﷽
﷽
الحمدُ للَّه الذي وفَّق لفَهم قواعد الدِّين من أراد، واستنبطَ بَزكيِّ أفكارِه فروعَها على أتمِّ مُراد، واستخرج من بحر معانيها الدرَّ الفريدَ، وبنَى مسائلَها على أصلٍ مشيدٍ، فنتج عِقدٌ من هذا النِّظام؛ دليلًا لمن طلب التفقه في الدين ورام، فهو في عذوبَةِ لفظِه رَوضٌ فائق، وسهولةِ مأخذه منهلٌ رائق، قد ظهر ثمرُ معانيه من أكمامه، لمن قصدَ قطفَها من أغصانه.
والصلاة والسلام على بهجة الوجود، المستَمد منه كل موجود [¬١]، سيدنا محمد المبعوثِ هداية للعالمين، وعلى آله وأصحابه، صلاةً وسلامًا متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعدُ: فلما وفَّق اللَّه الفقيرَ للاشتغال بمطالعة هذا العِقدِ النَّضير، على شيخي ووالدي الناقد البصير، المحفوف بلطف ربه العليّ، أحمد بن عوض بن محمد المقدسيّ الحنبليّ، وجدت من خطِّه على هامش نُسخته بعضَ فوائد يُهتدى بها لحلِّ خافيه من الفرائد، تذكرتُ أن من عادة الأصاغر التشبُّث بأذيال الأكابر، فجمعتُها لتكون مرغبةً فيه للناظر، وإن كنت في
_________________
(١) [¬١] لا يخفى ما في هذه العبارة من الغلو المفرط في مقام النبي ﷺ، فالمستمد منه كل موجود هو اللَّه وحده لا شريك له. قال الشيخ تقي الدين ﵀ في ذم أولئك الغلاة ووصف حالهم: حتى قد يقولون في محمد ﷺ من جنس قول النصارى في المسيح، حتى قد يجعلون مدد العالم منه، ويروون في ذلك أحاديث وكلها كذب. انتهى «الجواب الصحيح» (٣/ ٣٨٤)
[ ١ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه الصناعة قصير الباع؛ لأني لم أكن من فرسان هذا الميدان لعدم الاطلاع، وسميتها ب: «فتح وهاب المآرب على دليل الطالب لنيل المطالب»، واللَّه المسؤول أن ينفعَ بها كلَّ من اشتغل بها، إنه وليُّ التوفيق، وبالإجابة حقيق.
قوله: (بسم اللَّه الرحمن الرحيم. قال … إلخ) فإن قيل: إن كانت هذه الزيادة من بعض تلامذة المصنف؛ لبيان اسمِه، وإظهارِ فضلِه، فاته العملُ بحديث البسملة، حيث لم يبتدئ بها. وإن كانت من المؤلف نفسه، فالبسملة من مقوله، فالمناسب تأخيرُها عن الفعل بل واجب؛ إذ لا يجوزُ تقديمُ بعضِ المقولِ عليه!
ويجاب عن الأول: بأن العمل بالحديث حصلَ بالحمدلة؛ إذ المراد بالبسملة فيه مطلق الذِّكر، بدليل رواية: «كل كلام لا يبدأ فيه بذكر اللَّه ..» [¬١]، فحُمل المقيَّدُ على المُطلق، كما هو مبسوطٌ في المطولات.
ويجاب عن الثاني: بأن البسملةَ والحمدلةَ من كلام المصنف على الصحيح، وما بينهما اعتراضٌ أتى به لبيان اسمه، وإظهار فضله؛ ليُقبل المحصِّلون على هذا التأليف؛ لأن البسملة والحمدلة بمنزلةِ الشيء الواحد الذي هو فاتحةُ الكتاب، ولا يضرُّ الفصل بينهما بنحو: يقولُ فلان كذا
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (١٤/ ٣٢٩) (٨٧١٢) ومن طريقه السبكي في «طبقات الشافعية» (١/ ١٥، ١٦) والدارقطني (١/ ٢٢٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٣٣١) من حديث الزهري مرسلًا، ورجحه الدارقطني في سننه، وكذا في «العلل» (٨/ ٣٠)، وقال الألباني في «الإرواء» (٢): ضعيف
[ ١ / ٤٢ ]
قالَ (^١)
وكذا؛ لأنه حصل اجتماعهما في الجملة. على أن المصنف أتى بالفعل قبل البسملة، فليس فيه تقديمُ بعضِ المقول على القَول، والدليل على ذلك أنِّي اطلعتُ على نُسخةِ المؤلِّفِ التي من خطه، وجدتُه أتى بالفعل قبل البسملة والحمدلة، فالتقديمُ والتأخير من الكَتَبة، وعلى ذلك فلا اعتراضَ عليه، وهو جوابُه بالمنع، وما قبلَه بالتسليم.
(^١) قوله: (قال) [¬١] عبَّر بالماضي الدال على تقدمِ معناه؛ لتقدُّم المقول في الوجود الخطيِّ، وهو البسملة والحمدلة إلى آخر الكتاب على زمن النطق؛ لأن المصنف ألَّف الكتابَ ما عدا الخُطبة، وعرضَه على شيخه العلامة الشيخ عبد الرحمن البهوتي، فأثنى على المؤلِّف والمؤلَّف، ثم بعد ذلك أتى بالخُطبة، هكذا قرره الوالد.
لا يقال: إن الخُطبة من مقولِ القَولِ، وهو متقدِّم عليها، فلم يكن الفعلُ الماضي على بابه؛ لأنا نقول: سلَكَ المصنف في كلامِه التغليب، فغلَّب الأكثرَ على الأقل، وعبَّر بالفعل الماضي. فالفعلُ الماضي على بابه بهذا الاعتبار، وأصلُه: «قَوَلَ» بفتح الواو، على وزن فَعَلَ، قلبت ألفًا لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، فصار: قال. ويقال لِمَا فشا من القول: قالةً، ومقالًا، وقيلا. ويقال أيضًا: أقولتني ما لم أقل. وقوَّلتني: نسبته إليَّ. ورجلٌ مِقول، ومِقوال، وقوَّال: كثيرُ القَول.
_________________
(١) [¬١] عبارة: «قال العبد الفقير إلى اللَّه تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي» ليست في نسخ متن الدليل، فلعل ابن عوض أخذها من نسخة المصنف نفسه، واللَّه أعلم
[ ١ / ٤٣ ]
العَبدُ الفَقِيرُ (^١)
واعلم أن القول وما تصرف منه لا ينصبُ إلا جملةً، أو مفردًا بمعناها، أو مرادًا به لفظُه، كقوله تعالى: ﴿قال إني عبد الله﴾ [مريَم: ٣٠]، وقلت قصيدةً وكلمةً.
(^١) قوله: (العبدُ الفقيرُ) العبدُ له إطلاقات: عبدٌ بحُكم الشرع، وهو الذي يصح شراؤه وبيعه. وعبدٌ بالإيجاد: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾ [مريَم: ٩٣]، وعبد بالعبادة: ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص: ٤١]، ﴿فوجدا عبدا من عبادنا﴾ [الكهف: ٦٥]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسرَاء: ١]، وإضافته للتشريف. والعبدُ في الأصل صفةٌ واستُعمل استعمالَ الأسماء، وفي الحديث: «ولكن قولوا: عبدُ اللَّه ورسوله» [¬١]. «وأحبُّ الأسماء وأشرفُها ..» [¬٢]. ولذا أطلق في مقام الإسراء، وتنزيل الوحي: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ [الكهف: ١]، ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفُرقان: ١]
وخُيِّر نبيُّنا ﷺ بين أن يكونَ نبيًا ملِكًا أو نبيًا عبدًا، فاختار الثاني [¬٣]، وسيِّدُنا سليمانُ اختار الأول فقال: ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥]
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث ابن عباس عن عمر [¬٢] أخرجه مسلم (٢١٣٢) من حديث ابن عمر بلفظ: «إن أحب أسمائكم إلى اللَّه عبد اللَّه وعبد الرحمن» [¬٣] يشير إلى حديث ابن عباس الذي أخرجه الطبراني (١٠٦٨٦) وغيره، وأخرجه أبو يعلى (٤٩٢٠) من حديث عائشة. وانظر «الضعيفة» (٢٠٤٤، ٢٠٤٥)، «والصحيحة» (٢٤٨٤)
[ ١ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسبب أشرفيةِ العُبودية: أن السِّيادة في الحقيقة للَّه تعالى، والعبودية وصف لغيره، فالوصف بها إشارة إلى سيادة اللَّه تعالى، واحتياج غيره إليه لاحتياج العبد إلى سيِّده.
