[ ١٢ ]
١- طلبه للعلم: اتجه أحمد ﵁ إلى طلب العلم الذي وجهته أسرته إليه واستقام ذلك التوجيه مع نزوعه الخاص. وبذلك تلاقت ميوله مع الوجهة التي وجه إليها، وكانت بغداد فيها علوم الدين، واللغة، والرياضة، والفلسفة، والتصوف إذ كانت حاضرة العالم الإسلامي. فاختار الإِمام أحمد في صدر حياته رجال الحديث ومسلكهم فاتجه إليهم أول اتجاهه، ويظهر أنه قبل أن يتجه إلى المحدثين راد طريق الفقهاء الذين جمعوا بين الرأي والحديث، فيروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقد قال: "أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف". ولكنه مال من بعد إلى المحدثين الذين انصرفوا بجملتهم ⦗١٣⦘ للحديث، وبقي يتلقى الحديث بغداد من سنة ١٧٩ هـ إلى سنة ١٨٦ هـ ولزم عالمًا كبيرًا من علماء الحديث وآلاثار ببغداد أربع سنوات، وهو شيم بن بشير بن أبي حازم الوسطي (المتوفي سنة ١٨٣ هـ) . وكانت سنه عند الملازمة حوالي الست عشرة سنة، وكتب الإِمام أحمد عنه كتاب الحج وبعضًا من التفسير وكتاب القضاء وكتبًا صغارًا.
ولقد استمع أيضًا ملازمته لهشيم إلى عبد الرحمن بن مهدي وأبي بكر بن عباس. وبعد موت هشيم أخذ أحمد ﵁ يتلقى الحديث حيثما وجده وحيثما كان؛ ومكث ببغداد نحو ثلاث سنوات يأخذ من شيوخها بجد وأدب ونشاط، فقد ذكر عن نفسه " "كنت ربما أردت البكور في الحديث؛ فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا".
[ ١٢ ]
٢- رحلاته العلمية: ابتدأ الإِمام أحمد رحلاته في سنة ١٨٦ هـ؛ ليتلقى الحديث عن الرجال شفاهًا ويكتب عن أفواههم ما يقولون؛ فرحل إلى البصرة؛ ورحل إلى الحجاز؛ ورحل إلى اليمن؛ ورحل إلى الكوفة؛ وما سمع بعالم إلا رحل إليه، إلا إن حالت المنية دون اللقاء، فلم يستطع الاستماع إلى الإِمام مالك، إذ مات الأخير عند ابتدائه في طلب الحديث، ولم يتمكن من الاستماع إلى ابن المبارك إذ أن آخر قدمة له ببغداد كانت في السنة التي اتجه فيها أحمد ﵁ إلى طلب الحديث، ولم يظفر بلقائه، كما ضاقت نفقته عن الرحلة إلى الري وقال: "لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد".
وكما رحل الإِمام أحمد في سبيل طلب العلم رحل في سبيل الحج، فقد روى لنا أنه حج خمس مرات، ثلاثًا على قدميه واثنتين راكبًا.. وفي سنة ١٨٧ هـ التقى في رحلته إلى الحجاز مع الإِمام الشافعي، وأخذ عنه الفقه وأصوله، وعلم الناسخ والمنسوخ، ولقي الإِمام الشافعي بعد ذلك ببغداد، وقد حرر الشافعي فقهه، ونضج أحمد ﵁ في الحديث وعلم الرواية، حتى كان الإِمام الشافعي يقول له: "إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به". ⦗١٤⦘ إذن كان الإِمام أحمد يحتفي بطلب الحديث وآثار الرسول ﷺ وفتاوى أصحابه كما كان
يطلب علم الفقه والاستنباط، وكان معجبًا في هذا الباب بمنهج الشافعي الفقهي في القياس والاستنباط؛ واعترف بذكائه الباهر وقوة قياسه حتى قال: "ما رأت عيناي مثله".
