الحمدُ للَّه ربِّ العالِمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضَى، وبهِ نَستَعِين أوَّلًا وآخِرًا، والصلاةُ والسلامُ على خاتَم المُرسلَين والأنبياء، وعلى آله وأزواجه وأصحابِه الأصفيَاء، والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعدُ:
فإن مذهبَ الإمامِ أحمدَ عِقدٌ مُذهَّبٌ، تَتناسَقُ خَرزَاتُهُ يَتلُو بعضُها بعضًا، في طبقاتٍ مُنتَظِمَةٍ، عَبرَ قُرونٍ متتاليةٍ، مِنْ لَدُنْ إمامِه إمامِ أهلِ السُّنَّةِ وحتَّى الآخِرِ، يُبلِّغُ الأوائلُ ويَتحمَّلُ الأواخِرُ، في جامِعةٍ فِقهيَّةٍ متأصِّلةٍ، مُستضيئَةٍ بنورِ الكتابِ والسنَّة، على فهمٍ للنُّصُوصِ مُستَبين، يَحمِلُ رَايتَها أئمَّةٌ أعلامٌ، وفُقهَاءُ مُبرَّزُونَ، دَوَّنت مآثِرَهم كتبُ التراجم في «تاريخ الإسلام»، و«سير الأعلام»، أفرَدَ جُملَةً من مُتقَدِّميهم ابنُ أبي يَعلَى في «طبقاتِه»، كما ذكَرَ جملةً منهم البُرهانُ ابن مُفلِح في «المقصد الأرشد» وغَيرُهُما.
وللفائِدَة: فإنَّ ابنَ بَدرَان في «المدخل» (ص ٢٤٩) قد أجمَلَ الكتبَ المفردةَ في تراجم الأصحَاب، وتبِعَه الشيخُ بكر أبو زيد في «المدخل المفصَّل» (١/ ٤٢٥) فما بعدَها، وزادَ عليها أضعافَ أضعافِها.
وإنَّ مِنْ مُتأخِّرِي أولئكَ الأعلامِ: الشيخَ المُحقِّقَ العلَّامةَ الفَقيهَ مَرعيَّ بنَ يُوسُفَ الكَرْميَّ المَقدِسيَّ، المتوفَّى سنة (١٠٣٣ هـ)، أحدَ أكابِرِ عُلمَاءِ المذهَبِ بِمصرَ، حيثُ كان إمامًا، مُحَدِّثًا، فقيهًا، ذا اطِّلاعٍ واسعٍ على نقُولِ
[ ١ / ٧ ]
الفِقهِ، ودَقائِقِ الحَديث، ومَعرِفَةٍ تامَّةٍ بالعلُوم المُتدَاوَلة.
يشهدُ لذلك مُصنَّفَاتُهُ المُتنوِّعَةُ، وقد بلَغَت أكثَرَ مِنْ مائةِ مُصنَّفٍ، خصوصًا في فقه المذهَب، والتي مِنْ أبرزِها كتابان جَليلان:
الأوَّلُ: «غاية المنتهى»: جمعَ فيهِ بينَ كتابين مِنْ أبرزِ كُتب المذهَب عندَ المتأخِّرِين، علَيهِمَا مَدارُ الفتوى والقَضَاء، هما: «الإقناع» للحجَّاوي، ت سنة (٩٦٨ هـ)، و«المنتهى» لابن النجار الفُتوحي، ت سنة (٩٧٢)، سلَكَ في هذا الجَمعِ مَسلَكَ المُجتَهِدِين، فخرج كتابُه في «منتهى الغاية»؛ تقريرًا، وتَحقِيقًا، وتَوجيهًا، وتنقيحًا.
