وهي تسعة: الإسلامُ (^٢)، والعقلُ (^٣)، والتميِيزُ (^٤)، وكذا
= ولم يجد من يصلي معه- هكذا شرحها الرحيباني -؛ ليصلي جماعة بمسجد آخر، وهذا ذكره المؤلف في الغاية اتجاهًا، وفيه خلاف كبير. ورجح الجوازَ كثيرٌ من الحنابلة كابن فيروز الأب، وابنه، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن عثيمين ﵏ جميعًا.
(تتمة) الأذان المعتمد في المذهب هو أذان بلال، وهو خمس عشرة جملة. ولا يُسن الترجيع في الأذان خلافًا للشافعية، فإن فعل فلا بأس. وصفة الترجيع: أن يقول الشهادتين سرًا بحيث يسمع مَنْ بقربه أو أهل المسجد إن كان واقفا كما في الكشاف، ثم يعيدهما جهرًا.
والإقامة في المذهب إحدى عشرة جملة، ويجوز بلا كراهة تثنية الإقامة بأن يكرر كل جملة مرتين كالأذان.
(^١) وهي شروط تتوقف عليها صحة الصلاة، وكذا سائر العبادات والعقود تتوقف صحتها على شروطها، ومحل ذلك في العبادات إن لم يكن عذر يعجز به عن تحصيل شرط، وتجب الشروط للصلاة قبلها وتستمر فيها.
(^٢) (الشرط الأول) الإسلام.
(^٣) (الشرط الثاني) العقل، فلا تصح الصلاة من المجنون.
(^٤) (الشرط الثالث) التمييز، فلا تصح ممن هو دون سن التمييز.
[ ١ / ١٧١ ]
الطهارةُ مع القدرةِ (^١).
الخامسُ: دخولُ الوقتِ (^٢). فوقتُ الظهرِ: من الزوالِ (^٣) إلى أن يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَهُ، سوى ظلِّ الزوالِ (^٤).
(^١) (الشرط الرابع) الطهارة، أي: من الحدث الأصغر والأكبر، بشرط القدرة على ذلك، وتقدم تفصيل أحكام الطهارة.
(^٢) (الشرط الخامس) دخول الوقت، وهو شرط في الصلاة المؤقتة، بخلاف النفل المطلق.
(^٣) عند ذكر أوقات الصلوات، يقدم الحنابلة الكلام عن: [الصلاة الأولى] صلاة الظهر. فبداية الظهر من الزوال. والزوال - كما في الإقناع -: (ميلها - أي: الشمس - عن وسط السماء)، وفي المنتهى: (ابتداء طول الظل بعد تناهي قصره)، فإذا طلعت الشمس كان للشاخص ظل، ولا يزال يقصر حتى تستوي الشمس وسط السماء، فيبقى ظلٌّ صغيرٌ يسمى: ظل الزوال. فإذا زالت الشمس بدأ الظل يطول، وهنا يحكم بدخول وقت الظهر.
(^٤) فلا يحسب منه ظل الزوال. فلو كان طول الشاخص ١٠ سم مثلًا، وظل الزوال للشاخص ٢ سم، فإنه يحكم بخروج وقت الظهر إذا صار ظل الشاخص مثله سوى ظل الزوال، أي إذا صار الظل: ١٠ سم+٢ سم = ١٢ سم.
والإشكال أن ظل الزوال يختلف من مكان إلى آخر، ومن فَصلٍ إلى آخر فيقصر في الصيف ويطول في الشتاء، ويصعب تحديده، وقد ذكر في الإقناع كلامًا كثيرًا في ذلك.
[ ١ / ١٧٢ ]
ثم يليهِ الوقتُ المختارُ للعصرِ، حتى يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، سوى ظلِّ الزوالِ (^١)، ثم هو وقتُ ضرورةٍ إلى الغُروبِ (^٢).
(^١) [الصلاة الثانية] صلاة العصر، ولها وقتان: أما الوقت المختار - وهو الوقت الذي يجب أن تؤدى فيه الصلاة - فهو: من خروج وقت الظهر إلى مصير ظل كل شيء مثلَيه، ولا يحسب من ذلك ظل الزوال كما تقدم، ودليل المذهب: (لأن جبريل صلاها بالنبي ﷺ حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وقال: الوقت فيما بين هذين) رواه أبو داود وغيره.
(تتمة) الرواية الثانية في المذهب: أن وقت الاختيار يمتد إلى اصفرار الشمس، وهو أطول من المذكور في المذهب المعتمد، ودليلهم حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» رواه مسلم، واختار هذا القول المجد، والموفق، وقال في الفروع: (وهو أظهر)، واختاره أيضًا الشيخ ابن عثيمين رحمهم الله تعالى جميعًا.
(^٢) الوقت الثاني للعصر، وهو وقت ضرورة، ويمتد من مصير ظل كل شيء مثلَيه إلى الغروب. ويحرم تأخير فعل الصلاة إلى وقت الضرورة إلا لعذر.
ويدل على تحريم تأخير الصلاة إلى وقت الضرورة: حديث أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: (تلك صلاة المنافق =
[ ١ / ١٧٣ ]
ثم يلِيه وقتُ المغربِ، حتى يغيبَ الشَّفَقُ الأحمرُ (^١).
ثم يلِيه الوقتُ المختارُ للعِشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ (^٢)،
= يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا) رواه الجماعة إلا البخاري، قال التنوخي في الممتع شرح المقنع: (لو لم يأثم بالتأخير لما ذُم عليه ولما جُعل علامة النفاق).
(^١) [الصلاة الثالثة] صلاة المغرب، ووقتها من الغروب إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وهو الحمرة المعترضة في الأفق؛ لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: (ووقت المغرب ما لم يغب الشفق) رواه مسلم.
(تتمة) في الحواشي السابغات: (والمغرب له وقتان، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب، وقال في الإقناع: ولها وقتان، وقت اختيار وهو إلى ظهور النجوم، وما بعده وقت كراهة، انتهى. وهذا هو المذهب، وإن لم يذكره المنتهى؛ للقاعدة: كل مسألة زادها الإقناع أو المنتهى على الآخر فهي المذهب، لا سيما وأن أصلها الإنصاف).