والعبوديةُ: إظهارُ التَّذلل، والعبادةُ أبلغُ منها؛ لأنها غايةُ التَّذلل، فلا يستحقها إلا من له غايةُ الإفضال.
وأما عبدُ الدنيا، فهو المعتَكِفُ على خِدمَتها ومُراعاتِها، وهو المرادُ بحديث: «تعِسَ عبدُ الدِّرهم والدينار» [¬١].
و(الفقير): يحتمل أنه صيغةُ مبالغة، أي: كثيرُ الفَقر، ويَحتملُ أنه صِفةٌ مشبهة، معناه: الدائمُ الفقر، من فَقَر بالفتح أو الكسر، كضَرَب أو سَمِعَ، أصله من كُسِرَ فقارُ ظهرِه، والمرادُ به هنا: المحتاجُ إلى عفوِ ربه ورحمته، لا المحتاجُ مطلقًا، ولا قليلُ المال، ولا فقيرُ القلب المشار إليه بقوله ﷺ: «كاد الفقرُ أن يكونَ كفرًا» [¬٢].
وآثر الفقيرَ على المُحتاج مع أنه بمعناه؛ لأن الفقير مأخوذٌ من الفقر، والفقرُ أخصُّ من الاحتياج، ألا ترى أن ابنَ السبيل محتاجٌ غيرُ فقير، فالعبدُ مفتقر إلى اللَّه في جميع أحواله، حتى قبلَ وجودِه، فإنه مُفتقر لمن أوجَدَه. والفقيرُ يناسب العبدَ؛ لأن العبدَ لا يملِك شيئًا، فهو خاضِعٌ ذليل: ﴿ياأيها الناس
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٢٨٨٦، ٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة [¬٢] أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٥٣) ومن طريقه ابن الجوزي في «الواهيات» (٢/ ٣٢٠) والبيهقي في «الشعب» (٦٦١٢) من حديث أنس. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٠٨٠): ضعيف
[ ١ / ٤٥ ]
إلى اللَّهِ تَعالى (^١)، مَرعِيُّ بنُ يُوسُفَ (^٢) الحَنبليُّ (^٣)
أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فَاطِر: ١٥].
(^١) قوله: (إلى اللَّه) أي: العبدُ الفقير إلى رحمةِ اللَّه تعالى، فالكلامُ فيه حذف. أو: العبدُ المفتقِر في سائر أحوالِه إلى اللَّه خَلقًا وإيجادًا؛ ردًّا على القائل: بأن العبدَ يخلُق أفعالَ نفسِه. وقوله: (تعالى) أي: تنزَّه اللَّه تعالى عمَّا يقولُ الجاحِدُ.
(^٢) قوله: (مرعيُّ): اسم المؤلف (بنُ يوسفَ) اسم أبيه.
(^٣) قوله: (الحنبليُّ) نسبة للإمام أحمد بن عبد اللَّه [¬١] بن حنبل؛ لكونه يعبدُ اللَّه على مذهبه، وأما المنسوبُ للإمام الشافعي فشافعيٌّ، لا شفعويّ، كما قيل به؛ إذ القاعدة: أن المنسوبَ يُؤتى به على صُورة المنسوبِ إليه، لكن بعد حذف الياء من المنسوب إليه، وإثبات بدلها في المنسوب، كما أفاده بعضهم.
وفي «القاموس» [¬٢]: الحنبل: القصيرُ، والخُفُّ الخَلِق، والضخمُ البطينُ واللَّحيم، وروضةٌ بديارِ تميم. وأحمدُ بن عبد الله [¬٣] بن حنبل: إمامُ السُّنة. وبضم الحاء: طلعُ أمِّ غيلان، واللُّوبياء. وحَنْبَل: لبِسَ الحنبلَ. والحِنبالة، بالكسر: كثير الكلام.
هذا باعتبار الأصل، وأما الآن فهو علمٌ على جدِّه ﵃.
_________________
(١) [¬١] هكذا في النسختين، والصواب: «أحمد بن محمد» [¬٢] «القاموس المحيط» (حنبل) [¬٣] كذا في النسختين تبعًا «للقاموس»، وهو غلط؛ إذ الصواب: أحمد بن محمد
[ ١ / ٤٦ ]
المَقدِسِيُّ (^١):
الحمدُ للَّهِ (^٢) رَبِّ العالَمِينَ (^٣)،
(^١) قوله: (المقدسيُّ) نسبةً للأرض المقدَّسة، لا لخصوصِ بيتِ المقدس، وإلا فبلدُه: «طولُ الكرْم» قريةٌ من قُرى نابلس.
(^٢) قوله: (الحمدُ للَّه) حقيقةُ الحمدِ اللَّفظي في اللغة: الثناءُ بالجميل على الجميل الاختياري، حقيقةً أو حكمًا، على جهةِ التعظيم والتبجيل، ظاهرًا وباطنًا، وسواء تعلَّق بالفضائل أم بالفواضل.
وأما معناه اصطلاحًا: فهو فعلٌ يُنبئ عن تعظيمِ المُنعم بسببِ كونِه منعمًا.
والشكر لغة: هو الحمدُ اصطلاحًا. وأما الشُّكر اصطلاحًا: فهو صرفُ العبد جميعَ ما أنعم اللَّه به عليه من سمع وبصر وغيرِهما إلى ما خُلق له.
وأما المدحُ فهو لغة: الثناء باللسان على الجميل مطلقًا على جهة التعظيم.
واصطلاحًا: اختصاصُ الممدوح بنوعٍ من الفضائل أو الفواضل. وإن أردت المزيد على ذلك انظر: «حواشي هدايا الواهب» [¬١].
(^٣) قوله: (ربِّ العالمين) أصلُ التربية: نقلُ الشيء من أمر إلى آخر، حتَّى يصلَ إلى غاية أرادها المُربِّي، ثم نُقِل إلى المالِكِ والمُصلِحِ؛ للزوم التربية لهما غالبًا. والعالمين: جمع سلامة لعالَم على غير قياس، والعالَم في اللغة: كلُّ جنسٍ أو نَوعٍ فيه علامةٌ يمتاز بها عن سائر الأنواع والأجناس الحادثة.
وذكرُ هذا الوصف أعني: رب العالمين بعد «الحمد للَّه» شبهُ البرهان بعد
_________________
(١) [¬١] «فتح المواهب» (١/ ٤٠)
[ ١ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّعوى؛ لأنه لمَّا ادَّعى في الجملة الأولى أعني: الحمد للَّه أن كلَّ كمال فهو للَّه تعالى وحده، لا يُمدح عليه في الحقيقة سواه، وقد عُلم أن الكمال إما قديمٌ، وإما حادثٌ، أتى بما يدل على أن كلا الكمالين له تعالى، بمعنى أن الأول: وصفُه، والثاني: فِعلُه، والدليلُ على ذلك العوالمُ؛ لقيام البرهان القطعيِّ على حدوثها من جهة تغيُّرِها الذي أَذِنت به التربيةُ المأخوذةُ من لفظِ الرَّبِّ، ومن جهة احتياجها إلى المخصِّص في اختصاصها ببعض ما تقبله من مقدارٍ وصفةٍ وغيرهما، وقد أشعر أيضًا بالاحتياج في المقادير والصِّفات، والأزمنة والأمكنة، مع قبولِ كلٍّ مقدارَ غيرِه وصفتَه وزمانَه ومكانَه، فلو وقع ذلك من غير فاعل، لزمَ الجمعُ بين متنافيين، وهو مساواة أحد الأمرين لصاحبه، ورُجحانُه عليه بلا سبب، وذلك معلومُ الاستحالة.
فإذن هذا الوصف، وهو: «رب العالمين» يؤذِنُ بحدوثِ جميعِ العوالِم من جهة المُضاف؛ لإشعاره بعموم التربية للعوالم المستلزمة للتغير في جميعها، وهو دليل على الحدوث والافتقار للمُحدِث، ومن جهة المضاف إليه؛ لإشعاره بسبب جمعيته وعمومه باختلاف أصناف العوالم وأنواعها وأجناسها، في مقاديرها وصفاتها وأزمنتها وأمكنتها وجهاتها، مع قبول مادة كلِّ واحدٍ منها لما حصل لغيره، وذلك يستلزِمُ حدوثَه وافتقارَه إلى المخصِّص.
