(^١) ابتدأ المؤلف في كلامه عن الصلاة - وما يتعلق بها - بباب الأذان والإقامة، وألحقه بشروط الصلاة، ثم قال بعد ذلك: «كتاب الصلاة». وخالف جمهور المتأخرين، فالأَولى أن يبدأ - كغيره من المتون - بالكلام عن حكم الصلاة، وشروط وجوبها، وحكم تاركها، ثم يذكر الأذان والإقامة، ثم شروط الصلاة، ثم صفة الصلاة ويذكر معها الأركان والواجبات كما هو عمل المتأخرين في كتبهم.
والأذان لغة: الإعلام، وشرعًا: إعلام بدخول وقت الصلاة أو قربِهِ لفجر بذكر مخصوص، وقولنا (أو قربه): أي للفجر فقط، فيجوز على المذهب أن يؤذن لصلاة الفجر خاصة قُرب دخول وقتها. أما غيرها، فلا يؤذن لها إلا بعد دخول الوقت.
والإقامة لغة: مصدر أقام، وشرعًا: إعلام للقيام إلى الصلاة بذِكرٍ مخصوص.
والأصل في مشروعية الآذان والإقامة آياتٌ وأحاديثُ، منها قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾ [المائدة، ٥٨]، ومنها قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة، ٩]. ومن السنة أحاديث كثيرة =
[ ١ / ١٥٩ ]
وهما فرضُ كفايةٍ (^١) في الحضرِ (^٢) على الرجال (^٣) الأحرار (^٤)،
= منها: أمره ﷺ بلالًا ﵁ أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، كما في الصحيحين.
والأذان على المذهب أفضل من الإمامة ومن الإقامة؛ لقوله ﷺ: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد.
(^١) أي: الأذان والإقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة المكتوبة دون المنذورة، فإذا قام بهما من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
(تتمة) حكم الصلاة بلا أذان ولا إقامة: في الإقناع وشرحه: (وليسا) أي: الأذان والإقامة (بشرط للصلاة، فتصح) الصلاة (بدونهما) لأن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود بلا أذان ولا إقامة احتج به أحمد (مع الكراهة) ذكره الخرقي وغيره، وذكر جماعة إلا بمسجد قد صُلي فيه … (فإن اقتصر المسافر) على الإقامة لم يكره (أو) اقتصر (المنفرد على الإقامة) لم يكره نص عليه (أو صلى بدونها) أي: الإقامة (في مسجد صلي فيه لم يكره) كما ذكر جماعة وتقدم، قلت: وعليه يحمل فعل ابن مسعود).
(^٢) أخرج به السفر، وسيأتي حكمهما فيه.
(^٣) المراد: اثنان فأكثر، فليسا بفرض على الواحد.
(^٤) فلا يجبان على الأرقاء.
[ ١ / ١٦٠ ]
ويُسنَّان للمنفردِ، وفي السفرِ (^١)، ويكرهان للنساءِ، ولو بلا رفعِ صوتٍ (^٢).
ولا يصحانِ إلا مُرتَّبَين (^٣) مُتواليَين عرفًا (^٤)، وأن يكونا من واحدٍ (^٥) بنيةٍ منه (^٦).
(^١) أي: يسن الأذان والإقامة: للمنفرد فلو انفرد الإنسان في مكان أو صلى في بيته، فإنه يُسن له أن يؤذن ويقيم. وكذلك يسنَّان - ولا يجبان - في السفر، وللصلوات المقضية، لكن قال في الإقناع وشرحه: (إلا أنه لا يرفع صوته به) أي: الأذان (في القضاء إن خاف تلبيسا، وكذا) لا يرفع صوته إذا أذن (في غير وقت الأذان) المعهود له عادة كأواسط الوقت وأواخره، لما فيه من التلبيس).
(^٢) أي: يُكره للمرأة أن تؤذن وتقيم ولو بلا رفع صوت؛ لأن هاتين الشعيرتين من وظائف الرجال، ففيه تشبه بهم.
(^٣) شروط صحة الأذان والإقامة: (الشرط الأول) كونهما مرتبَين.
(^٤) (الشرط الثاني) كونهما متواليَين عُرفًا، فيبطلهما فصل كثير بين الكلمات كسكوت طويل بلا حاجة، وكره فصل يسير، ويبطلهما أيضا: فصل يسير محرم.
(^٥) (الشرط الثالث) أن يكون كل منهما من شخص واحد، فلا يأتي واحد ببعضه، ويكمله آخر.