ومما يدل على علو همة أحمد ﵁ في طلب العلم واستطابته المشقة في سبيل ذلك، قصة يرويها ولده صالح، قال: "عزم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن معين، قال أبي: نحج ونمضي إلى صنعاء إلى عبد الرزاق (١)، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة، فإذا عبد الرزاق في الطواف، وكان يحيى يعرفه، فطفنا ثم جئنا إلى عبد الرزاق، فسلم عليه يحيى، وقال: هذا أخوك أحمد بن حنبل، فقال: حياه الله! إنه ليبلغني عنه كل ما أُسَرّ به، ثبته الله على ذلك! ثم قام لينصرف، فقال يحيى: ألا نأخذ عليه الموعد؟ فأبى أحمد وقال: لم أغير النية في رحلتي إليه، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع عنه الكتب وأكثر عنه".
واستمر على هذا الجد والطلب حتى بلغ مبلغ الإِمامة في الحديث والفقه، قال عبد الله ابن أحمد، سمعت أبا زرعة يقول: "كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له، وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب". وقال أبو عبيدة: "ما رأيت رجلًا أعلم بالسنة من أحمد". وقال القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل، علي بن المديني، أبي بكر بن شيبة ويحيى ابن معين. وأحمد أفقههم! " وقال أحمد بن سعيد الرازي: "ما رأيت أسود الرأس، أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقه من أحمد بن حنبل". وقد شهد له الإمام الشافعي بذلك فقال: "خرجت من بغداد، وما خلفت به أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من أحمد".
وقد استمر أحمد ﵁ على جده في طلب العلم، حتى بعد أن بلغ مبلغ الإمامة، وكان رحمه الله تعالى يقول: "أنا أطلب العلم إلى أن أدخل ⦗١٥⦘ القبر". وهكذا كان الإمام أحمد يسير على الحكمة المأثورة: "لا يزال الرجل عالمًا ما دام يطلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل".
_________________
(١) عبد الرزاق بن همام: إمام الحديث في اليمن.
[ ١٣ ]
٣- جلوسه للتحديث والفتوى: جلس أحمد ﵁ للتدريس والفتيا في المسجد الجامع ببغداد، وقد بلغ الأربعين، فوافق في نشر علم النبوءة سن النبوءة، وكان إقبال الناس على مجالسه عظيمًا إذ كان ذكره قد ذاع في الآفاق الإسلامية قبل أن يتخذ مجلسًا، ويروى عدد من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف، وأنه كان يكتب منهم نحو خمسمائة.
وكانت مجالسه تمتاز بالوقار والسكينة وحسن الإنصات وإجلال العلم، وكانت بعيدة عن الدعابة والهزل وكل ما يذهب رواء العلم وروعة الدين، واكن للفقراء تقديم على الأمراء والأغنياء، نقل الذهبي عن المروزي قال: " لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر، يقعد حيث انتهى به المجلس".
ويظهر أنه كان له مجلسان للدرس والتحديث أحدهما: في منزله يحدث فيه خاصة تلاميذه وأولاده، والثاني: في المسجد يحضر إليه العامة والتلاميذ. وكانت دروسه من حيث موضوعها قسمين: أولهما: رواية الحديث ونقله: وهذه يميلها على تلاميذه من كتاب لا اتهامًا لذاكرته، بل حرصًا على جودة النقل وإبعاد لمظنة الخطأ ما أمكن، وفي الأحوال النادرة جدًا كان يقول الحديث من غير رجوع إلى كتاب.
وثانيهما: فتاويه الفقهية التي كان يضطر إلى استنباطها، وهذه لا يسمح لتلاميذه أن يدونوها، ولا يسمح لهم أن ينقلوها عنه، إذ أنه ما كان يستجيز التدوين إلا لأحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. إلا أنه اضطر في آخر أمره أن يجيز كتابة فتاويه، بل نشرها؛ وبخاصة بعد محنته وذيوع اسمه وشهرته في كل البقاع ⦗١٦⦘ الإسلامية بعلوم الدين كلها، سواء ما كان يتصل بالعقيدة أم بالحديث والفقه.
