تجبُ على: كلِّ ذكرٍ، مسلمٍ، مكلَّفٍ، حُرٍ، لا عذرَ له (^٢).
(^١) بتثليث الميم، وإسكانها، والأصل في مشروعية صلاة الجمعة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة، ٩]، ومن السُّنَّة أحاديث كثيرة، وهي منقولة بالتواتر عن النَّبي ﷺ، ومنها قوله ﷺ: (لينتيهن أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم) رواه مسلم.
قال في الإقناع وشرحه: (وهي صلاة مستقلة) ليست بدلا عن الظهر (لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب) الجمعة (عليه) كالعبد والمسافر (ولجوازها) أي الجمعة (قبل الزوال) ولأنه (لا) يجوز أن تفعل (أكثر من ركعتين) لما يأتي عند قوله: والجمعة ركعتان، (ولا تجمع) مع العصر (في محل يبيح الجمع) بين الظهر والعصر، لعذر مما تقدم في الجمع).
(^٢) فيشترط فيمن تجب عليه صلاة الجمعة وجوب عين: ١ - أن يكون ذكرًا فلا تجب على المرأة، ٢ - وأن يكون مسلمًا فلا تجب على الكافر، ٣ - وأن يكون مكلفًا، أي: عاقلًا بالغًا، ٤ - وأن يكون حرًا، فلا تجب على العبد، ويدل على هذه الشروط الأربعة حديث طارق بن شهاب مرفوعا «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة عبد مملوك أو =
[ ١ / ٣٤٩ ]
وكذا على:
- مسافرٍ لا يباحُ له القصرُ (^١)،
- وعلى مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما وبين الجمعةِ وقتَ فعلِها فرسخٌ فأقلَّ (^٢).
ولا تجبُ على: من يباحُ له القصرُ (^٣)، ولا على عبدٍ، ومبعَّضٍ (^٤)، وامرأةٍ.
= امرأة، أو صبي أو مريض» رواه أبو داود ٥ - وأن لا يكون له عذر يُبيح ترك الجمعة والجماعة، ٦ - ولم يذكره الماتن: الاستيطان ببناء معتاد اسمه واحد ولو تفرق فلا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر.
(^١) كسفر المعصية، وما دون المسافة فتلزمه بغيره.
(^٢) أي: إذا كان بين المقيم خارج البلد والمكان الذي تقام فيه الجمعة في البلد - وقت فعلها - فرسخٌ فأقلَّ، فإنه يلزمه السعي إليها، فإن كان أبعد من ذلك، لم يلزمه إتيانها، والفرسخ = ٣ أميال، كما سبق، والميل = ٣ كم، فالفرسخ = ٩ كم تقريبا.
(تنبيه) قول المؤلف: (وقت فعلها) قال اللبدي: (لم أر هذه العبارة لغيره، ولم يظهر لي معناها)، وهي في الغاية، وذكرها البعلي في كشف المخدرات.
ومعناها: أنه قد يكون وقت فعلها في مكانٍ مسافتُه أكثرُ من فرسخ، فلا يلزمه السعي لها.
(^٣) أي: لا تجب عليه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره، والذي يباح له القصر هو: من قطع مسافة قصر وهو غير عاصٍ بسفره.
(^٤) وهو من بعضه حر وبعضه عبد.
[ ١ / ٣٥٠ ]
ومن حضرَها منهم، أجزأَتْهُ (^١)، ولا يحسبُ هو - ولا من ليس من أهلِ البلدِ - من الأربعينَ (^٢)، ولا تصحُّ إمامتُهم فيها (^٣).
وشُرِط لصحةِ الجمعةِ أربعةُ شروطٍ:
أحدُها: الوقتُ، وهو من أوَّلِ وقتِ العيدِ إلى آخرِ
(^١) أي: من حضرها من هؤلاء وهم المسافر والعبد والمبعض والمرأة والخنثى، أجزأته عن صلاة الظهر، بل هي في حقهم أفضل من الظهر كما في الإقناع غير المرأة، فظاهر الإقناع وشرحه أنه يباح لها الحضور وبيتها خير لها.
أما من سقطت عنه لعذر غير السفر فمن حضرها منهم وجبت عليه، وانعقدت به، وأم فيها، قال في الإقناع وشرحه: (ومن سقطت عنه) الجمعة (لعذر كمرض وخوف ومطر ونحوها) كخوف على نفسه أو ماله (غير سفر إذا حضرها) أي الجمعة، (وجبت عليه وانعقدت به وأم فيها) أي جاز أن يؤم في الجمعة لأن سقوط حضورها لمشقة السعي فإذا تحمل وحضرها انتفت المشقة ووجبت عليه، فانعقدت به كمن لا عذر له).