(^٦) (الشرط الرابع) أن ينوي ذلك؛ للحديث: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه.
[ ١ / ١٦١ ]
وشُرط كونه مسلمًا (^١)، ذَكَرًا (^٢)، عاقلًا (^٣)، مميِّزًا (^٤)، ناطقًا (^٥)، عدلًا، ولو ظاهرًا (^٦).
ولا يصحان قبل الوقتِ إلا أذانَ الفجرِ، فيصحُّ بعد نصفِ الليلِ (^٧).
(^١) شروط المؤذن: [الشرط الأول] كونه مسلمًا؛ لاشتراط النية فيه فلا يصح من كافر.
(^٢) [الشرط الثاني] كونه ذَكَرًا، فلا يجزئ من أنثى ولا خنثى.
(^٣) [الشرط الثالث] كونه عاقلًا فلا يصح من مجنون.
(^٤) [الشرط الرابع] كونه مميزًا، فلا يشترط أن يكون بالغًا.
(^٥) [الشرط الخامس] كونه ناطقًا، ولا فائدة من ذكره قاله اللبدي؛ لأنَّ غير الناطق لا يتأتى منه الأذان، وذكر أنَّه لم يره لغيره، أي: لغير متن الدليل، قلت: وقد ذكره الشيخ عبد الرحمن البعلي في متن بداية العابد.
(^٦) [الشرط السادس] كونه عدلًا ولو ظاهرًا، فلا يصح أذانُ ظاهرِ الفسقِ.
(^٧) فلا يصح الأذان والإقامة قبل الوقت، إلا في الفجر، فيباح - ولا يسن - أن يؤذن بعد نصف الليل، فإن فعل اكتفي به، وأتى الناس على الإقامة، وهذا المراد بصحته بعد منتصف الليل. ودليلهم قوله ﷺ: «إنَّ بلالًا يؤذن بليل» متفق عليه، قالوا: إن المراد بالليل في الحديث: ما بعد منتصف الليل. وحد الليل الذي يحسب نصفه هنا: من غروب الشمس إلى طلوعها، كما نقله صاحب الإقناع عن شيخ الإسلام، بخلاف =
[ ١ / ١٦٢ ]
ورفعُ الصوتِ ركنٌ، ما لم يؤذِّن لحاضرٍ (^١).
وسُن كونُه صيتًا (^٢)، أمينًا (^٣)، عالمًا بالوقتِ (^٤)،
= غيرها من المسائل، فتكون نهايته طلوع الفجر. (فرق فقهي)
قال في الإقناع وشرحه: (ولا يستحب تقدمه) أي أذان الفجر (قبل الوقت كثيرا) لما في الصحيح من حديث عائشة قال القاسم " ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا ". قال البيهقي: مجموع ما روي في تقديم الأذان قبل الفجر إنما هو بزمن يسير، وأما ما يفعل في زماننا من الأذان للفجر من الثلث الأخير، فخلاف السنة إن سلم جوازه، وفيه نظر قاله في المبدع).
أما في رمضان، فيُكره الأذان للفجر قبل الوقت إن لم يُعِده بعد طلوع الفجر الثاني، وإلا لم يكره.
(^١) للأذان ركن واحد فقط، وهو رفع الصوت، لكن لو أذّن لنفسه أو لحاضر خُير بين رفع الصوت وخفضه، ورفع الصوت أفضل، قاله في الإقناع.
(^٢) يسن في المؤذن: (السُّنة الأولى) كونه صيتًا، أي: رفيع الصوت؛ لقوله ﷺ لعبد الله بن زيد «ألقه على بلال. فإنه أندى صوتا منك» رواه الإمام أحمد وغيره.
(^٣) (السُّنة الثانية) الأمانة، والمراد: العدالة الظاهرة والباطنة، فهي مسنونة، وهي قدر زائد على العدالة الظاهرة التي هي شرط، وتقدمت.
(^٤) (السُّنة الثالثة) كونه عالمًا بالوقت؛ ليأتي بالأذان في وقته.
[ ١ / ١٦٣ ]
متطهِّرًا (^١)، قائمًا فيهما (^٢)، لكن لا يُكره أذانُ المحدِثِ بل إقامتُه (^٣).
ويُسن: الأذانُ أوَّلَ الوقتِ (^٤)، والتَّرَسُّلُ فيه (^٥)، وأن يكون
(^١) (السُّنة الرابعة) كونه متطهرًا من الحدثين، وفي ثوبه وبدنه، فإن أذن محدثا حدثا أكبر كره، وإلا فلا يكره، وتكره إقامة محدث وسيأتي.
