[ ٧١ ]
تعريفه:
الوضوء لغة: الحسن والنظافة.
وشرعًا: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة بكيفية مخصوصة.
دليل مشروعيته:
قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) .
حكم الوضوء:
آ- فرض:
-١ً- للصلاة وما جانسها سواء كانت فرضًا أم نفلًا لما رواه ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور ولا صدقة من غُلول (٢» . وما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تقبل صلاة أحدكم، إذا أحدث، حتى يتوضأ) (٣) .
-٢ً- للطواف فرضًا كان أم واجبًا أم نفلًا لحديث ابن عباس ﵄ أن ⦗٧٢⦘ النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) (٤) .
-٣- لمس المصحف: بعضه أو كله أو حواشيه بدليل قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (٥) .
وفي كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: (أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر) (٦)، فلا يجوز مسه ببشرته بدون حائل حتى لا يجوز مس الورق الأبيض المتصل به ولو كان الماس غير مكلف (٧) (من التمييز إلى البلوغ) إلا بطهارة كاملة، إلا أن الصبي غير المكلف لا يجب عليه الوضوء، إنما يجب على وليه أن لا يمكنه من مس المصحف أو مس ما كتب على اللوح من القرآن إلا بعد أن يأمره بالوضوء. أما مس المصحف بحائل لغير المتوضئ، فلا مانع كأن كان بغلاف منفصل عنه، أو كيس، أو لف بورقة، أو وضع في صندوق مع أمتعته ولو كان القصد حمل المصحف. وكذا لا مانع من اتخاذ المصحف حرزًا لكن بشرط أن يستر بشيء طاهر، كأن يلف بخرقة طاهرة ونحوها، كما يجوز تقليب ورقة بعود، وحمل تفسيره، وحمل منسوخ التلاوة ولو كان الحكم باقيًا، ومس المأثور عن الله تعالى كالأحاديث القدسية والتوراة والإنجيل، ومس كتاب الفقه أو رسالة كتب فيها شيء من القرآن والدليل على ذلك (أن رسول رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر في رسالته: "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم") (٨) .
_________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) مسلم ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢.
(٣) مسلم ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢/٢.
(٤) الترمذي ج-٣/ كتاب الحج باب ١١٢/٩٦٠.
(٥) الواقعة: ٧٩.
(٦) شرح الزرقاني على الموطأ: حديث ٢٩٧ ص-١٠٦.
(٧) هناك رواية بجواز مس الصغير اللوح الذي كتب عليه القرآن، لأن حاجته ماسة ولا تحتفظ طهارته.
(٨) البخاري: ج-٣/ كتاب الجهاد باب ١٠١/٢٧٨٢.
[ ٧١ ]
ب- مستحب:
-١ً- لمن كان متوضئًا، وسبق له أن صلى بوضوئه، أي يستحب تجديد الوضوء لكل صلاة طلبًا للفضل، وقد ورد (أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح ⦗٧٣⦘ بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه. قال: عمدًا صنعته يا عمر) (١) وذلك ليبين الجواز.
-٢ً- لمن أدراد القراءة أو الذكر أو الأذان أو النوم، ولرفع الغضب، وللجلوس بالمسجد، ولتدريس علم وللأكل.
_________________
(١) مسلم ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢٥/٨٦.
[ ٧٢ ]
شروط صحة الوضوء:
-١ً- دخول الوقت على من حدثه دائم لصلاة الفرض.
-٢ً- انقطاع ما ينافي الوضوء أثناء الوضوء: فلو غسل وجهه ويديه مثلًا ثم أحدث فعليه أن يعيد الوضوء من أوله، إلا إذا كان المتوضئ من أصحاب الأعذار، كأن كان مصابًا بسلس البول الدائم ونزلت منه قطرة أو قطرات أثناء الوضوء فإنه لا يجب عليه إعادة الوضوء، أما إن لم يكن سلسه دائمًا فإنه يتحرى الوقت الذي ينضبط فيه ويتوضأ.
-٣ً- الإسلام.
-٤ً- التمييز: وقد قدر بسبع سنوات.
-٥ً- العقل: فلا يصح من المجنون ولا من المعتوه.
-٦ً- إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة من شمع وعجين ونحوهما.
-٧ً- أن تكون الطهارة بماء طهور ومباح، فإن توضأ بماء مغصوب لم يصح وضوءه.
-٨ً- أن يتقدم الاستنجاء أو الاستجمار على الوضوء، فلا يصح الوضوء بغير ذلك.
-٩ً- النية: وهي شرط لصحة الطهارة من الأحداث كلها. ⦗٧٤⦘
دليلها: ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) (١)، ولأن الوضوء عبادة محضة فلا يصح بدون نية كالصلاة محلها: القلب، ويسن لفظها باللسان.
وتجب عند التسمية، لأن التسمية أول واجبات الوضوء، ويستحب تقديمها على غسل اليدين إن وجد قبل التسمية، لتشمل الفروض والسنن، كما يستحب استدامتها في سائر الوضوء.
تعريفها: هي قصد رفع الحدث.
