وهُم ثمانيةٌ:
الأوَّلُ: الفقيرُ، وهو مَنْ لم يجد نصفَ كفايتِهِ (^١).
الثَّاني: المسكينُ، وهو من يجدُ نصفَها أو أكثرَها (^٢).
الثَّالثُ: العاملُ عليها، كجَابٍ (^٣)، وحافظٍ (^٤)، وكاتبٍ (^٥)،
(^١) الكفاية في حق الفقير والمسكين مُقدَّرَة هنا: بالسَّنة؛ لحديث عمر ﵁: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب. فكانت لرسوله ﷺ خاصة. فكان ﷺ ينفق على أهله منه نفقةَ سنةٍ، ثم يجعل ما بقي في الكراع، والسلاح عدة في سبيل الله»، متفق عليه. قال سفيان - أحد الرواة -: ربما قال في هذا الحديث: «يحبس نفقة سنة»، أي: أنه ﷺ كان يحبس نفقة سنة. فأخذ الحنابلة من ذلك أن الكفاية مُقدرة بالسنة، فمتى لم يجد الإنسان نفقة البتة أو لم يجد نفقة إلا أقل من نصف السنة فهو فقير.
(^٢) أي: يجد نفقة نصف السنة، أو أكثر السنة.
(^٣) وهو الذي يجمع الزكاة.
(^٤) وهو الذي يحفظها.
(^٥) وهو الذي يكتب المقادير.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقاسمٍ (^١).
الرَّابعُ: المؤلَّفُ، وهو السَّيِّدُ المطاعُ في عشيرتِهِ (^٢) ممَّن يُرجَى إسلامُهُ، أو يُخشَى شرُّهُ، أو يُرجَى بعطيَّتِهِ قوَّةُ إيمانِهِ، أو جبايتُها ممَّن لا يعطِيها (^٣).
(^١) وهو الذي يقسمها على المحتاجين.
ويشترط أن يكون مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيا أي: عالمًا بفرائض الصدقة، ويشترط أن لا يكون من ذوي القربى من بني هاشم.
(^٢) فلا بد في المؤلَّف - على المذهب - أن يكون سيدًا مطاعًا في عشيرته، كرئيس قبلة؛ لأنه بإسلامه سيسلم غيره من قبيلته مثلًا، أما غيره من الناس، فلا يُعطى من الزكاة ترغيبًا له في الإسلام، بل إن عمر ﵁ أسقط نصيب المؤلفة قلوبهم.
(^٣) المؤلَّفة قلوبهم ستة أنواع: ١ - من يرجى إسلامه، ٢ - أو يُخشى شره وسواء كان مسلما أو كافرا، لكن إن كان مسلما حرم عليه أخذها؛ لأن كف شره واجب عليه بدون أن يعطى من الزكاة أو غيرها، ٣ - أو يُرجى بعطيته قوة إيمانه، وهو المؤلَّف المسلم، لكن إيمانه يكون ضعيفًا، فيُعطى من الزكاة؛ حتى يقوى إيمانه، ويقبل قوله في ضعف إسلامه كما قاله في الإقناع ٤ - أو يُرجى بعطيته إسلامُ نظيره، أي: إذا أسلم هذا، يُسلِم من هو مثله، ٥ - أو يُعطى من الزكاة؛ ليجبي الزكاة - أي: يجمعها - من مسلمين لا يعطونها، ٦ - أو يُعطى للدفع عن المسلمين، قال في شرح المنتهى: (بأن يكونوا في أطراف =
[ ١ / ٥٢٣ ]
الخامسُ: المكاتَبُ (^١).
السَّادسُ: الغارمُ، وهو مَنْ تديَّنَ للإصلاحِ بينَ النَّاسِ، أو تديَّنَ لنفسِهِ وأعسَرَ (^٢).
= بلاد الإسلام، إذا أعطوا من الزكاة دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين، وإلا فلا)، وزاد في الإقناع والغاية سابعا: ٧ - أو من يرجى نصحه في الجهاد، لكن يُشترط في كل واحد من هؤلاء أن يكون سيدًا مُطاعًا في عشيرته، كما تقدم.
(^١) المكاتَب: هو الذي يشتري نفسه من سيده بأقساط، ويجوز أن يفك منها الأسير المسلم.
