[ ٢١٦ ]
النوافل التي تسن فيها الجماعة
-١ً- صلاة التراويح:
وهي قيام رمضان.
حكمها: سنة مؤكدة.
عددها: عشرون عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الاختيار (٣٦) ركعة. والدليل على أنها عشرون ما روى البيهقي عن السائب بن يزيد الصحابي ﵁ قال: (كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁، في شهر رمضان، بعشرين ركعة، وكانوا يقومون بالمئين، وكانو يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام) (١) .
أما الدليل على سنيتها وعلى سنية صلاتها جماعة ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) (٢) وما رواه مسلم عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة. فصلى بصلاته ناس. ثم صلى من القابلة. فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة. فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم. فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) وذلك في رمضان (٣) . ⦗٣١٧⦘
فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ - في خلافته - على أبي بن كعب ﵁، وصاروا يصلونها عشرين كل اثنتين بنية ويوتر بهم الإمام بثلاث ركعات. وسميت التراوح لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع ركعات يستريحون.
وقتها: من صلاة العشاء إلى الوتر. ولا بد من التراويح قبل الوتر. ولا تستحب الزيادة على الختمة فيها لئلا يشق على الناس كما لا يستحب بأقل من ذلك. ولا يكره تعقيبها بنافلة جماعة لأن أنسًا ﵁ قال ما يرجعون إلا لخير يرجونه أو لشر يحذرونه.
واختلف في قيام ليلة الشك فقامها القاضي ومنعها القاضي ومنعها أبو حفص العكبري لأن الأصل بقاء شعبان.
_________________
(١) البيهقي: ج-٢/ ٤٩٦.
(٢) البخاري: ج-١/ كتاب صلاة الترويح باب ١/١٩٠٥.
(٣) مسلم: ج-١/ كتاب صلاة المسافرين باب ٢٥/١٧٧.
[ ٢١٦ ]
-٢ً- التطوع المطلق:
وهو مشروع في الليل والنهار لكن تطوع الليل أفضل، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصلاة، بعد الفريضة صلاة الليل) (١) . والنصف الأخير أفضل وبعد النوم أفضل، لأن الناشئة المعينة في قوله تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ) (٢)، لا تكون إلا بعد الرقدة، ومن لم يرقد فلا ناشئة له. ومعنى أشد وطأً: أي تثبيتًا تفهم ما تقرأ وتعي أذنك، عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: قلت يا رسول الله وهل من ساعة أقرب إلى الله تعالى من أخرى قال: (جوف الليل الآخر) (٣)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه) (٤) . ⦗٢١٨⦘
_________________
(١) مسلم: ج ٢ / كتاب الصيام باب ٣٨/٢٠٢.
(٢) المزمل: ٦.
(٣) مسند الإمام أحمد: ج-٤/ ص ١١٤.
(٤) البخاري: ج-١/ كتاب التهجد باب ٧/١٠٧٩.
[ ٢١٧ ]
ما يستحب للمتهجد:
-١ً- أن يذكر الله تعالى إذا استيقظ من نومه، كأن يقول: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله
-٢ً- أن ينوي عند نومه قيام الليل ليحوز ما في حديث أبي الدرداء ﵁ يبلغ به عن النبي ﷺ قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه ﷿) (١) .
-٣ً- أن يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذ قام أحدكم من الليل فليصلِّ ركعتين خفيفتين) (٢) .
-٤ً- يستحب أن تكون له ركعات معلومة يقرأ فيها حزبه من القرآن، لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) (٣)، وعنها أيضًا قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يَفْرُغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة - إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين. ثم اضطجع على شقه الأيمن. حتى يأتيه المؤذن للإقامة) (٤) . أما القراءة فيخير بين الجهر والإسرار. ⦗٢١٩⦘
-٥ً- يستحب أن يختم القرآن في كل سبع، لما روى عبد الله بن عمرو ﵄ قال: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: في شهر قال: إني أقوى من ذلك قال: أقرأه في سبع) (٥) .
-٦ً- يستحب أن يصلي مثنى مثنى لا يزيد على ركعتين، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال رسول الله ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى ) (٦) .