(^٢) [الصلاة الرابعة] صلاة العشاء، ولها وقتان كالعصر: الوقت المختار إلى ثلث الليل الأول؛ لأن جبريل ﵇ صلاها بالنبيِّ ﷺ في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي اليوم الثاني حين كان ثلث الليل الأول، ثم قال: الوقت ما بين هذين، كما في صحيح مسلم.
(تتمة) الرواية الثانية في المذهب: امتداد الوقت المختار =
[ ١ / ١٧٤ ]
ثم هو وقتُ ضرورةٍ إلى طلوعِ الفجرِ (^١).
= للعشاء إلى نصف الليل ثم هو وقت ضرورة إلى طلوع الفجر؛ لحديث عبد الله بن عمرو أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل»، رواه مسلم. واختار هذا القول الموفق، والمجد، وجمع من الحنابلة، وقال في الفروع: (وهو أظهر). ورجح الشيخ ابن عثيمين - كما في الشرح الممتع - امتدادَ الوقت إلى نصف الليل، إلا أن ظاهر كلامه خروج الوقت بالكلية عند نصف الليل، وتكون الصلاة بعده قضاء، ولا يوجد عنده وقت ضرورة، فليُنتبه إلى الفرق بين القولين، وهو قول في المذهب ذكره ابن النجار في شرح المنتهى قال: (وقيل: يخرج الوقت مطلقا بخروج وقت الاختيار في صلاتي العصر والعشاء).
(^١) الوقت الثاني للعشاء: من بعد الثلث الأول من الليل إلى طلوع الفجر، وهو وقت ضرورة. والصلاة في وقت الضرورة في العصر والعشاء أداء، وليست قضاء، لكن من أخَّر الصلاة إليه بلا عذر أثِم، قال البهوتي في الكشاف: (لقوله ﷺ: «ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى» رواه مسلم من حديث أبي قتادة؛ ولأنه وقت للوتر؛ وهو من توابع العشاء فاقتضى أن يكون وقتا لها؛ لأن التابع إنما يفعل في وقت المتبوع كركعتي الفجر، والحكم فيه حكم الضرورة في وقت العصر، فيحرم تأخيرها عن وقت الاختيار بلا عذر).
[ ١ / ١٧٥ ]
ثم يلِيه وقتُ الفجرِ إلى شُروقِ الشمسِ (^١).
ويُدرَكُ الوقتُ بتكبيرةِ الإحرامِ (^٢).
(^١) [الصلاة الخامسة] صلاة الفجر، في الحواشي السابغات: (وللفجر وقت واحد على الصحيح من المذهب. وذكر صاحبُ الإقناع للفجر وقتين: وقت اختيار ووقت كراهة، فوقت الاختيار من طلوع الفجر إلى الإسفار، ووقت الكراهة من الإسفار إلى طلوع الشمس. ونسبه الزركشي في شرح الخرقي للقاضي في المجرد وابن عقيل في التذكرة وابن عبدوس، ولم يذكره المنتهى ولا الإنصاف؛ بل تعقب البهوتي الإقناع، وذكر أن مقتضى كلام الأكثر أنه لا يوجد وقت كراهة للفجر، فلذلك لا يكون قوله هنا هو المذهب).
(^٢) للحديث: «من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها»، رواه مسلم، قالوا: تكبيرة الإحرام ركن كالسجدة؛ فإذا كبَّر للإحرام قبل خروج الوقت، ثم خرج الوقت، فإن الصلاة - ولو جمعة - تكون أداءً، لكن لو جمع بين الصلاتين فكبر للصلاة الأولى في آخر وقت الثانية فهي أداء، والتي بعدها قضاء كما قرره النجدي.
(تتمة) لا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول الوقت أو إخبار ثقة عن يقين لا عن ظن، وإن كان عن اجتهاد لم يقبله إذا لم يتعذر عليه الاجتهاد، فإن تعذر عليه الاجتهاد عمل بقول المخبر عن اجتهاد. جزم به في الإقناع، ونقله البهوتي في شرح المنتهى عن ابن تميم.
[ ١ / ١٧٦ ]
ويحرُمُ تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِ الجوازِ (^١).
ويجوزُ تأخيرُ فعلِها في الوقتِ مع العزمِ عليه (^٢).
(^١) أي: فيما له وقت اختيار وضرورة، وهما صلاتا العصر والعشاء، فلا يجوز أن يؤخر الصلاة أو بعضها عن وقتها فيما له وقت واحد كالفجر والظهر والمغرب، ولا عن وقت الجواز فيما له وقتان كالعصر والعشاء إذا كان ذاكرا لها قادرا على فعلها، قال في المبدع: بالإجماع، ويستثنى من تحريم التأخير حالتان: ١ - لناوي الجمع، ويجب عليه أن ينوي في وقت الأولى جمعَ الأولى مع الثانية، ٢ - لمشتغل بشرط الصلاة الذي يحصله قريبا، قال في شرح المنتهى: (أو مشتغل بشرطها) أي الصلاة (الذي يحصله) أي الشرط (قريبا) كمن بسترته خرق، وليس عنده غيرها. واشتغل بخياطته حتى خرج الوقت ونحوه، فلا إثم عليه، بل ذلك واجب عليه فإن كان تحصيل الشرط بعيدا صلى على حسب حاله، ولم يؤخر).
(^٢) فيجوز إذا دخل الوقت أن يؤخِّر فعل الصلاة إلى آخر الوقت المختار بشرط أن يعزم على فعلها. ويستثنى من ذلك: ما لو ظن مانعًا كمن يُقدَّم للقتل آخر الوقت، فإنه يتعين عليه أن يصلي أوله، أو علمت المرأة أنها ستحيض آخر الوقت تعين عليها أن تصلي أوله، وكذا من عدم سترة إذا أعير سترة أول الوقت فقط، وكذا متوضئ عدم الماء في السفر وطهارته لا تبقى إلى آخر الوقت ولا يرجو وجوده فيلزمه أن يصلي أول الوقت بوضوئه، فهذه ثلاث مستثنيات.
[ ١ / ١٧٧ ]
والصلاةُ أوَّلَ الوقتِ أفضلُ (^١)، وتَحصُلُ الفضيلةُ بالتَّأَهُّبِ أوَّلَ الوقتِ (^٢).
ويجبُ قضاءُ الصلاةِ الفائتةِ مرتَّبَةً فورًا (^٣)، ولا يصحُّ النفلُ
(^١) وهو من أفضل الأعمال، كما ورد في السنة، وهذا مقيد بالصلوات التي يسن تعجيلها، وهي جميع الصلوات إلا العشاء، فتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل، فإن شق ولو على بعض المأمومين فيكره التأخير كما في المنتهى.
