= لها - على المذهب - أن تترخص في الطريق، ولا تقصر، ولا تجمع بين الصلاتين؛ لأنها عاصية كما قرره البهوتي في شرح المنتهى.
(^١) الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم، وشرعًا: نية النسك، أي: نية الدخول فيه لا نيته ليحج أو يعتمر، ولا يشترط أن يقترن مع النية قول أو فعل، خلافا لشيخ الإسلام.
(تتمة) يُسَنُ لمن أراد أن يحرم: ١ - أن يغتسل أو يتيمم عند عدم الماء، ٢ - وأن يتنظف، ٣ - وأن يتطيب في بدنه، ويُكرَه أن يتطيب في ثوبه، ٤ - وأن يلبس إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين، وكذلك نعلين، ٥ - وأن يتجرَّد عن المخيط، وهو: كل ما يُخاط على قدرِ الملبوس الذي يكون لمثله. وسيذكر المؤلفُ شيئًا من ذلك.
ويسن الإحرام عقب صلاة مطلقًا نفلًا أو فرضًا، فإذا لم يوجد في الوقت صلاة مشروعة فالمذهب: يسن ما لم يكن الوقت وقتَ نهي، كذلك عادم الطهورين لا يسن له أن يصلي ركعتي الإحرام، ويسن أن يعين نسكا ويلفظ به، ويسن أيضا أن يشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وإن =
[ ١ / ٥٩٨ ]
وهُوَ واجبٌ مِنَ الميقاتِ (^١)، ومَن منزلُهُ دُونَ الميقاتِ،
= حبسني حابس فحلي حيث حبستني.
(^١) الميقات لغة: هو الحد، والمواقيت شرعًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. وتنقسم المواقيت إلى قسمين: ١ - مواقيت مكانية، ٢ - ومواقيت زمانية. ولم يذكر المؤلف باب (المواقيت)، مع أهميته، وسنذكرها بصفة مختصرة.
أما المواقيت المكانية فخمسة، وهي على المذهب كلها ثابتة بالنص، أي: أن النبي ﷺ نص عليها. وهي: ١ - ذو الحليفة، وهو أول ميقات يذكرونه، وهو ميقات أهل المدينة. ويبعد (٤٢٠) كم عن مكة، وهو أبعد المواقيت. ٢ - الجحفة، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، وتبعد عن مكة (١٨٦) كم. وذكر الفقهاء في السابق أن الناس كانوا يحرمون من رابغ، وهي قبل الجحفة بيسير كما في شرح المنتهى، إلا أن الدولة الآن - ولله الحمد - بنت مسجدًا في الجحفة، فصار الناس يحرمون منها. ٣ - يلملم، وهي ميقات أهل اليمن، وتبعد عن مكة (١٢٠) كم. ٤ - قرن المنازل، وهي ميقات أهل نجد، وتبعد تقريبًا (٧٨) كم عن مكة. ٥ - ذات عرق، وهي ميقات أهل المشرق والعراق وخراسان. وقد بنت الدولة فيه مسجدًا يحرِمُ منه الناس، ولله الحمد.
وهذه المواقيت لأهلها، ولمن مرَّ عليها من غيرهم. ولا يجوز للمسلم الحر المكلَّف إذا أراد دخول مكة، أو النسك، أو الحرم لأي غرض كان - ولو غير نسك، كزيارة، أو دراسة، =
[ ١ / ٥٩٩ ]
فميقاتُهُ منزلُهُ (^١).
ولا ينعقدُ الإحرامُ مَعَ وجودِ الجنونِ، أو الإغماءِ، أو السُّكرِ (^٢).
= أو غير ذلك - أن يدخل إلا مُحرِمًا. إلا لحاجة تتكرر أو قتال مباح أو خوف أو مكي يتردد لقريته بالحل.
قال في الإقناع وشرحه: (وحيث لزم الإحرام من الميقات لدخول مكة) أو الحرم (لا لنسك طاف وسعى وحلق وحل).
وأما المواقت الزمانية، فهي في المذهب: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
ويذكرون هنا مسألتين مهمتين؛ وهما:
- الإحرام قبل الميقات المكاني كمن يحرم من الرياض، أو من الأحساء، فيصح، وينعقد الإحرام، لكنه يكره.
- الإحرام قبل الميقات الزماني. أما العمرة، فليس لها ميقاتٌ زماني، بل تفعل في أي وقت من السنة. وأما الحج، فله وقت معين، فهل يجوز الإحرام به، وقول: لبيك حجًا، قبل أشهر الحج كفي شعبان، أو رمضان؟ نقول: نعم يصح، وينعقد، لكن يُكره، كما تقدم في الميقات المكاني.
