يسنُّ: إذا أتى بقولٍ مشروعٍ في غيرِ محلِّه سهوًا (^٢).
(^١) السهو في الشيء: تركه من غير علمه، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به. ولسجود السهو ثلاثة أحكام على المذهب، كما ذكر المؤلف. وصفة سجود السهو كسجود الصلاة.
ويشرع سجود السهو لزيادة ونقص وشك، في الحواشي السابغات: (والدليل على مشروعيته في الزيادة والنقص حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «إذا زاد الرجل في صلاته أو نقص فليسجد سجدتين»، رواه مسلم. أما في الشك، فالدليل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك، وليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا - أي: أربعًا - كانتا ترغيمًا للشيطان»، رواه مسلم).
(^٢) (الحكم الأول) السُّنِّيَّة: فيسن سجود السهو في موضعين: ١ - إذا أتى المصلي بقول مشروع في غير محله سهوًا، كأن يقرأ القرآن في السجود، أو يسبح في القيام، فيسن له السجود للسهو. أما لو أتى به عمدًا، فلا تبطل صلاته، ولا يسن له سجود السهو. =
[ ١ / ٢٥٢ ]
ويباحُ: إذا تركَ مسنونًا (^١).
ويجبُ: إذا زادَ ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا، ولو قدرَ جلسةِ الاستراحةِ (^٢)، أو سلَّمَ قبلَ إتمامِها (^٣)، أو لَحَنَ
= قال البهوتي في شرح المنتهى: (فإن لم يكن مشروعا كآمين رب العالمين، الله أكبر كبيرا لم يشرع له سجود لأنه ﷺ لم يأمر به من سمعه يقول في صلاته " الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى ".)
٢ - إذا نوى المسافر القصر، ثم أتمّ صلاته سهوًا فإنه يسجد للسهو ندبا على ما مشى عليه الإقناع، وتابعه البهوتي في شرح المنتهى، وخالف في الغاية فقال: (يسجد (وجوبا خلافا له). (مخالفة)
(^١) (الحكم الثاني) الإباحة، وذلك إذا ترك سُنةً قولية أو فعلية سهوًا، فيباح له السجود. وقد قيّد الشيخ السعدي ﵀ إباحة سجود السهو هنا بترك سنة من عادته الإتيان بها، فتركها سهوًا، وإلا لم يسجد لترك السنة.
(^٢) (الحكم الثالث) الوجوب، وقد أحسن المؤلف - هنا وفي الغاية وزاد على ماهنا - حين حصر الحالات التي يجب فيها سجود السهو، ولم أر ذلك لغيره، وقد ذكر هنا خمس صور، وهي: [الصورة الأولى] إذا زاد - سهوًا - ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا، ولو كان قعوده قدر جلسة الاستراحة، وجلسة الاستراحة تكون عند القيام إلى الركعة الثانية والرابعة، فيجلس بعد السجود جلسة خفيفة قبل أن يقوم.
(^٣) [الصورة الثانية] إذا سلَّم - سهوًا - قبل إتمامها، فيجب أن =
[ ١ / ٢٥٣ ]
لَحنًا يحيلُ المعنى (^١)، أو تركَ واجبًا (^٢)، أو شكَّ في زيادةٍ وقتَ
= يسجد للسهو، وهذا فيما إذا ذكر قريبا - ولو خرج من المسجد أو شرع في صلاة أخرى وتقطع - ويلزمه أن يعود للأولى ويتمها ويسجد، فإن طال الزمن عرفا بطلت الصلاة لفوات الموالاة بين أركان الصلاة، وإن سلم عمدا قبل إتمام الصلاة بطلت.
(^١) [الصورة الثالثة] إذا لحن في قراءته - سهوًا - لحنًا يحيل المعنى أي: يغير المعنى، في الفاتحة وغيرها، ولو أصلحه؛ لأن عمده يبطل الصلاة، قال ابن عوض: (نحو: (الذين هن في صلاتهن ساهون) بخلاف غير المحيل نحو: (ذلك الكتاب) بالنصب أو الجر؛ لأنه لا يخرج عن كونه قرآنا، ولأنه أتى بأصل الحروف على وجه يؤدي معنى الكلمة والإعراب فلم يجب له سجود … أما اللحن في الفاتحة، أو في فرض القراءة إذا كان محيلا للمعنى سهوا أو جهلا، فإن عاد وأتى به على وجه مجزئ صحت صلاته وإلا بطلت).
قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (وفي معناه: سبق لسانه بتغيير نظم القرآن بما هو منه على وجه يحيل معناه، نحو ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٧٧] " ثم ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٣٩])
(^٢) [الصورة الرابعة] إذا ترك واجبًا كالتشهد الأول، فيجب أن يسجد للسهو، ويقيد الترك: بالسهو، كما تقدم، أما لو تركه عمدًا، فإن صلاته تبطل.
[ ١ / ٢٥٤ ]
فعلِها (^١).
وتبطُلُ الصلاةُ بتعمدِ تركِ سجودِ السهوِ الواجبِ، لا إن تركَ ما وجبَ بسلامِهِ قبلَ إتمامِها (^٢).