(^٢) أي: تحصل فضيلة تعجيل الصلاة أول الوقت: بالتأهب أول الوقت وذلك بالاشتغال بأسباب الصلاة من طهارة ونحوها بعد دخول الوقت، فلو بادر الإنسان عند سماع الأذان بالوضوء والاستعداد للصلاة، ثم ذهب إلى المسجد وانتظر الإقامة، فإنه يحصل على فضيلة الصلاة أول الوقت، وكذا من بكّر للجمعة، فإنه يحصل على أجر التبكير من حين اغتساله واستعداده للذهاب إلى الجمعة.
(^٣) فيجب قضاء الصلاة الفائتة - وهي التي خرج وقتها - فورًا، ومرتبة، فلا يجوز أن يقدم صلاة على أخرى، ويستثنى من الفورية أربع صور: ١ - إذا حضر من عليه فائتة لصلاة عيد فيؤخر الفائتة، ٢ - إذا تضرر في بدنه أو ماله أو معيشة يحتاجها، ٣ - إذا خشي فوت حاضرة أو فوت وقت اختيارها فيؤخر الفائتة ويفعل الحاضرة، فإن قدم الفائتة صحت مع الإثم، ٤ - إذا كان تأخير القضاء لغرض صحيح كانتظار رفقة أو جماعة لها.
[ ١ / ١٧٨ ]
المطلَقُ إذًا (^١).
ويسقُطُ الترتيبُ بالنسيانِ، وبضيقِ الوقتِ ولو للاختيارِ (^٢).
السادس: سترُ العورةِ (^٣) مع القدرةِ بشيءٍ لا يصفُ
(^١) أي: من عليه صلاة فائتة لم يصح أن يتنفل قبل فعلها بنفل مطلق، أما النفل المقيد كالسنن الرواتب والوتر فيصح تقديمه على الفائتة.
(^٢) فيستثنى من وجوب الترتيب: ١ - نسيان الترتيب بين الفوائت حال قضائها بأن كان عليه ظهر وعصر مثلا فنسي الظهر حتى فرغ من العصر، أو نسي الترتيب بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة فيسقط وجوب الترتيب، ٢ - وضيق وقت الصلاة الحاضرة، فإذا خشي خروج وقت الحاضرة - ولو المختار -، فإنه يقدمها على الفائتة وجوبا كما في الغاية، فإن قدم الفائتة على الحاضرة صحت ويأثم كما صرح به في الإقناع، والغاية، والبهوتي في شرح المنتهى.
(تتمة) لا يسقط الترتيب بجهل وجوبه، ولا بخشية فوت الجماعة إلا الجمعة على ما في المنتهى، وفي الإقناع: (وعنه: يسقط، اختاره جماعة).
(^٣) (الشرط السادس) ستر العورة. والستر: هو التغطية، والعورة - كما في المنتهى -: هي سوءة الإنسان، وكل ما يستحيى منه إذا نظر إليه، وسوءة الإنسان: هي القبل والدبر، كما في شرح المنتهى، ويجب ستر العورة في الصلاة وخارجها حتى عن نفسه وخلوة وظلمة، كما هو المذهب، ومن كل الجوانب
=
[ ١ / ١٧٩ ]
البشرةَ (^١).
فعورةُ الذَّكرِ البالغِ عشرًا، والحرةِ المميِّزةِ، والأمةِ ولو مبعَّضةً: ما بين السُّرَّةِ والركبةِ (^٢).
وعورةُ ابنِ سبعٍ إلى عشرٍ: الفرجانِ (^٣).
= إلا من الأسفل، فلا يجب ستره، قال في الإقناع وشرحه: (و(لا) يجب ستر العورة عن النظر (من أسفل ولو تيسر النظر) إليها من أسفل، بأن كان يصلي على مكان مرتفع، بحيث لو رفع رأسه من تحته لرأى عورته، وفي المبدع وغيره: والأظهر بلى إن تيسر النظر).
والأدلة على اشتراط ستر العورة لصحة الصلاة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف، ٣١]، وقوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه الترمذي وغيره، وانعقد الإجماع على أنه من شروط صحة الصلاة.
(^١) أي: لا يصف لون البشرة من بياض أو حمرة أو سواد …
(^٢) العورة ثلاثة أقسام: [القسم الأول] العورة المتوسطة، وهي عورة الذكر البالغ عشرًا، والحرة المميزة، والمراهقة التي قاربت البلوغ، والأمة ولو مبعضة - وهي التي بعضها حر وبعضها رقيق -، فعورتهم ما بين السرة والركبة، وليست السرة والركبة من العورة، فلا يجب سترهما في الصلاة.
(^٣) [القسم الثاني] العورة المخففة، وهي عورة ذكر استكمل سبع سنين إلى عشر سنين، فعورته الفرجان، أي: يكفي أن يغطي فرجيه لتصح صلاته. =
[ ١ / ١٨٠ ]
والحرةُ البالغةُ: كلُّها عورةٌ في الصلاةِ إلا وجهَهَا (^١).
وشُرطَ في فرضِ الرجلِ البالغِ: سَترُ أحدِ عاتقَيهِ بشيءٍ من اللِّباسِ (^٢).
ومن صلى في مغصوبٍ أو حريرٍ عالمًا ذاكرًا: لم تصحَّ (^٣).
= قال البهوتي في شرح المنتهى: (وعلم منه: أن من دون سبع لا حكم لعورته; لأن حكم الطفولية منجر عليه إلى التمييز).
(^١) [القسم الثالث] العورة المغلظة، وهي عورة الحرة البالغة، فكلها عورة في الصلاة إلا وجهها. ولا خلاف في المذهب - كما في المغني - في جواز كشف الوجه في الصلاة، وأما غيره من الجسد فيجب ستره، ودليل ذلك: الحديث الذي رواه الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: «المرأة عورة». والقول الثاني في المذهب: جواز كشف الوجه والكفين في الصلاة.
