مَنْ طَلَعَ عليهِ فجرُ يومِ النَّحرِ، ولم يقف بعرفةَ لعذرِ حصرٍ، أو غيرِهِ:
- فاتهُ الحجُّ (^٢)،
- وانقلبَ إحرامُهُ عمرةً - ولا تجزئُ عن عمرةِ الإسلامِ -، فيتحلَّلُ بها (^٣)،
- وعليهِ دمٌ (^٤)،
(^١) الفوات لغة: سبقٌ لا يُدرك. أما في الاصطلاح فهو: أن يطلع على المحرِم فجرُ يوم النحر، ولم يقف بعرفة لعذر حصرٍ أو غيره، كما عرَّفه المؤلف، والإحصار لغة: الحبس، وفي الاصطلاح: المنع من إتمام الحج أو العمرة، أو هما.
(^٢) من طلع عليه فجر يوم النحر، ولم يقف بعرفة، تعلقت به أحكام: (الحكم الأول) كون الحج قد فاته. وتسقط عنه توابع الوقوف كالمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمار، فتسقط كلها.
(^٣) (الحكم الثاني) ينقلب إحرامه بالحج عمرةً، ويتحلل بها، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل، ولا تجزئ عن عمرة الإسلام، فتبقى واجبة عليه.
(^٤) (الحكم الثالث) عليه دم، إما شاة أو سُبع بدنة أو بقرة، =
[ ١ / ٦٦٠ ]
- والقضاءُ في العامِ القابلِ (^١).
لكن لو صُدَّ عنِ الوقوفِ، فتحلَّلَ قبلَ فواتِهِ، فلا قضاءَ (^٢).
= فيذبحه في السنة القادمة، لا في السنة التي فاته الحج فيها. فإن عدم الهدي زمن الوجوب وهو وقت الفوات وهو طلوع الفجر يوم النحر في سنة الفوات، صام عشرة أيام في حج القضاء - كما في الإقناع -: ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
(^١) (الحكم الرابع) عليه القضاء في العام القابل، ولو كان الحج الذي فاته نفلًا، والقضاء يكون على صفة الفائت، فإن كان قارنا قضى قارنا مثل ما أهل به أولا من قابل، والتحقيق: أنه إن فاته نسكان كالتمتع والقران، فيجب عليه قضاؤهما، ولا يشترط أن يكون القضاء بمثل ما فاته تماما فلو فاته قران فله أن يقضيه تمتعا، أو إفرادا، قال الشيخ منصور في شرح الإقناع: (فإن كان الذي فاته الحج قارنا قضى قارنا) أي: لزمه في العام الثاني مثل ما أهل به أولا نص عليه؛ لأن القضاء يجب على حسب الأداء في صورته ومعناه فيجب أن يكون هنا كذلك، قلت: والظاهر أنه يلزمه قضاء النسكين لا أن يكون قارنا كما يعلم مما سبق في الإحرام).
وكل ما تقدم من الأحكام إنما تكون إذا لم يكن اشترط، فإن اشترط تحلل مجانا ولا شيء عليه، والظاهر: إلا العمرة فيجب عليه فعلها؛ لعدم وجود ما يمنعه منها، والله أعلم.
(^٢) انتقل المؤلف إلى الحديث عن الإحصار، وهو عدة أنواع، =
[ ١ / ٦٦١ ]
ومَن حُصرَ عنِ البيتِ - ولو بعدَ الوقوفِ -، ذبحَ هديًا بنيَّةِ التَّحلُّلِ، فإن لم يجد صامَ عشرةَ أيَّامٍ بنيَّةِ تحلُّلٍ، وقد حلَّ (^١).
= وقد ذكر منها ثلاثة: (النوع الأول) أن يُصَدَّ ويُمنع الحاج من دخول عرفة - كالذين يمنعون بسبب عدم حصولهم على التصريح - ولا يخلو حاله: أ- أن يتحلل من إحرامه الذي تلبس به قبل أن يطلع عليه فجر يوم النحر، فيأتي بعمرة، ولا قضاء عليه قالوا: لأن قلب الحج إلى عمرة يجوز بلا حصر فمعه أولى. ب- ألا يتحلل فلم يأت بعمرة، وبقي محرما حتى طلع عليه فجر يوم النحر، فإنه يأخذ أحكام من فاته الحج، وهي أشق، ففيها قضاء، ودم، وينقلب إحرامه عمرة، فالأَولى له المبادرة بالإتيان بعمرة قبل الفوات.