(^١) [الصورة الخامسة] إذا شك في زيادة وقت فعلها، كأن يشك في صلاة رباعية هل هو في الركعة الرابعة أو الخامسة؟ أو شك في سجدة وهو فيها هل هي زائدة أو لا؟ فيسجد؛ لأنه أدى جزءا من صلاته مترددا في كونه منها أو زائدا عليها فضعفت النية واحتاجت للجبر بالسجود.
وأما الشك في ترك واجب فلا يشرع له السجود كما لو شك بعد رفعه من الركوع هل سبح فيه أم لم يسبح؟ فلا يسجد حتى يتيقن تركه سهوا.
(^٢) فتبطل الصلاة بتعمد ترك سجود السهو الواجب الذي أفضليته قبل السلام في الصور السابقة، ويستثنى من ذلك السجود الواجب بالسلام قبل إتمام الصلاة سهوًا، فلو تركه عمدًا لم تبطل صلاته، لكنه يأثم، وكذلك لا تبطل الصلاة بترك سجود السهو المسنون.
وظاهر كلام الماتن أن السجود الذي يستحب أن يكون بعد السلام هو: الذي يكون عندما يسلم المصلي قبل إتمامها مطلقا سواء كان النقصُ ركعة أو أقل وهو ما مشى عليه في التنقيح والمنتهى والغاية وقدمه في الفروع وهو المذهب، ومشى في الإقناع إلى أنه يكون السجود للسهو بعد السلام إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر تبعا للمحرر، وهو رواية. (مخالفة الماتن)
[ ١ / ٢٥٥ ]
وإن شاءَ سجدَ سجدتَي السهوِ قبلَ السلامِ، أو بعدَهُ (^١)،
(^١) فيجوز على المذهب الإتيان بسجود السهو قبل السلام أو بعده؛ لأن بعض الأحاديث وردت بالسجود قبل السلام كحديث ابن بحينة ﵁ حين نسي النبي ﷺ التشهد الأول متفق عليه، وجاء في أحاديث أخرى السجودُ بعد السلام كحديث ابن مسعود ﵁ لما زاد النبي ﷺ ركعة خامسة، وكذا لما سلَّم عن ركعتين في رباعية، كما في حديث ذي اليدين متفق عليه.
أما شيخ الإسلام، فيرى أن السجود إن كان عن نقص في الصلاة فيجب أن يكون قبل السلام، وكذا لو شك وبنى على اليقين، وأما إن كان السجود عن زيادة، فيجب أن يكون بعد السلام، ومثله لو بنى على غلبة ظنه، وهذا التفصيل يوافق رواية عن أحمد، إلا أنه لم يقل فيها بوجوب السجود في أحد الموضعين، وإنما حكم ابن تيمية بالوجوب تبعًا لما ورد في السنة - كما قال -، لكنَّه ورد في أحاديث أخرى ما يخالف ما ذكره شيخ الإسلام.
ومع التخيير في موضع السجود، إلا أن الأفضل على المذهب الإتيان بجميع سجود السهو قبل السلام إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا سلَّم عن نقص، فيستحب إذَن السجود بعد السلام؛ لحديث ذي اليدين، وهذا السجود الذي يندب الإتيان به بعد السلام هو السجود الواجب الذي لا تبطل الصلاة بتعمد تركه، كما تقدم.
(تتمة) إذا سلَّم الإمام، فقام المسبوق لإتمام صلاته، ثم =
[ ١ / ٢٥٦ ]
لكن إن سجدَهُما بعدَهُ، تشهدَ وجوبًا، وسلَّمَ (^١).
وإن نسيَ السجودَ حتى طالَ الفصلُ عرفًا، أو أحدَثَ، أو خرجَ من المسجدِ، سقطَ (^٢).
ولا سجودَ على مأمومٍ دخلَ أوَّلَ الصلاةِ إذا سها في صلاتِهِ (^٣).
= سجد الإمام بعد السلام، فإنه يجب على المأموم أن يرجع، ويسجد مع الإمام ما لم يستتم قائما فيكره رجوعه، وإن شرع في الفاتحة حرم الرجوع عليه، وعليه السجود آخر صلاته كمن نسي التشهد الأول.
(^١) أي: إذا سجد للسهو بعد السلام جلس مفترشا في ثنائية ومتوركا في غيرها وتشهد وجوبا وسلم.
(تتمة) سجود السهو، وما يقول فيه، وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة.
(^٢) أي: من نسي سجود السهو الواجب أو غيره حتى طال الفصل عرفًا، أو نسيه وأحدث، أو خرج من المسجد، فصلاته صحيحة كسائر الواجبات إذا تركها سهوا، ويسقط السجود لفوات محله.
(^٣) فلا يجب السجود على مأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة إذا سها في صلاته هو إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه ولو لم يسه المأموم، ويفهم من كلام الماتن: أن من سُبق بركعة فأكثر، فسها في صلاته، سواء فيما أدركه مع إمامه، أو فيما انفرد به عنه، فإنه يجب عليه أن يسجد للسهو آخر صلاته، =
[ ١ / ٢٥٧ ]
وإن سها إمامُهُ، لزمَهُ متابعتُهُ في سجودِ السهوِ، فإن لم يسجُد إمامُهُ وجبَ عليه هو (^١).