(^٢) الغارم الذي يُعطى من الزكاة نوعان: ١ - من تدين للإصلاح بين الناس، فدخل في الصلح بين قبيلتين مثلًا، وتدين لذلك، ومثاله: أن يقول لقبيلتين بينهما عداوة، ويخشى اندلاع حرب بينهما: أنا أدفع لكم كذا من المال؛ لتصطلحوا، ويشترط ليُعطى من الزكاة أن يكون ما يدفعه دينًا يتحمله في ذمته، أما لو أصلح بينهم من مالٍ عنده، فلا يُعطى من الزكاة،
٢ - من تدين لنفسه، ولو كان الدَّين لله ﷿، وأعسر، فلم يستطع أن يفي به - وظاهره: أن يعجز حالا ومستقبلًا -، فإنه يُعطى من الزكاة، ويشترط: أن يكون ما استدان فيه أمرًا مُباحًا، أو محرمًا تاب منه.
(تتمة) يجوز أن يوكل الغارمُ مَنْ عليه دفع زكاة في دفع الزكاة للدائن، ويجوز للمزكي أيضا بلا توكيل، قال في الإقناع وشرحه: (وإن وكل الغارمُ من عليه الزكاة) أي رب المال =
[ ١ / ٥٢٤ ]
السَّابعُ: الغازي في سبيلِ اللهِ (^١).
الثَّامنُ: ابنُ السَّبيلِ، وهو الغريبُ المنقطِعُ بغيرِ بلدِهِ (^٢).
= (قبل قبضها منه بنفسه أو نائبه) أو (في دفعها إلى الغريم عن دينه، جاز) ذلك، وبرئ من الزكاة بدفعه إليه … (وإن دفع المالك) زكاة (إلى الغريم) عن دين الغارم (بلا إذن الفقير) الغارم (صح) وبرئ لأنه دفع الزكاة في قضاء دين المدين، أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه).
(^١) وهم - على المذهب -: الغزاة المجاهدون في سبيل الله، وليس لهم دِيوَان، أي: ليس لهم رواتب أو حقوق مقدرة في الدولة، أو يكون لهم ديوان، لكنه لا يكفيهم. وكذلك يدخل في هذا القسم: الفقير الذي يريد أن يحج أو يعتمر للفرض، فيُعطى من الزكاة، لحديث ابن عباس مرفوعا: (الحج من سبيل الله) رواه أبو داود.
(^٢) السبيل: هو الطريق. وابن السبيل: هو الغريب المنقطع بمحلٍ غير بلده. فلا يُعطى شخص من الزكاة ليُنشئَ سفرًا، وهو لم يغادر بلده بعد، وإنما يكون كشخص سافر من الأحساء إلى الرياض مثلًا، فسُرِقت أمواله بعد أن غادر بلده، أي: الأحساء فيعطى من الزكاة ما يبلغه بلده، أو منتهى قصده وعوده إليها ولو وجد مقرضا، أو كان غنيا في بلده، ويُشترط أن يكون هذا السفر سفرًا مباحًا، أو واجبًا، أو مستحبًا، لا محرمًا، ولا مكروهًا، وكذلك نصوا على عدم دخول سفر النزهة، مع كونه سفرًا مباحًا، وقد أباحوا قصر الصلاة فيه، إلا أنهم لم =
[ ١ / ٥٢٥ ]
فيُعطى الجميعُ مِنَ الزَّكاةِ بقَدرِ الحاجةِ (^١)، إلا العامل، فيُعطَى بقدرِ أُجرتِهِ (^٢)، ولو غنيًّا أو قِنًّا.
= يجعلوا من انقطع به السبيل في سفر النزهة ممن يجوز له الأخذ من الزكاة. وليُطلب الفرق. (فرق فقهي)
(^١) فكل واحد من هؤلاء الثمانية له مقدار معين يُعطاه: فالفقير أو المسكين يعطى كفايته مع عائلته لسنة، والمؤلَّف يعطى ما يحصل به التأليف، والغارم يعطى وفاء دينه، والغازي يعطى ما يحتاج إليه لغزوه، وابن السبيل يعطى ما يوصله إلى بلده، أو إلى منتهى قصده وعوده.
(تنبيه) تقريرهم هنا بأن ما يعطاه الفقير والمسكين كفايته سنة، هل يبيح شراءَ مسكن من الزكاة؟ الظاهر: لا، بل يعطى أجرة مسكن لمدة سنة، ولا يملك مسكنا من الزكاة، ولما في ذلك من التضييق على غيره من المحتاجين، فليحرر. والله أعلم.