أما صلاة النهار فله أن يتطوع بأربع لكن الأفضل التثنية لأنه أبعد من السهو.
-٧ً- أن يكثر من الركوع والسجود لأنه أفضل من إطالة القيام.
والتطوع في البيت أفضل لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (٧) .
ويجوز التطوع إما منفردًا أو في جماعة، لما ورد عنه ﷺ أنه كان أكثر تطوعه منفردًا، وأنه أمَّ ابن عباس ﵄ في التطوع مرة وحذيفة ﵁ مرة فدل على جواز الجميع.
ويجوز أن يتطوع جالسًا، لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: حدِّثت أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة) (٨)، ويستحب أن يكون في حال القيام متربعًا ليخالف حالة الجلوس، ويثني رجليه حال السجود لأن حال الركوع كحال القيام، عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إذا كَبِرَ قرأ ⦗٢٢٠⦘ جالسًا. حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام فقرأهن، ثم ركع) (٩) . وإن شاء ركع من قعود.
_________________
(١) النسائي: ج-٣ /ص ٢٥٨.
(٢) أبو داود: ج-٢ / كتاب الصلاة باب ٣١٣/١٣٢٣.
(٣) مسلم: ج-١ / كتاب صلاة المسافرين باب ٣٠/٢١٨.
(٤) مسلم: ج-١ / كتاب صلاة المسافرين باب ١٧/١٢٢.
(٥) أبو داود: ج-٢ / كتاب الصلاة باب ٣٢٥/١٣٩٠.
(٦) مسلم: ج-١ / كتاب صلاة المسافرين باب ٢٠/١٤٧.
(٧) البخاري: ج-١/ كتاب الجماعة والإمامة باب ٥٢/٦٩٨.
(٨) مسلم: ج-١ / كتاب صلاة المسافرين باب ١٦/١٢٠.
(٩) مسلم: ج-١ / كتاب صلاة المسافرين باب ١٦/١١١.
[ ٢١٨ ]
-٣ً- صلاة العيدين:
تعريف: العيد من العَوْد، وسمي عيدًا لأنه يعود ويتكرر.
حكمها:
-١ً- فرض كفاية على كل من تلزمه صلاة الجمعة فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة. والدليل على ذلك مداومته ﷺ عليها وكذلك الخلفاء من بعده، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرض كفاية كالجهاد. ولا تجب على الأعيان لما روى طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد يسأله عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ: (خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع) (١) . وإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان.
ويشترط لصحتها الاستيطان والعدد، لأنها صلاة لها خطبة راتبة أشبهت الجمعة، ولأن النبي ﷺ وافق العيد في حجته ولم يصل.
-٢ً- سنة لمن فاتته الصلاة مع الإمام، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما.
-٣ً- يستحب خروج النساء لما روت أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى. العواتِقَ والحُيَّضَ وذواتِ الخُدُود. فأما الحيض فيعتزِلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ) (٢)، ⦗٢٢١⦘ ولكن لا يلبسن ثوب شهرة ولا يتطيبن، لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرُجن وهن تفلات) (٣) .
مشروعيتها: شرعت في السنة الأولى للهجرة. روى أبو داود عن أنس ﵁ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: إن الله أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر) (٤) .
وقتها: من حِلّ النافلة (أي حين ترتفع الشمس) إلى ما قبيل الزوال، فإذا زالت الشمس وهو فيها فسدت إن حصل الزوال قبل القعود قدر التشهد) ومعنى فسادها أنها تنقلب نفلًا. فإن لم يعلم بها إلا بعد الزوال خرج الإمام من الغد فصلى بالمسلمين، لما روى أبو عمير بن انس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ (أن ركبانًا جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يُفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم) (٥) .
ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر، لما روى أبو الحويرث ﵁ قال: (أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر) (٦)، ولأن السنة إخراج الفطرة قبل صلاة الفطر ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها، أما الأضحية فلا تجوز إلا بعد الصلاة ففي تعجيل صلاة عيد الأضحى مبادرة إلى الأضحية.
كيفيتها: هي ركعتان عاديتان يقرأ في كل واحدة الفاتحة وسورة ويجهر بالقراءة، لما روي عن عمر ﵁ قال: (صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان والفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ) (٧) .