كيفيتها:
آ- للسليم: قصد رفع الحدث، أو قصد الطهارة.
ب- لدائم الحدث: قصد استباحة ما تجب له الطهارة، كاستباحة الصلاة أو الطواف أو مس المصحف دون ذكر الفريضة أو ما يسن له الطهارة. ويستطيع بوضوئه أن يؤدي اكثر من فرض طيلة وقت الصلاة حتى يخرج، أي إذا توضأ مثلًاٍ لصلاة الظهر ونوافله وفرائض أخرى بوضوء واحد حتى يخرج وقت الظهر.
ولا يرتفع الحدث بنية تجديد الوضوء المسنون إذا كان ذاكرًا لحدثه، بل عليه أن ينوي الوضوء لرفع الحدث، أما إذا كان ناسيًا لحدثه وتوضأ بنية تجديد الوضوء المسنون، فإن هذا الوضوء يرفع حدثه المنسي. ويرتفع الحدث إذا نوى تجب له الطهارة كالصلاة، أو نوى ما تسن له كالقراءة والجلوس بالمسجد، ورفع الغضب والأكل، فإذا نوى شيئًا من ذلك ارتفع حدثه، وله أن يصلي بهذا الوضوء. وكذلك إن نوى بوضوئه صلاة معينة ارتفع الحدث مطلقًا وصلى بوضوئه ما شاء أما إن نوى وضوءًا، أو أطلق، أو غسل أعضائه ليزيل عنها النجاسة، أو ليعلم غيره، أو للتبرد، فلا يجزئه، لأن الوضوء تارة يكون عادة وتارة يكون عبادة فلا بد من تمييزه بالنية. ⦗٧٥⦘
_________________
(١) مسلم: ج-٣/ كتاب الإمارات باب ٤٥/١٥٥.
[ ٧٣ ]
حالة الشك بالنية:
إن الشك بالنية أثناء الوضوء استأنف الوضوء، أما إن الشك بالنية بعد الانتهاء من الوضوء فلا يضر، وكذا لو شك في غسل عضو أثناء الوضوء استأنف، أما بعد انتهاء الوضوء فلا يضر.
فرائض الوضوء
هناك فرق بين الفرض والشرط هو: أن الفرض مرادف للركن، وهو ما كان من حقيقة الشيء، أما الشرط فهو ما توقف عليه وجود الشيء ولم يكن من حقيقته.
وفرائض الوضوء هي:
أولًا: غسل الوجه: ودليل فرضيته قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) (١)، والسنن المتظاهرة، والإجماع. وحد الوجه: من منابت شعر رأس المعتاد إلى منتهى آخر الذقن لمن ليست له لحية وإلى آخر شعر اللحية لمن له لحية، وما بين شحمتي الأذنين عرضًا. وإن كان شعر الوجه كثيفًا يكتفى بغسله، وإن كان خفيفًا يغسل الشعر والبشرة. ويستحب تخليل الشعر الكثيف، أما الشعر المسترسل من اللحية عن حد الوجه ففيه روايتان. إحداهما: لا يجب غسله، والثانية: يجب لأنه نابت في بشرة الوجه. ويدخل في الوجه العِذار (٢) والعارض والصدغ. ويستحب أن يزيد في ماء الوجه لأن فيه غضونًا وشعرًا وأن يمسح مآقيه.
ويدخل في غسل الوجه فرض ضمني، وهو المضمضة والاستنشاق فهما واجبان في الطهارتين الكبرى والصغرى على اعتبار أنهما داخلان في حد الوجه. ⦗٧٦⦘
ثانيًا: غسل اليدين مع المرفقين: ودليل فرضيته قول تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) (٣)، وحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه) (٤) ولأن (إلى) في الآية بمعنى (مع) كقوله تعالى: (من أنصاري إلى الله (٥) أي مع الله وكذلك قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (٦) أي مع أموالكم ز ويجب غسل تكاميش الأصابع وما تحت الأظافر إن طالت، ويعفى عن وسخ الأظافر إن كان يسيرًا، ويجب غسل الأصبع الزائدة واليد الزائدة إذا كان أصلها في محل الفرض، وإن كان أقطع اليد غسل ما بقي من الفرض، وإن لم يبق من اليد شيء سقط الغسل.
ثالثًا: مسح الرأس: لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٧) . ويجب مسح الرأس كله من منابت الشعر المعتاد إلى نقرة القفا، لأن الباء (برؤوسكم) زائدة. ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر ولا يجزئ عن مسح الرأس سواء رده فعقصه على رأسه أو لم يرده، ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزئه، لأن الحكم يتعلق بالشعر، ولو مسح رأسه ثم حَلَقه لا يجب عليه إعادة مسحه.
وظاهر قول الإمام أحمد ﵁: أن المرأة يجزئها مسح بعض الرأس بدليل ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين) (٨) وأن السيدة عائشة ﵂ كانت تمسح مقدم رأسها. والمستحب أن يمر بيديه من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يعدهما، لأن عبد الله بن زيد ﵁ قال في صفة وضوئه ﷺ: (ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح ⦗٧٧⦘ برأسه. فأقبل بيديه وأدبر) (٩) ولا يستحب التكرار، لأن أكثر من وصف وضوءَهُ ﷺ ذكر أنه مسح مرة واحدة. وعن الإِمام أحمد: يستحب التكرار لما روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ومن توضأ ثلاثًا فذلك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي) (١٠) .