ولما كان الإحداثُ والإيجاد موقوفين على كمال ألوهية الموجِد، واتصافه بوجوب الوجود والقِدَم والبقاءِ والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والحياة، وعموم القدرة والإرادة لجميع الممكنات، وعموم العلم لجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، لزم أن كلَّ حادثٍ يدلُّ
[ ١ / ٤٨ ]
وأشهدُ (^١) أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه (^٢)
على وجوب هذه الكمالات لمولانا جلَّ وعلا.
(^١) قوله: (وأشهدُ) الواو للعطف من حيث إنها للرَّبط بين المتعاطفَين أو المتعاطفات. أي: أُذعِنُ وأتيقَّن. وتفسيرُها بمطلق الإعلام ليس بنافعٍ في الدُّخول في الإسلام، وإنما هو بيان للمعنى الأصليِّ للفظ الشهادة.
ثم إن في الشهادة خاصيتين؛ الأولى: أن جميعَ حروفِها جوفيَّةٌ ليست شَفَويَّةً؛ إشارةً إلى أنها من خالص الجوف، وهو القلب. الثانية: أنها ليس فيها حرف معجم [¬١]، بل جميعها مجردة عن النقط؛ إشارة التجرُّدِ عن كلِّ ما سواه.
وأشهدُ: فعل وفاعل. وجملة (أن لا إله .. إلى آخره) في محل نصب مفعول أشهد؛ لأنَّ لا: نافية للجنس تعمل عمل إنَّ، تنصب الاسم وترفع الخبر. إله: اسمها مبني معها على الفتح في محل نصب.
وقوله: (إلا اللَّه) بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والتقدير: لا إلهَ معبودٌ بحقٍّ إلا اللَّه. وإلا: أداةُ حصرٍ بمعنَى: غير. وهو بدل كلٍّ من كلٍّ بهذا الاعتبار.
(^٢) قوله: (وحدَه) أي: حال كونه منفردًا عن المُشابه والمُماثل، فلا مُشابهةَ بينه وبين غيرِه بوجه، لا في ذاتِه، ولا في صفاتِه، ولا في أفعالِه؛ لأن الوحدَةَ عبارةٌ عن وحدَةِ الذَّات والصفات والأفعال.
فوحدة الذات: عبارةٌ عن نفي الكمِّ المتصل، وهي الكثرة في ذاته تعالى،
_________________
(١) [¬١] في النسختين: «أنها ليست فيها حرفًا معجمًا»
[ ١ / ٤٩ ]
لا شريكَ لَهُ (^١)، مالِكُ يَومِ الدِّينِ (^٢).
والكمِّ المنفصلِ، وهي الكثرة في النظير له تعالى في ذاته أو صفاته.
ووحدة الصفات: عبارةٌ عن الانفراد بالاتصاف بها، فلا يشاركه غيرُه في ذلك.
ووحدة الأفعال: عبارة عن عدم المشاركة له في أفعاله.
(^١) قوله: (لا شريكَ له) حالٌ بعد حالٍ، أي: حالَ كونه لا شريكَ له في شيءٍ ممَّا يتعلق بعليِّ ذاته، وسنيِّ صفاته، فهو تأكيدٌ لمُفاد الأول.
(^٢) قوله: (مالكُ يومِ الدينِ) المالك: هو المتصرِّفُ في الأعيان المملوكة كيفَ شاء من المِلك. والمَلِكُ: هو المتصرِّفُ بالأمر والنهي في المأمورين. ومالِكُ: يصح أن يكون بالرفع منونًا، ومضافًا، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، وبالجر صفة للَّه بعد صفة أعني رب وهو مضاف، والعالمين: مضاف إليه، ومالك: مضاف، ويوم: مضاف إليه، وهو مضاف، والدِّين: مضاف إليه.
لا يقال: فيه الفصل بين الصفة الأولى والثانية بجملة؛ وهي أشهد .. إلخ. وهو لا يناسب العربية؛ لأنا نقول: أتى بها لأكبر الفوائد، وهو حصر الألوهية في الذات العليَّة المفيدة للتوحيد، فلا مؤاخذةَ عليه.
و«يوم الدين»: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، سُمِّي به لأنه محلُّ المُجازاة، أو لأنه لا ينفعُ فيه إلا الدِّينُ الحقُّ ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت﴾ [آل عِمرَان: ٣٠] من دانه يدينه: جازاه، ومنه: «كما تدينُ تدان» [¬١]. وأولُ يوم القيامة
_________________
(١) [¬١] أخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٦٢) عن أبي قلابة مرسلًا، وأخرجه أيضًا عن أبي قلابة عن أبي الدرداء موقوفًا، وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء كما قال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦). وانظر «السلسلة الضعيفة» (١٥٧٦)
[ ١ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: من النَّفخةِ الأولى. وقيل: من الثانية. وآخِرُه قيل: إلى دخول الجنة والنار. وقيل: إلى ما لا نهاية له.
وأضافَ اسمَ الفاعل إلى الظَّرف؛ إجراءً له مجرى المفعول به على الاتِّساع، كقولهم: يا سارقَ الليلةَ أهلَ الدَّارِ. ومعناه: ملكُ الأمورِ يومَ الدين. على طريقة: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ [الأعرَاف: ٤٤] أو: له الملك في هذا اليوم على وجه الاستمرار؛ لتكون الإضافة حقيقية معدة؛ لوقوعه صفة للمعرفة.
وقيل: الدِّين: الشريعة. وقيل: الطاعة. والمعنى: يومُ جزاء الدِّين. وتخصيص اليوم بالإضافة؛ إما لتعظيمه، أو لتفرُّده تعالى بنفوذ الأمر فيه.
وإجراءُ هذه الأوصاف على اللَّه تعالى من كونه موجدًا للعالمين، ربًّا لهم، منعمًا عليهم بالنعم كلِّها، ظاهرها وباطنها، عاجلها وآجلها، مالكًا لأمورهم يوم الثواب والعقاب؛ للدلالة على أنه الحقيقيُّ بالحمد، لا أحدَ أحقَّ به منه، بل لا يستحقُّه على الحقيقةِ سِواه، فإنَّ ترتُّبَ الحُكمِ على الوصف يُشعرُ بعليته له، فالحمدُ حينئذ واجبٌ؛ لوقوعه في مقابلة نعمة، وللإشعار من طريق المفهوم على أنَّ من لم يتَّصف بتلك الأوصاف لا يستأهل لأنْ يُحمد، فضلًا عن أن يُعبد، ليكون دليلًا على ما بعده. فالوصف الأول أعنى: رب العالمين لبيان ما هو المُوجبُ للحمد، وهو الإيجادُ والتربيةُ. والثاني: وهو مالك يوم الدين؛ لتحقيق الاختصاص، فإنه ممَّا لا يقبل الشركة فيه بوجه ما، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين.
[ ١ / ٥١ ]
وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا (^١) عَبدُهُ (^٢) ورَسُولُهُ (^٣)،
(^١) قوله: (وأشهدُ أنَّ محمَّدًا) علمٌ على نبيِّنا ﷺ، منقولٌ من اسم مفعولِ الفعل المضعَّف، أي: المكرر العين، وهو حمَّد، بالتشديد. وهذا في اصطلاح علماء الصرف بأنَّ المضعَّفَ المشدَّدُ. وفي اللغة: ما كان عينُه ولامُه من جنسٍ واحدٍ. «وأشهدُ»: فعل وفاعل. وجملة: «أن محمدًا .. إلخ». في محل نصب مفعول أشهد.
(^٢) قوله: (عبدُه) خبر أنَّ، وكذا قوله: «ورسوله». و«المبين» و«الفائز»: خبر بعد خبر. قال ابن مالك: وأخبروا باثنين أو بأكثرَ .. إلخ.
وعبد: من الصفات التي غَلبت عليها الاسميَّةُ؛ من العبوديَّة، التي هي: تركُ الاختيار، والثقةُ بالفاعل المُختار، والتسليمُ لأمر الواحد القهار، وعدمُ منازعة الأقدار، حتى لا يبقى له مع اللَّه مرادٌ إلا ما أراد. وإنما وصفَه بالعبودية؛ لأنها أكملُ المقامات السَّنيَّة، وأجملُ المراتب المَرضيَّة، كيف لا وقد وُصِف بها ﷺ في أشرف المواطن العليَّة.