فقد كان الناس يقصدونه للفتوى من أقصى العراق والشام وخراسان لمنزلته وشهرته في الورع والتقوى والفقه، فكثرت فتاويه حتى يروي العليمي في بيان علم الإمام أحمد ﵁ ومنزلة فقهه أن عبد الوهاب الوراق قال: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل فقالوا له وأي شيء بان لك من فضله؟، فقال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها: حَدَّثنا وأخبَرَنا".
وهذا الكلام يدل على أن الإمام أحمد كان يعتمد في فتاويه على أحاديث وأخبار وآثار السلف الصالح ﵃، وهو يُعتبر في ذلك الحجة الثَبْتَ الذي لا يُجارى ولا يُباري. ولم يبح لنفسه أن يجتهد وأن يستنبط إن لم يجد ضرورة تستدعي ذلك. ولحرص أحمد ﵁ في فقهه أن يكون بعيدًا عن الابتداع في الدين كان لا يفتي إلا فيما يقع من الأمور.
وإذا كان الإفتاء في الأمور المتوقعة يكسب الفقه ضبطًا، وإحكامًا في الصياغة، فإن الإفتاء في الأمور الواقعة يكسبه حياة وقوة، ولذلك كان الفقه الحنبلي المأثور حيًا نضرًا، ريّان المحيّا، فيه جلال السلف؛ إذ هو أثر، أو من ينبوع الأثر، ولقد كان أحمد ﵁ لتمرسه بالآثار قوي الإدراك لما يشبهها فينطق به، لأن فكره تكون منه، وأُشرب به، ومازج عقله وأطواء نفسه.
وهكذا كان الإمام أحمد سلفيًا في فقهه وفتاويه، لا يقفوا ما ليس به علم، لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهج السلف، لا يتكلف التعمق في مسائل عقلية قد تكون متاهات للعقل البشري، وإذا خرج من وعثائها سالمًا فقد جهد نفسه في غير طائل، وشغل فكره في غير جدوى، ولها عن ذكر الله، وصد نفسه عن سبيل العبادة.
وبذلك نرى كيف انعقدت الإمامة لأحمد ﵁ في الفقه والورع والسنة قال الحافظ الذهبي يصفه: "هو عالم العصر، وزاهد الوقت، ومحدث الدنيا، ومفتي العراق، وعالم السنة، وباذل نفسه في المحنة، وقل أن ترى العيون ⦗١٧⦘ مثله، كان رأسًا في العلم والعمل، والتمسك بالأثر، ذا عقل رزين، وصدق متين، وإخلاص مكين، وخشية ومراقبة للعزيز العليم، وذكاء وفطنة وفهم وسعة علم".
ولقد هيأته لهذه المكانة أربعة عوامل
أولها: صفاته.
وثانيها: الموجهون له من الشيوخ ومن يتصل بهم.
وثالثها: دراسته الخاصة.
ورابعها: العصر الذي أظله والبيئة التي اكتنفته.
ولنتجه إلى بيان كل عامل من هذه العوامل، ليتجلى لنا كيف تكونت لأحمد ﵁ تلك الثروة العلمية الضخمة.
-١ - صفاته:
اتصف أحمد ﵁ بصفات كانت هي السبب في هذه الشهرة التي اكتسبها، وفي ذلك العلم الغزير الذي خلفه من بعده.
- أول هذه الصفات الحافظة القوية الواعية، وهي صفة عامة المحدثين، وأهل الإمامة منهم بشكل خاص. ولقد شهد بقوة حفظه وضبطه معاصروه حتى عدَّ أحفظهم.
- والصفة الثانية، وهي أبرز صفات أحمد ﵁، وهي التي أذاعت ذكره، صفة الصبر والجلد وقوة الاحتمال، وهي مجموعة من السجايا الكريمة، أساسها قوة الإرادة، وصدق العيمة وبعد الهمة. وهذه الصفة هي التي جعلته يحتمل ما يحتمل في طلب العلم، غير وانٍ ولا راضٍ بالقليل منه.