ويشترط لصحتها ما يشترط لصلاة الجمعة غير الخطبة. ⦗٢٢٢⦘
_________________
(١) مسلم: ج-١/ كتاب صلاة المسافرين باب ١٦/١١١.
(٢) مسلم: ج-١/ كتاب الإيمان باب ٢/٨.
(٣) مسلم: ج-٢/ كتاب صلاة العيدين باب ١/١٢.
(٤) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٥٣/٥٦٥.
(٥) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢٤٥/١١٣٤.
(٦) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢٥٥/١١٥٧.
(٧) البيهقي: ج-٣ /ص ٢٨٢.
(٨) ابن ماجة: ج-١/ كتاب إقامة الصلاة باب ٧٣/١٠٦٤.
[ ٢٢٠ ]
سننها:
-١ً- يسن أن يقرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و(هل أتالك حديث الغاشية) لحديث النعمان بن بشير برواية مسلم.
-٢ً- أن يكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات عدا تكبيرة الإحرام، وموضع التكبير بعد الاستفتاح وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين، وإن نسي التكبير بعد الاستفتاح وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين، وإن نسي التكبير بعد الاستفتاح حتى شرع في القراءة لم يعد إليه، لأنه سنة فلا يعود إليها بعد شروعه في القراءة كالاستفتاح ومن سُبق بالتكبير أو ببعضه لم يقضه لأنه سنة فات محلها. وإن أدرك الإمام في التشهد قام إذا سلم الإمام فقضى ركعتين يكبر فيهما، وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب. وفي صفة القضاء ثلاث روايات: إحداهن: يقضيها على صفتها لما روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا فاته العيد يأمر مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية، فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة المصر وتكبيرهم (١)، ولأن قضاء صلاةٍ فكان على صفتها كغيرها.
الثانية: يصليها أربعًا بسلام واحد إن أحب أو بسلامين، لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من فاته العيد فليصلِّ أربعًا) (٢)، ولأنها صلاة عيد فإذا فاتت صليت أربعًا كالجمعة.
والثالثة: يخير بين صلاة ركعتين وأربع، ولأنه تطوع نهار فكانت الخيرة فيه إليه كالضحى.
ويستحب أن يكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام، لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (كان يكبر في الفطر والأضحى في ⦗٢٢٣⦘ الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسًا) (٣) واعتد بتكبيرة الإحرام لأنها في حال القيام ولم يعتد بتكبيرة القيام لأنها قبله.
-٣ً- يسن أن يرفع يديه مع كل تكبيرة.
-٤ً- أن يحمد الله ويثني عليه ويصلي علة النبي ﷺ بين كل تكبيرتين، وإن أحب قال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما.
-٥ً- يسن أن يصليها في المصلى، لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يفعلونها فيه، ويستحب أن يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في المسجد. وإن كان هناك عذرًا من مطر أو نحوه صلاها في المسجد، لما روى أبو هريرة ﵁ (أنه أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد) (٤) .
-٦ً- يسن لها خطبتان كخطبتي الجمعة ولكن بعد الصلاة، لما روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة) (٥) . ولا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما، لما روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب) (٦) ⦗٢٢٤⦘
_________________
(١) البخاري: ج-١/ كتاب صلاة العيدين باب ٢٥ معلقًا.
(٢) فتح الباري: ج-٢ /ص ٤٧٥، وذكر أنه أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.
(٣) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢٥١/١١٤٩.
(٤) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢٥٧/١١٦٠.
(٥) البخاري: ج-١/ كتاب صلاة العيدين باب ٨/٩٢٠.
(٦) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢٥٣/١١٥٥.
[ ٢٢٢ ]
سنن الخطبتين:
-١- أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع، ويكثر التكبير أثناء الخطبة.
-٢- أن يحثهم في خطبة الفطر على إخراج الفطرة، ويبين له ما يخرجونه ووقته وجنسه، وأن يرغبهم في خطبة الأضحى في الأضحية، ويبين له ما يجزئ فيها، ووقت ذبحه، ويحثهم على الإطعام منها، لأن الأضحى وقت هذا النسك فشرع تبيينه.