(^٢) العاتق - كما في المصباح -: هو ما بين المنكِب والعنق، وهو - كما قال الشيخ عثمان، وهو أيضًا في المصباح والمطلع-: موضع الرداء من المنكب، فإذا صلى الرجل البالغ فرضًا - ولو فرض كفاية كالعيدين أو نذرا، كما قاله الشيخ منصور -، وجب عليه أن يغطي جميع أحد عاتقيه بشيء من اللباس إن قدر على ذلك، وإلا فأي شيء ستر به عاتقه أجزأه، وسواء كان ما يستر به ثوبًا أو غيره، وصف البشرة أو لم يصفها، والدليل قوله ﷺ: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، رواه البخاري.
(^٣) فمن صلى في مغصوب - ثوبٍ كان أو بقعة - أو في ثوب =
[ ١ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حرير، فإن صلاته باطلة؛ لأن النهي يقتضي الفساد. والمراد بالحرير هنا: الطبيعي لا الصناعي. وإنما تبطل صلاته بشرطين: ١ - كونه عالمًا بأن ما صلى فيه مغصوب أو حرير، ٢ - وكونه ذاكرًا غير ناسٍ.
(تتمة) قال اللبدي: (والمراد بالمغصوب الذي لا تصح الصلاة به، أو الحرير، ما كان ساترا للعورة، أو لولا غيره لكان ساترا لها لا نحو عمامة وتكة وخف غير ممسوح عليه، ونحوهما لا يلي العورة .. إلخ) ويُفهم من قوله: "لولا غيره لكان ساترًا لها" أنه لا تصح الصلاة لو لبس إزارًا مباحًا ساترًا للعورة ثم لبس فوقه إزارًا من حرير أو إزارًا يحرم لبسه، وهل هذا المفهوم مراد؟ فليحرر.
(تتمة) قال النجدي: (والحاصل: أن كل ثوب يحرم لبسه -ولو خيلاء أو تصاوير، أو غيرها- لا تصح الصلاة فيه حيث كان عالما ذاكرا، وإلا صحت؛ لأنه غير آثم)، وهو ظاهر الإقناع والمنتهى، وصريح زاد المستقنع.
ويؤيده ما ذكره البهوتي في شرح الإقناع عن الاختيارات قال: (ومن صلى ولو نفلا في ثوب حرير) أو منسوج بذهب أو فضة (أو) صلى في ثوب (أكثره) حرير وهو (ممن يحرم عليه) ذلك: لم تصح صلاته إن كان عالما ذاكرا قال في الاختيارات: وينبغي أن يكون على هذا الخلاف الذي يجر ثوبه خيلاء في الصلاة، لأن المذهب أنه حرام وكذلك من لبس ثوبا فيه تصاوير). =
[ ١ / ١٨٢ ]
ويصلِّي عريانًا مع غصبٍ، وفي حريرٍ لعَدَمٍ، ولا يعيدُ (^١)، وفي نجِسٍ لعَدَمٍ، ويعيدُ (^٢).
ويحرُمُ على الذكورِ لا الإناثِ لُبسُ منسوجٍ ومُمَوَّهٍ بذهبٍ أو فضةٍ (^٣)،
= لكن يشكل على ما تقدم من تقرير الشيخ النجدي ما ذكره المرداوي في الإنصاف بعد ذكره للرواية الثانية في تحريم المزعفر قال: (فائدة: فعلى القول بالتحريم: لا يعيد من صلى في ذلك، على الصحيح من المذهب وكذا لو كان لابسا ثيابا مسبلة أو خيلاء ونحوه. وعليه الجمهور)، فليحرر المذهب في هذه المسألة المشكلة! (مخالفة)
(^١) أي: من لم يجد إلا ثوبًا مغصوبًا صلى عريانًا، وقد أبهم المؤلف الحكم، وهو وجوب صلاته عريانًا. أما لو لم يجد إلا ثوب حرير، فإنه يجب عليه أن يصلي فيه. ولا يعيد الصلاة بعد ذلك في كلا المسألتين.
(^٢) أي: إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا صلى فيه وجوبًا، ثم يعيد الصلاة وجوبًا.
(^٣) النسج: هو ضم الشيء إلى الشيء، والتمويه: أن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيه الإناء أو الخيط من نحاس أو غيره، فيكتسب من لونه، فيصير في رأي العين كأنه ذهب محض.
(حكم الزري في المشالح): يؤخذ مما سبق تحريم لبس المنسوج بالذهب على الرجال. ويستثنى من ذلك إذا كان =
[ ١ / ١٨٣ ]
ولُبسُ ما كلُّه أو غالبُه حريرٌ (^١).
= يسيرًا جدًا لا يتحصل منه شيء لو عرض على النار. أما البشوت - أي: المشالح -، فبعد البحث وسؤال أهل الخبرة، تبين لي أن الزري الذي يستعمل فيها منه ما هو هندي غير أصلي، وهذا لا شك في جوازه، والأَولى والوَرَعُ أن يقتصر الإنسان عليه. ومن الزري ما هو ألماني أو فرنسي، ويصنع من أسلاك من فضة تطلى بالذهب. وإذا عُرضت هذه الأسلاك على النار فإنه يتحصل منها شيء، بل يقول صانع البشوت إنه إذا انتهى من صناعة البشت أخذ القصاصات وباعها على الصاغة. فهذه البشوت محرمة في ظاهر المذهب.
قال الشيخ السعدي - كما في كتاب: عالم الكويت وفقيهها وفرضيها الشيخ محمد بن سليمان الجراح-: (وأما استعمال الذكور المنسوجَ بالفضة مثل البشوت المطرزة بالفضة التابعة، فهذا معروف المذهب فيه، وأنه لا يجوز، ولكن الذين يستعملونه يقلدون في ذلك شيخَ الإسلام ابن تيمية، فإنه يرى جوازَ مثل هذا الفضة التابعة لغيرها، إلخ)
(^١) فيحرم على الرجل أن يلبس لباسًا جميعه أو ما غالبه ظهورا من حرير إلا لضرورة. قال في المنتهى وشرحه: (ومحل تحريم استعمال الحرير: إذا كان (بلا ضرورة) كبرد أو حكة أو مرض أو قمل، لحديث أنس «أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا القمل إلى النبي ﷺ فرخص لهما في قميص الحرير ورأيته عليهما» متفق عليه)، وكذلك يجوز لبس الحرير في الحرب إلى انقضاء القتال.
[ ١ / ١٨٤ ]
ويباحُ ما سُدِّيَ بالحريرِ وأُلحِمَ بغيرِه (^١)، أو كان الحريرُ وغيرُهُ في الظهورِ سِيَّانِ (^٢).