الثاني: «دليل الطالب لنيل المطالب»: وهو كتابٌ لهُ شأنٌ عظيمٌ عندَ الحنابِلَةِ، شُهرتُهُ أغنَت عن التعريف به، منذُ تأليفِهِ وعُلمَاءُ المذهَبِ يُقرِؤنَه للطُّلاب، ويُوصُونَهم بدِراسَته وحِفظِه وضَبط مسائله. ومن بديعِ نَظمِ العَتِيقِيِّ مادِحًا له:
يا مَنْ يريدُ كِتابَ فِقهٍ جامِعٍ … كلَّ المَسائِلِ بل ومُغنِي الطَّالِبِ
ارجِع إلى ما قُلتُه يا صاحِبي … واقطِف ثِمَارًا مِنْ دَليل الطَّالب
ويرجِعُ ذلك لمَا امتَازَ بهِ من خصائِصَ فَريدَةٍ، مِنْ أهمِّها ما يلي:
أوَّلًا: أن مؤلِّفَه اختصَرَهُ من كتاب «منتهى الإرادات» لابن النَّجَّارِ، وكتابُ «المنتهى» له من المكانَةِ عند متأخِّري الأصحابِ ما جعلَهُم يعتمدُونَه في التَّصحيحِ والتَّرجِيحِ، والفَتوى والقضَاءِ، كما تقدم.
وحيث وُصِفَ «المنتهى» بأنَّ في عِبارَاتِهِ شَيئًا من التَّعقِيدِ والغُمُوضِ، فقد راعَى ذلك الشيخُ مَرعيٌّ في كتابه «الدليل» فاختَارَ منهُ العبارةَ البَيِّنَةَ الواضحةَ
[ ١ / ٨ ]
السَّهلَةَ المُقَرِّبَةَ.
ثانيًا: أضافَ الشيخُ مَرعيٌّ في «الدليل» بعضَ المسائِلَ التي لم يَنُصَّ عليها في «المنتهى»، أخذًا من مَتنِ «الإقناع»، فكانَ بذلك قد جمَع بين «المنتهى» و«الاقناع» في رؤوس المسائلِ بأسلوبٍ بديعٍ، يَتَبيَّنُ ذلك بالتَّتبُّعِ والاستِقرَاءِ.
ثالثًا: عدَمُ ذكرِ الخلافِ في «الدليل»، بل اعتَمدَ المصنِّفُ فيهِ رِوايَةً واحدةً عَقَدَها على أنَّها المذهَبُ.
رابعًا: أن مُصنِّفه حرَّرَ مسائلَه على الراجح من المذهَبِ كما نصَّ عليه ابنُ بدرانَ في «المدخل»، وقد أشارَ هو إلى ذلك في مقدِّمَتِه.
خامسًا: أن مصنِّفَه ذكَرَ فيه المعتَمدَ في الفَتوى عند الأصحاب.
سادسًا: الترتيبُ البديعُ عند ذكرِ مسائلِه، بتقسِيمَاتِه المُنيفَةِ، وتنويعَاتِهِ المُفصِّلَةِ، وحُدُودِهِ المُبيِّنَةِ.
تِلكَ بَعضُ الخصائِص لِمَتنِ «دليل الطالب» جعَلَت له عندَ متأخِّري الأصحابِ قَبُولًا مُوثَقًا، فمنذُ تأليفِهِ وحتَّى يَومِنَا هذا وأهلُ العِلمِ يتناوَلُونَهُ شَرحًا، وتدريسًا، ونظمًا، وإيضاحًا بالتِّعليقاتِ المُفيدَة، والحواشِي النفيسةِ؛ لبيانِ مَسائِلِه، وفكِّ عبارَاتِه، وكَشفِ غَوامِضِه.
ومِنْ أبرَزِ مَنْ صنع ذَلِكَ: عبدُ الله بنُ أحمدَ المَقدسيُّ سنة (١٠٩١) في «شرحه»، وإبراهيمُ الصَّالحيُّ، ت سنة (١٠٩٤ هـ)، في «مسلك الراغب»، وعبد القادر التَّغلبي، ت سنة (١١٣٥ هـ)، في «نيل المآرب»، ومحمد بن أحمد السفَّارِيني، ت سنة (١١٨٩ هـ)، في «شرحه»، ومُصطَفَى الدُّومَانيُّ، ت سنة (١٢٠٠ هـ)، في «حاشيته»، وابنُ ضويَّان، ت سنة (١٣٥٢ هـ)،
[ ١ / ٩ ]
في «منار السبيل»، وغيرُهُم.
