[ ٤٤٦ ]
واجبات الحج هي:
-١- الإحرام من الميقات.
-٢- الوقوف بعرفة إلى الليل لمن وقف نهارًا.
-٣- المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل.
-٤- الرمي.
-٥- المبيت بمنى.
-٦- الحلق.
-٧- طواف الوداع.
-٨- اجتناب محظورات الإحرام.
أولًا: الإِحرام من الميقات:
تعريف الميقات:
الميقات لغة: الحد. وشرعًا: زمن العبادة ومكانها.
أقسام الميقات: للحج ميقاتان: مكاني وزماني.
آ- الميقات الزماني: شوال وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، آخرها طلوع فجر ليلة النحر. والدليل عليه قوله ﷿: (الحج أشهر معلومات) (١) .
والأفضل ألا يحرم بالحج قبل أشهره، لأنه تقديم للعبادة على وقتها، فإن فعل كره ذلك. ⦗٤٤٧⦘
ب- الميقات المكاني
-١- للآفاقي: خمسة مواضع:
-١ً- ذو الحُلَيفة (أي آبار علي) لأهل المدينة.
-٢ً- الجُحْفَة (أبدلت برابغ) لأهل الشام ومصر والمغرب.
-٣ً- قَرْن ويقال له قرن المنازل: لأهل نجد (نجد والحجاز ونجد واليمن) .
-٤ً- يَلَمْلَم: لأهل اليمن.
-٥ً- ذات عِرْق: لأهل العراق.
ودليل تحديد المواقيت حديث ابن عباس ﵄ قال: (إن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) (٢) .
وعن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عِرْق) (٣) .
فهذه المواقيت لكل من مر عليها من أهلها ومن غيرهم للحديث.
-٢- لمن كان منزله بين الميقات ومكة: فميقاته منزل للحديث المتقدم.
-٣- لأهل مكة: ميقاتهم منها، وسواء في ذلك أهلها أو غيرهم. ويجوز لهم الإحرام من أي موضع في مكة داخلها أو خارجها، لحديث جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع: (وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا فأهللنا من البطحاء) (٤) وهي خارج مكة.
-٤- ومن سلك طريقًا لا ينتهي إلى ميقات أحرم من محاذته، برًا أو بحرًا، لما روى ابن عمر ﵄ قال: (لما فتح هذان المصران، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جَوْر عن طريقنا، وإنا ⦗٤٤٨⦘ إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عِرْق) (٥) .
فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أبعدهما عن مكة، وإن لم يحاذ ميقاتًا أحرم على بعد مرحلتين من مكة.
-٥- ومن جاوز الميقات مريدًا غير مكة، ثم أراد النسك أحرم من موضعه.
_________________
(١) البقرة: ١٩٧.
(٢) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ٧/١٤٥٢.
(٣) أبو داود: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٩/١٧٣٩.
(٤) مسند الإِمام أحمد: ج-٣/ ص ٣١٨.
(٥) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٣/١٤٥٨.
[ ٤٤٦ ]
حكم من تجاوز الميقات بغير إحرام:
-١ً- من تجاوز الميقات مريدًا للنسك وجب عليه العودة ليحرم منه، فإن لم يرجع عمدًا أثم وعليه دم، وإن لم يرجع خوفًا من الرجوع أو خشي الفوات فعليه دم ولم يأثم. أما إن أحرم بعد اجتياز الميقات ثم رجع إليه فلا يسقط عنه الدم، لأنه استقر عليه بإحرامه من دونه فأشبه من لم يرجع، حتى ولو أفسد حجه ظلٍ دم تجاوز الميقات في ذمته ولا يسقطه وجوب القضاء.
-٢ً- من تجاوز الميقات غير مريد للنسك: فعلى قسمين:
-١- لا يريد دخول الحرم: فهذا لا يلزمه الإِحرام بلا خلاف. وقد أتى النبي ﷺ وأصحابه بدرًا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة، فلا يحرمون فإن بدا له الإِحرام وتجدد له العزم فعليه أن يحرم من موضعه ولا شيء عليه.
-٢- يريد دخول الحرم: على ثلاثة أوجه:
آ- دخول الحرم لقتال مباح أو لحاجة متكررة: فلا إحرام عليه، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام) (١) . ⦗٤٤٩⦘
ب- دخول الحرم من غير مكلف بالحج (كالعبد أو الصبي أو الكافر) ثم أصبح مكلفًا بعد اجتياز الميقات كالعبد إذا أعتق أو الصبي إذا بلغ أو الكافر إذا أسلم، فإنه يحرم من موضعه ولا دم عليه لأنه أحرم من الموضع الذي وجب عليه الإِحرام منه.
جـ- دخول الحرم وهو مكلف، ولغير قتال ولا لحاجة متكررة، ولا يريد نسكًا: فيُحرم تجاوزه الميقات بغير إحرام، وإن فعل فلا شيء عليه (٢) .
ثانيًا: الوقوف بعرفة إلى الليل لمن وقف نهارًا:
كما سبق ذكره في أركان الحج.
ثالثًا: المبيت بالمزدلفة:
ويتحقق المبيت بالبقاء فيها إلى دخول النصف الثاني من الليل، فإن ارتحل منها قبل دخول نصف الليل الثاني فعليه دم.
