يُشترط لكل متنجِّس سبعُ غسلات (^٢): وأن يكونَ إحداها
(^١) المراد بهذا الفصل: بيان كيفية تطهير النجاسة الحكمية، وهي الواردة على محل طاهر. أما النجاسة العينية كالبول، والغائط، والكلب، والخنزير، فإنها لا تطهر أبدًا ولو غسلت مئة مرة.
(^٢) هذا (النوع الأول) من أنواع النجاسات الحكمية. فكل متنجس - سوى ما يأتي استثناؤه - يشترط لزوال حكم الخبث منه أن يُغسل سبع مرات إن أنقت وإلا فحتى تنقى قال في المنتهى وشرحه: (بماء طهور مع حت وقرص) لمحل النجاسة، وهو بالصاد المهملة: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه (لحاجة) إلى ذلك ولو في كل مرة (إن لم يتضرر المحل) بالحت أو القرص فيسقط، (و) مع (عصر مع إمكان) العصر (فيما تشرب) النجاسة بحسب الإمكان، بحيث لا يخاف فساده (كل مرة) من السبع (خارج الماء) ليحصل انفصال الماء عنه (وإلا) يعصره خارج الماء، بل عصره فيه ولو سبعا (ف) هي (غسلة واحدة يبني عليها) ما بقي من السبع (أو دقه) أي ما تشرب النجاسة (أو تقليبه) إن لم يكن عصره (أو تثقيله) كل غسلة، حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء، دفعا للحرج =
[ ١ / ١٣٢ ]
بترابٍ طهورٍ - أو صابونٍ ونحوِه - في متنجِّس بكلبٍ، أو خنزيرٍ (^١).
= والمشقة، ولا يكفي عن عصره ونحوه تجفيفه، وما لا يتشرب يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله عنه).
قال في الإقناع وشرحه: (ويحسب العدد في إزالتها) أي: النجاسة (من أول غسلة، ولو قبل زوال عينها) لعموم ما سبق (فلو لم تزل) النجاسة (إلا في الغسلة الأخيرة أجزأ) ذلك لحصول الإنقاء والعدد المعتبر).
وقد سبق في الكلام عن الاستنجاء أنه يشترط سبع غسلات للقُبُل، وسبع غسلات للدبر على المذهب المعتمد.
(تتمة) الرواية الثانية: أن هذا النوع من النجاسات يغسل ثلاث مرات، وهي التي مشى عليها الموفق في العمدة؛ لأمره ﷺ القائم من نوم الليل أن يغسل يديه ثلاثا. متفق عليه. والرواية الثالثة: عدم اشتراط عدد معين من الغسلات، بل متى زالت النجاسة حُكم بطهارة المحل، قياسا على النجاسة التي على الأرض، ولقوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (حتيه ثم اقرضيه ثم اغسليه بالماء) متفق عليه، ولم يذكر عددا.
(^١) (النوع الثاني) المتنجس بكلب أو خنزير، فيشترط غسله سبع مرات إحداها بتراب؛ للحديث: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب» متفق عليه. وقوله (أو صابون ونحوه): فيجوز استعمال غير التراب كصابون أو مبيِّض =
[ ١ / ١٣٣ ]
ويضرُّ بقاءُ طَعمِ النجاسةِ لا لونِها، أو ريحِها، أو هما عجزًا (^١).
= أو أي نوع من المنظفات حتى مع وجود التراب. والأَولى أن يكون استعمال التراب في الغسلة الأُولى. ويشترط أن يخلط التراب بماء طهور لكي يوصله إلى المحل المتنجس.
وقد قيست النجاسات المتقدمة في النوع الأول على هذه النجاسة المغلظة، فتغسل سبعًا، لكن لا يشترط فيها استعمال التراب.
(تتمة) في بعض النسخ - كنسخة الفاريابي -: (بتراب طاهر طهور)، وفيها خلل، وقد تعقب ابنُ عوض المؤلفَ في جمعه بين الطاهر والطهور. والأصل في التراب أنه طهور، وهو الذي لم تغلب أجزاءُ غيره على أجزائه، وعبارة الإقناع والمنتهى: (بتراب طهور)، واشتراط التراب الطهور يحتاج إلى تأمل؛ لأنهم يقولون بإجزاء الصابون ونحوه عن التراب، فكيف لا يجزئ التراب الطاهر؟! إلا أن يحترز بقيد: (طهور) عن المتنجس والمستعمل فقط كما هو في شرح المنتهى وغيره. (مخالفة الماتن)
(^١) بقاء طعم النجاسة يدل على أن عين النجاسة موجودة، أما لون النجاسة وريحها فهما من أثر النجاسة، فلا يضر بقاؤهما إن عجز عن إزالتهما، ولا يشترط في هذه الحالة استخدام مثل الصابون والمبيض وغيره من المنظفات بل يحوز، قال ابن النجار في شرحه للمنتهى: (وان لم تزل النجاسة) من =
[ ١ / ١٣٤ ]
ويُجزئُ في بولِ غلامٍ لم يأكل طعامًا لشهوةٍ (^١) نضحُه، وهو غَمرُه بالماء (^٢).