وهناك فرض ضمني في مسح الرأس وهو مسح الأذنين، فهما يعتبران من الرأس لحديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة ﵁، وذكر وضوء النبي ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين، قال: وقال: الأذنان من الرأس) (١١) لكن يستحب إفرادهما بماء جديد، لأنهما كالعضو المنفرد، وإنما هما من الرأس على وجه التبع. ويستحب أن يُدخِل سباحتيه في أذنيه ويجعل إبهاميه لظاهرهما.
رابعًا: غسل الرجلين مع الكعبين: ودليل فرضيته قوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) (١٢) ولا يجزئ مسح الرجلين لما روى عمر ﵁ (أن رجلًا توضأ فترك موضع ظُفر على قدمه اليمنى فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك. فرجع ثم صلى) (١٣) .
ومن كان أقطع اليدين وقدر على أن يستأجر من يوضأه بأجر المثل لزمه ذلك كما لزمه شراء الماء.
خامسًا: الترتيب: ودليله أن الله تعالى أدخل ممسوحًا بين مغسولات، ولأن النبي ﷺ لم يُنْقَل عن الوضوء إلا مرتبًا. فإن نكس أعضاء الوضوء لم يصح وضوءه. وترتيب أعضاء الوضوء يكون على الشكل التالي:
-١ً- النية (شرط) .
-٢ً- التسمية (واجب) . ⦗٧٨⦘
-٣ً- غسل الكفين ثلاثًا (سنة ما لم يكن مستيقظًا من النوم فهو واجب) .
-٤ً- المضمضة والاستنشاق (فرض عملي ضمني) .
-٥ً- غسل الوجه (فرض) .
-٦ً- غسل اليدين مع المرفقين (فرض) .
-٧ً- مسح كل الرأس (فرض) .
-٨ً- مسح الأذنين (فرض عملي ضمني) .
-٩ً- غسل الرجلين مع الكعبين (فرض) .
سادسًا: الموالاة بين غسل الأعضاء: وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله لأنه صح عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أنه ﷺ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة) (١٤) . فلو لم تجب الموالاة لأجزأه غسلها، ولأنه نقل عن النبي ﷺ أنه والى بين غسل أعضاء الوضوء.
وعكس الموالاة التفريق: وهو أن يؤخر غسل عضو حتى يمضي زمن ينشف فيه الذي قبله في الزمان المعتدل، أما إن أخر غسل عضو لأمرٍ في الطهارة من إزالة وسخٍ أو دلك عضوٍ لم يقدح في طهارته.
_________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) الشعر المحاذي للأذنين.
(٣) المائدة ٦.
(٤) البيهقي: ج-١/ص ٥٦.
(٥) آل عمران: ٥٢.
(٦) النساء: ٢.
(٧) المائدة: ٦.
(٨) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢٣/٨٣.
(٩) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٧/١٨.
(١٠) مسند الإمام أحمد: ج-٢/ص ٩٨.
(١١) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة ٥٠/١٣٤.
(١٢) المائدة: ٦.
(١٣) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ١٠/٣١.
(١٤) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٦٧/١٧٥.
[ ٧٥ ]
واجبات الوضوء:
للوضوء واجب واحد، وهو التسمية لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (١)، وتسقط سهوًا لحديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ ⦗٧٩⦘ قال: إنَّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢)، وإن ذكرها في أثنائه ابتدأ من الأول، وقيل يأتي بها حيث ذكرها.
ومحلها: اللسان، وموضعها بعد النية ليكون مسميًا على جميع وضوئه.
_________________
(١) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٤٨/١٠١.
(٢) ابن ماجة: ج-١/ كتاب الطلاق باب ١٦/٢٠٤٥.
[ ٧٨ ]
سنن الوضوء:
تعريف السنة: هي ما يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها، ولها مترادفات وهي المندوب والمستحب.
وسنن الوضوء ثمانية عشر:
-١ً- استقبال القبلة.
-٢ً- السواك عند المضمضة.
-٣ً- غسل الكفين ثلاثًا لما روى حُمران مولى عثمان أنه (رأى عثمان ﵁ دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ) (١)، ولأن اليدين آلة نقل الماء إلى الأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء.
-٤ً- تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه اقتداء برسول الله ﷺ.
-٥ً- المبالغة بالمضمضة والاستنشاق لغير الصائم لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: (أسبغ الوضوء. وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) (٢) .
وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف ولا يجعله سعوطًا (٣)، وفي المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم ولا يجعله وجورًا (٤) .
-٦ً- المبالغة في سائر الأعضاء. ⦗٨٠⦘
-٧ً- الزيادة في ماء الوجه لغسل أساريره ودواخله وخوارجه وشعوره ومسح مآقيه.
-٨ً- تخليل اللحية الكثة.