ودليل وجوبه أن النبي ﷺ وقف بها. وسماها موقفًا، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحرت ههنا. ومنى كلها منحر. فانحروا في رحالكم. ووقفت ههنا. وعرفة كلها موقف. ووقف ههنا. وجمع كلها موقف) (٣)، وقف من مزدلفة أجزأه بدليل الحديث. وحدّها: ما بين مأزمي جبل عرفة مُحَسِّر.
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٨٤/٤٥١.
(٢) وعن الإمام أحمد: أنه لا تجب الإحرام، لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه دخل مكة بغير إحرام.
(٣) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٢٠/١٤٩.
[ ٤٤٨ ]
سنن المبيت في المزدلفة:
-١- أن يدفع إلى المزدلفة بعد الغروب، ويسير عليه السكينة، لحديث جابر ﵁: (وأردف أسامة خلفه. وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة) (١) .
-٢- أن يجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة. ⦗٤٥٠⦘
-٣- يسن لغير النساء والضعفاء أن يمكثوا فيها حتى يصلوا الصبح أو دخول وقته، ثم يسيروا وشعارهم التلبية مع التكبير، فإذا وصلوا المشعر الحرام (٢) وقفوا عليه، مشتغلين بالدعاء والاستغفار إلى الإِسفار، ويكون من دعائهم: "اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق". عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ (أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبح بينهما شيئًا. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. وصلى الفجر، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة) (٣) .
-٤- أن يدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس متوجهًا إلى منى، فإذا أتى بطن محسّر أسرع حتى يجاوزه، لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ (أتى بطن محسِّر. فحرك قليلًا. ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى) (٤) .
-٥- يستحب أن يأخذ من مزدلفة حصى رمي الجمار، وعددها سبعون حصاة، ومن أينما أخذها جاز.
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ الحج باب ١٩/١٤٧.
(٢) المشعر الحرام: جبل في آخر مزدلفة يقال له قزح.
(٣) مسلم: ج-٢/ الحج باب ١٩/١٤٧.
(٤) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٩/١٤٧.
[ ٤٤٩ ]
رابعًا: الرمي:
آ- رمي جمرة العقبة يوم النحر:
جمرة العقبة: هي آخر الجمرات مما يلي منى، وأولها مما يلي مكة، وهي عند العقبة، والعقبة ليست من منى.
وقت رمي جمرة العقبة: أوله: من بعد نصف ليلة النحر، لحديث عائشة ﵂ قالت: (أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل ⦗٤٥١⦘ الفجر، ثم مضت فأفاضت) (١) وأفضله: بعد طلوع شمس يوم النحر، ويجوز إلى الغروب، لما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ (أن رجلًا قال للرسول ﷺ: رميت بعد ما أمسيت، فقال: لا حرج) (٢) .
أما إذا غربت الشمس ولم يرم فيرمي في أي يوم من أيام التشريق بعد الزوال. ومن ترك رمي جمرة العقبة حتى فات وقتها في آخر يوم من أيام التشريق صح حجه ولزمه دم.
ب- رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة بسبع حصيات لكل واحدة في كل يوم، إن لم يتعجل في يومين ويسافر، وإلا سقط عنه رمي اليوم الثالث، لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) (٣) .
ومن ترك الرمي كله حتى مضت أيام التشريق فعليه دم لأنه ترك نسكًا واجبًا، أما إن ترك رمي حصاة أو اثنتين من جمرة أخيرة فعليه إخراج مد أو مدين.
ولا يسن لمن أخره عن أيام التشريق أن يأتي به لفوات وقته.
وقت رمي الجمرات الثلاثة: من بعد الزوال لكل يوم من أيام التشريق، فإن أخر يوم إلى آخر، أو أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث، ترك السنة ولا شيء عليه، لكنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، وإنما الواجب الترتيب بالنية كقضاء الفوائت.
الاستنابة بالرمي: من عجز عن الرمي لمرض، أو حبس، أو عذر، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، لأن جابرًا ﵁ قال: (حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) (٤) . ويستحب أن يضع كل حصاة في يد النائب ويكبّر النائب (هذا إذا كان حضر معه مشهد ⦗٤٥٢⦘ الرمي) . فإذا رمى عنه ثم برئ لم يلزمه إعادته لأن الواجب سقط بفعل المستناب.
وإن أغمي على إنسان فرمى عنه آخر، فإن كان أذن له وإلا فلا.
_________________
(١) أبو داود: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٦٦/١٩٤٢.
(٢) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٢٩١٦٤٨.
(٣) البقرة: ٢٠٣.
(٤) ابن ماجة: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٦٨/٣٠٣٨.
[ ٤٥٠ ]
شروط صحة الرمي:
-١- أن يكون الرمي بحجر ولا يجزئ غيره، وأن يكون الحجر المرمي به حجمه بين الحمص والبندق، فلا يجزئ صغير جدًا ولا كبير.
-٢- أن لا يرمي بحجر قد رمي به، لأن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بلقطه من غير المرمى.
-٣- أن يرمي الحصى بالفعل، فلا يكفي وضعه في المرمى بدون رمي، لأن النبي ﷺ رمى.
