الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرجَ من السبيلَين (^١) بماءٍ طَهورٍ، أو حَجَرٍ (^٢) طاهرٍ مباحٍ مُنْقٍ (^٣).
= بسبب دابة مثلًا فيحترق البيت، أما لو أُمن ذلك، فلا يكون إطفاؤه مسنونًا، وعبارته في الكشاف: (وإغلاق الباب وإطفاء المصباح) عند الرقاد إذا خيف ولهذا قال ابن هبيرة: فأما إن جعل المصباح في شيء معلق أو على شيء لا يمكن الفواسق والهوام التسلق فيه، فلا أرى بذلك بأسا قاله في الآداب).
وعلى ظاهر المنتهى والغاية: تسن هذه الأمور - تغطية الآنية، وإيكاء الأسقية، وإغلاق الأبواب - مطلقًا سواء في الليل والنهار وهو ظاهر كلام الماتن هنا، وأما في الإقناع فقصر السنيّة على المساء، وهو ما بعد الزوال. (مخالفة الماتن)
(^١) أي: القُّبُل والدُّبر. وقوله: إزالة ما خرج …: هكذا يعرِّف الجميعُ الاستنجاءَ، لكن الواقع أن الإنسان لا يزيل الخارج من السبيلين، وإنَّما يزيل الأثر الباقي بعد الخارج.
(^٢) فإذا حصلت الإزالة بالماء سُمِّيت استنجاءً، وإن كانت بالحجر، فإنها تُسمَّى استجمارًا. لكنه بالماء إزالة لعين الخارج من السبيلين، وبالحجر إزالة لحكمه.
(^٣) يشترط فيما يُستجمَر به - حجرًا كان أو نحوه كالخِرق =
[ ١ / ٤٣ ]
فالإنقاءُ بالحجرِ ونحوِهِ: أن يبقى أَثَرٌ لا يزيله إلا الماءُ (^١)، ولا يُجزئ أقلُّ من ثلاثِ مسحاتٍ (^٢) تَعُمُّ كُلُّ مسحةٍ المحلَّ (^٣).
والإنقاءُ بالماءِ: عَودُ خشونة المحلِّ كما كان (^٤)، وظنُّه
= والمناديل - شروط، منها: (الشرط الأول) كونه طاهرًا، فلا يجزئ بالنجس. (الشرط الثاني) كونه مباحًا، فلا يجزئ الاستجمار بالمحرَّم؛ لأنَّه رخصة، فلا تستباح بمعصية. (الشرط الثالث) كونه منقيًا، أي: يُنقي المحل لمَّا يُستجمر به.
(تتمة) ومما يشترط أيضًا في المستجمَر به: (الشرط الرابع) كونه جامدًا، فلا يجزئ بغيره كالطين، وأوصل صاحبُ نيل المآرب شروطَ الاستجمار إلى اثني عشر شرطا.
(^١) أي: يبقى أثر بعد الاستجمار لا يستطيع إزالته إلا الماء، وهذا الباقي نجس يعفى عن يسيره إذا بقي في محله، وهذا ضابط الإنقاء بالحجر ونحوه، أي الحد الذي إذا وصله الإنسان أجزأه، وجاز له أن يصلي.
(^٢) فيشترط في الاستجمار العدد، وهو ثلاث مسحات للقُبُل، وثلاث للدُّبر؛ لقول سلمان ﵁: «نهانا الرسول ﷺ أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم، ولو استجمر بحجر واحد له ثلاث جهات، فمسح بجميع الجهات الثلاث أجزأه، كما قال في الزاد: «ولو بحجر ذي شُعب».
(^٣) وجوبًا. والمراد بالمحل: المسربة والصفحتان.
(^٤) فضابط الإنقاء بالماء: أن يعود المحل - بعد دلكه - خشنًا كما =
[ ١ / ٤٤ ]
كافٍ (^١).
وسُنُّ الاستنجاءُ بالحجر ونحوه، ثُم بالماءِ (^٢)، فإن عَكَسَ كُرِه (^٣)، ويُجزئُ أحدُهُما، والماءُ أفضلُ (^٤).
= كان قبل خروج الخارج. قال الصالحي: (والخشونة لا تأتي إلا في الكبير، وأما الصغير فليس له خشونة فيكفي عوده كما كان).
(^١) فلا يُشترط اليقين هنا.
(تتمة) يشترط في الاستنجاء أربعة شروط: (الشرط الأول) كونه بماء، و(الشرط الثاني) كون الماء طهورًا، و(الشرط الثالث) أن يغسل المحلّ - قبلًا كان أو دُبرًا - سبع غسلات، ولم يذكرها اتكالا على ما يأتي في باب النجاسات قاله ابن عوض، وذكرها المؤلفُ هنا في غاية المنتهى، و(الشرط الرابع) حصول الإنقاء.