(^٢) المراد: لا يحسب من تقدم، ولا من ليس من أهل البلد من الأربعين المشترط حضورهم للجمعة. فلو لم يكن إلا خمسة وثلاثون شخصًا وخمسة نساء، لم تصح الجمعة.
(^٣) أي: لا تصح إمامة المسافر ومن ذُكر بعده في الجمعة، وهم من لا تجب عليهم الجمعة لغير عذر، أما من لا تجب عليهم الجمعة لعذر غير سفر كالمريض مثلًا، فإن حضروها انعقدت بهم، وجاز أن يؤموا فيها وتقدم.
[ ١ / ٣٥١ ]
وقتِ الظهرِ (^١).
وتجبُ بالزوالِ، وبعدَهُ أفضلُ (^٢).
(^١) شروط صحة الجمعة: (الشرط الأول) الوقت، أي: دخول وقت صلاة الجمعة. ووقتها: من أول وقت العيد إلى آخر وقت الظهر، هذا هو المذهب، وهو من مفردات الحنابلة. واستدلوا له بأدلة كثيرة، منها آثار صحيحة كثيرة تفيد أن بعض الصحابة ﵃ صلى صلاة الجمعة قبل الزوال.
(^٢) أي: للجمعة وقتان: ١ - وقت جواز، وبدايته من أول وقت صلاة العيد وهذا يكون بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ٢ - ووقت وجوب، وهو إذا زالت الشمس، وأن تُصلى بعد الزوال أفضل؛ خروجًا من الخلاف، والدولة السعودية الآن تمنع - عن طريق وزارة الشؤون الإسلامية - أئمةَ المساجد أن يخطبوا قبل الزوال، وقد علق الخلوتي على قول المنتهى: (ولو أمره السلطان، لا يصلي إلا بأربعين لم تجز بأقل) قال الخلوتي: (وانظر هل مثله لو أمره أن لا يجمع قبل الزوال؟ واستظهر شيخنا أنه مثله)، فاستظهر البهوتي أنه إذا منعَ وليُّ الأمرِ الصلاةَ قبل الزوال فيحرم أن تصلى قبله، لكن لو صلى قبله مخالفا هل تصح أو لا تصح؟.
(تتمة) مسألة: حكم الأذان الأول في صلاة الجمعة ووقته:
أما حكمه: فمستحب، فقد صرح المرداوي في الإنصاف بأنه مستحب قال ﵀: في الإنصاف:
(الصحيح من المذهب أن الأذان الأول مستحب)، وجزم به =
[ ١ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في الإقناع فقال: (ويجب السعي بالنداء الثاني بين يدي الخطيب لا بالأول لأنه مستحب)، وصرح به الموفق في الكافي فقال: (ويسن الأذان الأول).
ويدل عليه ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد: «كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس زاد النداء الثالث»
والمراد بالنداء الثالث الأذان الأول، والثاني هو الذي يكون بين يدي الخطيب بعد دخوله، والثالث هو الإقامة.
قال ابن رجب في فتح الباري: (وسماه ثالثا؛ لأن به صارت النداآت للجمعة ثلاثة، وإن كان هو أولها وقوعا).
وأما وقته:
فلم أظفر بكلام للحنابلة المتأخرين إلا للشيخ أبا بطين كما سيأتي.
ثم وجدت عند غير المتأخرين فيها قولين: القول لأول: أنه بعد الزوال: وقد نقله ابن رجب في فتح الباري عن القاضي أبي يعلى وهو قوله: (المستحب أن لا يؤذن إلا أذان واحد، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز، ولم يكره)، فهذا النقل فيه التصريح بأن وقت الأذان الأول يوم الجمعة يكون بعد الزوال، وهو الذي أخذه الشيخ أبا بطين من بعض الروايات عن الإمام =
[ ١ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أحمد في صلاته أربع ركعات قبل صلاة الجمعة، قال ﵀ فيما نقله عنه العنقري في حاشية الروض (٦٩/ ٢) -: (فائدة: وفي مسائل ابن هانئ قال: رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت أمسك عن الصلاة، حتى يؤذن المؤذن، فإذا أخذ المؤذن في الأذان، قام فصلى ركعتين، أو أربعا يفصل بينهما بالسلام … قال ابن رجب: وهذا يدل على تأكد هذه الصلاة في هذا الوقت عند الإمام أحمد؛ لاشتغاله بها عن إجابة المؤذن خشية خروج الإمام قبل إدراكها، قال كاتبه - أي: أبا بطين-: وهذا يدل على أن الأذان الأول في زمنهم إنما يفعل بعد الزوال؛ لأن أذان الثاني إنما هو بعد جلوس الإمام على المنبر، ولا يمكن الصلاة حينئذ. انتهى من خط الشيخ عبد الله أبا بطين).