(^٢) (السُّنة الخامسة) كونه قائمًا فيهما، أي: في الأذان والإقامة، ويكره الجلوس فيهما لغير مسافر ومعذور قال في شرح المنتهى: (لمخالفة السنة، وكذا راكبا وماشيا ومضطجعا) أي: يكرهان منهم.
(تتمة) (السُّنة السادسة) يُسن أن يكون المؤذن بصيرًا - كما في الإقناع -. ويكره أذان الأعمى؛ لأنه قد يخفى عليه الوقت، لكن تزول الكراهة بوجود من يعلِمُه بالوقت، كما كان حال ابن أم مكتوم ﵁ قال ابن عمر: «وكان رجلا أعمى لا ينادي بالصلاة حتى يقال: أصبحت أصبحت» رواه البخاري ويستحب أن يكون معه بصير، كما كان ابن أم مكتوم، يؤذن بعد بلال، قاله في الشرح.
(^٣) والمراد: عدم كراهة أذان المحدث حدثًا أصغر، بخلاف المحدث حدثًا أكبر، فإنه يكره أذانه. أما الإقامة، فتكره للمحدِث حدثًا أصغر.
(^٤) أي: يسن التعجيل بالأذان إذا تيقن دخول الوقت.
(^٥) أي: التمهل في الأذان، بخلاف الإقامة، فيسن أن يحدرها، =
[ ١ / ١٦٤ ]
على عُلُوٍّ (^١)، رافعًا وجهَه (^٢)، جاعلًا سبابتَيه في أُذنَيه (^٣)، مستقبلَ القبلةِ (^٤)، يلتفتُ يمينًا ب: «حيَّ على الصلاةِ»، وشِمالًا ب: «حيَّ على الفلاحِ» (^٥)، ولا يزيلُ قدمَيه ما لم يكن
= أي: يسرع فيها.
(^١) أي: مكان مرتفع، ويغني عن ذلك الآن مكبراتُ الصوت.
(^٢) فيُسن رفعُ الوجه إلى السماء في الأذان والإقامة كما في حاشية الإقناع قاله النجدي، وذكره البهوتي أيضا في الكشاف.
(^٣) أي: في صماخ أذنيه لأمر النبي ﷺ بلالًا ﵁ أن يجعل إصبعيه في أذنيه رواه ابن ماجه.
(^٤) وهذا بالإجماع حكاه ابن المنذر، فإن لم يستقبل القبلة، كُره، وصح الأذان.
(^٥) فيُسن أن يلتفت في الأذان برأسه وعنقه وصدره مرتين جهة اليمين ل «حي على الصلاة»، ومرتين جهة الشِمال - أي: اليسار - ل «حي على الفلاح».
وهل يسن أن يلتفت فيهما في الإقامة؟ قال المرداوي في تصحيح الفروع: (وفي التفاته يعني عن يمنة ويسرة عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح في الإقامة وجهان، قاله أبو المعالي، وجزم الآجري وغيره بعدمه فيها انتهى، قلت وهو الصواب، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب؛ لذكرهم ذلك في الأذان وتركهم له في الإقامة، وصححه ابن نصر الله في حواشيه)، وجزم في الإقناع بأنه لا يلتفت في الإقامة فقال: (فإذا بلغ الحيعلة التفت .. في الأذان دون الإقامة)، وجزم به =
[ ١ / ١٦٥ ]
بمَنَارَةٍ (^١)، وأن يقولَ - بعد حَيعَلَةِ أذانِ الفجرِ -: «الصلاةُ خيرٌ من النوم» مرتينِ (^٢)،
= أيضا البهوتي في إحدى نسخ شرح المنتهى، قال في الغاية: (يلتفت في أذان يمينا .. إلخ) ومفهومه: لا يلتفت في الإقامة.