وقال العلامة الحلبيُّ: وقد حُقق أن عبوديةَ الرسولِ أكملُ من رسالته؛ لكونها انصرافًا من الخلق إلى الحقِّ، والرسالة بالعكس؛ ولأن العبدَ تكفَّل مولاهُ بإصلاحِ [¬١] شأنه، والرسول تكفَّل بإصلاح شأنِ الأمة، وكم بينهما؟! انظر: ابن حجر على «الأربعين» في هذا الموطن.
(^٣) قوله: (ورسولُه) هو على المشهور: إنسان أُوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، أَخصُّ من النبيِّ.
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «باصطلاح»
[ ١ / ٥٢ ]
المُبَيِّنُ (^١) لأحكَامِ (^٢) شَرَائِعِ الدِّينِ (^٣)،
(^١) قوله: (المبيِّنُ) أي: المُوضِّحُ والمُظهِر. وهذه الفقرة وما بعدها موطئة للسِّر في طلب الصلاة والسلام على من ذُكر؛ إذ هو [¬١] ﷺ سبب في حصول سعادة الدارين للعباد، وذلك لأنَّ السعادةَ منوطةٌ بمعرفةِ الأحكام والعمل بها، والأحكامُ إنَّما تؤخذُ من جهتِه ﷺ، ووصولُها إلينا إنَّما هو من جهة آلِه وأصحابِه.
(^٢) قوله: (لأحكام) الأحكامُ: جمعُ حكم، وهو في اللغة: القضاءُ والحِكمَةُ. وفي الاصطلاح: خطابُ اللَّه تعالى المفيدُ فائدةً شرعيَّةً.
(^٣) قوله: (شرائعِ الدِّين) شرائع: جمع شريعة، فعيلة، بمعنى: مشروعة، أي: ما شرعه اللَّه من الأحكام، فالإضافة بيانية، أي: شرائع هي الدين، والدين ما شرعه اللَّه من الأحكام، أي: بيَّنه لعباده، وهو علومُ الشرع من تفسيرٍ وحديثٍ وفقه.
ويقال أيضًا: وضعٌ إلهيٌّ سائِقٌ لِذَوي العقولِ باختيارِهم المحمود إلى ما هو خيرٌ لهم بالذات.
وأما أمورُ الدِّين، فقال الإمامُ النوويُّ: الصِّحةُ بالعقدِ، والصِّدقُ بالقَصدِ، والوفاءُ بالعهد، واجتنابُ الحدِّ.
أما الصحة بالعقد؛ فالاعتقادُ الصحيح السالمُ من التشبيهِ والتعطيل والتَّجسيم في صفات اللَّه تعالى.
وأما الصِّدقُ بالقصد؛ فالعبادات بالنية، والعمل بالإخلاص. وأما الوفاءُ
_________________
(١) [¬١] سقطت: «هو» من النسختين
[ ١ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالعهد؛ فأداءُ الفرائض الخمس في أوقاتها.
وأما اجتنابُ الحدِّ؛ فاجتناب محارم اللَّه ﷿، قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحَشر: ٧]
وأمور الدين على ما قاله صاحب «المنتهى» في مختصره الأصولي: دال، ودليل، ومبيِّن ومستدل [¬١]. فالدال: اللَّه، والدليل: القرآن، والمبيِّن: الرسول، والمستدل: أولو العلم. هذه قواعد الإسلام.
قال في «شرحه» [¬٢]: قال ذلك الإمام أحمد ﵁. وإنما أخَّر ذلك بعضُ المصنفين؛ ليستدلَّ به على صحة ما تقدم ذكرُه، وتبركًا بنص الإمام. وقوله: هذه قواعد الإسلام. قال في «شرح التحرير»: الذي يظهرُ أن معناه أن قواعدَ الإسلام ترجِعُ إلى اللَّه تعالى، وإلى قولِه وهو القرآن، وإلى رسولِه ﷺ، وإلى علماءِ الأمة، لم يخرج شيءٌ من أحكام المسلمين والإسلام عنها.
والمُستدَلُّ عليه أي: على الشيء بكونه حلالًا، أو حرامًا، أو واجبًا، أو مستحبًّا؛ الحكمُ بذلك. والمستدَلُّ به: ما يوجِبه، أي: العِلَّة التي تُوجِبُ الحكمَ. والمستدَلُّ له، أي: لخلافِه وقطعِ جدالِه؛ الخصمُ. وقيل: الحُكْمُ. انتهى.
قال م خ: وعليه فيكون المعنى: المستدَلُّ لأجل ثبوتِه. انتهى.
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «ودليل ومستدل وبيان» [¬٢] «شرح الكوكب المنير» (١/ ٥٥، ٥٦)
[ ١ / ٥٤ ]
الفائِزُ «بمُنتَهى الإرادَات» (^١) مِنْ رَبِّه، فمَنْ تمَسَّك بشَريعَتِه (^٢)،
وبين يوم الدِّين والدِّين الجناسُ التامُّ مع اختلاف المعنى، وهو كما في «التلخيص»: أن يتَّفِقَ اللَّفظَانِ في أنواع الحُرُوفِ، وفي أعدادِها، وفي هيئاتِها، وفي ترتيبِها. وهو من المُحسِّنات البديعيَّة.
(^١) قوله: (الفائزُ) أي: الظافرُ (بمنتهى الإرادات) أي: المقاصد المنتهية. مصدر ميمي بمعنى: الانتهاء، من إضافة الحال في المحل؛ لأن الانتهاء حال في المرادات، أو من إضافة الصفة للموصوف، أي: المرادات المنتهية؛ من نظرِه ﷺ لربه بعيني رأسه الشريف [¬١]، والشفاعة العظمى، وغيرهما مما لا يحصى.
والمراد هنا: أن هذا الكتابَ ظفر باختصارِه من «مُنتهى الإرادات» من قَبيلِ التورية وهي: إطلاقُ لفظٍ له معنيان، قريب وبعيد، فأطلق منتهى الإرادات، وأراد معناه البعيد.
ثم إنَّ في هذه الفِقرَةِ وما قبلَها براعةَ استهلالٍ؛ لِمَا في ذلك من الإعلام بالفنِّ الذي سيشرعُ فيه، وهي أن يأتي المتكلِّمُ في ابتداء كلامه بما يلوحُ بمقصودِه بإشارةٍ تَعذِبُ حلاوتُها على الذَّوقِ السليمِ.
(^٢) قوله: (فمن تمسَّك بشريعته) باتباع الأوامر واجتناب النواهي. الفاء: للتعليل، أي: لأن من تمسك .. إلخ. «فمن»: مبتدأ، وجملة «فهو من الفائزين»: خبر. وجملة المبتدأ والخبر جملة كبرى؛ لوقوع الخبر فيها جملة.
_________________
(١) [¬١] أخرج مسلم في صحيحه (٤٦١) من حديث أبي ذرٍّ أنه قال: سألت رسول اللَّه ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: «نورٌ أنَّى أراه». وفي لفظ: «رأيت نورًا»
[ ١ / ٥٥ ]
فهوَ مِنْ الفَائِزِين (^١)، صلى اللَّه وسلَّم علَيهِ (^٢) وعلى جَميعِ الأنبيَاءِ
(^١) قوله: (فهو من الفائزين) أي: الناجين الظافرين. هذا نتيجة ما قبله، وفيه من المُحسِّنات اللَّفظية: ردُّ الصَّدرِ على العجْز؛ بأن يأتي بما يوافق الصدر، وهو كما في «التلخيص»: إذا كان في النثر؛ أن يجعل أحد اللفظين المكررين أعني المتفقين في اللفظ والمعنى في أوَّل الفِقرَةِ، واللفظ الآخر في آخر الفِقرَةِ، نحو: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزَاب: ٣٧].
(^٢) قوله: ﷺ أي: ارحمه رحمة تليق بجنابه الشريف، ومقامه المُنيف؛ زيادةً في شرفه؛ إذ الكاملُ يقبل الترقِّي في غايات الكمال، فلا ينافي أنه ﷺ أُفرغت عليه سائرُ الكمالات، فالجملة إنشائية معنًى، خبرية لفظًا؛ لأنَّ القصد بها إيجادُ الصلاة.