السابع: اجتنابُ النجاسةِ (^٣) لبدنِهِ،
(^١) السَّدَى: هو ما يمد طولًا في النسج، أي: الخيوط الطولية التي تمد من فوق إلى تحت أو بالعكس، وأما اللُّحمَة: فهي ما يمد عرضا في النسج، فهي الخيوط العرضية التي تمد من اليمين إلى اليسار أو بالعكس. وما سدي بالحرير وأُلحم بغيره من القطن ونحوه يسمى بالخز، وهو مباح؛ لأن الظهور يكون للخيوط العرضية، أي: لغير الحرير، ولا يُرى من الحرير إلا اليسير.
وعكس الخز المُلْحَم وهو ما سدي بغير الحرير وألحم بالحرير وهو محرم.
(^٢) أي: متساويان في الظهور، فيباح ذلك. ومثال ذلك: أن يُجعل في الخيوط العرضية خيط من حرير ثم خيط من قطن مثلًا، وهكذا، فيظهر للناظر أنهما متساويان. ويفهم منه أنه لو كان ظهور الحرير أكثر من ظهور غيره من القطن أو الكتان، فإنه يحرم على الذَّكَر.
(تتمة) يباح من الحرير كيس مصحف، وأزرار، وخياطة به، وحشو جباب وفرش به.
(^٣) (الشرط السابع) اجتناب النجاسة؛ لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر، ٤]، وقوله ﷺ: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الداقطني. فيجب اجتناب النجاسة إلا التي =
[ ١ / ١٨٥ ]
وثوبِهِ، وبُقعتِهِ (^١) مع القدرةِ.
فإن حُبسَ ببُقعةٍ نجِسةٍ وصلَّى صحَّت (^٢)، لكن يُومئُ بالنجاسةِ الرَّطبةِ غايةَ ما يمكنُهُ، ويجلسُ على قدمَيهِ (^٣).
وإن مَسَّ ثوبُه ثوبًا نجِسًا، أو حائطًا لم يستَنِد إليهِ (^٤)، أو صلَّى على طاهرٍ طرفُهُ متنَجِّسٌ (^٥)، أو سقطت عليهِ
= يعفى عنها. وقد ذكر صاحبُ الإقناع في هذا الموطن نجاساتٍ كثيرةً يعفى عن يسيرها، ومنها: سلس البول مع كمال التحفظ فإنه يعفى عما يخرج بعد ذلك، وكذلك طين الشوارع الذي تحققت نجاسته يعفى عن يسيره، ويعفى عن أثر الاستجمار بمحله.
(^١) والمراد باجتناب النجاسة في البقعة: طهارة المواضع التي تمسها أعضاء المصلي عند سجوده.
(^٢) هذا تفريع عن شرط القدرة، فمن حُبس ببقعة نجسة فلم يستطع أن يجتنب النجاسة ببقعته، فإنه إن صلى صحت صلاته ويسجد بالأرض إن كانت النجاسة يابسة وجوبا.
(^٣) فإذا كانت النجاسة التي في البقعة رطبةً، فإنه يجلس على قدميه، ولو كانت النجاسة تحته، ويومئ وجوبًا ويشير في سجوده غاية ما يمكنه، ولا يسجد على النجاسة الرطبة وإلا بطلت صلاته كما ذكره في الغاية اتجاها.
(^٤) أي: لو مس ثوبُ المصلي حائطًا نجسًا لم يستند إليه المصلي صحت صلاته.
(^٥) أي: في طرفه نجاسة، وتصح الصلاة ولو كانت النجاسة فيما يقابل صدره عند سجوده، فلا يضره ذلك.
[ ١ / ١٨٦ ]
النجاسةُ (^١) فزالت، أو أزالَها سريعًا: صحَّت.
وتبطُلُ إن عَجَزَ عن إزالتِها في الحالِ (^٢)، أو نسيَها ثم عَلِمَ (^٣).
(^١) أي: لو زالت النجاسة التي سقطت عليه سريعًا، أو أزالها هو سريعًا؛ صحت صلاته. أما لو احتاج وقتًا طويلًا لإزالتها، فإن صلاته تكون باطلة، وعليه يحملون حديث أبي سعيد ﵁، قال في شرح المنتهى: (لحديث أبي سعيد «فبينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم. فلما قضى صلاته، قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا، قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرا» رواه أبو داود، ولأن من النجاسة ما يعفى عن يسيرها فعفي عن يسير زمنها، ككشف العورة).
(^٢) أي: لو زالت النجاسة التي سقطت عليه سريعًا، أو أزالها هو سريعًا؛ صحت صلاته. أما لو احتاج وقتًا طويلًا لإزالتها، فإن صلاته تكون باطلة، وعليه يحملون حديث أبي سعيد ﵁، قال في شرح المنتهى: (لحديث أبي سعيد «فبينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم. فلما قضى صلاته، قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا، قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرا» رواه أبو داود، ولأن من النجاسة ما يعفى عن يسيرها فعفي عن يسير زمنها، ككشف العورة).
(^٣) أي: إذا نسي في صلاته أن عليه نجاسة، ثم تذكرها بعد الصلاة، فإن صلاته تكون باطلة؛ لأن اجتناب النجاسة شرط، والشرط لا يسقط بالجهل، ولا بالنسيان. هذا هو المذهب المعتمد.
(تتمة) هناك رواية أخرى قوية، وهي صحة صلاة من علم أن عليه نجاسة، ونسيها، ثم تذكرها بعد الصلاة، ذكرها في الإقناع الرواية الثانية، وكذا البهوتي في شرح المنتهى، قال عنها المرداوي في التنقيح: (وهي أظهر)، وقال في الإنصاف: (وهي - أي: هذه الرواية - الصحيحة عند أكثر المتأخرين، واختارها الموفق، وقدَّمها في الفروع). ودليلها قصة صلاته ﷺ =
[ ١ / ١٨٧ ]
ولا تصحُّ الصلاةُ في: الأرضِ المغصوبةِ (^١)، وكذا المقبرةُ (^٢)، والمجزَرَةُ (^٣)،
= في نعلين، فأتاه جبريل، فأمره أن يخلعهما، فخلعهما وبنى على صلاته ولو بطلت لاستأنفها.