(^١) من كان يسكن في المدن أو القرى التي تقع بين الميقات ومكة، فإنه يحرِم من منزله، وليس المراد: منزله الذي يسكن فيه، بل كل بلده ميقات له، فلو خرج من بيته، ولم يحرم إلا عند نهاية البلد جاز.
(^٢) لعدم أهليته للنية والقصد.
[ ١ / ٦٠٠ ]
وإذا انعقدَ، لم يبطُل (^١) إلا بالرِّدَّةِ (^٢)، لكن يفسُدُ بالوطءِ في الفرجِ قبلَ التحلُّلِ الأوَّلِ، ولا يبطُلُ، بل يلزمُهُ إتمامُهُ والقضاءُ (^٣).
ويُخيَّرُ مَنْ يريدُ الإحرامَ بينَ أن ينويَ التَّمتُّعَ - وهُوَ أفضلُ -، أو ينويَ الإفرادَ، أو القرانَ (^٤).
(^١) فمتى أحرم إنسان وهو عاقل، فإن إحرامه لا يبطل بعد ذلك بطروِّ الجنون أو الإغماء أو السُكر، وسيأتي أنه إذا لم يفق في عرفة فلا يصح وقوفه.
(^٢) وقد تقدم أن جميع العبادات تبطل بالردة.
(^٣) فيفسد الإحرام بشيء واحد فقط، وهو الوطء في الفرج - بدون حائل - قبل التحلل الأول. فمن فعل ذلك، فسد إحرامه، ولا يبطل، بل يلزمه إتمام الحج والعمرة، والقضاء، وعليه بدنة في الحج، وشاة في العمرة.
(تتمة) فساد العمرة: فساد العمرة يكون قبل تمام السعي، فإذا وطئ فإنه يتوب ويتمها ويقضيها، ويلزمه شاة كفدية الأذى، وإن وطئ بعد السعي فلا تفسد العمرة كالوطء بعد التحلل الثاني من الحج.
(تتمة) لا فرق في المذهب بين الفساد والبطلان إلا في موضعين: ١ - الحج، فيبطل بالردة، ويفسد بالجماع في الفرج. ٢ - النكاح، فالنكاح الباطل هو الذي اتفق العلماء على بطلانه، والفاسد هو الذي اختلفوا فيه، وقد ذكر المرداوي في التحبير شرح التحرير أمثلة أخرى.
(^٤) أفضل الأنساك عندنا: التمتع، وللحنابلة في ذلك أدلة كثيرة. =
[ ١ / ٦٠١ ]
فالتَّمتُّعُ: هُوَ أن يحرِمَ بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ثمَّ - بعدَ فراغِهِ منها - يحرِمُ بالحجِّ (^١).
والإفرادُ: هُوَ أن يحرِمَ بالحجِّ، ثمَّ - بعدَ فراغِهِ منهُ - يحرِمُ بالعمرةِ (^٢).
= ثم يأتي بعده في الأفضلية: الإفراد، ثم القران.
(تتمة) ظاهر كلام المؤلف أنه لا توجد أفضلية للإفراد على القران، بينما المذهب أن الإفراد أفضل.
(^١) ولا بد ليكون متمتعًا أن يحرم بالحج في نفس العام، لا في العام الذي يليه مثلًا، وإلا فهو مفرد. والمعتبر في إيقاع العمرة في أشهر الحج: الإحرام، فلا بد أن يحرم بها بعد دخول أشهر الحج، فلو أحرم بها في رمضان، ثم طاف وسعى في شوال، فليس بمتمتع.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم بالحج من أي مكان شاء سواء كان مكة أو قربها أو بعيدا عنها مسافة قصر وهو ما مشى عليه في المنتهى وغيره، وأما في الإقناع فقيده بأن يحرم من مكة أو قريب منها لا بعيد منها، وتابع في ذلك المقنع والفائق والرعايتين والحاويين، ومع ذلك قال الشيخ منصور في الكشاف: (الذي عليه أكثر الأصحاب عدم التقييد). (مخالفة الماتن)
(^٢) فعند الميقات يحرم بالحج فقط، ويقول: لبيك حجًا، أو: أحرمت حجًّا. أما قوله: (ثمَّ - بعد فراغه منه - يحرم بالعمرة)، وقيده في الإقناع العمرة إن كانت باقية عليه، أي: إن لم يكن أتى بها من قبل.، وأطلق في المنتهى والغاية فلم =
[ ١ / ٦٠٢ ]
والقرانُ: هُوَ أن يحرِمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا (^١)، أو يحرِمَ بالعمرةِ ثمَّ يدخلَ الحجَّ عليها قبلَ الشُّروعِ في طوافِها (^٢)، فإن
= يقيدوا بهذا القيد، قال البهوتي في شرح المنتهى بعد قول المنتهى: (ثم بعمرة بعد فراغه منه) قال: (أي الحج مطلقا) أي: سواء كانت باقية عليه أو لا.