ولقد كانت صفة الصبر التي امتاز بها الإمام أحمد من نوع الصبر الجميل، فقد نزل به الأذى (١) فما أنّ، وما ضج بالشكوى. وكان فيه صاحب الجنان الثابت ⦗١٨⦘ الذي لا يطيش ولا يذهب. ومما يروى دليلًا على ذلك أنه أدخل على الخليفة في أيام المحنة، وقد هولوا عليه لينطق بما ينجيه ويرضيهم، وقد ضرب عنق رجلين في حضرته، ولكنه في وسط ذلك المنظور المروع، وقع نظره أيضًا على بعض أصحاب الشافعي، فسأله: وأي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح على الخفين، فأثار ذلك دهشة الحاضرين، وراعهم ذلك الجنان الثابت الذي ربط الله على قلب صاحبه، حتى لقد قال خصمه أحمد بن أبي داؤد متعجبًا: "انظروا لرجل هو ذا يقدم لضرب عنقه، فيناظر في الفقه".
- وكان أحمد ﵁ كثير العفو عمن يسيء إليه، أغلظ له رجل الكلام وتركه مغضبًا ثم عاد إليه نادم، وقال له المعتذر: يا أبا عبد الله! إن الذي كان مني على غير تعمد، فأنا أحب أن تجعلني في حل، فقال أحمد ﵁: "ما زالت قدماي من مكانها حتى جعلتك في حل". وقد عفا عن كل من أساء إليه، أو تسبب في عقوبته ومحنته.
- أما الصفة الثالثة من صفات الإمام أحمد التي امتاز بها فهي النزاهة بأدق معانيها، ولقد دفعته عفة النفس أو نزاهتها أن يترك بعض الحلال، وأن يمتنع عن قبول عطاء الخلفاء، مع تصريحه لبعض أولاده بأنه حلال يصح الحج منه، وأنه يتركه تنزيهًا للنفس، لا تحريمًا.
وبهذا التضييق الذي سلكه في شأن نفسه، كان يأكل إلا من كسب يده، أو من غلة عقار ورثه، ويلقى في سبيل ذلك العناء الشديد، والحرمان من كثير من طيبات الحياة، ولهذا كان زاهدًا، ولكنه زهد، ليس أساسه رغبة الرغبة عن طيبات الحياة، بل أساسه طلب الحلال، ولكن لا يطلبه من مال فيه شبهة، بل من مال يناله من غير أن تصاب النفس في نزاهتها أو عزتها، ومن غير أن يلجأ في ذلك إلى أحد من العباد. وقد كان يضطر في بعض الأحيان أن يؤجر نفسه للحمل في الطريق -وهو إمام المسلمين- يومئذ - وقد ابتلي في أيام المتوكل بالإقبال والصلات والجوائز، كما ابتلي في أيام المعتصم بالتعذيب والصرم والقسوة، وكان في ⦗١٩⦘ كليهما صابرًا عفيفًا نزيهًا، وكانت الأولى أشد عليه من الأخرى، وقد ثبت على عفافه وزهده وعزوفه عن أموال السلطان وله في ذلك أخبار غريبة. ويروى أن وزير المتوكل كتب له: "إن أمير المؤمنين قد وجه إليك جائزة، ويأمرك بالخروج إليه، فالله الله أن تستعفي، أو ترد المال، فيتسع القول لمن يبغضك" فيضطر أحمد ﵁ ليبدد ظلمات السعاية إلى القبول، ولكنه لا يمسه، ويأمر ولده صالحًا أن يأخذه ثم يوزعه في اليوم التالي على أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من أهل التجمل والحاجة، وكأنه يرى أنهم أولى بمال المسلمين منه، وقد حرموا عطاءهم.
وقد استفاد أحمد من هذا الزهد والتوكل على الله قوة روحية، وصلة عميقة بالله، وإنابة إليه، استحق بها النصر، وتغلب على نزوات النفس وشهواتها.