أركان خطبتي العيدين: هي أركان خطبتي الجمعة.
-١- حمد الله تعالى.
-٢- الصلاة على رسول الله ﷺ، ويتعين لفظ الصلاة.
-٣- قراءة آية من كتاب الله تعالى، ويلزم أن يكون لهذه الآية معنى مستقل، أو أن تكون مشتملة على حكم من الأحكام فلا يكفي أن يقرأ قوله تعالى: (مدهامتان) .
-٤- الوصية بتقوى الله تعالى وأقلها أن يقول: اتقوا الله واحذروا مخالفة أمره أو نحو ذلك.
-٥- الموالاة بين الخطبتين وبين الصلاة وبينهما.
-٦- الجهر بهما بحيث يسمع العدد المعتبر.
-٧- كونهما بالعربية مع القدرة.
- ولا يسن لصلاة العيدين أذان ولا إقامة، لما روى عطاء قال: أخبرني جابر (أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج. ولا إقامة ⦗٢٢٥⦘ ولا نداء ) (١)، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة) (٢) .
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب صلاة العيدين /٥.
(٢) مسلم: ج-٢/ كتاب صلاة العيدين /٧.
[ ٢٢٤ ]
ما يسن يوم العيد:
-١ً- أن يأكل في يوم الفطر قبل الصلاة وأن يمسك في يوم الأضحى حتى يصلي، لحديث
بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) (١) .
-٢ً- أن يفطر على تمرات، وأن يكون عددها وترًا، لما روى أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) وفي لفظ: (يأكلهن وترًا) (٢) .
-٣ً- الغسل لصلاة العيد أي لمن يريد حضورها، وأول وقته من الفجر ويستمر إلى صلاة العيد، وقال ابن عقيل: المنصوص عن الإمام أحمد أنه يصبح قبل الفجر.
-٤ً- التطيب والتنظف والسواك، لما روي عن ابن السباق أن رسول الله ﷺ قال في يوم جمعة: (يا معشر المسلمين هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسح منه وعليكم بالسواك) (٣) فعلل ذلك بأنه يوم عيد، ولأن هذا يوم مشروع فيه الاجتماع للصلاة فأشبه الجمعة.
-٥ً- لبس أحسن الثياب، لما روي عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يلبس برده الأحمر في العيد والجمعة) (٤)، إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة. ⦗٢٢٦⦘
-٦ً- يستحب أن يبكر إليها المأموم ماشيًا مظهرًا للتكبير، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (من السُّنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا، وأن تأكل شيئًا قبل أن تخرج) (٥) .
-٧ً- أن يغدو من طريق ويرجع من غيره، لحديث جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد، خالف الطريق) (٦) .
-٨ً- أن لا يتنفل قبل الصلاة ولا يعدها في موضع الصلاة ولا في المسجد ولا في المصلّى إمامًا كان أو مأمومًا، لحديث ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ خرج يوم أضحى أو فِطر فصلى ركعتين. لم يصل قبلها ولا بعدها) (٧) . ولا بأس أن يصلي بعد رجوعه، لما روى أبو سعيد ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين) (٨) .
-٩ً- يسن التكبير المطلق (وهو الذي لم يقيد بصلاة) في ليلتي العيدين للرجال والنساء (إلا أن النساء لا تجهر به) في البيوت والأسواق والمساجد وغير ذلك. والتكبير في ليلة عيد الفطر آكد بدليل قوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) (٩) . وعن علي ﵁ أنه كان يكبر حتى يسمع أهل الطريق.
ويبدأ وقته من غروب شمس ليلة عيد الفطر ومن أول ذي الحجة في عيد الأضحى إلى فراغ الإمام من الخطبتين. ⦗٢٢٧⦘
-١٠ً- يسن التكبير المقيد (أي عقب الصلوات المفروضة) في عيد الأضحى، ويبدأ وقته من صلاة فجر يوم عرفة ويمتد إلى عصر آخر أيام التشريق لغير الحاج، أما الحاج المحرم فمن صلاة ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. والأدلة على ذلك أنه قيل لأحمد ﵁ بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضوان الله عليهم، وما روي عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: على مكانكم ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق) (١٠) .