(^١) أي: يلتفت دون أن يحرك أو يزيل قدميه. وقوله: (ما لم يكن بمنارة): أي إن كان يؤذن بمنارة، فإنه يسن له أن يدور وهذا قول القاضي والمجد وجمع كما في الإقناع - ومثله الغاية - بعد أن قدم أنه لا يزيل قدميه قال البهوتي: (قال في الإنصاف وهو الصواب؛ لأنه أبلغ في الإعلام وهو المعمول به)، لكن المذهب عدم سُنيَّة إزالة القدمين مطلقًا ولو كان بمنارة قال في المنتهى: (ولا يزيل قدميه)، قال ابن النجار في شرحه: (ولا فرق في ذلك بين كونه على منارة أو غيرها أو على الأرض، قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وعليه الأصحاب. وجزم به أكثرهم). (مخالفة الماتن)
(^٢) قال ابن النجار في شرح المنتهى: (وظاهره: أنه يقوله ولو أذن قبل الفجر) أي: قبل طلوع الفجر، وتابعه البهوتي في شرح المنتهى، وجزم به في الروض المربع، وخالف الدنوشري فقال: (قلت: وظاهر قول الأصحاب: بعد حيعلة أذان الفجر أنه لا يقوله للأذان الأول الذي قبل =
[ ١ / ١٦٦ ]
ويسمَّى: التَّثويبَ (^١).
ويُسنُّ أن يتولى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ، ما لم يَشُقَّ (^٢).
ومن جَمَعَ أو قضى فوائِتَ، أذَّنَ للأُولى، وأقامَ للكلِّ (^٣).
وسُنَّ لمن سمعُ المؤذنَ أو المقيمَ أن يقول مثلَه (^٤)، إلا في
= الفجر) نقله عنه ابن عوض في حاشيته على الدليل، وهذا غريب؛ لأن أذان الفجر يصح قبل الفجر ويقال عنه: أذان الفجر على ما عرفوا به الأذان، ثم هو مخالف لما استظهره ابن النجار، إلا أن يحمل كلام ابن النجار على ما لو اقتصر المؤذن على الأذان الذي قبل الفجر فقط، وكلام الدنوشري على ما لو أذن للفجر مرتين، مرة قبل الفجر، ومرة بعد دخول وقته، ويقول التثويب في الأذان الثاني دون الأول، والله أعلم. (مخالفة)
ويكره التثويب في غير أذان الفجر.
(^١) أي: ويسمى قول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) التثويب من ثاب إذا رجع؛ لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين ثم عاد إليها بالتثويب قاله في شرح المنتهى.
(^٢) فيُسن أن يتولى الأذان والإقامة شخص واحدٌ؛ للحديث: «من أذن فهو يقيم» رواه أبو داود وغيره، وقوله: (ويسن … ما لم يشق): في هذه العبارة نقص، ويقال في تمام النقص كما في المنتهى والغاية: (ويُسن أن يتولى الأذان والإقامة واحد بمحل واحد ما لم يشق)، فاعتبار المشقة معلق بالمحل، أي: يُسن أن يقيم في المحل الذي أذَّن فيه ما لم يشق، كأن يكون قد أذَّن على المنارة، فلا يُسن له أن يعود ليقيم فيها.
(^٣) سواء جَمَع في وقت الأولى أو الثانية كما في الكشاف، فيؤذن للأولى ويقيم لكل صلاة؛ لما روى جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهرين بعرفة، وبين العشاءين بالمزدلفة بأذان وإقامتين» رواه مسلم.
(^٤) فتسن إجابة المؤذن والمقيم بأن يقول مثله سرًا كما في =
[ ١ / ١٦٧ ]
الحيعلة، فيقولُ: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»، وفي التثويبِ:
= المنتهى، ويستثنى مما تقدم: المصلي والمتخلي، فلا يجيبان المؤذن ولا المقيم، ويقضيانه بعد انتهاء الصلاة والخروج من الخلاء. ومتابعة المؤذن تكون أداءً أو قضاءً؛ فالأداء أن يردد كل جملة بعد أن يقولها المؤذن مباشرة. أما القضاء، فهو أن يعيد الجملة بعد أن يتجاوزها المؤذن، قال ابن عوض: (وتكون متابعة الإجابة عقب كل جملة، فلا تقارن ولا تتأخر، ولو في طواف أو قراءة)، وأصله من المبدع ونقله البهوتي عنه في حاشية الإقناع.
(تتمة) يسن - على المذهب - للمؤذن والمقيم أن يجيب نفسه، إلا أن البهوتي ذكر في الكشاف أن ظاهر كلام آخرين من الحنابلة عدم سُنية إجابة المؤذن نفسه، وهو الذي رجحه ابن رجب في القاعدة السبعين من كتابه «القواعد الفقهية».
(تتمة) في الإقناع وشرحه: (ويسن لمن سمع المؤذن ولو) سمع مؤذنا (ثانيا وثالثا حيث سن) الأذان ثانيا وثالثا، لسعة البلد أو نحوها، قال في المبدع: لكن لو سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعة لا يجيب الثاني لأنه غير مدعو بهذا الأذان)، وجزم به النجدي فقال: (ولو ثانيا أو ثالثا) يعني: حيث استحب ولم يصل جماعة).