(^٢) فيسنُّ الاستجمار بالحجر ونحوه كالخرق والمناديل، ثم الاستنجاء بالماء؛ لقول عائشة ﵂: «مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحيهم، وإنَّ النبي ﷺ كان يفعله» هكذا يذكره الأصحاب في كتبهم، والذي في المسند والترمذي والنسائي: (مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم)، ولأنه إن فعل ذلك خفف عن يده ملابسة وملامسة النجاسة.
(^٣) أي: يُكره أن يقدِّم الاستنجاء بالماء على الاستجمار بالحجر؛ لأن الحجر بعد الماء يقذر المحل.
(^٤) فسواء استجمر أو استنجى أجزأه، ولا يُقال إن الاستجمار =
[ ١ / ٤٥ ]
ويكره استقبالُ القبلةِ، واستدبارُها في الاستنجاء (^١).
ويحرُمُ بروثٍ، وعظمٍ (^٢)،
= لا يُشرع إلا للضرورة، بل يجوز حتى مع وجود الماء. لكن من خُيِّر بين الاقتصار على الاستنجاء بالماء أو على الاستجمار، فإن الأفضل له استعمال الماء؛ لأنَّه يزيل العين والأثر.
(^١) والمراد: كراهة ذلك في حالة الاستنجاء أو الاستجمار في الفضاء، بخلاف قضاء الحاجة، فإنه يحرم خلالها استقبال القبلة واستدبارها بفضاء، وسيأتي إن شاء الله.
وقوله: (واستدبارها): مخالف للمذهب، فلا يكره في المذهب استدبار القبلة في حال الاستنجاء أو الاستجمار بفضاء، وذلك بأن يجعلها خلفه، وإنما يكره استقبالها فقط، وهو ظاهر كلامه في الغاية حيث نص على كراهة الاستقبال فقط، قال في الإقناع وشرحه: (ويكره استقبال القبلة في فضاء باستنجاء أو استجمار) تشريفا لها، وظاهر كلامه كغيره: لا يكره استدبارها إذن). (مخالفة الماتن)
(^٢) فيحرم الاستجمار بالروث - وهو ما يخرج من الدواب بمنزلة الغائط - ولو كان من مأكول اللحم، وكذلك بالعظم ولو كان من حيوان مذكَّى؛ لقول النبي ﷺ: «لا تستنجوا بالروث والعظام؛ فإنَّه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم، والنهي يقتضي الفساد. فالروث الذي يخرج من حيوانات الإنس هو زاد لبهائم الجن، وعظام الحيوانات التي نأكلها هي طعام للجن =
[ ١ / ٤٦ ]
وطعامٍ ولو لبهيمةٍ (^١)، فإن فَعَلَ لم يجزئه بعد ذلك إلا الماءُ (^٢) كما لو تعدَّى الخارجُ موضعَ العادةِ (^٣).
ويجب الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ، إلا الطاهرَ، والنَّجِسَ الذي لم يلوِّث المحلَّ (^٤).
= أنفسهم، ولذا لم يجز الاستجمار بالروث ولا بالعظام.
(^١) فيحرم الاستجمار بالطعام، ولو كان طعامًا للبهائم؛ لأنَّ تحريم الاستجمار بطعام بهائمنا أَولى من تحريم الاستجمار بطعام بهائم الجن، وهو الروث.
(^٢) القاعدة: أن من استجمر بما نُهي عن الاستجمار به، فإنه يتعيّن عليه بعده استعمال الماء، ولا يجوز له أن يعدل إلى الاستجمار بشيء لم يُنه عنه. ويُستثنى من ذلك: إذا استجمر بشيء غير منقٍ، فإن شاء استجمر بعده بمنقٍ أو بالماء.
(^٣) فيتعين استعمال الماء أيضًا إذا تعدى الخارج من السبيلين موضع العادة، فلا يجوز الاستجمار في ذلك المتعدي، ولا يجزئ فيه غير الماء، لكن يجوز الاستجمار لما كان في موضع العادة. وضابط التعدي: أن ينتشر ويخرج إلى الصفحتَين - وهذا في الدُّبر -، أو يمتد إلى الحشفة - وهذا في الذكر - امتدادا غير معتاد. أما شيخ الإسلام، فجعل التعدي في الدُّبر: أن ينتشر إلى نصف الصفحتين، وفي الذَّكر: أن ينتشر البول إلى نصف الذكر.
(^٤) فيجب الاستنجاء لكل خارج من السبيلين. ويستثنى من ذلك: ١ - إذا كان الخارج طاهرًا كالمني والريح، ٢ - أو إذا كان =
[ ١ / ٤٧ ]