صفة التكبير المشروع الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لما ورد في حديث جابر ﵁، ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعًا كتكبير الأذان.
موضعه عقب الصلوات المكتوبة أداءً وقضاءً لفائتة عام هذا العيد، ومن فاتته صلاة في أيام التكبير فقضاها في غير أيام التكبير لم يكبر، لأن التكبير مقيد بوقت.
ولا يشرع التكبير عقب النوافل، لأنه لا أذان لها فلا يكبر بعدها كصلاة الجنازة. وإن سُبق الرجل ببعض الفريضة كبّر إذا سلم.
شروط تكبير المقيد:
-١ً- أن يصلي في جماعة، لأنه مخصوص بوقت محض في جماعة كالخطبة. والمسافر كالمقيم في التكبير والمرأة كالرجل. قال البخاري: (وكان النساء يكبرن ⦗٢٢٨⦘ خلف أبان بن عثمان، وعمر ن عبد العزيز، ليال التشريق ممع الرجال في المسجد) (١١)، ويخفض أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال.
-٢ً- أن يكبر المأموم مستقبلًا القبلة، أما الإمام فيس له أن يكبر مستقبلًا الناس.
-٣ً- أن يكون التكبير عقب الصلاة مباشرة وقبل أذكار الصلاة، فإن نسي التكبير استقبل القبلة وكبر ما لم يطل الفصل أو يخج من المسجد أو يحدث، ولو لم يكبر الإمام.
_________________
(١) الترمذي: ج-٢/ الصلاة باب ٣٩٠/٥٤٢
(٢) البخاري: ج-١/ كتاب العيدين باب ٤/٩١٠
(٣) الموطأ (شرح الزرقاني): كتاب الطهارة باب ١٧ /ص ٤٦.
(٤) البيهقي: ج-٣ /ص ٢٤٧.
(٥) الترمذي: ج-٢/ الصلاة باب ٣٨٢/٥٣٠.
(٦) البخاري: ج-١/ كتاب العيدين باب ٢٤/٩٤٣.
(٧) مسلم: ج-١/ كتاب العيدين باب ٢/١٣.
(٨) ابن ماجة: ج-١/ كتاب إقامة الصلاة باب ١٦٠/١٢٩٣.
(٩) البقرة: ١٨٥.
(١٠) الدارقطني: ج-٢ /ص ٥٠.
(١١) البخاري: ج-١/ كتاب العيدين باب ١٢.
[ ٢٢٥ ]
-٤ً- صلاة الكسوف:
تعريف:
الكسوف ذهاب ضوء أحد النيِّريْن (الشمس والقمر) أو بعضهما. وقيل الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وقيل الكسوف تغيرهما والخسوف تغيبهما.
حكمها: سنة مؤكدة للمقيم والمسافر.
دليلها: عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبي ﷺ: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها قوموا فصلوا) (١) .
وقتها: يبدأ قتها من حين بدء الكسوف إلى حين التجلي، فإن فاتت لم تقض لقول النبي ﷺ: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا، حتى يُكشف ما بكم) (٢) . ولأن القصد عودة النور وقد عاد كاملًا. وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها خفيفة، وإن سلم قبل انجلائها لم يصل أخرى. ويشتغل بالذكر والدعاء، وإن استترت بغيم صلى لأن القصد بقاء ⦗٢٢٩⦘ الكسوف، ويعتبر بحكم التجلي إن غابت كاسفة كانجلائها، لأنه ذهب وقت الانتفاع بنورها فلا يصلي. وكذلك القمر إن غاب ليلًا خاسفًا فلا يصلي (وقال القاضي: يصلي لأن وقت سلطانه باق) .
وإذا اجتمع الكسوف مع الجنازة بُدئ بالجنازة لأنه يخشى عليها، وإن اجتمع مع المكتوبة في آخر وقتها بُدئ المكتوبة لأنها آكد، أما إن كان في أول وقتها بُدئ بصلاة الكسوف لأنه يخشى فواتها، وإن اجتمع مع الوتر وخيف فواتها بدئ بالكسوف لأنه آكد.
أقلها: ركعان عاديتان كصلاة النفل، وتصلى فردى وجماعة.