- والصفة الرابعة من صفات الإمام أحمد هي الإخلاص. والإخلاص في طلب الحقيقة ينقي النفس من أدران الغرض، فتستنير البصيرة، ويستقيم الإدراك، ويشرق القلب بنور المعرفة وهداية الحق. ولهذا كان أحمد ﵁ يتجنب الرياء ويبالغ في الابتعاد عنه، وكان يؤثر أن لا يسمع به أحد فكان يقول: "أريد النزول بمكة ألقي نفسي في شعب من تلك الشعاب حتى لا أعرف".
ولهذا المعنى الجليل الذي سيطر على نفسه، فجعلها خالصة لربه كان يستقل ما يقوم به من عبادات ولا يستكثر ما وقع له من محنة، فكان لا يذكرها ويستر آثارها، وكان بعيدًا عن الزهو والافتخار، متواضعًا لله، متطامنًا للناس، ولا يفتخر في شيء، قال يحيى بن معين: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبته خمسين سنة، ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير".
- وقد وضع الله له القبول في قلوب العباد، وطار ذكره في الآفاق، ودعا له المسلمون، وتقربوا بحبه إلى الله، وهو يخاف على نفسه من الاستدراج، قال المروزي: "قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا، بأي شيء هذا؟ ". ⦗٢٠⦘
وقد كان كثير من غير المسلمين يجلّونه ويخضعون له، ويعتقدون فيه الصلاح، ويتبركون بزيارته، قال المروزي: "أدخلت نصرانيًا على أبي عبد الله يعالجه، فقال: يا أبا عبد الله! إني أشتهي أن أراك منذ سنين، ما بقاؤك صلاح الإسلام وحده، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا رضي بك".
- أما الصفة الخامسة التي امتاز بها الإمام أحمد، وجعلت لدروسه وكلامه موقع من نفوس سامعيه لا تزول، فهي الهيبة. فقد كان مهيبًا وقورًا، وكان الناس مدفوعين إلى إجلاله وتهيبه شأن " من تواضع لله رفعه الله" يقول أحد معاصريه: "دخلت على إسحاق بن إبراهيم، وفلان وفلان من السلاطين، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرت إليه، أكلمه في شيء، فوقعت علي الرعدة حين رأيته من هيبته".
_________________
(١) سيرد تفصيل محنته.
[ ١٥ ]
-٢- شيوخه:
يعتبر من شيوخ أحمد ﵁ كل من تلقى عليهم فقهًا، أو أخذ عنهم سنة، أو روى عنهم حديثًا، سواء أكان قد انتقل إليهم، أم كانوا معه في بغداد، وقد أحصى ابن الجوزي في مناقب أحمد شيوخه عدًا، فتجاوزت حسبتهم المائة. وكان تنوع شيوخه من أسباب كثرة تحصيله، وعمق معلوماته!. والذي لا شك فيه أنه كان لبعضهم أثر أكبر من البعض الآخر في حسن التوجيه وسداد الرأي.
ومن أبرز الشخصيات التي كان لها بالغ الأثر في توجيهه إلى السنة، وفي توجيهه إلى السنة، وفي توجيهه إلى الفقه، شخصيتان. أما الشخصية الأولى التي جعلت منه طالب سنة دءوبًا في طلبها، يجوب لأجلها الأمصار، فهي شخصية هشيم بن بشير الذي لزمه نحو أربع سنوات كما ذكرنا، تكونت له خلالها النواة الأولى لعلمه في الحديث.
أما الشخصية الثانية فهي شخصية الشافعي ﵁ الذي اتصل به الإمام أحمد عقب وفاة هشيم، عندما ذهب يحج بيت الله الحرام، فالتقى به هناك، ⦗٢١⦘ وأثار إعجابه عقله الفقهي وقوة استنباطه، ولقد صرح أحمد ﵁ بذلك وكان يقول فيه: "يروى عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله ﷿ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلًا يقيم لها أمر دينها، فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة". وعلى هذا يعتبر الإمام الشافعي الموجه الثاني لأحمد بن حنبل ﵁ إلى أصول الاستنباط كما وجهه هشيم في صدر حياته إلى الحديث، وطلب السنة.