-٤- أن يكون الحصى سبعه حصيات بسبع رميات، واحدة بعد أخرى، فلو رمى حصاتين أو أكثر برمية واحدة لم تعتبر إلا حصاة واحدة.
-٥- أن يعلم وصول الحصى إلى المرمى فلو رمى حصاة ووقعت خارج المرمى ثم تدحرجت حتى سقطت في أجزأته.
-٦- يشترط أن يكون الرمي ضمن وقته من يوم النحر وأيام التشريق، وأن يكون الرمي مرتبًا بين الجمرات، بحيث يبتدئ بالجمرة الصغرى وهي أبعدها عن مكة وتلي مسجد الخيف، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.
سنن الرمي:
-١- أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد راكبًا لمن دخل منى راكبًا، لما روى جابر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم. فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) (١) .
-٢- أن يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي.
-٣- أن يستقبل القبلة في رمي الجمرات، ويجعل رمي جمرة العقبة على حاجبه الأيمن، لما روى عبد الرحمن بن يزيد قال: (لما أتى عبد الله جمرة العقبة، ⦗٤٥٣⦘ استبطن الوادي واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) (٢) .
-٤- قطع التلبية عند البداء بالرمي، لما روى ابن عباس ﵄ أن الفضل أخبره (أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (٣)، ولأن التلبية للإحرام وبالرمي يَشرع في التحلل منه.
-٥- أن يكبر مع كل حصاة، لما روى ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ استبطن الوادي ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر. اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا) (٤) .
-٦- أن يكون الحصى المرمي به قدر حصى الخزف، أي أكبر من الحمص ودون البندق (والمعتمد أنه شرط فلا تجزئ الصغيرة جدًا ولا الكبيرة) .
-٧- يسن الوقوف طويلًا عند رمي الجمرتين الصغرى والوسطى ويدعو الله رافعًا يديه، أما عند جمرة العقبة فلا يسن الوقوف إن فرغ من رميها لأن النبي ﷺ لم يقف عندها.
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٥١/٣١٠.
(٢) الترمذي: ج-٣/ كتاب الحج باب ٦٤/٩٠١.
(٣) مسلم: ج-٢/ الحج باب ٤٥/٢٦٧.
(٤) مسند الإمام أحمد: ج-١ /ص ٤٢٧.
[ ٤٥٢ ]
خامسًا: المبيت بمنى أيام التشريق الثلاثة:
يجب (١) المبيت بمنى أيام التشريق الثلاثة لمن لم ينفر النفر الأول، وإلا سقط عنه مبيت الليلة الثالثة، كما يسقط عنه رمي يومها، لما روت عائشة ﵂ قالت: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق) (٢)، وقد رخص ﷺ للعباس في ترك المبيت لأجل السقاية، فدل ذلك على أنه لا يجوز لغيره تركه. فإن ترك المبيت كله لزمه ⦗٤٥٤⦘ دم، وإن ترك مبيت ليلة أو ليلتين ما عدا الثالثة لمن تعجل لزمه دم كذلك على القول المعتمد. أما إن كان ذو عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله جاز له ترك المبيت بمنى (كرعاية الإبل وسقاية الحاج) وبإمكانه أن يجمع رمي الأيام الثلاثة في وقت واحد (كما قدمنا في رمي الجمرات) أو يرمي من كل يوم في الليلة المستقبلة.
شروط جواز النفر الأول:
-١- أن يكون أنهى رمي الأول.
-٢- أن ينفر قبل غروب الشمس، فإن غربت وهو في منى، لزمه البيتوتة والرمي من بعد الزوال لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) (٣) . وإن رحل وخرج ثم عاد إليها لحاجة لم يلزمه المبيت ولا الرمي.
_________________
(١) يجب المبيت على إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى: لا يجب، لقول ابن عباس ﵄: (إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت) .
(٢) أبو داود: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٧٨/١٩٧٣.
(٣) البقرة: ٢٠٣.
[ ٤٥٣ ]
سادسًا: الحلق أو التقصير:
تعريف: الحلق هو استئصال الشعر بالموس، والتقصير هو قطع الشعر من غير استئصال.
دليله: قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (١) . ولما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (وليقصر وليحلل) (٢) .
والحلق للرجل أفضل من التقصير، لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين) (٣) . ومن لبد رأسه فيحلق، لما روى ابن عمر ﵄ عن ⦗٤٥٥⦘ النبي ﷺ قال: (من لبد رأسه فليحلق) (٤)، ومن كان لا شعر له فلا شيء عليه، إلا أنه يستحب له أن يمرر الموس على رأسه.
ويستحب أن يكون التقصير قدر أنملة، ويجزئ بالأقل، فيقصر من جميع رأسه لا من كل شعرة بعينها.
أما المرأة فلها التقصير، لما روي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ، قال: (ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير) (٥)، ويكره لها الحلق، لأن الحلق في حقها مثلى فلم يكن مشروعًا.
_________________
(١) الفتح: ٢٧.
(٢) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٠٣/١٦٠٦.
(٣) البخاري: ج-٢/ الحج باب ١٢٦/١٦٤٠.