وتكره الرحمةُ في حقِّه، وإن كانت بمعنى الصلاة، فلا يجوز إذا ذُكِر النبيُّ ﷺ أن يقال: ﵀. لأن لفظ الرَّحمة صار شعارًا لغير الأنبياء والملائكة ممَّن شأنُه أن يرتكب الذنوب. فلا يقال: لِمَ جازت الصلاةُ دون الرحمة مع أنهما بمعنًى واحد؟
وما فعل المصنف من الجمع بين الصلاة والسلام، أولى من إفراد أحدِهما عن الآخر، وإن جاز عندنا من غير كراهة. قال ابن الجوزي: إن الجمع بين الصلاة والسلام هو الأولى، ولو اقتصر على أحدهما جاز من غير كراهة، فقد جرى على ذلك جماعة من السلف والخلف، منهم الإمام مسلم في أول صحيحه، والإمام أبو قاسم الشاطبي في قصيدتيه؛ الرائية واللامية.
[ ١ / ٥٦ ]
والمُرسَلَين، وعلى آلِ (^١) كُلٍّ وصَحبِهِ (^٢)
(^١) قوله: (وعلى آلِ كلٍّ) أي: أتباعه على دينه. نص عليه الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب. ذكره في «شرح التحرير». وقدمهم للأمر بالصلاة عليهم، وإضافته إلى الضمير جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومنعه جمع منهم: الكسائي، وابن النحاس، والزبيدي. م ص [¬١]
(^٢) قوله: (وصحبه) جمع صاحب، أو جمع صَحْب تخفيف صَحِبَ بمعنى: صاحب. قال في «المطول»، كالزمخشري: إنه جمع صاحب. وأُورِد عليه: أن الجوهري منع جمعَ فاعلٍ على أفعال؛ ولهذا قال السعد في «حواشي الكشاف»: الحق عدم ثبوته.
والمراد بصحبه هنا: الصحابي، وهو من لقيه ﷺ أو رآه يقظة، حيًّا مسلمًا، ولو ارتد ثم أسلم ولم يره ومات مسلمًا، ولو جنِّيًّا. والمراد: باللقيِّ: اللقيُّ المتعارف بالأبدان، وهو يشتمل: لقاء البصير والأعمى كابن أم مكتوم، وغير المميِّز كعبد اللَّه بن الحارث، فإنه جيء به للنبي ﷺ فحنكه، وكمحمود بن الربيع، تَفَلَ في فِيه. واحتُرز بيقظة: عمَّن رآه منامًا، وبقولهم: حيًّا: عمَّن رآه ميتًا كأبي ذئب الشاعر خالد بن خويلد الهذلي، فإنه لما أسلم وأخبر بمرضه ﷺ فسافر ليراه، فوجده ميتًا. وبقولهم: مسلمًا: عمَّن اجتمع به قبل النبوة ولم يره بعد ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، فإنه مات قبل البعثة، ومن رآه وهو كافر ثم أسلم بعد موته. وبقولهم: ولو ارتد .. إلخ: عمَّن ارتد في زمنه ﷺ أو بعد موته، وقتل على
_________________
(١) [¬١] «الروض المربع» (١/ ٤٠) حاشية ابن قاسم
[ ١ / ٥٧ ]
أجمَعِين (^١).
الردة كابن خَطَلٍ وغيره. ويدخل من ارتد ثم رجع إلى الإسلام ومات مسلمًا كالأشعث بن قيس. وقولهم: ولو جنيًا. يدخل فيه من لقي النبي ﷺ من الجنِّ الذين قدموا عليه من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود.
فيشتمل التعريف: المميِّز، وكذا من اجتمع به ﵊ ولم يعلم أنه هو ﵊، ومن اجتمع به حيث لم يشعر واحدٌ منهما بالآخر، أو لم ير واحدٌ منهما الآخرَ، ومن اجتمع به من وراء سِترٍ رقيقٍ كثوب، وعَلِمَ به وخاطَبه أو لا، ومن لقيه مارًا مع مروره أيضًا إلى غير جهته من غير مكث عند الوصول إليه، وعَلِمَ به وخاطَبه أو لا. ولو رآه من كَوَّةٍ في جدار بينهما، فهل يعد اجتماعًا؟ نظر فيه الشنواني على بسملة شيخ الإسلام، ونصه: فيه نظر، نعم إن خاطبه مع رؤيته من الكَوَّةِ، فينبغي أنه اجتماع أو في حكمه، فليراجع ذلك. انتهى.
وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام. وفي الجمع بين الصحب [¬١] والآل مخالفة للمبتدعة؛ لأنهم يوالون الآل دون الصحب. م ص [¬٢]
(^١) قوله: (أجمعين) مفيدٌ للإحاطة والشمول، فهو تأكيدٌ لذلك.
فائدة تتعلق بالخطبة من حيث الفِقَرِ: فإنها من البسملة إلى قوله: «وبعد»، سِتُّ سَجَعَاتٍ، اثنتانِ متعلِّقَتَانِ باللَّه، وثلاثٌ متعلقةٌ بالنبيِّ ﷺ، وسجعَةٌ
_________________
(١) [¬١] في النسختين: «على الصحب»، والتصويب من «الروض المربع» [¬٢] «الروض المربع» (١/ ٤٢) حاشية ابن قاسم
[ ١ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدةٌ متعلِّقَةٌ بالآلِ والأصحاب، ولا يخفى أنَّ كلَّ واحدةٍ أشرفُ ممَّا بعدها، وأشارَ لذلِكَ بالترتيب.
ومعنى السجع: تَوافُقُ الفاصِلتَينِ من النَّثرِ على حرفٍ واحدٍ في الآخِر، وهو معنَى قَولِ السَّكَّاكِيِّ: السجعُ في النثرِ كالقافية في الشعر. ثم هو أقسام؛ لأنه إن اختلفتا في الوزن فمُطَرَّفٌ، أي: وقع في الطَّرَف، كوَقَارٍ، أو أطوَارٍ. وإن لم يختَلِفا، فإن كان جَميعُ ما في الفِقرَةِ ما عدا الفاصِلتَينِ الثانيةِ أو أكثَرُهُ يُوافِقُ ما في الأولى، فَمُرَصَّعٌ. مثالُ الأول: قول الحريري: فهو يطبعُ الأسماعَ بجواهر لفظِه، ويَقرعُ الأسماعَ بزواجرِ وعظِه. ومثال الثاني: ما لو أبدلت الأسماع بالآذان. وإن لم يكن جميع ما في الثانية ولا أكثره كذلك، فالمتوازي.
والمراد بالوزن: الوزن الشعري، وهو مقابلة ساكنٍ بساكن، ومتحركٍ بمتحرك، من غير نظرٍ لخصوص الحركة والساكن، كما ذكره ابن يعقوب في شرحه للتلخيص.
وأحسن السجع ما تساوت فِقَرُه، كقوله تعالى: ﴿في سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود﴾، ثم ما طالت فيه الثانية والثالثة مثال الأول: ﴿والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. ومثال الثاني: ﴿خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه﴾.
ثم إن المصنف سلك في خُطبته أحسنَ السَّجع، وهو طولُ الثانيةِ على الأولى وتساوي الفِقَرِ، وفيه الازدواج، ووجه أفضلية التساوي كما ذكره المجدولي في «حواشي عصام الدين» أن السمع أَلِفَ الانتهاء، فإذا زادت
[ ١ / ٥٩ ]
وبَعدُ (^١):
الثانية ثقل على السمع الزائد، فيكون عند وصوله إلى مقدار الأولى كمن توقع الظفر بمقصوده من فهم المراد فوجد أمامه مانعًا. وأما تطويل الأولى زائدًا على الثانية، فهو عيب فاحش عندهم؛ لأن السمع إذا استوفى غاية الأولى وكانت الثانية أقصر بكثير، كان السمع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها، وأما الطول الغير الكثير، فمغتفر عندهم على المشهور، نحو: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل﴾ [الفيل: ١، ٢]، قال: ويشترط في تطويل الثانية أو الثالثة على الأولى عدم التطويل الكثير؛ لئلا يبعُدُ على السامع وجودُ القافية فتذهب اللَّذة، وقال أهل الفن: قصر الفقرات تدل على قوة المنشئ، وأقله كلمتان، نحو: ﴿ياأيها المدثر * قم فأنذر﴾ الآيات [المدثر: ١، ٢]. وكلما كانت كلماته أقلَّ، كانَ أحسَنَ. إلى غير ذلك مما هو مبيَّن في محله، مع بيان أنواعه وأسمائها، وما يتعلق بذلك. انتهى.