(^٢) فالعامل لا يُعطى من الزكاة إلا بقدر أجرة المثل فقط، فإن تلفت الزكاة بيد العامل بلا تفريط منه فيعطى من بيت المال، إلا إذا كان العامل الإمام أو نائبه الأمير أو القاضي فلا يأخذ من الزكاة؛ لأنه يأخذ رزقه من بيت المال.
(تتمة) قاعدة مهمة في أهل الزكاة وهي في صفة الأخذ لأهل الزكاة وأنهم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: من يأخذ بسبب يستقر الأخذ به وهم: الفقير، والمسكين، والعمالة، والتأليف، فمن أخذ من هؤلاء شيئًا من =
[ ١ / ٥٢٦ ]
ويُجزئُ دفعُها إلى الخوارجِ (^١)، والبُغاةِ (^٢)، وكذلِكَ مَنْ أَخذَها مِنَ السَّلاطينِ، قهرًا أو اختيارًا، عَدَلَ فيها أو جَارَ (^٣).
= الزكاة صرفه فيما شاء كسائر أمواله ولا يرد شيئًا، القسم الثاني: من يأخذ بسبب لايستقر الأخذ به، وهم: المكاتب، والغارم، والغازي، وابن السبيل، وهؤلاء إذا أخذ أحدهم شيئا من الزكاة صرفه فيما أخذه له خاصة لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه وإنما يملكه مراعى فإن صرفه في الجهة التي استحق الأخذ بها وإلا استُرجع منه، وكذا لو زاد عنده شي فإنه يجب أن يعيده.
ذكر هذه القاعدة الحجاوي في الإقناع وابن النجار في المعونة والشيخ عثمان النجدي.
(^١) فإذا استولى الخوارج على بلد، وجمعوا الزكاة من الناس، فأعطاهم الناس زكاة أموالهم، فإن ذلك يجزئهم، والخوارج: هم الذي يُكفِّرون بالذنب، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم، ويأتي ذكر الخوارج في باب قتال أهل البغي إن شاء الله تعالى.
(^٢) البغاة: هم الخارجون على الإمام بتأويلٍ سائغ، ولهم شوكةٌ ومنعة، فلو استولى البغاة على بلد، فإنه يُجزئ دفع الزكاة إليهم.
(^٣) أي: يُجزئ دفع الزكاة إلى من أخذها من السلاطين قهرًا - بأن أجبر الناس على دفعها -، أو اختيارًا - بلا إجبار -، وسواء عدل في الزكاة - بأن أوصلها إلى مستحقيها -، أو جار فلم =
[ ١ / ٥٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يُوصلها إلى مستحقيها، فلو دفعها إليه أجزأ، لكن - من حيث الحكم التكليفي - يحرم أن تُدفع الزكاة إلى الإمام إذا لم يوصلها إلى مستحقيها.
(تنبيه) قول المؤلف: (وكذلك من أخذها من السلاطين قهرا أو اختيارا عدل فيها أو جار) هذه عبارة الإقناع في موضع، مع أنه قدم قوله: (وله دفعها إلى الساعي وإلى الإمام ولو فاسقا يضعها في مواضعها وإلا حرم، ويجوز كتمها إذن ويبرأ بدفعها إليه ولو تلفت في يده أو لم يصرفها مصارفها) فيفهم من كلامه: أنه إذا كان الإمام جائرا في الزكاة بأن كان لا يضعها في موضعها فيحرم دفع الزكاة إليه وجاز لصاحب الزكاة كتمها عن الإمام، وخالفه في الغاية فقال: (ويجب كتمها).
والتوفيق بين كلامي الإقناع في حكم دفع الزكاة لإمام لا يصرفها في مصارفها: أنه محرم، مع أنه يجزئ دفعها له ويبرأ دافعها منها، ومما يؤيد إجزاءها ما قاله البهوتي في الكشاف - ومثله في شرح المنتهى -: (قال في الشرح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز، سواء كان عدلا أو غير عدل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفعها إليه سواء تلفت بيد الإمام أو لا، أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها اه، وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور فقال " ادفعها إليهم " حكاه عنه أحمد، وفي لفظ عنه " ادفعوها إلى من غلب ".
=
[ ١ / ٥٢٨ ]