(^١) القِران له ثلاث صور: (الصورة الأولى) أن يحرم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك حجًا وعمرة، وهذا الذي فعله النبي ﷺ، وقد قال له جبريل ﵇: قل عمرة في حجة.
(^٢) (الصورة الثانية) أن يحرم بالعمرة فقط، ثم يدخل الحج عليها؛ لما يراه من زحام شديد مثلًا، فيصح، بشرط أن يكون إدخال الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها. فإن فعل ذلك صار قارنًا. أما لو شرع في طوافها، فليس له أن يدخل الحج عليها؛ لأنه إذا شرع في طوافها فقد شرع في أسباب التحلل.
ومتى صار قارنا سقط عنه طواف العمرة والسعي لها، واندرجت أفعالها في أفعال الحج، وعمل القارن كالمفرد في الإجزاء، ويسقط الترتيب للعمرة، ويصير الترتيب للحج.
(تتمة) إشكال يقع فيه بعض الحجاج: بعض الحجاج يحرمون بالعمرة في اليوم السابع أو الثامن، ويطوف، ويسعى، وينسى أن يقصر، ثم يحرِم بالحج، فيكون قد أدخل الحجَّ على العمرة بعد الشروع في طوافها فإن كان ساق هديا فيصح ولو بعد سعيها، وإن لم يسق هديا فلا يصح على المذهب؛ =
[ ١ / ٦٠٣ ]
أحرمَ بِهِ، ثمَّ بها، لم يصحَّ (^١).
= لأنَّه هكذا أدخل نُسُكًا على نُسُك قبل أن ينتهي من الأول، فلا يصح حجه على المذهب كما قرره ابن نصر الله، وابن ذهلان، والنجدي في حاشيته، والقول الثاني: يكون قارنًا، وقال به في المغني والشرح مع ما فيه من الإشكال وهو ظاهر كلام الإقناع والمنتهى في شروط هدي التمتع حيث قالا: وأن يحل منها قبل إحرامه به وإلا صار قارنا، وأطال ابن جاسر في هذه المسألة في مفيد الأنام ورجح أنه يصح حجه وعليه دم لتركه الحلق، وظاهر كلامه أنه متمتع - ولم يصرح به - لإيجابه الدم على ترك الحلق، لأنا إن جعلناه قارنا لم يُحتج للدم لترك الحلق.
(^١) (الصورة الثالثة) أن يحرم بالحج مفردًا، ثم يدخل العمرة عليه، وهذا ممنوع على المذهب، فيصح الحج، دون العمرة؛ لأنه لا يفيده الإحرام الثاني غير ما أفاده الإحرام الأول فلم يصح بخلاف العكس وهو: أنه يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج فإنه يستفيد فائدة زائدة على الإحرام الأول وهو الوقوف بعرفة، والمبيت، ورمي الجمار فصح ذلك.
(تتمة) في الحواشي السابغات: (مسألة) يجوز للمتمتع على المذهب أن يعتمر عن شخص ويحج عن آخر، وعليه دم بالشروط السبعة المتقدمة؛ فإذا أحرم بالعمرة قال: أحرمت بعمرة عن فلان، ثم إذا أراد أن يحرم بالحج قال: أحرمت حجًا عن فلان. ووجوب الدم هنا متوقف على الإذن، فإن أذِنا له فالدم عليهما، وإن أذن له أحدهما فعليه النصف =
[ ١ / ٦٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والباقي على النائب، وإن لم يأذنا له فلا يخلو: إن عاد للميقات فأحرم منه للحج فلا دم عليه، وإن لم يعد فعليه الدم، كذا فصله البهوتي في الكشاف، ونسبه للشرح الكبير (٦/ ١٠٢).
ويجوز أيضًا للقارن - الذي يطوف مرة واحدة، ويسعى مرة واحدة - أن يجعل العمرة عن شخص والحج عن شخص آخر، فيقول: أحرمت بعمرة عن فلان، وحج عن فلان؛ لكن هنا قالوا: بإذنهما، ومفهومه: إن لم يأذنا له فيقع الحج والعمرة للنائب فقط، قاله البهوتي في شرح المنتهى (٢/ ٤٣٠)، والدم يكون عليه، وإن أذن له أحدهما دون الآخر فيصح عن الآذن والنائب فقط، ويكون الدم عليهما، والله أعلم).