(^١) (النوع الثاني) من حُصر عن البيت، والمراد به هنا: الحرم كله لا المسجد فقط - كما ذكر الشيخ منصور في حاشية المنتهى -، فيدخل فيه منى؛ ليختلف عن النوع الثالث من الإحصار. فمن مُنع من دخول الحرم - ولو بعد الوقوف - ظلما لا بحق، ولا يمكنه الوصول إلى الحرم من طريق ولو بعيدا، وسواء كان الحصر عاما أو خاصا، فإنه يجب عليه شيء واحد فقط وهو: أن يذبح هديًا، ويذبحه بنية التحلل. فإن لم يجد، صام عشرة أيام بنية التحلل، وقد حلَّ، واقتصر عليه في المنتهى والغاية تبعا للتنقيح، وزاد في الإقناع: أنه يجب أن يحلق أو يقصر بعد ذلك كما في السنة تبعًا للرعاية، والمذهب: لا يجب الحلق؛ لأنه غير مذكور في الآية، ولأنه من توابع الوقوف كالرمي، ولا إطعام فيه.
=
[ ١ / ٦٦٢ ]
ومَن حُصرِ عَنْ طوافِ الإفاضةِ فقط - وقد رمى، وحلقَ -، لم يتحلَّل حتى يطوفَ (^١).
= (تتمة) لا قضاء على محصر إن كان نفلا، هكذا في الإقناع تبعا للتنقيح والفروع، قال عنه في الإنصاف: (وهو المذهب)، وقيده في المنتهى - تبعا للمستوعب - بما إذا تحلل المحصر قبل فوت الحج، وتابعه في الغاية، ومفهومه: أنه لو تحلل بعد فوت الحج فيلزمه القضاء، قال البهوتي في الكشاف: (وهو إحدى روايتين، أطلقهما في الشرح وغيره، وهو ظاهر كلامه - أي: الإقناع - أول الباب). (مخالفة)
وقال البهوتي أيضا: (وإن زال الحصر بعد تحلله وأمكنه فعل الحج الواجب في ذلك العام لزمه فعله).
(^١) (النوع الثالث) من حُصر ومُنع من طواف الإفاضة، عبارته في الغاية: (ومن حصر عن طواف الإفاضة وقد رمى وحلق لم يجز تحلله لنحو جماع حتى يطوف)، وعبارته في المنتهى وشرحه: (ومن حصر عن طواف الإفاضة فقط) بأن رمى وحلق بعد وقوفه (لم يتحلل حتى يطوف) للإفاضة ويسعى إن لم يكن سعى وكذا لو حصر عن السعي فقط لأن الشرع ورد بالتحلل من إحرام تام يحرم جميع المحظورات وهذا يحرم النساء خاصة فلا يلحق به)، فيفهم من عباراتهم وكلام ابن جاسر في مفيد الأنام أن من حصر عن طواف الإفاضة لا يخلو من حالين: أ- أن يكون قبل توابع الوقوف وهي الرمي والحلق أي: بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، بأن يكون وقف =
[ ١ / ٦٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بعرفة ولم يتحلل التحلل الأول، فله التحلل مجانا كما لو حصر عن البيت يذبح هديا بنية التحلل، فإن عدمه صام عشرة أيام بنية التحلل ثم يحل، ب- أن يكون بعد التحلل الأول، بأن يكون وقف بعرفة ورمى وحلق أو قصر، فلا يجوز له التحلل حتى يطوف ويسعى؛ لأنه لا حد لآخرهما، وهذه المسألة من زوائد المنتهى على الإقناع.
(تتمة) بقية أنواع الحصر:
النوع الرابع: الحصر عن الواجب كالرمي، فلا يجوز له التحلل، وعليه دم، كما لو تركه اختيارا، وهذا إذا انتهت جميع أيام الرمي، أما إذا لم تنته فينتظر، لكن هل يتحلل قبل ذبح الدم أو لابد من الذبح؟ الظاهر أنه لا يتحلل حتى يذبح ثم يتحلل، فمن لم يجد صام عشرة أيام ثم حل.
النوع الخامس: الحصر عن إتمام الحج لمرض أو ذهاب نفقة: ولا يجوز له أن يتحلل حتى يقدر على البيت، وهذا إن زال عنه الحصرُ قبل فوات الحج - بطلوع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة - لزمه أن يكمل ولا شيء عليه، وأما إن زال بعد أن فاته الوقوف بعرفة فهذا يأخذ أحكام الفوات.
ومنعوه من التحلل حتى يقدر على البيت، قالوا: (لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حالة إلى حالة خير منها، ولا التخلص من الأذى الذي به. بخلاف حصر العدو، ولأن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير. فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: حجي واشترطي: أن محلي حيث =
[ ١ / ٦٦٤ ]
ومَن شَرَطَ في ابتداءِ إحرامِهِ (^١): أنَّ (محِلِّي حيثُ حبستَني) أو قالَ: (إن مرضتُ، أو عجزتُ، أو ذهبت نفقتِي، فلي أن أَحِلَّ)، كانَ لَهُ أن يتحلَّلَ (^٢)، متى شاءَ، مِنْ غيرِ شيءٍ،
= حبستني "، فلو كان المرض يبيح التحلل ما احتاجت إلى شرط).