-٩ً- تخليل أصابع اليدين والرجلين إذا وصل الماء في الغسل إليها بدون دلك وإن كان التخليل واجبًا بدليل ما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك) (٥) . وتخليل أصابع الرجلين يكون بخنصر اليد اليسرى من باطن القدم إلى الأعلى، ويبدأ بخنصر الرجل اليمنى وينتهي بخنصر الرجل اليسرى، أما أصابع اليدين فتتخلل إحداهما بالأخرى.
-١٠ً- تجديد الماء لمسح الأذنين بعد مسح الرأس.
-١١- التيامن لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه وترجله وطهوره) (٦) .
-١٢- إطالة الغرة والتحجيل: أي مجاوزة القدر الواجب في الغسل، لما روى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (أنتم الغُرُّ المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرَّته وتحجيلَه) (٧) .
-١٣- تثليث الغسل: فالمرة الأولى فرض، والغسلة الثانية والثالثة سنة إن عمت الأولى.
-١٤- استصحاب النية بالقلب إلى آخر الوضوء.
-١٥- الإتيان بالنية عند غسل الكفين إلى الكوعين (الرسغين)
-١٦- التلفظ بالنية سرًا، بحيث يحرك بها لسانه وشفتيه، ويُسمِع نفسه دون غيره، وأن لا يستعين بغيره فيه.
-١٧- أن يتولى وضوءه بنفسه من غير معونة أحد، ولكن تباح المعونة كتقريب الماء وحمله وصبه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول ⦗٨١⦘ الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا، وغلام نحوي، إداوةً من ماء، وعنزة فيستنجي بالماء) (٨) وعن المغيرة بنشعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير فقال لي: أمعك ماء؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ) (٩) وذكر بقية الوضوء، ولكن الأفضل ترك الاستعانة وترك التنشيف من البلل.
-١٨- أن يقول عند فراغه من الوضوء رافعًا بصره إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ودليل ذلك حديث عقبة بن عامر وفيه قول عمر ﵁ قال: يعني رسول الله ﷺ: (ما منكم أحد يتوضأ فيُبْلغُ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) (١٠) .
_________________
(١) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٣/٤.
(٢) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٥٥/١٤٢.
(٣) السعوط: النشوق، أي لا يبالغ حتى يصل إلى حلقه.
(٤) الوجور: أصله قطرة بالأذن، أي لا يبالغ حتى يصل من الفم إلى الأذن.
(٥) الترمذي: ج-١/ الطهارة باب ٣٠/٣٩.
(٦) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ١٩/٦٧.
(٧) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ١٢/٣٤.
(٨) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢١/٧٠.
(٩) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢٢/٧٩.
(١٠) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٦/١٧.
[ ٧٩ ]
كيفية الوضوء:
ينوي المتوضأ رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو الوضوء للصلاة.
ثم يسمي فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم يغسل كفيه ثلاث مرات.
ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات.
ثم يغسل وجهه من منابت شعر الرأس المعتاد وإلى الذقن مع ما استرسل من شعر اللحية، ولا يجزئ غسل ظاهر شعر اللحية إلا إذا كان كثيفة لا يصف ⦗٨٢⦘ البشرة، أما إذا كان خفيفًا فيغسله وما تحته، ومن الأذن إلى الأذن، ويغسل ما فيه من شعر خفيف يصف البشرة كعذار (١) وعارض (٢) وأهداب عين وشارب وعنفقة (٣) لأنها من الوجه، ولا يغسل الصُدغ (٤) ولا التحذيف (٥) ولا النزعتان (٦) لأنها من الرأس.
ثم يغسل يديه مع مرفقيه وأظفاره ثلاث مرات، ولا يضر وسخ يسير تحت ظفره، وكذلك يغسل ما كان زائدًا في محل الفرض كيد أو أُصبع زائدة.
ثم يمسح كل رأسه بالماء، فيمر يديه من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه مرة واحدة، وبعد ذلك يمسح أذنيه مرة واحدة فيدخل سباحتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما وكيف ما مسح أجزأ.
ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاثًا، أما الأقطع فيغسل بقية الفروض، فإن قطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد منه، وإن قطع من مفصل الكعب فيغسل طرف ساقه.
ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أو غير ذلك مما ورد.
_________________
(١) العذار: الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي لصماخ الأذن.
(٢) العارض: ما نبت على الخد واللحيين.
(٣) العنفقة: الشعر النابت تحت الشفة السفلى.
(٤) الصدغ: الشعر الذي بعد انتهاء اللعذار يحاذي رأس الأذن وينزل عنه قليلًا.
(٥) التحذيف: الشعر الخارج إلى طرفي الجبين في جانبي الوجه بين النزعة ومنتهى العذار.
(٦) النزعتان: ما انحسر عنه الشعر من جانبي الرأس.
[ ٨١ ]
المسح على الخفين
تعريف المسح:
المسح لغة: إمرار اليد على الشيء.