ويُجزُئ في تطهيرِ صخرٍ، وأحواضٍ، وأرضٍ تَنَجَّسَت بمائعٍ - ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ -: مكاثرتُها بالماء بحيثُ يذهبَ لونُ النجاسةِ وريحُها (^٣).
= المحل المتنجس (إلا بملح أو نحوه)؛ كالأشنان (مع الماء لم يجب) ذلك، قال في " الفروع ": في ظاهر كلامهم. ويتوجه احتمال. ويحتمله كلام أحمد، وذكره ابن الزاغونى في التراب تقوية للماء.)
(تتمة) لا يشترط أن يذوق المحل المتنجس ليعلم أبقي طعم النجاسة أم لا، كما قال اللبدي، ويكفي أن يغلب على ظنه أن الطعم قد زال وسبق.
(^١) (النوع الثالث) بول وقيء الغلام الذي لم يأكل طعامًا لشهوة نجس، لكن الشارع خفف في تطهيره. وقوله (لم يأكل طعامًا لشهوة): أي: باختياره وطلبه، بخلاف ما لو أُطعم بغير طلب منه ولا اختيار، والمراد بالطعام غير اللبن كما في الغاية.
(^٢) فينضحه ويصب عليه الماء، ولا تكفي القطرات اليسيرة، بل يشترط أن يعم ويغمر جميع المحل بالماء. ولا يشترط العصر، ولا أن يتقاطر وينفصل الماء عن المحل. والدليل: (فعل النبي ﷺ لمّا أُوتي بولد لم يأكل الطعام، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله) متفق عليه.
(^٣) (النوع الرابع) الأرض والصخر والأحواض والخزانات الكبيرة =
[ ١ / ١٣٥ ]
ولا تَطهُرُ الأرضُ بالشمسِ، والريحِ، والجفافِ (^١)، ولا النجاسةُ بالنار (^٢).
= إذا تنجست بمائع ولو من كلب أو خنزير، فيشترط في تطهيرها مكاثرتها وغمرها بالماء حتى يذهب طعم النجاسة - كما قال اللبدي -، وكذلك لونها وريحها، ما لم يعجز عن إذهابهما أو إذهاب أحدهما، فتطهر كغيرها. ولا يشترط عدد غسلات معين هنا، كما في الإقناع.
فهذا النوع مما خفف الشارع في تطهيره كالنوع السابق إلا أنه يشترط هنا زوال عين النجاسة - كما نص عليه الزاد -، بخلاف بول وقيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة. (فرق فقهي)
(^١) فلا تطهر الأرض المتنجسة إذا جفت النجاسة بالشمس أو الريح أو الجفاف.
(^٢) فلو تحولت النجاسة إلى رماد، فإن الرماد يكون نجسًا أيضًا.
والاستحالة: هي تحول الشيء من مادة إلى أخرى. والمذهب أن الاستحالة لا تطهِّر، حتى إنهم قالوا إن صراصير الكنيف - أي: كالمرحاض - متولدة من النجاسات، فهي نجسة؛ لأن أصلها نجس. وكذلك الرماد الحاصل من حرق النجاسة، والفاكهة المجنية من الأشجار المسقية بماء نجس، فكل ذلك نجس على المذهب، مع كونه تحول من مادة إلى أخرى.
ومما يدل على أن الاستحالة لا تُطهِّر، نهي النبي ﷺ عن أكل لحم الجلّالة رواه أبو داود وابن ماجه، وهي البهيمة مما يؤكل لحمه المخلاة التي تأكل من النجاسة وغيرها. فمع كون =
[ ١ / ١٣٦ ]
وتَطهُرُ الخمرةُ بإنائها إن انقلبت خلاًّ بنفسها (^١).
وإذا خَفِي موضعُ النجاسة غُسل حتى يُتيقَّنَ غسلُها (^٢).
= النجاسة تحولت إلى دم وغير ذلك في بدن البهيمة، إلا أنه ﷺ أمرنا بحبسها ثلاثة أيام، وإطعامها الطاهرَ، فدل على أن الشيء النجس إذا تحول من مادة إلى مادة أخرى، فإن ذلك لا يطهِّره.
(^١) أما لو لم تتخلل بنفسها، بل خللها شخص، فإنها لا تطهر؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلًا، فقال: «لا»، كما في الصحيح، وكذا يطهر إناؤها التي هي فيه.
(^٢) وقد أبهم المؤلف الحكم، والمذهب أنه واجب. فإذا خفي موضع النجاسة على البدن أو الثوب أو في أي مكان، فإنه يغسل حتى يتيقن غسل النجاسة. أما لو خفيت النجاسة في صحراء أو حوش واسع، فإنه لا يجب غسل جميع المحل، ويصلي في أي موضع منهما بلا تحر كما في الإقناع.
[ ١ / ١٣٧ ]