(^١) قوله: (وبعدُ) أتى بها المصنف اقتداءً بالنبي ﷺ لإتيانه بها في خُطَبه وكتبه كما ثبت في صحيح الأخبار عن الأئمة الأخيار، بل رواه عبد القادر الرهاوي عن أربعين صحابيًّا، لكن الثابت إنما هو إتيانه بأصلها كما نبه عليه شيخ الإسلام الشيخ عثمان في شرحه «لعمدة الطالب» [¬١] وهو: «أما بعد» [¬٢]. وأما «وبعد» فهل يُسنُّ الإتيان بها أيضًا قياسًا؛ لأن ما ثبت للأصل
_________________
(١) [¬١] هداية الراغب (١/ ٧٣) [¬٢] ورد ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا، ومنها حديث أبي سفيان مع هرقل المشهور الذي أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (١٧٧٣)، وانظر «إرواء الغليل» (٧)
[ ١ / ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يثبت لفرعه أو لا؛ اقتصارًا على ما ورد؟
وفي شرح ابن عبد الحق لبسملة شيخ الإسلام ما يفيد التفرقة بينهما، حيث قال عند قولِ المتن: «وبعد»: وأتى بها اقتداءً بغيره، وقد كان ﵇ يأتي بأصلها في خُطَبِه وهو: أما بعد. انتهى.
وهي كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، فلا يسوغ الإتيان بها في أوَّل الكلام ولا في آخره، بل بين كلامين متغايرين. ثمَّ إذا كان بين الكلامين تناسبٌ سُمِّي الانتقال من الكلام [¬١] الأول للثاني: تخلُّصًا، وإذا كان بينهما نوع مناسبة، سُمِّي ذلك الانتقال: اقتضابًا، قريبًا من التخلص، كقول المؤلف في أثناء الخطب: أما بعد. حيث انتقل من الحمد وما بعده إلى كلام آخر من غير ملائمة، فهو من الاقتضاب لكنه يقرب من التخلص من حيث إنه لم يأت به فجأة من غير نوع من الارتباط؛ لأن ما بعده له تعلُّق وارتباط بما قبله من حيث الترتب والتوقف، وإذا لم يكن بينهما مناسبة أصلًا، سُمِّي: اقتضابًا. والاقتضاب: القطع، سُمِّي بذلك؛ لأن المتكلم قطع الكلامَ الأوَّل وأتى بكلامٍ آخرَ مغايرٍ للكلام الأول.
وهي فصل الخطاب الذي آتاه اللَّه لنبيه داود ﵊. قال تعالى: ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠]. قال ابن الأثير: والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أن فصل الخطاب هو: أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر اللَّه تعالى بقوله:
_________________
(١) [¬١] في الأصل: «كلام»
[ ١ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما بعد. انتهى.
ولهذا ذهب بعضهم إلى أنه أول من نطق بها. وقيل: يعقوب ﵇ لمَّا جاءه مَلَكُ الموت وقال: أما بعد، فإنَّا أهلَ بيتٍ موكَّلٌ بنا البلاءُ.
«إنَّا»: أصلها: إنَّنا، ف «نا» اسمُها، و«أهلَ» بالنصب، مفعول لفعل محذوف: نخصُّ أهلَ. و«بيت» مضاف إليه، و«موكل» خبر إنَّ منه.
وقيل: قِسُّ بنُ ساعدة. وقيل: كعب بن لُؤي. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: سَحبان وائل [¬١].
وجُمع بين الأوليَّة: بالنسبة للأول: حقيقية، ولغيره: نسبية، أي بالنسبة للعرب أو القبائل.
هذا والحقُّ أنَّ أول من نطق بها على الإطلاق آدمُ ﵇، وإن لم يذكروه فيما أعلم. كذا ذكره بعضُ الإخوان.
وأصلها: أما بعد. وأصل أما بعد: مهما يكن من شيءٍ بعد ما ذُكر من البسملةِ والحمدلةِ والصلاةِ على رسول اللَّه ﷺ؛ لأن المراد من ذلك تعليقُ وجودِ هذا المؤلَّف على وجود شيء في الكون، ووجوده محقق، فوجودُ هذا المؤلَّف محقق، بدليل ما ذكره ياسين في تفسير: «أما زيد فذاهب»: مهما يكن مِنْ شيءٍ فزيدٌ ذاهبٌ. فأفاد بهذا التفسير أن «ما» دالة على الشرط، والتأكيد. ولهذا قال الزمخشري [¬٢]: فائدة «أما» في الكلام: أن تُعطيه فضلَ
_________________
(١) [¬١] في النسختين: «بن وائل» [¬٢] «الكشاف» (١/ ٢٠٦)
[ ١ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
توكيدٍ. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدتَ توكيده قلتَ: أما زيد فذاهب.
فمهما: مبتدأ، والاسمية لازمة له، ويكن: فعل الشرط، والفاء لازمة له، وهي تامة وفاعلها «شيء» بجعل «مِنْ» زائدةً في الإثبات على رأي، أو ضمير مستتر عائد على: «مهما». والمجرور بيان للجنس على حدِّ قوله تعالى: ﴿مهما تأتنا به من آية﴾ [الأعرَاف: ١٣٢]. فلما حذفت «مهما» و«يكن»؛ لأجل الاختصار، وأقيمت «أما» مقامهما، وتضمنت معنى الابتداء والشرط اللذين في «مهما» و«يكن» فلزمها ما لزمهما من الفاء، ولصوق الاسمية؛ قضاءً لحق ما كان وإبقاء له بقدر الإمكان.
وهي ظرف زمان أو مكان باعتبار اللفظ والرقم، تقول: جاء زيد بعد عمرو. وهنا يصح أن تكون ظرف زمان وظرف مكان. والزمان الأول زمان البسملة وما بعدها، إلى قوله: وبعد. وبالزمان الثاني فقط زمان تأليف، فهذا مختصر. وبالمكان الأول المكان المرقوم فيه البسملة وما بعده، إلى قوله: وبعد. وبالمكان الثاني المكان المرقوم فيه، فهذا مختصر هذا، والأولى كونها ظرف زمان؛ لأن أكثرية استعمالها فيه يدل على رجحانه أنه الفصل بين الحق والباطل.
وهي معربة بلا تنوين إذا ذُكر المضافُ إليه أو نوي لفظُه، ومبنيَّة على الضم إذا حُذف ونوي معناه؛ لأنها أشبهت الحرف من حيث الافتقار لا لافتقارها إلى معنى المحذوف. لا يقال: هي [¬١] محتاجة إليه أيضًا عند ذكره أو نية
_________________
(١) [¬١] سقطت: «هي» من الأصل
[ ١ / ٦٣ ]
فهَذَا مُختَصَرٌ (^١)
لفظه فهي مبنية أيضًا؛ لأن ظهور الإضافة أضعفَ الشَّبَهَ، فلا تُبنَى حِينَئذٍ؛ لأنَّ المَنويَّ كالثابت. ولا يرد «حيث»، و«إذ» حيث بُنِيَا مع ظهور الإضافة؛ لأنها في الحقيقة إلى صدر الجملة، فكأنَّ المُضافَ إليه محذُوفٌ. ومعربةٌ منونة إن حذف، ولم يُنو شيءٌ، لا يقال: القياس بناؤها؛ لأنها مفتقرة مع عدم وجود المضعف؛ لأنه وُجد بدل المضاف إليه، وهو التنوين، والبدل له حكم مبدله، فكما أنها تعرب مع وجود المضاف إليه، تعرب مع وجود بدله؛ ولهذا أعرب «كلٌّ» و«بعضٌّ» حيث جعل التنوين بدلًا من المضاف إليه، إذ المضاف إليه كأنه ثابت بثبوت بدله.
(^١) قوله: (فهذا مختصر) جواب الشرط الذي نابَتْ عَنهُ «أمَّا» النَّائِبُ عنها الواو كما مَرَّ. وههنا استُشكِلَ الحَملُ بأنَّ ما في الذِّهنِ مُجمَلٌ، والمختصر اسمٌ للمفصَّل، فلم توجد العينية التي اشترطها علماء العربية.
