قُلَّتانِ) فصاعدًا، أي: فما فوقهما. وحكمهما أنهما لا يَنجُسان إلا بالتغير بالنَّجاسة، والمراد: من قِلال هَجَر، بفتح الهاء والجيم، وهي قرية كانت بالقرب من المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، تنسب القلال إليها. والقُلَّتان: تثنية قلة، وهي اسمٌ لكلِّ ما علا وارتفع، ومنه: قُلَّة الجبل، والمراد هنا: الجرة الكبيرة. سميت قُلَّة؛ لعلوها وارتفاعها. وقيل: لأن الرجل العظيم يقلُّها بيده، أي: يرفعها. م ص. بإيضاح [¬٣].
(^٣) قوله: (تقريبًا) أي: لا تحديدًا، فلا يضر نقصٌ يسير كرطلٍ أو رطلين عراقيين؛ لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمُه، فيكون حكمهما ناقصتين هذا
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «أو زال» [¬٢] «مسلك الراغب» (١/ ١٤٢) [¬٣] «كشاف القناع» (١/ ٧٣)، «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٢)
[ ١ / ٩٠ ]
واليَسِيرُ (^١): ما دُونَهُمَا (^٢). وهُمَا: خَمسُ مِئَةِ رِطْلٍ (^٣) بالعِرَاقِيِّ، وثَمانُونَ رِطلًا وسُبُعانٍ ونِصفُ سُبُعِ رِطْلٍ بالقُدسِيِّ. ومِسَاحَتُهُمَا (^٤): ذِرَاعٌ ورُبعٌ (^٥)، طُولًا، وعَرْضًا، وعُمْقًا (^٦).
المقدار حكم القلتين التامَّتين. فإذا وقعت فيهما نجاسة ولم تتغيرا، فهما باقيتان على طَهوريتهما، وهو الأصح؛ لأنه لا يظهر لهذا النقص تفاوت في القدر ولا في التغير، فاغتفر.
ويتفرع على التحديد والتقريب أنه لو وقعت نجاسةٌ في ماءٍ قدره قلتان فقط فغرف منه بإناء، فالذي في الإناء طهور، والباقي نجس، إن قلنا: تحديدًا، لأنه ماء يسيرٌ فيه نجاسة. وإن قلنا بالتقريب لم ينجس إلا أن يكون الإناء كبيرًا يخرجه عن التقريب. وإن ارتفعت النجاسة في الإناء، فالماء الذي في الإناء نجس، والباقي طهور. دنوشري وزيادة.
(^١) قوله: (واليسيرُ) من الماء في عرف الفقهاء.
(^٢) قوله: (ما دونهما) أي: دون القلتين.
(^٣) قوله: (رِطلٍ) بكسر الراء أفصح من فتحها.
(^٤) قوله: (ومساحتُهما) أي: القلتين، مما يسعهما مُرَبَّعًا. صوالحي [¬١].
(^٥) قوله: (ذراعٌ) أي: بذراع اليد، وهو من رأس المرفق إلى رؤوس الأصابع، لا بذراع المهندسين؛ لأنه ذراع وربع، ولا بذراع الأقمشة. دنوشري.
(^٦) قوله: (وعمقًا) أي: ذراع وربع عرضًا، وذراع وربع عمقًا. قاله ابن حمدان وغيره.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٤٣)
[ ١ / ٩١ ]
فإذَا كانَ المَاءُ الطَّهُورُ كَثِيرًا (^١)، ولَم يَتغَيَّر بالنَّجاسَةِ (^٢): فَهُو طَهُورٌ، ولَو مَعَ بَقَائِها (^٣)
والمساحة: طلب كمية ما في السطح والجسم من أمثال [¬١] مربع المقدار الممسوح أو مكعبه. وهذا في الموضع المربع المستوي الأبعاد الثلاثة طولًا وعرضًا وعمقًا. قال في «المنتهى» [¬٢]: فَيَسعُ كلُّ قيراطٍ عشرةَ أرطالٍ وثلثي رطلٍ عراقي. اه. هذا في المربع، وطريق معرفة ذلك: أن تضرب البسطَ في البسطِ، والمخرجَ في المخرجِ، وتقسمَ حاصلَ البسط على حاصلِ المخرج، يخرج ذرعه، فتحفظ قراريطه، وتقسم عليها [¬٣] الخمسمائة، يخرج ما ذكره، فبسط الذراع والربع خمسة، وقد تكرر ثلاثًا، طولًا وعرضًا وعمقًا، فإذا ضربتَ خمسةً في خمسة، والحاصلَ في خمسة، تبلغ مائةً وخمسة وعشرين، والمخرج أربعة، وقد تكرر أيضًا ثلاثًا، فإذا ضربته كما تقدم، بلغ أربعة وستين وهي سهام الذراع فتقسم عليها الحاصل الأول، يخرج ذراع وسبعة أثمان ذراع، وخمسة أثمان ثمن ذراع.