(^١) انتقل الماتن إلى ذكر المواضع التي لا تصح الصلاة فيها تعبدا إلا الأرض المغصوبة فليس المنع فيها تعبدي، قال ابن عوض في حاشيته على الدليل: (ولا تصح الصلاة في تسعة أماكن .. تعبدًا في سبعة أماكن منها، غير الأرض المغصوبة والكعبة).
ومنها: (الموضع الأول) الأرض المغصوبة، فلا تصح الصلاة فيها؛ لأن النهي عن الغصب يقتضي الفساد.
أما ما عدا الصلاة فتصح في المكان المغصوب، قال في الإقناع وشرحه: (ويصح الوضوء والأذان وإخراج الزكاة والصوم والعقود) كالبيع والنكاح وغيرهما والفسوخ كالطلاق والخلع والعتق (في مكان غصب) لأن البقعة ليست شرطا فيها، بخلاف الصلاة (وتصح صلاته في بقعة أبنيتها غصب ولو استند) إلى الأبنية لإباحة البقعة المعتبرة في الصلاة، ومقتضى كلامه في المبدع: وتكره).
(^٢) (الموضع الثاني) المقبرة، والمراد بها: مدفن الموتى كما في الإقناع، ولا بد أن يكون فيها ثلاثة قبور فأكثر وإلا صحت الصلاة؛ فلا يضر قبر ولا قبران، ولا ما أعد للدفن فيه، ولم يدفن فيه، وتصح صلاة الجنازة في المقبرة ولو قبل الدفن بلا كراهة.
(^٣) (الموضع الثالث) المجزرة، وهي المكان المعد للذبح.
[ ١ / ١٨٨ ]
والمَزبَلةُ (^١)، والحُشُّ (^٢)، وأعطانُ الإِبِلِ (^٣)، وقارعةُ الطريقِ (^٤)، والحَمَّامُ (^٥).
(^١) (الموضع الرابع) المزبلة، وهي مرمى الزبالة، ولو كانت الزبالة طاهرة.
(^٢) (الموضع الخامس) الحشُّ بضم الحاء وفتحها، وهو ما أُعِدَّ لقضاء الحاجة حتى لو زالت الحاجة من الموضع الذي قضيت فيه الحاجة، فيمنع من الصلاة داخل بابه، وموضعُ الكنيف وغيره سواء؛ لتناول الاسم له، ومثله في الحكم: كل ما كان داخل دورة المياه، فلا يجوز أن يصلي فيه.
(^٣) (الموضع السادس) أعطان الإبل، وهو المكان الذي تقيم فيه وتأوي إليه.
(^٤) (الموضع السابع) قارعة الطريق، وهو ما كثُر سلوكه سواء كان فيه سالك أو لا.
(^٥) (الموضع الثامن) الحمام، وهو مكان الاغتسال، لا موضع قضاء الحاجة، ولعل مثله المغاطس، ودورات المياه في عصرنا تجمع بين الحمام والحش، فلا يصح أن يصلى فيها.
ودليل هذه المواضع السبعة - غير الأرض المغصوبة؛ فقد تقدم دليلُها - التي ذكرها المؤلف: حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها ظهر بيت لله تعالى، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق» رواه الترمذي وابن ماجه.
(تتمة) يستثنى مما تقدم: صلاة الجنازة فإنها تصح في =
[ ١ / ١٨٩ ]
وأسطِحَةُ هذه مثلُها (^١).
= المقبرة، وصلاة الجمعة والعيد والجنازة ونحوها مما تكثر له الجماعات كصلاة الخسوف والاستسقاء تصح هذه كلها بالطريق والغصب حال الضرورة كما في الإقناع، وتصح الصلاة على الراحلة بالطريق، وقالوا: وتصح في الكل للعذر، قال البهوتي: (كما لو حبس فيها).
(^١) أي: أسطحة هذه الأماكن مثلها؛ لأن الهواء تابع للقرار.
(تتمة) من المسائل المشكلة ما يحصل في بناء العمائر حيث يكون فوق دورة المياه غُرَف أو أماكن قد يصلى فيها، وعلى المذهب: كل ما كان فوق الحش إلى السماء الدنيا، فإنه لا يصلح للصلاة. وعليه: فلو حكمنا بعدم صحة الصلاة في كل الأدوار التي فوق دورة المياه لحصلت مشقة كبيرة جدًا، والظاهر: أنه متى كان فوق الحش مرفق كالغرفة السكنية فإنها لا تكون سطحا، وعليه فتصح الصلاة فيها، ويؤيده ما ذكروه من أنه لو حدث طريق أو غيره من مواضع النهي تحت مسجد بعد بنائه صحت الصلاة فيه، فهنا لم يجعلوا الهواء تابعا للقرار، ويؤيده أيضا: ما ذكره في الإقناع وشرحه: (وإن غُيرت أماكن النهي، غير الغصب بما يزيل اسمها، كجعل الحمام دارا، أو مسجدا، أو نبش الموتى من المقبرة، وتحويل عظامهم، ونحو ذلك) كجعل المزبلة أو المجزرة دارا (صحت الصلاة فيها) لأنها خرجت بذلك عن أن تكون مواضع النهي)، والغرفة التي فوق الحش ليست سطحا. والله أعلم. (بحث)
[ ١ / ١٩٠ ]
ولا يصحُّ الفرضُ في الكعبةِ - والحِجرُ منها (^١) -، ولا على ظهرِها إلا إذا لم يبقَ وراءَه شيءٌ (^٢).
ويصحُّ النذرُ فيها، وعليها (^٣)، وكذا النفلُ، بل يُسنُّ فيها (^٤).
الثامن: استقبالُ القبلةِ مع القدرةِ (^٥).
(^١) الحِجر: بكسر الحاء، وهو من الكعبة، وقدره ستة أذرع وشيء.
(^٢) فلا يصح الفرض داخل الكعبة، ولا على ظهر الكعبة - أي: فوقها - إلا إذا وقف على طرفها، ولم يبق خلفه من الكعبة شيء، أو صلى خارجها وسجد فيها فيصح فرضه إذَن، قال البهوتي في الكشاف: (لأنه مستقبل لطائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها).