والشيخُ أحمَدُ بنُ عوض بنِ محمَّد المَردَاويُّ المَقدسيُّ، ت بعدَ سنة (١١٤٠ هـ)، أحَدُ أولئِكَ الذين عُنوُا ب «دليل الطالب»، حيثُ أثبَتَ على هامِشِ نُسخَتهِ مِنْ المتنِ بَعضَ تعليقاتٍ وتَقرِيرَاتٍ تَلقَّاهَا عن شيُوخِهِ، مِنْ أمثالِ محمَّد بنِ أحمدَ الخَلوَتيِّ، ت سنة (١٠٨٨ هـ)، وعثمانَ بنِ أحمَدَ النَّجديِّ، ت سنة (١٠٩٧ هـ)، أو استَقَاها من مُطوَّلاتِ الشُّرُوحِ في المذهب، خصوصًا ما وُضِعَ على مَتنَي «المنتهى» و«الإقناع» كشُروحِ وحواشِي الشيخ منصور البُهوتيِّ علَيهِما، وحواشي العُثمانَينِ عثمانَ بنِ قائِدٍ، وعُثمَانَ الفُتُوحيِّ «الحَفيد»، وحواشي الخَلوَتيِّ، والصوالحي- أحد تلامِذةِ منصور البهوتي- على «المنتهى»، وحاشيةِ عَبدِ القادر الدَّنُوشريِّ على «شرح المنتهى»، وكذلك ما وضَعَه عثمانُ بنُ قائد على «عمدة الطالب».
لقد أكثَرَ ابنُ عوضٍ في نقولِه عن تلك الشُّرُوحِ والحواشي خاصَّةً، مُذَيِّلًا كلَّ نقلٍ برَمزٍ يُشيرُ به إلى مَرجِع النقل، وهي على النحو التالي:
١ - الشيخ منصور البُهوتي، ت سنة (١٠٥١ هـ).
ويشير إليه ب: «م ص»، ويريد غالبًا «دقائق أولي النهى».
«ش ع»، ويريد غالبًا «كشاف القناع».
«ح ش»، ويريد به «حواشي الإقناع».
«إقناع وشرحه»، ويريد به «كشاف القناع».
«منتهى وشرحه»، ويريد به «دقائق أولي النهى».
٢ - الشيخ محمد بن أحمد الخَلوَتي، ت سنة (١٠٨٨ هـ).
[ ١ / ١٠ ]
ويشير إليه ب: «م خ»، أو «شيخنا م خ».
٣ - الشيخ عثمان بن قائد النجدي، ت سنة (١٠٩٧ هـ).
ويشير إليه ب: «ع»، أو «عثمان»، أو «شيخنا»، أو «شيخنا عثمان».
٤ - الشيخ عثمان بن أحمد الفتوحي، ت سنة (١٠٦٤ هـ).
ويشير إليه ب: «ح ف»، أو «حفيد»، أو «حفيد المنتهى».
٥ - الشيخ عبد القادر الدنوشري أحد تلامذة الشيخ منصور ت بعد سنة (١٠٤٠ هـ).
ويشير إليه ب: «دنوشري».
٦ - الشيخ عبد الله بن أحمد المقدسي، (١٠٩١ هـ)
ويشير إليه ب «ع ب» ويريد «شرح دليل الطالب»
٧ - الشيخ إبراهيم الصوالحي ت سنة (١٠٩٤) وهو أحد تلامذة الشيخ منصور.
ويشير إليه ب: «صوالحي».
أمَّا ما عدَا أولئكَ فكانَ النَّقلُ عنهم قليلًا، كنَقلِهِ عن الشِّيشِينيِّ في «شرح المحرر»، أو ابن حمدانَ في «الرعاية»، أو ابنِ النَّجَّارِ في «معونة أولي النهى»، أو البعلي في «المطلع»، أو مَرعي في «غاية المنتهى»، أو الحجاوي في «حواشي الإقناع».