(٤) البيهقي: ج-٥/ ص-١٣٥.
(٥) أبو داود: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٧٩/١٩٨٤.
[ ٤٥٤ ]
سنن الحلق:
- أن يكون بعد ذبح الهدي.
-٢- أن يكبر عند حلقه لأن نسك.
-٣- أن يستقبل القبلة.
-٤- أن يبدأ بشقه الأيمن، لما روى أنس بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ أتى منى. فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن. ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه للناس) (١) .
-٥- يستحب لمن حلق أن يأخذ شاربه وأظافره، لما روى عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه (أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر هو ورجل من الأنصار فقسم رسول الله ﷺ ضحايا فلم يصبه ولا صاحبه شيء وحلق رأسه في ثوبه فأعطاه وقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه وقسم منه عللا رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه..) (٢) .
ولا بأس لمن حلق أن يتطيب، لحديث عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (طيبت رسول الله ﷺ لِحُرمِهِ حين أحرم. ولِحلِّهِ حين أحلّ. قبل أن يطوف بالبيت) (٣) . ⦗٤٥٦⦘
وقت الحلق أو التقصير: يبدأ وقته بعد رمي جمرة العقبة، ويجوز تأخيره إلى آخر أيام التشريق، أما إن أخره عن ذلك ففيه روايتان، إحداهما: عليه دم، والأخرى: لا شيء عليه سوى فعله، لأن الله تعالى بيّن أو وقته بقوله عزّ من قائل: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٤)، ولم يبن آخر وقته وهو المعتمد.
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٥٦/٣٢٣.
(٢) مسند الإمام أحمد: ج-٤/ ص ٤٢.
(٣) مسلم: ج-٢/ الحج باب ٧/٣٢.
(٤) البقرة: ١٩٦.
[ ٤٥٥ ]
سابعًا: طواف الوداع:
يجب طواف الوداع على كل من أراد مفارقة مكة، ولو لم يكن حاجًا أو معتمرًا. أما من أراد المقام بمكة بعد قضاء نسكه فلا توديع عليه لأن الوداع للمفارق.
كما يجب طواف الوداع على من أراد الخروج من مكة، ولو كان مكيًا، والابتعاد عنها مسافة القصر، أو العودة إلى وطنه، وإن كان وطنه على مسافة من مكة أقل من مسافة القصر.
دليله: عن ابن عباس ﵄ قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه. فقال رسول الله ﷺ: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) (١) . ويجبر تركه بدم. فإن عاد بعد فراقه، وقبل أن يقطع مسافة القصر، أو قبل وصوله إلى بلده إن كان قريبًا، وطاف مودعًا، سقط عنه الدم. أما إن رجع بعد اجتيازه مسافة القصر فلا يسقط عنه الدم، لأن طوافه لخروجه الثاني وقد استقر عليه دم الأول.
أما الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ولا دم، بدليل ما روى ابن عباس ﵄، قال: (أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفَّف عن الحائض) (٢)، إلا أنه يستحب للحائض والنفساء أن تقفا على باب المسجد فتدعوان بدعاء المودع. لكن إن طهرت الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة لزمهما الطواف. ⦗٤٥٧⦘
ومن مكث بعد الطواف أعاده، إلا إذا مكث لصلاة أقيمت، أو شغل سفر، كشراء زاد، ولم يطل زمن ذلك، أو شد حمولة أو شرب ماء زمزم، أو انتظار رفقة، أو إغماء، أو إكراه، وإن طال زمنه.
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٦٧/٣٧٩.
(٢) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٤٣/١٦٦٨.
[ ٤٥٦ ]
سنن طواف الوداع:
يستحب للمودع أن يصلي ركعتين الطواف خلف المقام، ثم يقف عند الملتزم (١) بين الركن والباب فيدعو ويقول: "اللهم هذا بيتك، وأنا عيدك وابنُ عيدك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير". ثم يصلي على النبي ﷺ.
_________________
(١) وسمي بذلك لأنهم يلزمونه للدعاء، وهو ما بين الركن والباب.
[ ٤٥٧ ]
ما يجزئ عن طواف الوداع:
من ترك طواف الزيارة فطافه عند الخروج من مكة أجزأه عن طواف الوداع، لأنه يحصل به المقصود منه، كإجزاء طواف العمرة عن طواف القدوم وصلاة الفرض عن تحية المسجد.
أما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة، لقوله ﵇: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى)، ويكون حكمه حكم من ترك طواف الزيارة. ⦗٤٥٨⦘
ثامنًا: اجتناب محظورات الإِحرام
محظورات الإحرام هي: ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإِحرام.
أولًا: ما يتعلق باللباس:
آ- ما يحرم على الرجال:
-١- لبس المحيط أو المخيط ببدنه، أو بأي عضو منه، مثل القفازين، سواء كان محيطًا كقميص وقباء (١) أو منسوجًا كدرع أو كيس معقودًا كالطربوش، يحرم ذلك كله إذا لبسه لبسًا معتادًا، كأن يضع عباءة على منكبيه دون أن يدخل يديه في كميها، لأنها تستمسك ولو لم يدخل يديه فيها، بدليل ما روي عن ابن عمر ﵄ (أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ: لا يلبس القُمُصَ، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه الزعفران أو الورس) (٢) . أما إذا لم يكن الللبس على الهيئة المعتادة، كأن ألقى على نفسه عباءة أو ثوبًا وهو مضطجع، وكان ذلك بحيث لو قعد لم تستمسك عليه، فلا حرمة فيه، ولا فدية عليه.