وشرعًا: أن يصيب البلل خفًا مخصوصًا في زمن مخصوص. ⦗٨٣⦘
تعريف الخف:
ما يلبسه الإنسان في قدمي رجليه إلى الكعبين سواء كان مصنوعًا من الجلد أو من الصوف أو من الشعر أو الوبر أو الكتان أو اللباد، ويقال له الجرموقان (١) .
حكم المسح على الخفين: رخصة في الوضوء دون الغسل، لما روي عن جرير ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه) (٢)، ولما روى صفوان بن عسال ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) (٣) .
والمسح على الخف أفضل من غسل الرجلين، لأن الله تعالى يحب لعباده أن يأخذوا برخصه.
أما في الغسل فلا رخصة فيه للمسح على الخف، لأن الغسل يقل فلا تدعو الحاجة للمسح عليه.
_________________
(١) هي جوارب لكنها من الأسفل وعند الأصابع والعقد من جلد.
(٢) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢٢/٧٢.
(٣) الترمذي: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٧١/٩٦.
[ ٨٢ ]
شروط جواز المسح على الخفين:
-١ً- أن يكونا ساترين لمحل الفرض في الوضوء (القدم مع الكعبين)، لأن حكم ما استتر المسح وحكم ما ظهر الغسل ولا سبيل إلى الجمع بينهما فغلب الغسل كما لو خرجت إحدى الرجلين فإن كانت فوهة الخف واسعة بحيث يُرى منها بعض القدم فلا يصح المسح عليه، وكذا إن كان الخف رقيقًا يصف لون البشرة من خلاله لم يجز المسح عليه. أما إن كان فيه شق مستطيل منضم لا يظهر القدم منه جاز المسح عليه، وكذلك إذا ثقب من أسفل القدم وكان مشدودًا لا يُظهر شيئًا من القدم إن مشى جاز المسح لأنه كالمخيط ⦗٨٤⦘
-٢ً- إمكان متابعة المشي فيهما المشي المعتاد عرفًا، فإن كان يسقط من القدم لسعته أو ثقله لم يجز المسح عليه سواء كان مصنوعًا من الجلد أو اللباد أو الخشب.
-٣ً- لبسهما على طهارة كاملة، بمعنى أن يتوضأ أولًا وضوءًا كاملًا، ثم يلبسهما بدليل ماروي عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) (١) .
فإن غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها لم يجز المسح، لأنه لبس الأولى قبل كمال الطهارة (وعن الإمام يجوز لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس كما عند الحنفية) . وإن تطهر ولبس خفيه إلا أنه أحدث قبل أن تصل القدم إلى موضعها لم يجز المسح.
وإن لبست المستحاضة أو من به ثلاث بول خفًا على طهارتهما فلهما المسح (نص عليه)، لأن طهارتهما كاملة في حقهما، فإن عوفي لم يجز المسح لأن طهارتهما صارت ناقصة في حقهما فأشبهت التيمم.
وإن لبس خفًا على طهارة ثم لبس فوقه آخر قبل أن يحدث فالحكم للأعلى منهما سواء كان الأول صحيحًا أو مخرَّقًا، وإن لبس الثاني بعد الحدث لم يجز المسح عليه لأنه لبس على غير طهارة، وإن مسح الأول ثم لبس الثاني لم يجز المسح عليه لأن المسح لم يزل الحدث عن الرجل.
-٤ً- أن تكون الطهارة قبل لبسهما بالماء، فلا يصح أن يلبسهما بعد التيمم سواء كان تيممه لفقد الماء أو المرض أو نحو ذلك، لأن التيممَ طهارةٌ لا ترفع حدثًا.
-٥ً- ثبوتهما على القدم ومحل الفرض بنفسهما أو بنعلين فإذا خلع النعل خلع الخفان لا بربطهما ولا بشدهما، فإن شد على رجليه لفائف لم يجز المسح عليهما لأنها لا تثبت بنفسها وإنما تثبت بشدها. ⦗٨٥⦘
-٦ً- أن يكونا مباحين سواء كان هناك ضرورة للبسهما أم لا، فلا يصح المسح على الخفين المغصوبين أو المصنوعين من الحرير لرجل لأنه معصية فلا تستباح به الرخصة.
-٧ً- طهارة عينهما، فإن كان الخف نجسًا وخاف نزعه لحصول ضرر للرجل تيمم وعليه إعادة، أما إذا كان الخف متنجسًا صح لمسح عليه بشرطين: الأول: أن تكون النجاسة إلا بنزعه، أو كان قادرًا على إزالة النجاسة وهو لابسه لكن لم يجد ما يزيلها به، فإنه يصح المسح عليه الصلاة حال الضرورة، ولكنه يعيد الصلاة فقط ويستبيح بهذا المسح مس مصحف ونحو صلاة كطواف.
_________________
(١) البخاري: ج-١/ كتاب الوضوء باب ٤٨/٢٠٣.
[ ٨٣ ]
مدة المسح:
يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر لما روى شريح بن هانئ، أنهم سألوا عليًا ﵁ عن المسح على الخفين فقال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم) (١) . ويشترط في السفر الذي يجيز مسح ثلاثة أيام بلياليها أن يكون سفرًا قصر مباح، أما إن كان سفر معصية أو سفر غير قصر فتكون مدته يومًا وليلة.