(^٣) فمن نذر أن يصلي صلاة داخل الكعبة أو على ظهرها، فإنه يصح أن يوفيَ بنذره ويصليها على تلك الصورة، وقيد الشارح ذلك بأن يكون بين يديه شيء منها - تبعًا للإقناع والزاد -، ولم يشترط هذ القيد في المنتهى، بل صرح البهوتي في شرح المنتهى بأنها تصح ولو لم يكن بين يديه شاخص متصل بها، وتابع صاحب الغاية صاحبَ المنتهى وقال: (خلافا له)، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(^٤) أي: يصح النفل داخل الكعبة، بل يُسن أن يتنفل الإنسان في الكعبة؛ لأنه ﷺ لما دخل الكعبة تنفل فيها. متفق عليه، قالوا: والأفضل أن يتنفل وجاهه إذا دخل.
(^٥) (الشرط الثامن) استقبال القبلة، والمراد بها: الكعبة. فإن كان =
[ ١ / ١٩١ ]
فإن لم يَجِد من يخبِرُه عنها بيقينٍ، صلى بالاجتهادِ، فإن أخطَأَ، فلا إعادةَ (^١).
= قريبًا منها شُرط استقبال عينها بكل بدنه، وإلا استقبل جهتَها، قال في المنتهى وشرحه: (وفرض من قرب منها) أي الكعبة: وهو من يمكنه المشاهدة أو من يخبره عن يقين إصابة عين الكعبة ببدنه، بحيث لا يخرج منه شيء عنها … (أو) أي وفرض من قرب (من مسجد النبي ﷺ إصابة العين ببدنه) … (و) فرض (من بعد) عن الكعبة ومسجده ﷺ و(هو من لم يقدر على المعاينة) كذلك و(لا) يقدر (على من يخبره) باليقين (عن علم إصابة الجهة) أي جهة الكعبة (بالاجتهاد) لحديث أبي هريرة مرفوعا «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه ابن ماجه والترمذي).
وقوله: (مع القدرة) يفهم منه أنه إن كان عاجزا عن الاستقبال فإنه يسقط عنه، كالمصلوب والمربوط إلى غير القبلة، والمريض العاجز عن الاستقبال فتصح منهم الصلاة إلى غير القبلة بلا إعادة.
ويستثنى من اشتراط استقبال القبلة: المتنفل الراكب والماشي في سفر غير محرم ولا مكروه ولو كان السفر قصيرا، وقبلته جهة سيره، لكن يلزم الراكب افتتاح الصلاة إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة، ويلزم الماشي الافتتاح والركوع والسجود إلى القبلة، وما عداها فيفعله جهة سيره.
(^١) ويشترط أن يكون الاجتهاد في السفر كفي البر أو البحر، أما =
[ ١ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لو نزل المسافر في بلد، فإنه يتبع جهة محاريب المساجد، فإن لم يجد محاريب لزمه أن يسأل عن القبلة، ولا يجتهد؛ لأن البلد ليس محلا للاجتهاد، وقد تساهل الناس في هذا كثيرًا، والله المستعان.
(تتمة) حكم العمل بالبوصلة في تحديد القبلة: الأصل في تحديد القبلة أنها تكون بالاجتهاد، أو إخبار ثقة عن يقين، وقد ذكر العلماء ستة أشياء يستدل بها على القبلة، وهي: الشمس والقمر ومنازلهما، والقطب، والرياح؛ لكن قال في الإقناع عنها: (والاستدلال بها عسر إلا في الصحاري وأما بين الجبال والبنيان، فإنها تدور، فتختلف وتبطل دلالتها)، والجبال الكبار، والأنهار الكبار، وكل هذه الدلائل تفيد غلبة الظن لمعرفة القبلة، فمتى وجد ما يفيده ولو بآلات مجربة بأيدي المسلمين الثقات جاز العمل بها، ومما حدث للناس في العصور المتأخرة البوصلة وهي آلة في وسطها إبرة تتحرك بسرعة، فإذا وضعت على الأرض أشارت إلى جهة الشمال أحيانا، وأحيانا إلى مكة، ولم أر فيها كلاما إلا لابن بدران الحنبلي في حاشيته على أخصر المختصرات، قال: (وأما بيت الإبرة المسمى بقيلة نامه، فإنه يجوز العمل به إن تكررت إصابته)، وقال الشيخ ابن عثيمين: (وقد يسر الله في زماننا هذا ما يعرف به جهة القبلة بواسطة دلائل القبلة (البوصلة)، فإذا أراد الإنسان أن يسافر إلى جهة ما، فليأخذ معه هذه الآلة؛ حتى يكون على بصيرة من أمره)، وقال أيضا: =
[ ١ / ١٩٣ ]
التاسع: النيةُ، ولا تسقطُ بحالٍ (^١).
ومحلُّها: القلبُ (^٢). وحقيقتُها: العزمُ على فعلِ الشيءِ (^٣)، وشرطُها: الإسلامُ، والعقلُ، والتميِيزُ.
= (هذه الدلائل أصبحت قوية الدلالة لقوة العلم ودقته، فإذا أصبحت تشير إلى جهة فإن الصواب غالبا فيها إن لم يكن المؤكد) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١٢/ ٤١٩)، والإشكال أن هذه البوصلة اختفت الآن تقريبا، وأصبح في كل هاتف محمول بوصلة، وللاحتياط تختبر القبلة بثلاثه من الهواتف، فإن اتفقت غلب على الظن إصابتها، وإن لم يوجد إلا واحد عمل له؛ لإفادته الظن أيضا الذي هو أفضل من الشك، والله أعلم.
(^١) (الشرط التاسع) النية، فهي شرط للحديث: «إنما الأعمال بالنيات». والنية: القصد، وسيأتي تعريفها اصطلاحًا. ولا تسقط بحال، فلا تصح الصلاة بدونها.
ولا يمنع صحتها قصدُ تعليمِها بعد إتيانه بالنية المعتبرة للصلاة لكن ينقص ثوابه كما نقله في الإقناع عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى.
(^٢) ويُستحب - على المذهب المعتمد - النطق بها سرا، وتقدم أنه مستحب في كل عبادة، لكن صاحب الإقناع جعل ذلك من البدع.
(^٣) وهذا تعريفها في الاصطلاح، وزاد في المنتهى وشرحه: (يزاد) في حد النية (في عبادة: تقربا إلى الله تعالى) بأن لا يشرك في =
[ ١ / ١٩٤ ]
وزمنُها: أوَّلُ العبادةِ، أو قُبَيلَها بيسيرٍ (^١)، والأفضلُ قرنُها بالتكبير (^٢).