وخرج بذلك الإِزار والرداء، فلا يحرم لبسهما وإن كان بهما خياطة، لأن مدار الحرمة على الإِحاطة لا على الخياطة، فإذا لم يجد إزارًا فله لبس السراويل، ولا فدية عليه، لما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل) (٣) . ومن عدم الرداء لم يبح له القميص، لأنه يمكنه أن يرتدي به على صفته، ولا يجوز له عقد ردائه، وهو الذي يوضع على الأكتاف، ولا أن يزره عليه أو يخله بشوكة أو بغيرها، ولا يغرس طرفيه في إزاره لأنه في معنى عقده، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (لا تعتقد ⦗٤٥٩⦘ عليك شيئًا) (٤) . أما الإِزار فله عقده لأنه ضروري لستر العورة، وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل ولا يعقده ولكن يدخل بعضه في بعض، وله أن يضع على خصره الحزام الذي وضع فيه نفقته فإن لم يثبت عقده، لقول عائشة ﵂: "أوثق عليك نفقتك". أما المنطقة وما لا نفقة فيه فلا يجوز عقده لعدم الحاجة إليه.
-٢- لبس المصبوغ بالورس أو الزعفران (٥)، أما المصبوغ بالعصفر فيباح لبسه سواء كان الصبغ قويًا أو ضعيفًا للحديث المتقدم عن ابن عمر ﵄.
-٣- لبس الخفين للحديث المتقدم، فإن لم يجد نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين (٦)، وعن الإِمام أحمد: لا يقطع الخفين. ومن وجد نعلين لا يمكنه لبسهما لبس الخفين وافتدى لأن إسقاط الفدية مشروط بعدم النعلين.
-٤- تعمد تغطية الرأس أو بعضه بما يسمى ساترًا، سواء كان مخيطًا أو غيره كالقلنسوة أو الخرقة أو الشال، لنهي النبي ﷺ المحرم عن لبس العمامة، ولقوله في الذي مات محرمًا: (لا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) (٧) .
فمتى غطى رأسه بلاصق معتاد كعمامة، أو سترة بغير لاصق، بأن استظل بمحمل (مظلة) أو ثوب، راكبًا أو لا، حرم وفدى، لأنه قصده بما يقصد به الترفه، لأنه ستره بما يستدام ويلازمه غالبًا أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه. بخلاف استظلاله بخيمة أو شجرة أو بيت فله ذلك. وفي الاستظلال بالمحمل رواية ثانية أنه يجوز، لما روت أم الحصين ﵂ قالت: (حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ. والآخر ⦗٤٦٠⦘ رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) (٨) . والأول هو المعتمد. وإن وضع يده على رأسه أو حمل عليه طبقًا فلا بأس إن لم يقصد به الستر.
ويعد من الرأس البياض الذي وراء الأذن، ولا فرق بين شعر الرأس وبشرته. وخرج بذلك الوجه فلا تحرم تغطيته.
وإن ستر رأسه لعذر من حر أو برد أو مداواة جاز، لكن تلزمه الفدية، لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (٩)، وقياسًا على الحلق بسبب الأذى.
_________________
(١) عباءة.
(٢) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ٢٠/١٤٦٨.
(٣) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ١/٥.
(٤) البيهقي: ج-٤/ ص ٥١.
(٥) المصبوغ بما له رائحة طيبة.
(٦) هما معقد الشراك بعد أصابع القدم بأصبع تقريبًا.
(٧) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٤/٩٣.
(٨) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٥١/٣١٢.
(٩) الحج: ٧٨.
[ ٤٥٧ ]
ب- ما يحرم على النساء:
-١- يحرم على المرأة ستر وجهها بما يعد ساترًا، أما ما لا يعد ساترًا، مثل وضع يدها على وجهها، فلا يحرم، ويجب عليها أن تستر من وجهها مالا يتأتى ستر جميع رأسها إلا به. وإن خشيت الفتنة وجب عليها ستر وجهها، لما روت عائشة ﵂، قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذَوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه) (١) . أما إن غطته لغير حاجة فعليها فدية.
-٢- يحرم عليها لبس ما مسه الورس والزعفران من الثياب.
-٣- يحرم عليها لبس القفازين، لأن إِحرام المرأة في وجهها وكفيها، لما روى ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ (نهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازين والنِقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معُصفرًا أو خزًا أو حليًا أو سراويل أوقميصًا أو ⦗٤٦١⦘ خفًا) (٢)، وروى النجاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله ﷺ قال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) (٣) .
ثانيًا: ما يتعلق بالبدن:
-١ً- إزالة الشعر، لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٤) وقيس عليه سائر شعر البدن، لأنه يتنظف ويترفه بإزالته فأشبه حلق الرأس، وقص الشعر ونتفه كحلقه. ولا يحرم عليه حلق شعر الرأس الحلال لأنه لا يترفه بذلك.