وأما إن حصر عن العمرة بمرض ونحوه فلا يزال محرما حتى يقدر على البيت ويتم عمرته.
(تتمة) مثل المريض من ضل الطريق - كما جزم به في المنتهى - والحائض كما جزم به ابن النجار في شرح المنتهى حيث قال: (مثل المريض في الحكم حائض تعذر مقامها، وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف؛ لجهلها بوجوب طواف الزيار، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة).
(^١) فينفعه في الفوات والإحصار، وتقدم أن المذهب: يستحب الاشتراط مطلقًا.
(^٢) قوله (كان له …): فلا يتحلل مباشرة، بل يخيَّر بين أن يتحلل، وأن يبقى على إحرامه،
وعبارته في الغاية: (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني أو إن مرضت فلي أن أحل خير بوجود مشروطه بين تحلل مجانا وبقاء على إحرامه، وإن قال إن مرضت مثلا فأنا حلال حل بمجرد وجوده)
وقال في الإقناع: (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفذت ونحوه، أو قال: إن حبسني =
[ ١ / ٦٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حابس فمحلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك وليس عليه هدي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره وله البقاء على إحرامه، فإن: قال إن مرضت ونحوه فأنا حلال فمتى وجد الشرط حل بوجوده.).
(تنبيه) لا يجوز التحلل بالشرط إلا إذا وجد ما يمنع المحرم من إكمال النسك، وإلا فلا يجوز التحلل، ولو تحلل فإنه محرم.
(تتمة) هل طرو الحيض يبيح للمرأة المحرمة المشترطة التحلل من إحرامها؟: الظاهر من كلامهم أنه متى حصل ما يمنع المحرم المشترط من إكمال النسك جاز له أن يتحلل، ولا يجب عليه الانتظار حتى يزول المانع، وإن كان زوالُه سيحصل قريبا، وذكروا له أمثلة كالمرض، وضياع النفقة، وإضلال الطريق، وهل منه لو اشترطت المرأة ثم حاضت؟ فهل لها أن تتحلل؟ الظاهر: نعم، ولم أره صريحا في كلامهم، لكنه داخل في عموم كلامهم، وقد تقدم كلام ابن النجار في شرحه للمنتهى- جازما به - أنَّ (مثل المريض في الحكم حائض تعذر مقامها، وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف؛ لجهلها بوجوب طواف الزيار، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة)، ونقله عنه البهوتي في الكشاف، وأصله لشيخ الإسلام كما في الإنصاف، والمراد: أن الحائض مثل الذي أحصر عن إتمام النسك لأجل المرض، وأنها لا تتحلل حتى تتم نسكَها، فإذا كان الحيضُ كالمرض في عدم جواز التحلل من الإحرام بدون الشرط، فكذا هو مثله في جواز التحلل بالشرط، فكما أنه يجوز التحلل =
[ ١ / ٦٦٦ ]
ولا قضاءَ عليهِ (^١).
= بالمرض بالشرط، فكذا يجوز التحلل بالحيض بالشرط، لكن تقيد بما ذكره ابن النجار احتياطا، بأن يتعذر مقامها، أو تخشى فوات الرفقة، كما لو جاءت مع محرمها، وأحرمت واشترطت فحاضت، ولا يستطيع محرمها أن يبقى معها حتى تطهر؛ لعمل عنده أو غيره، فيجوز لها أن تتحلل بالشرط، وإن قيل بعدم هذا القيد قياسا على المرض فليس ببعيد، والله أعلم.
والتحلل بالشرط لأجل الحيض هو قياس قول شيخ الإسلام في جواز التحلل للحائض - غير المشترطة - كمحصرة، وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: (فإن قيل: وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النفاس، أو الطاهر من الحيض؟
فالجواب: نعم ولا شك؛ لأن المرأة إذا نفست لا تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالبًا، والحائض كذلك، إذا كان أهلها أو رفقتها لا يبقون معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط).
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي في حاشيته على مناسك النووي ص (٥٥٠): (منه: الحيض على الأوجه، بل هو أشق من كثير من الأعذار).
وعموم البلوى بالحيض أكثر من المرض، والله أعلم.
(^١) فإن لم يشترط، لزمه القضاء في الفوات، دون الإحصار، ما لم ينقلب الإحصار إلى فوات.
وقول المؤلف: (أو عجزت) ليست في الإقناع ولا المنتهى. =
[ ١ / ٦٦٧ ]