ومن قامَ لركعةٍ زائدةٍ جلسَ متى ذَكَرَ (^٢).
وإن نَهَضَ عن تركِ التشهدِ الأوَّلِ ناسيًا، لزمَهُ الرجوعُ ليتشهَّدَ، وكُرهَ إن استتمَّ قائمًا، وتلزمُ المأمومَ متابعتُهُ، ولا يرجِعُ إن شرعَ في القراءةِ (^٣).
= وكذا لو سلم المسبوق مع إمامه سهوا.
(^١) أي: إذا سها الإمام، لزم المأموم متابعته في سجود السهو، فإن لم يسجد إمامه لكونه لا يرى وجوب سجود السهو مثلًا تقليدًا لأحد المذاهب، فإنه يجب على المأموم - مسبوقًا كان أو غيره - أن يأتي بسجود السهو إذا سلَّم؛ أما إن كان الإمام يرى وجوب سجود السهو وتركه عمدا فتبطل صلاته وصلاة المأموم كما قاله البهوتي في شرح المنتهى: (هذا إن كان الإمام لا يرى وجوبه، أو تركه سهوا، أو كان محله بعد السلام وإلا فتبطل صلاته وتقدم: تبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمام).
(^٢) وجوبًا - كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى - بلا تكبير، فإن لم يذكر حتى فرغ منها، سجد لها سجود السهو.
(^٣) لحديث المغيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم في الركعتين، فلم يستتم قائمًا، فليجلس، وإن استتم قائمًا، فلا يجلس، وليسجد سجدتين» رواه أبو داود وابن ماجه.
فمن نهض عن ترك التشهد الأول ناسيًا لا يخلو حاله مما يلي: =
[ ١ / ٢٥٨ ]
ومن شكَّ في ركنٍ، أو عددِ ركعاتٍ - وهو في الصلاة -، بنى على اليقينِ - وهو الأقلُّ -، ويسجدُ للسهوِ (^١).
= ١ - إن ذكره قبل أن يستتم قائمًا، لزمه الرجوع ليتشهد، ويتابعه مأموم ولو اعتدل. ٢ - وإن ذكره بعد أن استتم قائمًا، وقبل أن يشرع في القراءة، فإنه يُكره له الرجوع، فإن رجع والحالة هذه فيلزم المأمومَ متابعةُ إمامه في رجوعه ولو شرع المأموم في الفاتحة، ٣ - ويحرم الرجوع إذا شرع في القراءة، وهذا الحكم التكليفي، فإن رجع عالمًا - أي: التحريم - ذاكرًا، فإن صلاته تبطل، وهذا الحكم الوضعي، وينوي المأمومون مفارقته، ولا يتابعونه، وإنما عُلّق الحكم بقراءة الفاتحة؛ لأنها ركنٌ مقصود، ويجب السجود للسهو في جميع هذه الأحوال الثلاث.
(تتمة) يقيس العلماء على التشهد الأول بقيةَ الواجبات، فمن ترك تسبيح الركوع - مثلًا - سهوًا، فذكره أثناء رفعه من الركوع، وجب عليه أن يعود ليأتي به، وإن ذكره بعد أن استتم قائمًا، واعتدل، حرم عليه الرجوع. وكذلك لو ترك تسبيح السجود، فذكره قبل أن يستتم جالسًا، وجب عليه أن يعود ليسبِّح، وإن لم يذكره حتى اعتدل في جلسته، فإنه يحرم عليه أن يعود، وعليه أن يسجد للسهو.
(^١) فمن شك في ترك ركن إماما أو منفردا، كأن شك أركع أم لم يركع، فإنه يبني على اليقين، ويأتي بالركوع. وكذا لو شك في عدد الركعات، فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا مثلًا، فإنه يأخذ بالأقل، وهو الثلاث. والدليل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ =
[ ١ / ٢٥٩ ]
وبعد فراغِها، لا أَثَرَ للشكِّ (^١).
= مرفوعًا، وفيه: «فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن» رواه مسلم، ويحملون قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «فليتحرَّ الصواب» متفق عليه، على استعمال اليقين، قال البهوتي في شرح المنتهى: (فتحري الصواب فيه: هو استعمال اليقين لأنه أحوط، وجمعا بين الأخبار)، وقد جاء تفسير تحري الصواب بأنه البناء على اليقين وهو الأقل في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا شك أحدكم، فلم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا؟ فليجعلهما ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا؟ فليجعلهما ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم الذي رواه مسلم، فهذه أحاديث مصرحة بأن من شك في العدد بنى على اليقين، وهي ترد تأويل من يقول بالبناء على غلبة الظن. انتهى من عون الباري.
(^١) فلا أثر للشك بعد فراغ الصلاة أو عبادة غيرها؛ لأن الظاهر أنه أتى بها على الوجه المشروع، فلو شك بعد صلاة رباعية مثلا هل صلى ثلاثا أو أربعا فلا أثر لهذا الشك ولا يلزمه شيء.
[ ١ / ٢٦٠ ]