ولو دخل الشعر إلى عينه، أو استرسل شعر حاجبيه فغطى عينيه، فله إزالته، ولا فدية عليه. وكذلك يجوز إزالة الشعر للضرورة، كوجود قروح في الرأس أو شدة حر، وعليه فدية، لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية ) (٥) .
-٢ً- يحرم تقليم الأظافر من يد أو رجل بلا عذر، فإن كان لعذر كما لو كسر ظفره فأزاله فلا فدية عليه.
-٣ً- يحرم استعمال الطيب في بدنه وثيابه، لقول النبي ﷺ في الذي مات محرمًا: (ولا تمسوه طيبًا) (٦)، ولما روى ابن عمر ﵄ في الحديث المتقدم عند البخاري عن النبي ﷺ: (ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران أو الورس) والطيب هو كل ما يُتطيب به أو يتخذ منه طيب كالمسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والورد والبنفسج والياسمين. ⦗٤٦٢⦘
_________________
(١) أبو داود: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٣٤/١٨٣٣.
(٢) أبو داود: ج-٢/ كتاب المناسك باب ٣٢/١٨٢٧.
(٣) البخاري: ج-٢/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب ٢٤/١٧٤١.
(٤) البقرة: ١٩٦.
(٥) البقرة: ١٩٦.
(٦) البخاري: ج-١/ كتاب الجنائز باب ٢١/١٢٠٨.
[ ٤٦٠ ]
ويلحق بحرمة استعمال الطيب ما يلي:
آ- لبس المبخّر بالطيب والمصبوغ به.
ب- أكل الطيب أو شربه، أو المخلوط به، سواء كان قليلًا أو كثيرًا إلا إذا استهلك الطيب بحيث لم يبق له طعم ولا رائحة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما يضاف إليه الطيب مطبوخًا أو مطبوخ.
جـ- الاكتحال بالطيب، أما الاكتحال بما ليس فيه طيب فجائز.
د- الادهان بالطيب كدهن الورد والبنفسج والزنبق ونحوها، أما الادهان بما ليس فيه طيب كالزيت والسمن فلا يحرم ولو دهن شعر رأسه ووجه.
هـ- شم الورد والياسمين والبنفسج، أي شم كل ما يتخذ منه الطيب، أما نبات البرية كالشيح والإذخر والخزامى والفواكه كالأترج والتفاح والسفرجل والحناء فليس بطيب، لأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب فأشبه العصفر، وقد ثبت أن العصفر ليس بطيب، لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم عن أبي داود: (ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب مُعصفرًا أو خزًا ) . فإن مس المحرم طيبًا لا يعلق بيده كقطع الكافور والعنبر فلا فدية فيه، لأنه لم يتطيب، أما إن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا. وكذا إن تعمد شم الطيب، مثل أن يدخل الكعبة وهي تجمرّ، أو حمل مسكًا ليشم رائحته فعليه فدية، لأنه شمه قاصدًا له فأشبه ما لو باشره، أما إن لم يقصد شمه كالجالس عند العطار لحاجة أخرى، أو دخل الكعبة ليتبرك بها، أو حمل الطيب من غير مس للتجارة فلا يمنع منه، لأنه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه.
ثالثًا: ما يتعلق بالأفعال:
-١ً- عقد النكاح: يحرم عقد النكاح إيجابًا لنفسه، أو قبولًا لغيره، بدليل الحديث الذي روي عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يَنْكِحُ ⦗٤٦٢⦘ المحرم ولا يَنْكِحُ ولا يخْطُب) (١) . ولا فدية فيه لأنه لا ينعقد أصلًا، فوجوده كعدمه، وسواء كان بوكالة أو ولاية فلا يصح ولو كان الزواج حلالًا. وتجوز له الخطبة ولكن تكره للحديث، ويؤخذ الحديث على أن قوله ﷺ: (لا ينكح ولا يُنكَح) للتحريم، (ولا يخطب) للكراهة. ولا مانع من هذا التفسير قياسًا على ما ورد في الآية الكريمة: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) (٢) فالأكل مباح والإيتاء واجب.
ويجوز أن يراجع المحرم المحرمة والمحلّة، سواء طلقها قبل الإحرام أو أثناءه، لأن المراجعة استدامة نكاح، فتصبح بلا كراهية.
-٢ً- الجماع: يحرم الجماع، لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (٣) وتجب فيه الكفارة. ويحرم على الحلال من الزوجين تمكين المحرم من الوطء، لأنه إعانة له على المعصية.
فإن كان الجماع قبل التحلل الأول فسد نسكهما ولو بعد الوقوف بعرفة، ولا فرق بين العامد والساهي، ويجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد ولا يخرجان منه بالوطء فحكمه كالإِحرام الصحيح لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج العمرة لله﴾ (٤)، ويقضيانه وجوبًا العام الثاني، أما إذا كان الوطء بعد التحلل الأول فلا يفسد النسك وعليه شاة، ولا فدية على مكرهة ونفقة حجة قضائها عليه لأنه المفسد لنسكها.