وأقل الكمال: ركعتان، في كلٍ قيامان وركوعان وسجدتان، ويطيل القراءة والركوع والسجود، وتكون الإطالة في القيام الأول أكثر من الثاني، وفي الركوع الأول أكثر من الثاني. عن عائشة ﵂ قالت: (إن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ. فبعث مناديًا الصلاة جامعة. فاجتمعوا. وتقدَّم فكبر وصلّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات) (٣) . وحكم الركوع الثاني والقيام الثاني في كل ركعة سنة لذا من أدرك الإمام فيهما لا يعتبر مدركًا لهذه الركعة كما لا تبطل الصلاة بتركهما.
وإن صلى في كل ركعة ثلاثة ركوعات على نحو ما ذكرنا جاز، لما روت عائشة ﵂ (أن نبي الله ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات) (٤)، وإن جعل في كل ركعة أربعة ركوعات جاز أيضًا، لأنه يروى كذلك عن علي وابن عباس رضوان الله عليهم عن النبي ﷺ. والمختار الوجه الأول لأنه أصح وأشهر.
_________________
(١) البخاري: ج-١/ كتاب الكسوف باب ١/٩٩٤.
(٢) البخاري: ج-١/ كتاب الكسوف باب ١/٩٩٤.
(٣) مسلم: ج-٢/ كتاب الكسوف باب ١/٤.
(٤) مسلم: ج-١/ كتاب الكسوف باب ١/٧.
[ ٢٢٨ ]
سننها وكيفيتها:
-١ً- يسن أن تصلى جماعة، وينادى لها الصلاة جامعة بلا أذان ولا إقامة. ⦗٢٣٠⦘
-٢ً- أن تصلى في المسجد، لفعلها فيه على عهد النبي ﷺ.
-٣ً- أن يقرأ فيه الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (البقرة) أو نحوها، ثم يركع فيسبح نحوًا من مائة آية، ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة سورة (آل عمران) أو نحوها، ثم يركع فيسبح نحوًا من سبعين آية، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين يسبح فيهما نحوًا من الركوع، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة (النساء)، ثم يركع ويسبح نحوًا من خمسين آية، ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة سورة (المائدة)، ثم يركع فيسبح نحوًا من أربعين آية، ثم يرفع، ثم يسجد نحوًا من ركوعه ويتشهد ويسلم وذلك ليقارب ما فعله النبي ﷺ فيما روته عائشة ﵁ زوجه ﷺ قالت: (خَسَفَت الشمس في حياة رسول الله ﷺ. فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد. فقام وكبَّر وصفّ الناس وراءه. فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة. ثم كبر فرفع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة. هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات. وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ) (١) .
-٤ً- يسن أن يجهر فيها بالقراءة ليلًا صلاها أو نهارًا. عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته) (٢) .
-٥ً- يسن أن يخطب الإمام بعد صلاتها خطبتان. وقال القاضي: لم يذكر لها الإمام أحمد ﵁ خطبة ولم يؤثر ذلك من أحد من أصحابنا، لأن النبي ﷺ أمرنا بالصلاة دون الخطبة. ⦗٢٣١⦘
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب الكسوف باب ١/٣.
(٢) مسلم: ج-٢/ الكسوف باب ١/٥.
[ ٢٢٩ ]
الصلاة لغير الكسوف:
لا يُصلى لغير الكسوف من الآيات لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه، إلا أن الإمام أحمد ﵁ قال: يصلي للزلزلة الدائمة ركعتين كركعتي الكسوف، لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده، والزلزلة أشد تخويفًا. وأما الرجفة فلا يصلي لوقوعها لأنها لا تبقى مدة تتسع للصلاة.
-٥ً- صلاة الاستسقاء:
تعريف:
الاستسقاء لغة: طلب السقيا من الله أو من الناس.
شرعًا: الدعاء بطلب العباد السقيا من الله تعالى عند حاجتهم إلى الماء كإجداب أرضٍ أو قحطِ مطرٍ أو غور ماء عيون أو أنهار أو وجود الماء مع عدم كفايته.
وقتها: هو وقت صلاة العيد.