_________________
(١) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢٤/٨٥.
[ ٨٥ ]
بدء المدة:
تبدأ المدة من أول حدث بعد لبسهما على طهارة، لأنها عبادة مؤقتة اعتبر أول وقت من حين جواز فعلها كالصلاة. وفي رواية أخرى تبدأ المدة من أول مسح، لأن النبي ﷺ أمر بالمسح ثلاثة أيام فاقتضى أن تكون الثلاثة كلها يمسح فيها والمعتمد الأول. ⦗٨٦⦘
مسألة: إن أحدث في الحضر ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر، لأنه بدأ العبادة بالسفر، أما إن مسح في الحضر ثم سافر أو مسح في السفر ثم أقام أتم مسح مقيم، لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا كان أحد طرفيها بالحضر غُلِّب حكم الحضر كالصلاة، وإن شك هل بدأ المسح بالحضر أو بالسفر بنى على أنه مسح في الحضر، لأن الأصل الغسل والمسح رخصة
كيفية المسح:
المقدار المفروض مسحه: مسح أكثر ظاهر أعلى الخف، لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما) (١) .
أما المسنون فهو أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خف رجله اليمنى، وأن يضع أصابع يده اليسرى على مقدم رجله اليسرى، ثم يمر بهما إلى الساق فوق الكعبين مفرقًا بين أصابع يديه قليلا بحيث يكون المسح عليهما خطوطًا. ولا يندب مسح أسفل الخف لما روي عن علي ﵁، قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أوْلى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) (٢) . وإن مسح بإصبع أو أصبعين أجزأه إن كرر المسح حتى يصبح كالمسح بأصابعه خطوطًا.
_________________
(١) الترمذي: ج-١/ الطهارة باب ٧٣/٩٨.
(٢) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٦٣/١٦٢.
[ ٨٥ ]
مبطلات المسح على الخفين:
-١ً- انقضاء مدة المسح.
-٢ً- طروء موجب على موجبات المسح.
-٣ً- خلع خفيه أو أحدهما بعد المسح، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو خلع الأعلى، وبقاء الذي تحته. ⦗٨٧⦘
-٤ً- حدوث خرق في الخف يظهر منه بعض القدم ولو كان يسيرًا ولو من موضع خرزه إلا إذا انضم بالمشي لحصول ستر محل الغسل المفروض.
فإذا طرأ إحدى هذه المبطلات بطلت طهارة القدمين وبالتالي تبطل طهارته جميعها، لأن الطهارة لا تتبعض.
مكروهات المسح على الخفين:
-١ً- يكره الزيادة على المرة الواحدة.
-٢ً- يكره غسل الخفين بدل مسحهما إذا نوى الغسل رفع الحدث، أما إن نوى به النظافة فقط، أو إزالة ما عليهما من نجاسة من غير أن ينوي رفع الحدث، فإنه لا يجزئ عن المسح وعليه أن يمسح الخفين بعد ذلك بالغسل.
المسح على الجوارب:
يصح المسح على الجوربين بدليل ما روى المغيرة ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين) (١)، وقال الإمام أحمد ﵁ في المسح على الجوربين أنه يذكر عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ، ولأنه ملبوس ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه فهو أشبه بالخف.
_________________
(١) الترمذي: ج-١/ الطهارة باب ٧٤/٩٩.
[ ٨٦ ]
شروط جواز المسح على الجوربين:
هي نفس شروط جواز المسح على الخفين بالإضافة إلى كونهما لا يصفان القدم ولون البشرة من تحتهما، ولا يشترط فيهما أن يكونا ما نعين لنفوذ الماء. ⦗٨٨⦘
المسح على العمامة:
يجوز المسح على العمامة بدليل ما روى المغيرة ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين والعمامة) (١)، وعن عمرو بن أمية الضميري ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته (٢»، وعن عمر ﵁ قال: (من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله)، ولأن الرأس عضو سقط فرضه بالتيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين.
شروطها:
-١ً- أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه فيعفى عنه.
-٢ً- أن يكون لها ذؤابة، أو تكون محنكة يدار منها تحت الحنك كور، لأن ما لا ذؤابة لها ولا حنك تشبه عمائم أهل الذمة ولا مشقة في نزعها.
-٣ً- أن يكون لبسها كمال الطهارة، وأن تكون مباحة.
-٤ً- أن تكون على ذكر، فلا يصح أن تمسح المرأة على العمامة.
_________________
(١) الترمذي: ج-١/ الطهارة باب ٧٥/١٠٠.
(٢) البخاري: ج-١/ كتاب الوضوء باب ٤٧/٢٠٢.