-٣ً- تحرم المباشرة بشهوة وإن ينزل، كالمعانقة والقبلة واللمس والنظر، وتجب فيها الفدية، أما لو فعل ذلك مع وجود حائل ففعله حرام، فإن أنزل بما سبق ⦗٤٦٤⦘ فعليه بدنة وإن لم ينزل فعليه شاة ولا يفسد حجه. وأما المباشرة بلا شهوة فلا تحرم.
-٤ً- يحرم الاستمناء سواء كان بحائل أم لا، لأنه حرام في غير الإِحرام ففي الإِحرام أولى.
-٥ً- يحرم الكلام الفاضح في المسائل الجنسية.
-٦ً- الفسوق والجدل، لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (٥)، فينبغي أن ينزه الحاج إحرامه عن الكذب والشتم والكلام القبيح والمراء، فالحاج أحوج ما يكون إلى حسن الخلق والتذرع بالصبر، فإنه يتعرض لكثير من المتاعب في السفر، فليشهد الحاج أنه في حضرة مولاه، وليلاحظ ذلك دائمًا، وليلتزم الأدب. روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه) (٦) .
وقلة الكلام في ما لا ينفع مستحبة في كل حال، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب وفيما لا يحل، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) (٧)، وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٨) . فهذا في حال الإِحرام أشد طلبًا وآكد، لأنه حال عبادة واستشعار لطاعة الله. فليشتغل المحرم بالتلبية وذكر الله تعالى وقراءة القرآن وتعليم الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ⦗٤٦٥⦘
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب النكاح باب ١٥/٤١.
(٢) الأنعام: ١٤١.
(٣) البقرة: ١٩٧، وفسر الرفث بأنه محركة الجماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة ونحوهما مما يكون في حال الجماع. وهو أيضًا الفحش، وكلام النساء في الجماع، أو ما ووجهن به من فحش.
(٤) البقرة: ١٩٦.
(٥) البقرة: ١٩٧، والفسوق: هو الخوج عن الطاعة. والجدال: هو أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، والمنازعة والسباب.
(٦) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٧٩/٤٣٨.
(٧) مسلم: ج-١/ كتاب الإِيمان باب ١٩/٧٤.
(٨) ابن ماجة: ج-٢/ كتاب الفتن باب ١٢/٣٩٧٦.
[ ٤٦٢ ]
رابعًا: ما يتعلق بالصيد:
-١ً- يحرم الصيد البري الوحشي المأكول فقط للمحرم، لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ (١) داخل الحرم أو خارجه، أم صيد الحرم فيحرم على المحرم والحلال طوال العام، لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح: ( إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعضد شوكه. ولا ينفر صيده. ولا يلتقط إلا من عرَّفها. ولا يختلى خَلاها، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإِذخر. فإنه لِقَيْنِهِم ولبيوتهم. فقال إلا الإِذخر) (٢) . وحكمه في الجزاء حكم صيد الإِحرام لأنه مثله في التحريم.
ويشترط في الصيد المحرم ثلاثة شروط:
أ- أن يكون بريًا، فلا يحرم الصيد البحري (٣)، بدليل قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ (٤) .
ب- أن يكون وحشيًا، فأما الأهلي كبهيمة الأنعام والدجاج فليس بمحرم، لأنه ليس بصدد الاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو تأنس الوحشي كحمار الوحش والحمام لم يحل وفيه الجزاء، ولو توحش الأنسي لم يحرم.
جـ- أن يكون مما يؤكل لحمه، أما ما لا يؤكل لحمه فلا حرمة في صيده، ولا فدية فيه، إلا أنه إذا كان غير مؤذٍ فيكره قتله، وإن كان مؤذيًا فيباح قتله بلا كراهة، لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ⦗٤٦٦⦘ (خمس من الدواب، ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة والعقرب، والكلب العقور) (٥)، والحديث ليس على سبيل الحصر، وإنما ينطبق على كل حيوان مؤذ.
فإذا تولد الحيوان من حيوان مأكول وغيره كالسمع، وهو ولد الضبع من الذئب، يحرم قتله وفيه الجزاء تغليبًا لحرمة القتل كما غلبت فيه حرمة الأكل. وكذا المتولد بين أهلي ووحشي.
-٢ً- يحرم تنفير الحيوان البري الوحشي المأكول، لقوله ﷺ: (ولا ينفر صيده) فإن نفرّه فهلك بتنفيره ضمنه.
-٣ً- يحرم الإعانة على قتله بدلالة بقول أو إشارة، أو إعانة آلة، لأن ما حرم قتله حرمت الإِعانة على قتله. فإن أعان حلالًا على قتله فالجزاء على المحرم، وإن أعان محرمًا على قتله فالجزاء بينهما.
-٤ً- يحرم التعرض لجزئه مثل بيضه أو فرخه، فإن أتلفه ضمنه، إلا إن كان البيض مذرًا (فاسدًا) فلا شيء عليه.
-٥ً- يحرم شراء الصيد وهبته، لما روى ابن عباس ﵄ عن الصعب بن جثامة (أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء - أو بودان -، فرده عليه رسول الله ﷺ. قال: فلما رأى ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك، إلا أنّا حُرُمٌ) (٦) . أما إن كان مالكًا له قبل إحرامه فيبقى في ملكه ولا يجب عليه إرساله.