لقد أنزَلَ ابنُ عوضٍ تلك التَّعليقَاتِ والنُّقولِ على متن «الدليل» ليَجتَمِعَ منه سِفْرٌ مُنتَظِمٌ متكامِلٌ على جُلِّ عِبارَاتِهِ، إن لم يَكُنْ كُلَّهَا، حَيثُ لم يَترُك عبارَةً إلَّا وتناولَها بالبيانِ والإيضاح.
[ ١ / ١١ ]
كانَت هذه التعليقَاتُ مَنثُورَةً بينَ أوراقِ نُسخَتِهِ، فوفَّق اللَّه ابنَه وسَمِيَّهُ أحمدَ بنَ أحمَدَ، فجرَّدهَا من نسخةِ والِدِه، ورتَّبهَا ترتيبًا بديعًا، لم يَخْلُ مِنْ بَعضِ إضافَاتٍ لهُ، أظُنُّهَا يَسيرَةً، اقتَضَى المَقَامُ إضافَتَها. واختارَ لها اسمَ: «فتح وهَّابِ المَآرِبِ على دَليلِ الطَّالِب». فخَرجَت على هذا النِّظَامِ الذي بينَ يَديكَ.
لقد امتَدَحَ هذه الحاشيَةَ مَنْ اطَّلعَ علَيها مِنْ أهل العِلمِ، حتَّى قال عنها ابنُ حُميدٍ في «السحب الوابلة»: مُفيدَةٌ جِدًّا.
قُلْتُ: حَقًّا إنها مُفيدَةٌ جدًّا؛ لما امتَازَت به من تَقرِيرَاتٍ بديعَةٍ لِمُؤلِّفِها، ونقلٍ مَتينٍ لكلامِ المُحَقِّقين من أئمَّةِ مُتأخِّرِي المذهَب، تولَّى زِمَامَهُ عالِمٌ فَقِيهٌ، له دِرايَةٌ تامَّةٌ بعبارَاتِهم، إضافةً للإيضاحَاتِ والزِّيادَاتِ التي عُنِي بها المُصنِّف، مع حِرصِهِ على الاختِصارِ جَهْدَه، خصُوصًا في مقَامِ الاستِدْلالِ، أو ذِكرِ الخِلافِ، أو التِّكرَارِ عندَ إيضَاح مَسأَلَةٍ، ومعَ ذلك كُلِّه نَرَى حَجمَ الكتابِ قد بَلغَ مَبلَغَهُ.
وإنَّه لمَّا كان هذا السِّفْرُ المَتِينُ في عِدَادِ المَعدُومِ، حَيثُ بَقِي مَخطُوطًا مُنذُ تَجرِيدِه وحتَّى يَومِنا هذا، كانَ إخرَاجُهُ وإبرازُه مَطلَبًا يُسعَى إليه؛ خِدمَةً للعِلم وأهلِه، ونَشرًا لِمَآثِرِ أقوامٍ لهُم من الحقِّ ما لَزِمَ الوفَاءُ به.
وقد وفَّق اللَّه ﷾ لذلِكَ بعدَ أن يسَّرَ الحُصُولَ على نُسخَتَينِ خَطِّيَّتين من الكِتابِ كاملًا (^١)، عَمِلتُ عليهِ جاهِدًا حسَبَ الإمكانِ؛ لإخراجِه بصُورَةٍ تَليقُ به.
_________________
(١) ثم بعد طباعة الكتاب الطبعة الأولى يسر الله الحصول على نسخة أخرى محفوظة في إدارة الأوقاف الإسلامية- القدس/ قسم إحياء التراث الإسلامي، فتمت مقابلة الكتاب عليها في هذه الطبعة الثانية
[ ١ / ١٢ ]
فللَّهِ الحمدُ والمِنَّةُ أوَّلًا وآخرًا، وأسألُهُ سُبحانَهُ أن يتقبَّلَهُ ويَنفَعَ بهِ، إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه، وصلى اللَّه على محمد وآله وسلم.
كتبه
أحمد بن عبد العزيز الجماز
١/ ١/ ١٤٣٢ هـ
شقراءُ السعوديَّة
[ ١ / ١٣ ]