(تتمة) قال النجدي: (فإن سمع بعضه فالظاهر: أنه يتابع فيما سمع فقط)، وجزم به الخلوتي، وفي الحواشي السابغات: (وكذا إن فاته بعضه ردد مع المؤذن ثم قضى الفائت، وهو احتمال ذكره ابن فيروز، وهو الأولى عندي قياسًا على إدراك =
[ ١ / ١٦٨ ]
«صَدَقتَ وبرِرتَ» (^١)، وفي لفظِ الإقامةِ (^٢): «أقامَها اللهُ وأدامَها».
ثم يصلي على النبيِّ ﷺ إذا فَرَغَ (^٣)، ويقولُ: «اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمةِ، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثهُ مقامًا محمودًا الذي وعدتَه». ثم يدعو هنا (^٤)، وعند الإقامةِ (^٥).
= المسبوق للصلاة، واستظهر ابنُ فيروز أنه يبدأ من أوله حتى يدركه لما ورد أن من قال ذلك دخل الجنة، وتعقب الخلوتيَّ والنجديَّ القائِلَيْنِ بأنه يتابعه بما سمع فقط ولا يقضي).
(^١) فيقول ذلك عند قول المؤذن: «الصلاة خير من النوم»، وقوله: (برِرت): بكسر الراء الأولى.
(^٢) أي: إذا قال المقيم: «قد قامت الصلاة».
(^٣) أي: إذا فرغ من ترداد الأذان.
(^٤) أي: بعد الذِّكر المتقدم، فيدعو؛ للحديث: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» رواه أحمد وغيره.
(تتمة) وما حكم الركعتين بين الأذان والإقامة؟ لم أر لأصحابنا المتأخرين كلاما فيه، ثم رأيته لشيخ الإسلام في مختصر الفتاوى المصرية، وأنها مستحبة، قال: (وقوله ﷺ بين كل أذانين صلاة المراد به بين الأذان والإقامة فهي مستحبة بين كل أذان وإقامة).
(^٥) وفي المراد بقولهم: (وعند الإقامة) خلاف بين البهوتي والخلوتي: فالبهوتي يقرر أنه يدعو قبل الإقامة قال في صفة الصلاة بعد قول الإقناع: (وليس بين الإقامة والتكبير دعاء مسنون نصا) قال: (ومن هنا تعلم أن قولهم في باب الأذان: =
[ ١ / ١٦٩ ]
ويحرمُ بعد الأذانِ الخروجُ من المسجدِ بلا عذرٍ، أو نيةِ رجوعٍ (^١).
= (ويدعو عند إقامة) أي: قبلها قريبا، لا بعدها جمعا بين الكلامين. انتهى)، وهو مفهوم ما قدمه في الفروع والإنصاف، لكن يشكل عليه: أنه سيكون مكررا مع قولهم يدعو بعد الأذان، واستظهر الخلوتي أنه يدعو بعد الإقامة حيث قال: (وقوله: (وعند إقامة) لعل المراد به وعند فراغ إقامة؛ لأنه في حال الإقامة مشغول بالمتابعة)، وتابعه النجدي، وابن عوض في حاشية الهداية، ويشكل عليه: أنه وقت تسوية للصف، وأيضًا يستحب أن يحرم الإمام بالصلاة عقب فراغ المقيم من إقامته.
(^١) فيحرم إذا أذن المؤذن أن يخرج الإنسان من المسجد؛ لما جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه رأى رجلًا يخرج من المسجد بعد الأذان، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ. رواه مسلم، والظاهر أن التحريم متعلق بمجرد الشروع في الأذان لا بعد الفراغ منه، جاء في مسائل صالح: سألت أبي عن الرجل يسمع الأذان يجاوزه؟ قال: نعم يجاوزه، ولكن إذا كان في المسجد فلا يخرج.
ويستثنى من التحريم المتقدم أحوال ذكر المؤلف منها اثنتين: ١ - أن يكون له عذر، والمراد به: العذر الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة، كما قال الشيخ عثمان في هداية الراغب. ٢ - أن يخرج بنية أن يرجع إلى المسجد. ٣ - أن يؤذَّن للفجر قبل الوقت، فلا يحرم الخروج على من كان داخل المسجد، ذكر ذلك شيخ الإسلام. ٤ - من خرج من المسجد بعد الأذان =
[ ١ / ١٧٠ ]