_________________
(١) المائدة: ٩٦.
(٢) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٨٢/٤٤٥.
(٣) وصيد البحر: هو ما يفرخ فيه ويأوي إليه، فأما طير الماء فهو من صيد البر المحرّم لأنه يتعيش في البحر ولا يعيش فيه.
(٤) المائدة: ٩٦.
(٥) البخاري: ج-٢/ الإحصار وجزاء الصيد باب ١٨/١٧٣١.
(٦) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٨/٥٠.
[ ٤٦٥ ]
حكم أكل المصيد للمحرم:
-١- يحرم أكل لحم ما صاده المحرم على المحرم وغيره لأن المحرم مُنع من الذبح لحق الله تعالى. ⦗٤٦٧⦘
-٢- يجوز أكل لحم ما صاده الحلال للمحرم وغيره.
-٣- يحرم أكل لحم ما صاده الحلال بإشارة إعانة من المحرم على المحرم فقط، ليس على الحلال.
-٤- يحرم أكل لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم على المحرم فقط وأحل؟؟ الحلال، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: (صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم) (١) .
-٥- يحرم أكل البيض على المحرم إن كسره، ولا يحرم على الحلال لأنه لا يحتاج إلى ذكاة وفيه جزاء.
_________________
(١) الترمذي: ج-٣/ كتاب الحج باب ٢٥/٨٤٦.
[ ٤٦٦ ]
خامسًا: ما يتعلق بشجر الحرم وحشيشه:
يحرم على المحرم والحلال التعرض لشجر الحرم الرطب الذي لم ينبته الآدمي وحشيشه، بقطع أو قلع أو تلاف، ولا لغصن من أغصانه حتى الشوك والعوسج، ومن قطعه فلا يباح له ولا لغيره الانتفاع به، لما روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إلا وأنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يُعضد شجرها) (١)، لما روى ابن عباس ﵄ في الحديث المتقدم عن النبي ﷺ قال: (لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاها. فقال العباس: يا رسول إلا الإذخر، فإنه لقينهم لبيوتهم فقال إلا الإِذخر) (٢) .
ويستثنى ما يلي:
-١ً- والإِذخر والكمأة.
-٢ً- ما زرعه الإنسان من بقل ورياحين وشجر غرس من غير شجر الحرام لأنه كالحيوان الأهلي. ⦗٤٦٨⦘
-٣ً- الثمر.
-٤ً- قطع الشجر اليابس لأنه بمنزلة الميت، أما قلعه من جذوره فيحرم.
-٥ً- يجوز أخذ ما تناثر أو يبس من الورق، أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فل الآدمي، أما ورق الشجر الأخضر فلا يجوز أخذه والانتفاع به.
ومن قلع شجرة لزمه ردها إلى موضعها كمن صاد صيدًا لزمه إرساله، فإن أعادها فيبست ضمنها لأنه أتلفها.
كما يحرم صيد المدينة وشجرها، لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (المدينة حرم ما بين عَيْر إلى ثور) (٣)، وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عِضاهها (٤) ولا يصاد صيدها) (٤) .
_________________
(١) البخاري: ج-١/ كتاب العلم باب ٣٩/١١، ويعضد: يقطع.
(٢) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٨٢/ ٤٤٥، ويختلي: يقطع، وخلاها: نباتها الرطب.
(٣) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٨٥/٤٦٧، وعَيْر: جبل خارج المدينة على طريق جدة. وثور: جبل صغير إلى جانب جبل أُحد، وه غير ثور الذي فيه غار حراء خارج مكة المكرم.
(٤) مسلم: ج-٢/ الحج باب ٨٥/٤٥٨، وعضاهها: لعضاه كل شجر يعظم وله شوك.
[ ٤٦٧ ]
ما يجوز للمحرم فعله:
-١- أن يغتسل المحرم بالماء والصابون، لقولا النبي ﷺ في الذي مات محرمًا: (اغسلوه بماء سدر) (١)، ويكون ذلك بصب الماء على الرأس، ولا بأس ن كان الصابون ذا رائحة إلا أنه مكروه وقيل عليه صدقة.
-٢- أن يحتجم وأن يفتصد دون أن يقطع شعرًا، لما روى ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم) (٢) .
-٣- أن يتقلد بالسيف عند الضرورة، لأن أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم دخلوا في عمرة القضاء متقلدين سيوفهم. ⦗٤٩٦⦘
-٤- يجوز للمحرم الحاج التجارة والتكسب والصناعة لقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ (٣) . قال ابن عباس ﵄: (كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم" في مواسم الحج) (٤) .
وأخيرًا فإن محظورت الإحرام على وجه الإجمال تسعة:
حلق الشعر، تقليم الأظافر، تغطية رأس الذكر، لبسه المخيط، الطيب، قتل صيد البر واصطياده، عقد النكاح، الوطء، المباشرة دون الفرج. ⦗٤٧٠⦘
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ الحج باب ١٤/٩٣.
(٢) مسلم: ج-٢/ الحج باب ١١/٨٧.
(٣) البقرة: ١٩٨.
(٤) البخاري: ج-٢/ كتاب الحج باب ١٤٩/١٦٨١.
[ ٤٦٨ ]