[ ٨٧ ]
المقدار المسموح:
أكثرها، وفي رواية يلزمه استيعابها، وإن ظهرت ناصيته لزمه مسحها ثم إتمام المسح على العمامة، وفي رواية ثانية لا يلزمه مسح ناصيته، لأنه فرض تعلق بالعمامة. فإن خلعها لزمه مسح رأسه ثم غسل رجليه لتحقيق الترتيب إذ تبطل الطهارة بنزعها. ولو انتقض من العمامة كور (دائرة واحدة منها) ففيه روايتان: إحداهما: يبطل المسح لأنه ذهب المسموح، والأخرى: لا يبطل لأن العمامة باقية. ⦗٨٩⦘
ولا يجوز المسح على الطاقية ولا القلنسوات، لأنه لا مشقة في نزعها، أما خمر النساء فيجوز المسح عليها إذا كانت مدارة تحت حلوقهن، لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها.
المسح على الجبيرة والجروح:
تعريف الجبيرة: هي الرباط الذي يربط به العضو المريض، ولا يشترط أن يكون مشدودًا بأعواد من خشب أو جريد، كما لا يشترط أن يكون العضو مكسورًا بل أن يكون مريضًا سواء كان مكسورًا أو مرضوضًا أو به آلام روماتيزمية أو نحو ذلك. أو هي الدواء الذي يوضع فوق العضو ويخاف الضرر من نزعه.
دليل جواز المسح على الجبيرة: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (انكسرت إحدى زندي فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر) (١)، ولأنه ملبوس يشق نزعه.
_________________
(١) ابن ماجه: ج-١/ كتاب الطهارة باب ١٣٤/٦٥٧.
[ ٨٨ ]
كيفية المسح وحكم الطهارة:
-١ً- إذا وضعها على طهارة وبقدر الحاجة: غسل الصحيح ومسح عليها وأجزأه ذلك دون تيمم (١) .
-٢ً- إذا وضعها على طهارة وزادت عن قدر الحاجة: غسل الصحيح وتيمم عما تحتها ومسح عليها وأجزأه ذلك (٢) .
-٣ً- إذا وضعها على غير طهارة وخاف من نزعها ضررًا، أو كان الجرح مكشوفًا: وجب عليه غسل الصحيح وتيمم عما تحتها ولا مسح عليها (٣) . ⦗٩٠⦘
أما حكم الطهارة مع المسح أو التيمم، فهي صحيحة ولا إعادة للصلاة، لما روى عمران بن الحصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصلِّ في القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (٤) . وفي رواية أخرى تجب إعادة الصلاة مع التيمم، لأنه صلى بنجاسة ولكن المعتمد الأول.
_________________
(١) أي صارت كالخف موضوعة على طهارة فوجب مسحها.
(٢) أي يغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة بمقدار الجرحثم يتيمم عما تحت الجبيرة الزائدة عن مقدار الجرح.
(٣) أي هنا كالمريض العاجز عن استعمال الماء بالغسل أو المسح لذا وجب التيمم ولا إعادة للصلاة.
(٤) البيهقي: ج-١/ص ٢١٦ ورواه البخاري.
[ ٨٩ ]
شروط المسح على الجبيرة:
-١ً- أن يكون غسل العضو المريض ضارًا به كزيادة ألم أو تأخر شفاء.
-٢ً- تعميم الجبيرة بالمسح بأن يغسل الجسم السليم من العضو ثم يمسح عن الجزء المريض جميعه.
الفرق بين المسح على الخفين والمسح على الجيرة:
-١ً- يجب مسح جميعها لأنه مسح للضرورة أشبه بالتيمم، ولأن استيعابها بالمسح لا يضر بخلاف الخف.
-٢ً- لا تحدد مدة للمسح لأنه جاز بالضرورة فيبقى ببقائه.
-٣ً - أنها تجوز بالطهارة الكبرى، لأنه مسح أجيز للضرورة.
-٤ً - تقدم الطهارة لها، فيها روايتان: إحداهما: يشترط تقدم الطهارة، والثانية: لا يشترط.
-٥ً-وضع الجبيرة مخصوص بحال الضرورة، أما الخفان فيلبسان بضرورة أو بغير ضرورة ⦗٩١⦘
مسألة في كيفية طهارة لابس الجبيرة إن كانت في رأسه:
أ- إن عمت الجراحة كل الرأس: مسح على العصابة التي عليها وعممها بالمسح، وتيمم إن شدها على غير طهارة.
ب- إن لم تعلم الجراحة الرأس: مسح على الصحيح من الرأس وأكمل على العصابة، لأنها تنوب عن الرأس في المريض.
نواقض الوضوء:
تعريف النواقض: النواقض جمع ناقضة أو ناقض، يقال: نقضت الشيء إذا أفسدته.
ونواقض الوضوء هي:
-١ً- خروج شيء من أحد السبيلين قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا (مثل الولد) أو غير طاهر (كالبول) قال تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) (١)، معتادًا أو غير معتاد (كالحصى والدودة، ودم الاستحاضة) عن عائشة ﵂، قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي جُحش إلى النبي ﷺ، فذكر خبرها. وقال: ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة، وصلي) (٢)، وسواء كان جامدًا أو سائلًا أو ريحًا.