(^١) قوله: (فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا) يبلغ قلتين، محتزر قوله: «أو كان كثيرًا، وتغير بها»
(^٢) قوله: (ولم يتغيَّر بالنجاسة) لأن حكم المتغيِّر تقدم. صوالحي [¬٤].
(^٣) قوله: (ولو مع بقائها) أي: بقاء النجاسة.
_________________
(١) [¬١] سقطت: «أمثال» من الأصل، والتصويب من (ج) [¬٢] (١/ ٢٢) [¬٣] سقطت «عليها» من النسختين، والتصويب من «حاشية المنتهى» (١/ ٢٣) [¬٤] «مسلك الراغب» (١/ ١٤٤)
[ ١ / ٩٢ ]
فِيهِ (^١). وإنْ شَكَّ (^٢) في كَثرَتِهِ (^٣): فَهُو نَجِسٌ.
وإنْ اشتَبَهَ ما تَجُوزُ بهِ الطَّهارَةُ (^٤) بِمَا لا تَجُوزُ (^٥): لَم يَتَحَرَّ (^٦)، ويَتَيَمَّمُ (^٧)
(^١) قوله: (فيه) أي: في الماء الطهور.
(^٢) قوله: (وإن شَكَّ) أي: تردد، فالمراد بالشك معناه اللغوي.
(^٣) قوله: (في كثرته) أي: إذا وقعت في الماء نجاسةٌ ولم تغيِّرْه، فإن كان متيقِّنًا للكثرة وشَكَّ في القِلَّة، فلا عبرة بهذا الشَكِّ، وهو باقٍ على طَهوريَّتِه، وإن كان متيقِّنًا للقِلَّة وشَكَّ في الكثرة، فهو نجس ولو لم يتغير، وأما إذا لم يعلم هل هو قليلٌ أو كثير؟ يعمل باليقين وهو جعلُه قليلًا، فينجُسُ الماءُ بما سقط فيه؛ لأن الأصل تغير الماء. دنوشري وزيادة.
(^٤) قوله: (وإن اشتبه ما .. إلخ) كما لو اشتبه ماءٌ مباحٌ طهورٌ بماءٍ محرمٍ، أو اشتبه ماءٌ طهورٌ بماء نجسٍ لم يمكن تطهيره به، وإلا بأن كان الطهور قلتين وعنده إناء يسعهما، وجب عليه ذلك. ش ع. [¬١]
(^٥) قوله: (بما لا تجوز) أي: اشتبه ماء طهور تجوز به الطهارة بماء نجس أو مغصوب لا تجوز به الطهارة، فحذف من الثاني لدلالة الأول.
(^٦) قوله: (لم يتحرَّ) جواب إنْ. أي: لم يجب عليه أن ينظر أيهما يغلبُ على ظنه أنه الطهورُ فيستعمله، بل لا يجوز له التحري للطهارة؛ لأنه قد اشتبه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة، فيتركهما وجوبًا.
(^٧) قوله: (ويتيمَّم) أي: لعدم غيرهما، أي: غير المشتبهَينِ.
_________________
(١) [¬١] «دقائق أولي النهى» (١/ ٤٧)
[ ١ / ٩٣ ]
بِلا إرَاقَةٍ (^١). ويَلزَمُ مَنْ عَلِمَ بنَجاسَةِ شَيءٍ (^٢): إعلامُ مَنْ أرَادَ أن يَستَعمِلَهُ (^٣).
(^١) قوله: (بلا إراقةٍ) أي: بلا إراقة للماءين المشتبهين، وإن صلى، لم يعد.
وإن شكَّ في نجاسة الساقط في الماء القليل، فهو طاهر؛ لعدم التنجيس بالشكِّ. وإن شكَّ في طَهورٍ وطاهرٍ، توضأ واحدًا منهما، من كلٍّ غَرفة، وكذا حكم الاغتسال. صوالحي [¬١].
(^٢) قوله: (بنجاسة شيءٍ) من ماءٍ وغيره.
(^٣) قوله: (من أراد أن يستعمله) ولو لم يسأله، فيحرم عليه تركُ الإعلام؛ لأنه تركَ ما يلزمه شرعًا مع قدرته عليه، لما يلزم عليه من إيقاع غيره في التضمخ بالنجاسة. ومن أصابه ماءٌ ولا أمارة على نجاسته، كُرِهَ سؤالُه عنه. نقله صالح. دنوشري وزيادة.
_________________
(١) [¬١] «مسلك الراغب» (١/ ١٤٤)
[ ١ / ٩٤ ]