وأُجيبَ بأنَّ ما في الذهن مُفصَّلٌ أيضًا على صحة قيام المفصَّلِ به، لاسيما وقد ذهب إليه الإمام الشافعي في تكبيرة الإحرام، وعلى القول بعدَ قيامِ المفصَّلِ بالذهن يُقدَّرُ مضاف: أي مفصلُ هذا مختصرٌ.
ثم اعترض هذا الجواب بأن هذا المؤلَّف الذي عبِّر عنه بالمختصر اسمٌ لنوع هذا المفصَّل الموجود في أيِّ ذهنٍ، وفي أيِّ عبارة، وفي أيِّ نقوش، فليس غرض المصنِّف تسمية هذا الفرد الموجود في ذهن المؤلَّف، ونقوش المؤلَّف الذي بخطه، ولا بالأوصاف الآتية، بل الغرض تسميته ووصف نوعه الموجود في أي ذهن؛ إذ الموجود في ذهن غير المصنف من هذا المؤلف مثلًا يسمى ويوصف بما ذكر، ومن ثَمَّ كانت أسماء الكتب من
[ ١ / ٦٤ ]
في الفِقهِ (^١)،
حيِّز أعلام الأجناس، فلا إشكال. أو يقال: بحذف المضاف أيضًا. أي: نوعُ مفصَّلِ هذا مختصرٌ، على أن أسماء الكتب من حيِّز عَلَمِ الشخص، كأسماء العلوم.
والحاصل: أن الاعتراض مبني على الثاني لا الأول. والمختصر: ما قل لفظُه وكثُر معناه، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من اللفظ الكثير مع بقاء المعنى. والإيجاز تجريد المعنى من غير رعاية اللفظ.
(^١) قوله: (في الفقه) جار ومجرور، وقع بعد معرفة، فيكون حالًا من الخبرِ على مذهب من جوز مجيء الحال من الخبر فإن فيه خلافًا ذكره السعد في «شرح تذنيب التلخيص». وقول بعضهم: إن الحال يجيء من الخبر باتفاقٍ غيرُ مسلَّمٍ.
والفقه لغة: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسرَاء: ٤٤]. أي: لا تَفهَمُونَهُ. وقيل: معناه فهم ما دقَّ وخفي.
وشرعًا: العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة، المكتسب من أدلتها التفصيليَّة.
هذا التعريف اشتمل على جنس، وفصول خمسة، ولا بأس بالتعرض لشرح ذلك، وبيان محترزاته.
فالعلم: قد يراد به معرفةُ المعلوم على ما فيه، وقد يراد به الملكةُ الحاصلة بالجدِّ والاجتهاد، وقد يراد الإحاطةُ بالمسائل، وهو كما قال الإمام مالك: نورٌ يقذفه اللَّه تعالى في القلب يُلهمه اللَّهُ السعداءَ ويحرمه الأشقياءَ [¬١]. وعن
_________________
(١) [¬١] أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣١٩) بنحوه
[ ١ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أن يدَّعيه من لا يُحسنه، وبالجهلِ قُبحًا أن يتبرَّأ منه من هو فيه [¬١].
وضده الجهل، وهو عدمُ التصوُّرِ والإدراكِ، أو تصورُ الشيء على خلاف ما هو عليه. والأول: البسيط، والثاني: المركَّب.
والأحكام: جمع حُكمٍ، وهو لغةً: القضاءُ والحِكمةُ، والمراد به هنا: خِطابُ اللَّه تعالى المتعلِّق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون.
وقوله: الشرعية أي: المأخوذة من جهة الشرع المبعوثِ به النبيُّ ﷺ، وهي خمسة: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح.
وقوله: العملية أي: المتعلقة بكيفية عملٍ قلبيٍّ أو غيره، كالعلم بأنَّ النيَّةَ شرطٌ، وأنَّ الترتيبَ في الوضوء فرضٌ.
وقوله: المكتسب أي: الحاصلة بالاستنباط والاجتهاد.
من أدلتها أي: أدلة الأحكام المخصوصة، وهي الكتاب والسنة والقياس والإجماع.
وقوله: التفصيلية أي: من حيث تفصيلها، وهو الأنسب بالمقام.
فخرج بقيد الأحكام: العلمُ بغيرها من الذوات والصفات، كتصور الإنسان، والبياض.
وبقيد الشرعية: العقليةُ والحسيةُ، كالواحد نصف الاثنين، والنار محرقة،
_________________
(١) [¬١] أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٤٦) من كلام الشافعي ﵀، وانظر «المستطرف» لأبي الفتح الأبشيهي (١/ ٥٠)، فقد ذكره عن عليِّ
[ ١ / ٦٦ ]
على المَذهَبِ الأَحمَدِ (^١)، مَذهَبِ (^٢)
والعالم مُحدَث، والنظرية، كالعلم بأن الإجماع حجة، فإنَّ هذا من أصول الفقه. وبقيد العملية: الاعتقاديةُ، كالعلم بأن اللَّه واحد، وأنه يُرى في الآخرة. وبقيد: التفصيلية: يخرج التقليد؛ لأن المقلد وإنْ كان قول المجتهد دليلًا لكنه ليس من تلك الأدلة المخصوصة. ويخرج الإجمالية، كالمقتضى والنافي المثبت بهما ما يأخذه الفقيه ليحفظه عن إبطال قول خصمه، فعلمه بوجوب النية في الوضوء، أو بعدم وجوب الوتر، وهو النافي، ليس من الفقه، وإنما هو من أصوله.
وموضوع الفقه: أفعال المكلفين من حيث تعاور الأحكام عليها؛ لأنه يبحث فيه عنها.
واستمداده: من الكتاب والسنة والقياس والإجماع.
وفائدته: امتثالُ أوامر اللَّه، واجتنابُ نواهيه المُحصِّلَيْنِ لسعادة الدارين.
وغايته: انتظام أمر المعاش والمعاد مع الفوز بكل خير دنيوي وأخروي.
ومسائله: كلُّ مطلوبٍ خبريٍّ يبرهَنُ عليه فيه، أي: يقام الدليل والبرهان في العلم من واجب، وحرام، ومكروه، ومباح. م ص.
(^١) قوله: (على المذهبِ الأحمدِ) أي: المعتقد. أي: المحمود المرتضى للَّه ﷾، ولرسوله محمد ﷺ.
وهو مذهبُ أهلِ الحقِّ وأهلِ السنَّةِ والجماعة رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين. لا يقال: إن غيره من المذاهب ليس بمرتضى للَّه، لأنا نقول: ينبغي للمقلِّد أن يرجح مذهبَه على غيره، على أن يقال: إنه بيانٌ للواقع.
(^٢) قوله: (مذهب) بدلٌ من «المذهب» مُفَصَّلٌ، مَصدَرٌ مِيمِيٌّ يَصلُح للزمان
[ ١ / ٦٧ ]
الإمامِ أحمَدَ (^١)،
والمكانِ، أي: زمان الذهاب أو مكانه، ثم نُقِلَ إلى ما قاله الإنسان بدليلٍ ومات قائلًا به، فهو حقيقة عرفية، وقد يُطلق عند المتأخرين على ما به الفتيا من إطلاق الشيء على جزئه الأهمِّ، كقوله ﵇: «الحج عرفة» [¬١]. دنوشري وزيادة.
(^١) قوله: (الإمام أحمد) أي: المجتهد، المقتدى به في الدين، المبجَّل المعظَّم، أبي عبد اللَّه إمامِ السنَّةِ الصابر على المحنة. وفي «الأحمد» و«أحمد» الجناس التامُّ؛ إذ الأول: صفة، والثاني: علم.
روى أبو الحسن بن جهضم عن أبي بكر بن أحمد بن محمد بن الحجاج، قال: حدثني رجل من أهل طرسوس، قال: دعوتُ اللَّه ﷿ أن يُريَني أهل القبور حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل، ما فعل اللَّه به؟ فرأيت بعد عشرين سنة فيما يرى النائم كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني بالكلام فقالوا لي: يا هذا كم تدعُ اللَّهَ أن يريك إيانا تسألنا عن رجل منذ فارقكم بحلية الملائكة تحت شجرة طوبى.
وقال محمد بن أحمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل ﵁ في النوم، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه ما فعل اللَّهُ بك؟ قال: غَفَر لي، ثم قال: يا أحمد، ضُربتَ فيَّ ستين سوطًا. قلت: نعم يا رب. قال: هذا وجهي قد أبحتك النظرَ إليه [¬٢].