-٢ً- زوال العقل، بجنون، أو برسام (يقع بالساعة) قليلًا كان أو كثيرًا، أو بسكر، أو بإغماء، أو بنوم عميق يمنع معرفة الأشياء لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) (٣)، لأنه مظنة الحدث فقام مقامه، سواء نام مضطجعًا أو متكئًا أو معتمدًا على شيء أو راكعًا أو ساجدًا فإنه ينقض الوضوء قليله وكثيره، أما إذا كان جالسًا غير معتمد على شيء ممكنًا مقعدته من الأرض فلا ينقض قليله لما ⦗٩٢⦘ روى أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون) (٤) .
-٣ً- لمس بشرة الذكر الأنثى أو الأنثى الذكر بدون حائل وبشهوة ولا ينقض لغيرها، لأن اللمس ليس بحدث إنما هو داعٍ إلى الحدث، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة، والحية أو الميتة، والشابة أو العجوز، وذوات المحارم وغيرهن لعموم الأدلة.
أما الملموس فلا ينتقض وضوؤه ولو وجد شهوة، لأن النقض يختص باللامس وأما من لمس عضوًا مقطوعًا، أو مس غلامًا، أو بهيمة، أو مست امرأة امرأة، أو رجل رجلًا، ولو كان أمردًا، أو خنثى خنثى لم ينقض وضوؤه ولو وجد اللامس لذة، لأنه ليس محلًا لشهوة الآخر شرعًا.
-٤ً- مس فرج الآدمي ذكرًا كان أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا من نفسه أو لغيره باليد بدون حائل، واليد تشمل حتى الكوع، ولا فرق بين ظهر الكف وبطنه وحرفه لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة) (٥)، وحديث بُسْرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: (إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ) (٦) .
ولا ينقض المس بالظفر ولا مس الذكر المقطوع ولا مس العانة والأنثيين، لأن تخصيص الفرج به دليل على عدمه فيما سواه.
-٥ً- خروج النجاسة من سائر البدن:
آ- إن كان بولًا أو غائطا ينقض الوضوء قليله وكثيره، سواء كان من تحت المعدة أو من فوقها، وسواء كان السبيلان مفتوحين ⦗٩٣⦘ أو مسدودين. ولو انسد المخرج وانفتح غيره فأحكام المخرج باقية (ينقضان الوضوء بمسهما) .
ب- إن كان الخارج غير البول والغائط كالدم والقيء فلا ينتقض الوضوء، إلا إذا كان فاحشًا في نفس المتوضئ فإنه ينقض، أما إن كان قليلًا فلا ينقض.
قاعدة: اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج والحرج منفي. قال ابن عباس ﵄ في الدم: إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة، قال ابن عقيل: يعتبر الفاحش في نفوس أوساط الناس لا المبتذلين ولا الموسوسين، وعن الإمام أحمد: أن الكثير شبر بشبر.
-٦ً- أكل لحم الجزور بدليلما روى جابر بن سمر ﵁ (أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، فتوضأ. وإن شئت، فلا توضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل) (٧)، ولا فرق بين قليله وكثيره، ونيئه ومطبوخه لعموم الحديث. وعن الإمام أحمد ﵁: من أكل وصلى ولم يتوضأ، وكان يعلم أمر النبي ﷺ بالوضوء منه فعليه الإعادة، أما إن كان جاهلًا فلا إعادة عليه.
ولا ينقض الوضوء بتناول بقية أجزاء الإبل كالكبد والطحال واللبن والكرش على المعتمد من المذهب، لأن الأخبار الصحيحة إنما وردت في اللحم، كذا لا ينقض الوضوء بأكل ما غيّرته النار لما روى جابر ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيّرت النار) (٨) .
-٧ً- الردّة عن الإسلام: وهو أن ينطق كلمة الكفر، أو يعتقدها، أو يشك شكًا يخرجه عن الإسلام فينقض وضوءه، قال تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن ⦗٩٤⦘ عملك﴾ (٩)، وقال ابن عباس ﵂: "الحدث حدثان وأشدهما حدث اللسان" فيدخل في عموم قوله ﵊ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: (لا تقبل صلاة أحدكم، إذا أحدث، حتى يتوضأ) (١٠) .
-٨ً- غسل الميت: أي من باشر الميت بيده، أما من صب عليه الماء فلا يجب عليه الوضوء لأن ابن عمر وابن عباس ﵃ كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء، ولا فرق في ذلك بين غسل المسلم والكافر أو الصغير والكبير. وعن الإمام أحمد: أن الوضوء مستحب غير واجب، فإنه قال: أحب إلي أن أتوضأ، وعلل نفي وجوب الغسل من غسل الميت بكونه لحديث موقوف على أبي هريرة ﵁ والوضوء كذلك، ولأنه ليس بمنصوص عليه والأول هو المذهب. ⦗٩٥⦘
_________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ١١٣/٢٩٨.
(٣) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٨٠/٢٠٣.
(٤) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٨٠/٢٠٠.
(٥) البيهقي: ج-١ /ص ١٣٣.
(٦) النسائي: ج-١ /ص ١٠٠.
(٧) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢٥/٩٧.
(٨) أبو داود: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٧٥/١٩٢.
(٩) الزمر: ٦٥.
(١٠) مسلم: ج-١/ كتاب الطهارة باب ٢/٢.
[ ٩٠ ]