وشُرِطَ - مع نيةِ الصلاةِ - تعيِينُ ما يصلِّيهِ من ظُهرٍ، أو
= العبادة بالله غيره، فلو ألجئ إليها بيمين أو غيره ففعل، ولم ينو قربة لم تصح)، وفي الكشاف: (شرعا: عزم القلب على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى) بأن يقصد بعمله الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب مَحْمَدة عند الناس، أو محبة مدح منهم أو نحوه، وهذا هو الإخلاص، وقال بعضهم: هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وقال آخر: هو التوقي عن ملاحظة الأشخاص وهو قريب من الذي قبله، وقال آخر: هو أن يأتي بالفعل لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل).
(^١) فينوي الإنسان أولَ العبادة، أو ينوي قبل العبادة بيسير بشرط أن يكون ذلك في الوقت، فلا ينوي صلاة الظهر قبل دخول وقتها، وبشرط ألا يكون قد ارتد أو فسخ النية، واليسير هو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء كما قاله النجدي وغيره، ويستثنى من ذلك: - كما في غاية المنتهى - عبادة واحدة تصح نيتها قبل دخول وقتها، ويصح أن يفصل بينها وبين نيتها فاصل طويل، وهي الصيام، فله أن ينوي منذ أن تغرب الشمس صومَ اليوم الذي يليه.
(^٢) معنى المقارنة هنا - كما قال البهوتي والنجدي -: أن يأتي بالتكبير عقب النية.
[ ١ / ١٩٥ ]
عصرٍ، أو جمعةٍ، أو وِترٍ، أو راتبةٍ، وإلا أجزأَتْهُ نيةُ الصلاةِ (^١).
ولا يُشترطُ تعيِينُ كونِ الصلاةِ حاضرةً، أو قضاءً، أو فرضًا (^٢).
وتشترطُ نيةُ الإمامةِ للإمامِ، والائتِمامِ للمأمومِ (^٣).
(^١) فيشترط لصحة الصلاة نيتان: ١ - أن ينوي أن الأفعال التي سيقوم بها هي: صلاة، ٢ - أن ينوي ويعين ما سيصلي كالظهر أو العصر. أما الصلاة التي ليست معينة كالنفل المطلق، وصلاة الليل، فيكفي ويجزئ أن ينوي فعل الصلاة، أي: أنه يصلي، كما قال المؤلف.
(^٢) أي: لا يشترط أن ينوي عند فعل الصلاة الحاضرة أنها أداء، أو عند فعل الفائتة أنها قضاء، أو أن ينوي فرضية الصلاة الواجبة.
(^٣) والمراد: اشتراط أن ينوي الإمام الإمامة، وأن ينوي المأموم أن يأتم به: من أول الصلاة، لا أثنائها، كما صرح به في المنتهى حيث قال: (ولا يصح أن يأتم مَنْ لم ينوه أولا)، فلو كان شخص يصلي منفردًا، ثم جاء آخر فوقف عن يمينه ليقتدي به، فنوى الأول الإمامة أثناء الصلاة، فإن صلاته تبطل، هذا هو المذهب.
ويستثنى من هذه القاعدة أربع صور: ١ - عذر السبق: كأن يُسبق اثنان فأكثر ببعض الصلاة فيأتم أحدُهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما بعد سلام الإمام؛ فيصح ولو اختلف عدد الركعات بينهما. ٢ - عذر القصر: بأن يأتم مقيم بمقيم مثله =
[ ١ / ١٩٦ ]
وتصحُّ نيةُ المفارَقَةِ لكلٍّ منهما لعذرٍ يُبيحُ تركَ الجماعةِ (^١).
ويقرأُ مأمومٌ فارَقَ في قيامٍ، أو يُكمِلُ، وبعد الفاتحةِ: له الركوعُ في الحالِ (^٢).
= إذا سلم إمام مسافر قصر الصلاة وكانا قد ائتما به فيصح. ٣ - إذا أحرم نائب إمام الحي لغيبة إمام الحي أو لإذنه ثم حضر إمام الحي وبنى على صلاة نائبه، وعاد النائب مؤتما فيصح، قال في الإقناع وشرحه: (والأولى للإمام تركه ذلك ويدع الخليفة يتم بهم الصلاة خروجا من الخلاف). ٤ - إذا استخلف الإمام مأموما لحدوث عذر يبيح له الاستخلاف كمرض أو خوف أو حصر عن قول واجب.
(^١) فيصح للمأموم أن يفارق إمامه فيتم صلاته منفردا، وللإمام أيضا أن يفارق جماعته فيتم صلاته منفردا، إن وُجد عذر من الأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله، وقد قيّد الإقناع ذلك بقيد وهو: أن يستفيد بمفارقته إمامه تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه، وإلا لم يجز.
(^٢) أي: إذا فارق المأمومُ إمامَه في حال القيام لعذر يبيح ذلك، فلا يخلو: ١ - أن يكون فراقه له قبل أن يقرأ الإمام الفاتحة في تلك الركعة، فإنه يقرأها حال انفراده، ٢ - أن يكون فراقه له أثناء قراءة الفاتحة، فيقرأ المأموم حال انفراده ما بقي من الفاتحة، ٣ - أن يفارقه بعد انتهائه من الفاتحة، فله أن يركع في الحال، ولا يجب عليه أن يقرأ شيئًا.
[ ١ / ١٩٧ ]
ومن أَحرَمَ بفرضٍ ثم قَلَبَهُ نفلًا صحَّ إن اتسعَ الوقتُ، وإلا لم يصحَّ، وبَطَلَ فرضُه (^١).
(^١) فمن أحرم بفرض كالظهر مثلًا، ثم أراد أثناء صلاته أن يقلبه نفلًا، فإنه يصح بشرط أن يتسع الوقت للنفل الذي انتقل إليه، وللفرض الذي انتقل عنه؛ لكن إن كان الانتقال لغرض صحيح صح بلا كراهة كما لو أحرم بفرض منفردا ثم تقام الجماعة فيقلب فرضه نفلا؛ لإدراك الجماعة فيصح بلا كراهة قال في تصحيح الفروع: (بل لو قيل: بوجوبه هنا لكان حسنا)، وإن كان لغير غرض صحيح فيصح مع الكراهة بشرط اتساع الوقت كما تقدم، أما لو لم يتسع الوقت لهما، لم يصح نفله، وبطل فرضه الذي كان أحرم به، ولزمه استئناف فرضه.
[ ١ / ١٩٨ ]