ما يسن قبلها:
-١ً- يسن للإمام أن يعظ الناس ويأمرهم بتقوى الله والخروج عن المظالم والتوبة عن المعاصي وتحليل بعضهم بعضًا والصوم والصدقة وترك التشاحن لن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات. قال الله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (١) . ⦗٢٣٢⦘
-٢ً- أن يعد الإمامُ يومًا يخرجون فيه (ولا يشترط أن يكون اليوم الرابع للصيام)، ويأمرهم أن يخرجوا على الصفة التي خرج عليها رسول الله ﷺ متواضعين خشعًا متضرعين متذللين، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (إن رسول الله ﷺ خرج للاستسقاء متبذلًا متواضعًا متضرعًا، حتى أتى المصلّى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد) (٢) .
-٣ً- يسن لحاضرها التنظيف وإزالة الرائحة الكريهة لئلا يؤذي الناس بها. ولا يسن لبس ثياب الزينة ولا التطيب لأن هذا ينافي الاستكانة والخضوع.
-٤ً- يسن أن يستصحب الإمام بالخروج أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان لأنه أسرع للإجابة.
-٥ً- أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه، لأن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم رسول الله ﷺ، واستسقى معاوية والضحاك ﵄ بيزيد بن أسود الجرشي، وروي أن معاوية ﵁ أمر يزيد بن الأسود فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية ﵁: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا. اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه ورفع الناس أيديهم، فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة في القرب كأنها ترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كاد الناس لا يبلغوا منازلهم".
- ولا يستحب إخراج البهائم لأن النبي ﷺ لم يخرجها، وكذلك لا يستحب إخراج الكفار ولكنه مباح، فإن خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون رزقهم، لكن يفردون عن المسلمين بحيث إن أصابهم عذاب لم يصب غيرهم. ⦗٢٣٣⦘
_________________
(١) الأعراف: ٦٩.
(٢) الترمذي: ج-٢/ الصلاة باب ٣٥٩/٥٥٨.
[ ٢٣١ ]
كيفية الصلاة:
الاستسقاء على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يصلي ركعتي كركعتي العيد وقت الضحى، وأن يستفتح الركعة الأولى بسبع تكبيرات والركعة الثانية بخمس تكبيرات كركعتي العيد تمامًا. ويسن أن يقرأ فيهما بـ (سبح اسم ربك الأعلى) في الأولى و(هل أتاك حديث الغاشية) في الركعة الثانية، أو أن يقرأ آيات الاستغفار من سورة نوح في الركعة الأولى وما تيسر في الركعة الثانية. ثم يسن أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبة.
والثاني: أن يستسقي الإمام يوم الجمعة على المنبر، لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: (أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعةٍ. من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب. فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يغثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثم قال: اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا ) (١) .
والثالث: أن يدعو عقب الصلوات. ويستحب أن يقف حتى نزول أول المطر ويخرج ليصيبها البلل، لما روى أنس ﵁ في حديثه: (أن رسول الله ﷺ لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته) (٢) .
والسنة أن يخطب الإمام خطبة واحدة، ولكن اختلفت الروايات في وقت الخطبة هل تكون قبل الصلاة أو بعدها. قيل: أنه يخطب وقت الصلاة، لما روى عبّاد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ يومًا يستسقي. فجعل إلى الناس ظهره. يدعو الله واستقبل القبلة وحوَّل رداءه. ثم صلى ركعتين) (٣) . وعن الإمام أحمد: أنه مخير في الخطبة قبل ⦗٢٣٤⦘ الصلاة وبعدها لأن الوجهين مرويان عن رسول الله ﷺ. وقبل عنه أيضًا: يخطب بعد الصلاة، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ يومًا فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا فدعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه) (٤) وهذا صريح، ولأن صلاتها كصلاة العيد فخطبتها بعد الصلاة.
_________________
(١) مسلم: ج-٢/ كتاب صلاة الاستسقاء باب ٢/٨.
(٢) البخاري: ج-١/ كتاب الاستسقاء باب ٢٣/٩٨٦.
(٣) مسلم: ج-٢/ الاستسقاء /٤.
(٤) البيهقي: ج-٣ /ص ٣٤٧.