(تتمة) هناك مسألة مهمة جدًا وهي: قلب القارن والمفرد حجه عمرة، وهي من مفردات المذهب، وروجع الإمام أحمد ﵀ فيها كثيرًا، وله فيها أدلة. وهي: أن المفرد أو القارن - في المذهب - يسن له إذا طاف طواف القدوم وسعى سعي الحج، أن يجعل الماضي عمرة، ويتحلل؛ حتى يكون متمتعًا. وهذا من غرائب المذهب، أي: أن تكون النية بعد العمل، فيجوز له أثناء الطواف، أو بعده، أو أثناء السعي، أو بعده أن يجعل ذلك عمرة، ثم يتحلل، ثم يحرم بالحج.
وإنما يصح فسخ الحج إلى عمرة بشرطين: ١ - ألا يكون قد ساق هديا، فإن ساق هديه فلا يحل، ولا يجوز له فسخ إحرامه؛ لما في الصحيحين: (أنه ﷺ أمر أصحابه لما طافوا =
[ ١ / ٦٠٥ ]
ومَن أحرمَ وأطلَقَ: صحَّ، وصَرَفَهُ لما شاءَ (^١)، وما عَمِلَ قبلُ فلغوٌ (^٢).
= وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديا)، ٢ - ألا يكون قد وقف بعرفة، فإن وقف فلا يصح الفسخ ويلزمه إتمام حجه؛ لأن من وقف بها فقد أتى بمعظم الحج، وأمن من فوته بخلاف غيره، لكن لو وقف بعرفة، أو وقف بعرفة ودفع منها، وأراد أن يفسخ حجه عمرة، هل له ذلك؟ بأن يفسخ حجه عمرة وهو واقف بعرفة، أو يعود إلى عرفة ويجعل حجَّه عمرة، ويحرم بالحج ما دام وقت الوقوف باقيا. فليحرر. وسيأتي في باب أركان الحج أن السكران والمجنون والمغمى عليه لو أفاقوا بعرفة أو بعد أن دفعوا منها ثم عادوا إليها ووقفوا في الوقت أن حجهم صحيح.
(تتمة) وأيضا: هل يجوز للمفرد والقارن اللذين أفسدا حجهما بالوطء قبل التحلل الأول أن يفسخا ذلك ويجعلانه عمرة فاسدة ويقضيانها، ثم يحرمان بالحج؟ مسألة تحتاج لتحرير.
(^١) فمن نوى الإحرام فقط، فأحرم، ولم يعين نسكًا، صح إحرامه. ثم يصرفه لما يشاء من حج أو عمرة، قال الخلوتي: (وجوبا وإلا يكون متلاعبا)،، لكن لا بد أن يكون التعيين قبل الشروع في الطواف، وإلا لم يصح.
(^٢) أي: ما عمله قبل أن يعين نُسُكًا معينًا، سواء كان حجًّا، أو عمرة، أو حجًّا وعمرة، فهو لغو، ولا يعتبر شيئًا، وذكر الشارح أن الأَولى صرفه إلى العمرة، وقد نصَّ عليه صاحب الإقناع.
[ ١ / ٦٠٦ ]
لكنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ أرادَ نُسُكًا: أن يعيِّنَهُ (^١)، وأن يشترطَ، فيقولَ: «اللهمَّ إنِّي أريدُ النُّسكَ الفلانيَّ، فيسِّرهُ لي، وتقبَّلهُ منِّي، وإن حبسَنِي حابسٌ، فمحِلِّي حيثُ حبستَنِي» (^٢).
(^١) فيُسَّنُ لمن أحرم أن يُعيِّن النسك، ويتلفظ به، فيقول مثلًا: لبيك عمرة، أو: لبيك حجًّا وعمرة، أو: نويتُ حجًّا، أو: أردتُ حجًّا وعمرة.
(^٢) فيُسَنُّ لمن أحرم أن يشترط. ولا بد في الاشتراط من القول، ولا تكفي النية، بخلاف الإحرام. والشرط هو قوله: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني) لحديث ضباعة بنت الزبير ﵂.
فإن حبسه حابس، فهل يكون في حكم المحل مباشرة، أو يُخيَّر أن يبقى على إحرامه حتى يزول هذا الحابس ويكمل النُسُك؟ الظاهر أنه يُخيَّر، ولا يتحلل بمجرد حصول ما يحبسه.
[ ١ / ٦٠٧ ]