يباح اتخاذُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ واستعمالُه (^٢) ولو ثمينًا (^٣) إلا آنيةَ الذهبِ والفضةِ والممَوَّهَ بهما (^٤). وتصح الطهارة بهما، وبالإناء
= صاحب الإقناع - وتابعه في الغاية - إلى أنه لا يلزمه إعلامه إلا إذا كانت النجاسة يشترط إزالتها لصحة الصلاة، وتعقبه البهوتي في الكشاف: (بأنه أحد احتمالات ثلاثة أطلقها في الفروع، وضعفه في تصحيح الفروع وصوب أنه يلزمه مطلقا .. وهو ظاهر ما قطع به في المنتهى). (مخالفة الماتن)
(^١) الآنية لغة: جمع إناء، وهو: الوعاء.
(^٢) يشمل الاتخاذ أمرين: ١ - التصنيع على شكل الإناء، فيجوز تصنيع إناء من أي مادة طاهرة غير الذهب والفضة. ٢ - التحصيل بنحو شراء واتهاب. أما الاستعمال، فهو: التلبُّس بالانتفاع بالإناء. فيكون اتخاذ الملعقة مثلًا بشرائها أو صناعتها، والانتفاع بها باستعمالها للأكل.
وتحريم الاستعمال عام سواء كان في الأكل والشرب أو غيرهما؛ لأنه إذا نهي عن الاستعمال في الأكل والشرب - مع شدة حاجة الإنسان إليهما - فغيرهما من باب أولى.
(^٣) أي: ولو كان الإناء ثمينًا.
(^٤) التمويه: أن يُذاب الذهب أو الفضة، ويُلقى فيه الإناء من =
[ ١ / ٣٩ ]
المغصوب (^١). ويباح إناءٌ ضُبِّبَ بضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضة لغيرِ زينةٍ (^٢).
وآنيةُ الكفار وثيابُهُم طاهرةٌ (^٣).
= نحاس ونحوه، فيكتسب الإناء من لون الذهب أو الفضة فيصير في رأي العين كأنه ذهب أو فضة محض، وهذا محرَّم أيضًا. والدليل على هذه المسألة حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» متفق عليه.
(^١) فلو اغترف منه أو توضأ أو اغتسل فيه صحت الطهارة، لكن فعله محرَّم، والنهي عند الحنابلة يقتضي الفساد، وقد تخلّف هنا؛ لأن وجود الإناء ليس شرطًا للطهارة، بخلاف الطهارة بالماء المحرّم فإنها لا تصح.
(^٢) الضبَّة: حديدة عريضة يُضبب بها الباب، كما في المطلع، وتكون كالخيط، وتكون من ذهب أو فضة أو حديد يُربط بها بين طرفَي المنكسر من الإناء. وتحرم الضبة من الذهب مطلقًا، وتباح من الفضة بشرط: ١ - كونها يسيرة عُرفًا، أي: بمقدار ما عُرف أنه يسير، ٢ - وكونها لغير زينة، وقال غيره: وكونها لحاجة، والمراد بالحاجة: أن يتعلق بها غرضٌ غير الزينة. فإن توفرت الشروط أُبيحت حتى مع وجود ضبة من غير الفضة كالنحاس.
(^٣) ولو وليت عوراتهم بشرط ألا تُعلم نجاستها؛ لأن النبي ﷺ توضأ من مزادَة امرأة مشرِكة متفق عليه، وقوله: (الكفار): =
[ ١ / ٤٠ ]
ولا ينجس شيءٌ بالشك (^١) ما لم تُعلم نجاستُه (^٢).
وعظمُ الميتة (^٣)، وقرنُها، وظُفْرُها، وحافرُها (^٤)، وعَصَبُها، وجلدُها: نجسٌ (^٥)، ولا يطهر بالدِّباغ (^٦).
= سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم.
(^١) أي: ما تيُقنت طهارته وشُك في نجاسته، فإنه لا يتنجس. والشك هنا مطلق التردد، فيشمل الظن.
(^٢) أي: ما لم تتحقق وتوجد وتشاهد نجاسته، كما قاله ابن عوض.
(^٣) الميتة - كما في المطلع -: ما لم تلحقه ذكاة، وهو الحيوان المأكول اللحم الذي مات حَتْف أنفه لا بذكاة.
(^٤) وهو ما تحت قدمها.
(^٥) فلو ماتت شاة مثلًا بلا ذكاة، فإن جميع ذلك منها نجس. والظفر في حكم المنفصل، إلا أنه أُلحق في مسألتين بالمتصل: هنا، وفي عدم جواز مس المصحف بظفر محدث.
(^٦) أي: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ حتى لو كان من حيوان مأكول أو طاهر في حياة. والدباغ: تطهير الجلد بالصابون أو غيره من المنظفات. والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عُكيم ﵁ قال: «قُرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ في أرض جُهينة: ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب - أي: جلد - ولا عصب» رواه الإمام أحمد وغيره. لكن يباح دبغ جلد الميتة الطاهرة في الحياة وهو نجس حتى بعد دبغه، ويباح استعماله في يابس لا في مائع.
(تتمة) الحيوانات في المذهب قسمان: ١ - طاهرة، وهي =
[ ١ / ٤١ ]
والشعرُ، والصوفُ، والريشُ (^١) طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة (^٢)، ولو كانت غيرَ مأكولةٍ كالهِر والفأر.
ويُسنُّ تغطيةُ الآنية (^٣)، وإيكاءُ الأسقِيةِ (^٤).
= ما أُكل لحمه، وما كان في حجم الهرة وما دونها في الخِلقة كالفأر، والآدمي، وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر. والمراد بالطهارة هنا: خارِجُها لا داخلها، فدَمُ الفأر مثلًا نجس. ٢ - نجسة، وهي ما عدا ما تقدم كالأسد والفيل وغيرهما.
(^١) يكون الشعر: من المعز، والصوف: من الضأن - والشاة: تشملهما -، والوَبَر: من الإبل، والريش: من الطائر.
(^٢) لقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل، ٨٠]، والظاهر شمول الآية لحالتي الحياة والموت، والريش مقيس على الثلاثة.
(^٣) ولو بأن يعرضَ عليها عودًا.
(^٤) أي: ربط الأسقية، والسقاء: جلد السَّخْلة، وكانوا يدبغونه ويجعلون فيه المائعات من الماء وغيره. والدليل حديث جابر مرفوعًا: «أوكِ سقاءك، واذكر اسم الله»، وفي أثر آخر: «خمِّر - أي: غطِّ - إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرِض عليه عودًا»، أي: إذا ربطت الإناء أو غطَّيته، فقُل: بسم الله.
(تتمة) ويسن أيضًا إغلاق الأبواب، وإطفاء المصباح، وإطفاء الجمرِ عند الرقاد مع ذكر اسم الله في جميعها، أي: عند إغلاق الباب … والمراد بالمصباح الذي يُطفأ - كما ذكر الشيخ منصور عن ابن هُبيرة -: هو الذي يُخشى أن يتدفق زيته =
[ ١ / ٤٢ ]