-٣-دراساته الخاصة:
وإذا كنا قد قصرنا عدد الموجهين للإمام أحمد على اثنين من العلماء، فذلك لأن أحمد ﵁ كان موجهه الأكبر من نفسه، ونزوعها وميولها، والتي نمتها الدراسات الشخصية المختلفة، ونوع الحياة الذي اختاره، واكتفاؤه من المال بالقليل، وعدم اتجاهه إلى مطمح مما تطمح إليه نفوس الرجال، وترنو إليه أنظارهم، فكانت حياته كلها للحديث وفقه السنة.
لقد طلب أحمد ﵁ الحديث والسنة، وكان كلما أوغل في الطلب اشتدت رغبته فيه، كمن يذوق طعامًا فيستطيبه، إذ الرغبة بعد الذوق تشتد، بيد أن نهمة العلم لا تشبعها كثرة، ونهمة الطعام يشبعها القليل، لأنَّ الأولى معنوية، والمعاني لا تتخم، والثنية مادية، وقليل المادة يتخم.
ولقد كان أحمد ﵁ يجهد في دراساته بين الأمصار، وقد ذكرنا كيف كان في صدر حياته كثير الانتقال إلى الأمصار، والجوب في القفار، ومحبرته في رحاله، وهو يقول بلسان الحال: مع المحبرة إلى المقبرة، ولا يمتنع -وهو الكهل الذي يعده الناس إمامًا- على أن يعمل في طلب العلم ما يعمله الشاب الذي يستقبل العلم، وكان يقول وهو الإمام الحجة المقتدى به: "أنا أطلب العلم إلى القبر". ⦗٢٢⦘ وكان قدوته في ذلك سيرة إمامين جليلين لم يلقهما هما سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك. فقد اتخذهما أحمد ﵁ أستاذين له من سيرتهما، ومروياتهما، وكان يتلاقى معهما في أكثر ما اختلط لنفسه من السلوك في هذه الحياة.
-٤- عصره:
كانت حياة الإمام أحمد في العصر الذهبي من الخلافة العباسية؛ حيث نضج فيه كل شيء، وآتي أكله.. فمن الناحية السياسية استقرت الأمور للدولة العباسية استقرارًا تامًا بعد فتنة الأمين والمأمون، فانصرف الخلفاء إلى الجهاد، وصادر للدولة الإسلامية قوة وسلطان وازدهرت الحياة الدينية فيها.
وأما من الناحية الفكرية فقد نضج الفقه، واستقامت طرائقه، والتقى العلماء، وتدارسوا الفقه ودونت المجموعة الفقهية لكل طائفة من المجتهدين، كما ظهر في ذلك العصر الاتجاه إلى وضع الكليات، وضبط أساليب الاستنباط الفقهي، وقد تولى عبء ذلك الإمام الشافعي ﵁.
وقد ضج في عصر الإمام أحمد أيضًا علم الحديث، وتم فيه الجمع بين أحاديث الأقطار المختلفة، وطبيعية ذلك الجمع الإحاطة بالأحاديث الواردة في الأبواب الفقهية المختلفة، ودراستها دراسة مقارنة في إسنادها وفيما يستنبط منها الموازنة بينها من حيث القوة في حال تعارضها، وتعرف الناسخ والمنسوخ، وهكذا.
وإذا كان ذلك العصر هو عصر التقاء الثمرات الفقهية في كل الأمصار، فإن ذلك الالتقاء يصحبه احتكاك فكري بين العلماء، ومن طبيعة هذا الاحتكاك أن تتولد عنه المناظرات التي يقصد بها الوصول إلى الحق في القضايا المتنازعة.
وهكذا جاء الإمام أحمد في ذلك العصر الذي كان يزخر بأنواع المعارف والعلوم، فأخذ منها ما يتفق مع نزوعه ويتلاءم مع مزاجه ومسلكه الذي وجه إليه منذ نشأته الأولى، فاتجه إلى طلب الأحاديث والآثار من ينابيعها والعاكفين على دراستها، كما طلب الفقه من رجاله وممن غلب عليهم، فكان إمامًا في الحديث والفقه.
[ ٢٠ ]