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٣١/ ٦٤) (١٨٧٧٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، وابن ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٠٦٤) [¬٢] انظر «سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٧٧) ترجمة الإمام أحمد بن حنبل
[ ١ / ٦٨ ]
بالَغتُ (^١) في إيضَاحِهِ (^٢)؛ رَجَاءَ (^٣) الغُفرَانَ (^٤)، وبَيَّنتُ (^٥) فيهِ (^٦) الأحكَامَ (^٧) أحسَنَ بَيان (^٨)، لم أذكُرْ فيهِ (^٩) إلَّا ما جزَمَ (^١٠) بِصحَّتِهِ أهلُ التَّصحِيحِ (^١١) والعِرفَانِ (^١٢)، وعليهِ الفَتوَى فيما بَينَ (^١٣) أهلِ
وبالجملة فمناقبه لا تحصى ولا تستقصى.
(^١) قوله: (بالغتُ) أي: بذلتُ وسعي؛ إذ المبالغةُ ضدُّ التقصير، أي: ما قصرت.
(^٢) قوله: (في إيضاحه) متعلق ب: «بالغت» أي: في بيانه.
(^٣) قوله: (رجاءَ) منصوب على أنه مفعول لأجله، أي: مؤمِّلًا من اللَّه تعالى.
(^٤) قوله: (الغفران) أي: تغطية الذنب وستره.
(^٥) قوله: (وبيَّنتُ) أي: أظهرت.
(^٦) قوله: (فيه) أي: في المختصر.
(^٧) قوله: (الأحكام) جمع حكم، وتقدم معناه.
(^٨) قوله: (أحسنَ بيان) أي: أظهر بيان.
(^٩) قوله: (لم أذكر فيه) أي: لم أضع فيه؛ إذ الذكر بمعنى الوضع، والتلفظ، والخط.
(^١٠) قوله: (إلا ما جزم) أي: قطع الأصحاب.
(^١١) قوله: (بصحته) من الأقوال الصحيحة مع ترك الضعيف، وذلك ما صحَّحه (أهلُ التصحيح) للمذهب، كالمُنقِّح.
(^١٢) قوله: (والعرفان) أي: وجزم بصحته أهلُ المعرفة يعني: أهل العلم قال في «الصحاح»: العارف: بمعنى؛ عليم وعالم.
(^١٣) قوله: (فيما بين) أي: عند.
[ ١ / ٦٩ ]
التَّرجِيحِ (^١) والإتقَانِ (^٢)، وسَمَّيتهُ ب «دَلِيلِ (^٣) الطَّالِبِ لِنَيلِ (^٤) المَطالِبِ» (^٥).
واللَّهَ أسألُ (^٦)
(^١) قوله: (أهل الترجيح) قال في «الصحاح»: رَجَحَ بمعنى: مال، وهو ما مال إليه الأصحاب في الصحة من الفتوى به على قول واحد.
(^٢) قوله: (والإتقان) أي: إحكام الأمر.
(^٣) قوله: (وسميته) من الوسم، وهو العلامة. (بدليل) وهو ما يستدل به من الكتاب والسنة، هذا بحسب الأصل، وإلَّا فالآن عَلَمٌ على هذا المختصر.
(^٤) قوله: (الطالب)، أي القاصد.
(^٥) قوله: (لنيل المطالب) جمع مطلب، وهو الشيء المتباعد، الذي لم ينل إلا بطلب.
(^٦) قوله: (واللَّهَ أسألُ .. إلخ) قدَّم المفعولَ لإفادة الاهتمام والحصر، أو مبتدأ، وأسأل خبر، والعائد محذوف. أي: واللَّهَ أسأله، والجملة على الأول فعلية تفيد التجدد والحدوث، وعلى الثاني: اسميَّة تفيد ما ذُكر من أجل كون الخبر جملة فعلية. فإذن الأفضل: الوجه الأول؛ لدلالته على الحصر مع إفادة التجدد والحدوث المتحقق في الأمرين، وخلو الثاني منه، فقولهم: الاسمية تدل على الدوام والثبات ما لم يكن الخبر فيها جملة فعلية.
ثم إن المصنف بدأ بالدعاء بالنفع بكتابه لعود ثوابه إليه؛ لحديث: «من سنَّ سنة حسنة، فله أجرُها وأجرُ من عمل بها» [¬١]. وثنى بالدعاء لنفسه، وختم بالدعاء للمسلمين؛ تعميمًا للدعاء، للأمر به.
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد (٣١/ ٤٩٤) (١٩١٥٦)، ومسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد اللَّه
[ ١ / ٧٠ ]
أن يَنفَعَ بهِ مَنْ اشتَغَلَ بهِ (^١)، وأن يَرحَمَني (^٢) والمُسلِمِينَ،
(^١) قوله: (أن ينفع به من اشتغل به) أي: من تلبس بطلبه، مفعول ثان لأسأل، والتقدير: أسأل اللَّه النفع به. أي يوصل الناس خيرًا بسببه، أو أن الباء للتعدية، بجعل المختصر آلة للنفع. فإن قيل: هلا عبر بتلك العبارة لأنها أخصر؟ أجيب بأنه عدل عنها إلى ما قاله لأمرين؛ الأول: أنَّ هذا مقامُ دعاء فينبغي فيه الإطناب. الثاني: تحصيل البركة بوجود الضمير الراجع إلى اسم اللَّه المتقرر في الفعل دون المصدر. وأشار بقوله: من اشتغل به، إلى أنه عام مخصوص، أو أُريدَ به الخصوص.
(^٢) قوله: (وأن يرحمني) عطفٌ على جملة «أن ينفع به»، من عطف الجُمل، أي: يجعلني في رحمته الواسعة التي وسعت كلَّ شيء، جملةٌ دُعائيَّةٌ قَصَدَ بها الدعاءَ لنفسه ولما ذكر؛ لما ورد في ذلك من الأخبار. وهي خبريَّة لفظًا إنشائية معنى، إلَّا أن المعنى واضحٌ على أن الرحمة صفةُ فعل بمعنى: الإنعام. وأمَّا على أنها صفةُ ذاتٍ بمعنى: إرادةُ الإنعام، فالدعاء باعتبار تعلُّقها التنجيزي الحادث؛ لأن لها تعلقاتٍ ثلاثة: تنجيزيان قديم وحادث، وصلوحيٌّ قديم، على ما هو مقرَّر عندهم.
ثم ما ذُكر من أنها بمعنى الإنعام أو إرادته، ليس على طريق الحقيقة، بل مجازٌ مرسلٌ من استعمال اسم الملزوم في اللَّازم؛ وذلك لأن معناها الحقيقي: رقَّةٌ في القلب وانعطافٌ، وهي مستحيلة على اللَّه تعالى، فيراد منها لازمها القريب، وهو إرادته [¬١].
_________________
(١) [¬١] تأويله «الرحمة» بالإنعام، أو بإرادة الإنعام جري على طريقة الأشاعرة في تأويل الصفات. والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الرحمة على الحقيقة لا المجاز، مع القطع بأنها ليست كرحمة المخلوق، ومن ثمرتها الإنعام. انظر: «هداية الراغب» (١/ ٣٤)، «فتاوى ابن إبراهيم» (١/ ٢٠١)، «حاشية ابن قاسم على الروض» (١/ ٢٨)
[ ١ / ٧١ ]
إنَّه أرحَمُ الرَّاحِمِين (^١).
وفي الشيخ عثمان «وحواشيه» [¬١] ما يردُّ ذلك، فارجع إليه إن خُضتَ هذه المسالِكَ.
(^١) قوله: (إنه أرحم الراحمين) يقرأ بالفتح على حذف الجار. أي لأنه، أي: إنما حصرتُ سؤال [¬٢] ما ذُكر فيه لأنه .. إلخ. ومَنْ كان قادرًا على ما ذكر من رحمتِه للراحمين يناسب أن يحصر فيه السؤال، أو بالكسر استئنافا لفظًا تعليلًا معنى، فيكون جوابًا عن سؤال مقدَّر كأنَّ قائلًا قال: لأي شيء قَصَرت سؤالَك عليه؟ فأجاب بقوله: لأنه … إلى آخره.
_________________
(١) [¬١] «هداية الراغب» (١/ ٢٣) [¬٢] من هنا ابتداء السقط من نسخة (ب)، واستمر حتى قول المتن: «ويضر بقاء طعم النجاسة» في باب إزالة النجاسة
[ ١ / ٧٢ ]