[ ٢٣٣ ]
سنن الخطبة:
-١- أن يستفتحها بتسع تكبيرات كخطبة العيد، ويكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار مثل قوله تعالى: (استغفرو ربكم إنه كان غفارًا) (١) ولقوله: (وأن استغفروا ربكم ثم توبو إليه) (٢) .
-٢- أن يكثر فيها من الدعاء والتضرع، ويدعو بما ورد عن النبي ﷺ. روى ابن عباس ﵄ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يحظر لهم فحلٍ، فصعد المنبر فحمد الله ثم قال: اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريئًا، طبقًا، مربعًا، غدقًا، عاجلًا غير رائث. ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا: قد أحيينا) (٣) . وإذا شاء قال: "اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، وحيًا (٤) ربيعًا، وجدًا (٥) طبقًا (٦)، غدقًا (٧) مغدقًا، مونقًا (٨)، هنيئًا، مريئًا، مَريعًا (٩)، مُرْبعًا (١٠)، مرتعًا (١١)، ⦗٢٣٥⦘ سابلًا (١٢)، مسبلًا (١٣)، مجللًا، ديماُ، درورًا، نافعًا، غير ضار، عاجلًا غير رائث، اللهم تحي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر منها والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل في أرضنا سكنها (١٤)، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورًا، فأحي به بلدة ميتة، واسقه مما خلقت أنعامًا وأناسي كثيرًا". أو يدعو بهذا الدعاء: "اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا، مريئًا، غدقًا، مجللًا، طبقاُ، عامًا، سحًا، دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ملا نشوه إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من العذاب ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا".
-٣- يسن أن يرفع يديه بالدعاء ظهورهما إلى السماء وبطونهما جهة الأرض، لحديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإن يرفع حتى يرى بياض إبطيه) (١٥) .
-٤- يسن للإمام أن يستقبل القبلة أثناء الخطبة، ويدعو الله في استقباله سرًا فيقول: "اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا"، ثم يحول رداءه فيجعل اليمين يسارًا واليسار يمينًا تفاؤلًا أن يحول الله الجدب خصبًا، ولا يجعل أعلاه أسفله لأن النبي ﷺ لم يفعله. روى عبد الله بن زيد ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة ثم حول رداءه) (١٦) . وفي رواية عند أبي داود: (وحول ⦗٢٣٦⦘ رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله ﷿) (١٧) .
-٥- ويسن للمأمومين أن يؤمنوا على دعاء الإمام.
فإن سقوا قبل الصلاة صلّوا وشروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله، فإن كثر المطر بحيث يضرهم أو كثرت مياه العيون حتى خيف منها استحب أن يدعو الإمام الله تعالى أن يخففه، لما ورد في حديث أنس ﵁ قال: ( ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادعُ الله يمسكها عنا، قال فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثم قال: اللهم حولنا ولا علينا. اللهم على الآكام والظّراب، ويطون الأودية، ومنابت الشجر) (١٨) ثم يقول: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (١٩) . ⦗٢٣٧⦘
_________________
(١) نوح: ١٠.
(٢) هود: ٥٢.
(٣) ابن ماجة: ج-١/ كتاب إقامة الصلاة باب ١٥٤/١٢٧.
(٤) الحيا: الذي يحيي به الأرض.
(٥) الجدا: المطر العام.
(٦) الطبق: الذي يطبق الأرض.
(٧) الغدق: الكثير.
(٨) المونق: المعجب.
(٩) المريع: ذو المراعة والخصب.
(١٠) المُربع: المقيم من قولك ربعت بالمكان إذا أقمت به.
(١١) المرتع: من قولك رتعت الإبل إذا رعت.
(١٢) السابل: المطر.
(١٣) المسبل: الماطر.
(١٤) السكن: القوة لأن الأرض تسكن به.
(١٥) البخاري: ج-١/ كتاب الاستسقاء باب ٢١/٩٨٤.
(١٦) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢٥٩/١١٦٦.
(١٧) أبو داود: ج-١/ الصلاة باب ٢٥٨/١١٦٣.
(١٨) أبو داود: ج-١/ كتاب الصلاة باب ٢/٨.
(١٩) البقرة: ٢٨٦.
[ ٢٣٤ ]