القول الثاني: أنه من أول وقت صلاة الجمعة وهو أول وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح.
وهو المفهوم من قول الموفق في الكافي وهذا كلامه ﵀: (ويسن الأذان الأول في أول الوقت؛ لأن عثمان سنه، وعملت به الأمة بعده، وهو مشروع للإعلام بالوقت، والثاني للإعلام بالخطبة، والإقامة للإعلام بقيام الصلاة).
وهو قد قدم قبل هذا الكلام في الكافي أن أول وقتها كصلاة العيد، وتابع الشارحُ الموفقَ في الشرح الكبير، وقد يحمل قول الموفق: (ويسن الأذان الأول في أول الوقت) على أن =
[ ١ / ٣٥٤ ]
الثاني: أن تكونَ بقريةٍ - ولو من قصبٍ - (^١)، يستوطنُها أربعونَ، استيطانَ إقامةٍ، لا يظعنونَ صيفًا ولا شتاءً (^٢).
وتصحُّ فيما قاربَ البنيانَ من الصحراءِ (^٣).
= المراد بأول الوقت أي: وقت الوجوب وهو ما بعد الزوال، وبهذا يتفق مع القول الأول، وفي هذا الحمل بعدٌ، والله أعلم. (بحث)
(^١) (الشرط الثاني) أن تكون بقرية مبنية بما جرت عادة أهلها به، سواء من حجر، أو لبِن، أو طين، أو قصب، أو شجر … والمراد: إخراج أهل الخيام، فلا تصح منهم صلاة الجمعة.
(^٢) أي: يشترط أن يستوطن القريةَ أربعون رجلًا من أهل الوجوب، وهم من توفرت فيهم شروط الوجوب المتقدمة إلا من سقطت عنه لعذر كالمريض فإنه لو حضرها أجزأ. وقوله: (لا يظعنون صيفًا ولا شتاءً): أي لا يرحلون عنها صيفًا ولا شتاءً. والاستيطان هو أن يُقيم الإنسان في مكان، وينوي ألا يُفارقه، وأنه إن فارقه فإنه يعود إليه.
قال ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى: (قال ابن نصر الله: تحقيق حد الاستيطان: هل هو مدة معينة أو لا؟ انتهى، والظاهر: أن المراد به ما ذكر في الجمعة وهو أن يستوطن بها استيطان إقامة لا يرحل عنها صيفا ولا شتاء ناويا له. انتهى. يوسف، قال ابن حميد: وهو الظاهر).
(^٣) المراد: أنه لا يجوز أن يبتعدوا عن البنيان مسافة قصر؛ لأنهم يكونون إذَن مسافرين، ولا تصح منهم الجمعة. =
[ ١ / ٣٥٥ ]
الثالثُ: حضورُ أربعينَ، فإن نقصُوا قبلَ إتمامِها، استأنفُوا ظهرًا (^١).
= وقدرها الحفيد بأقل من فرسخ عن البلد، وتعقبه اللبدي فقال: (وهو يحتاج إلى دليل وإلا فهو مردود بالجملة، فلم أر من قدر هذه المسافة، لكن ذكروا أن أسعد بن زرارة صلى الجمعة بحرة بني بياضة وهي على ميل من المدينة). (خلاف المتأخرين)
(^١) (الشرط الثالث) حضور أربعين ممن تجب عليهم صلاة الجمعة في كل الجمعة خطبة وصلاة إلا من سقطت عنه لعذر لو حضر حسب من العدد، ولو كان فيهم خرس أو صم لا كلهم، فإن نقص الأربعون قبل إتمام الجمعة، ولم يمكن إعادة الصلاة جمعةً بشروطها، استأنفوا ظهرًا، فإن أمكن إعادة الجمعة، وجب ذلك؛ لأنها فرض الوقت.
(تتمة) فيُشترط لتصح الجمعة: أن يحضرها أربعون مستوطنًا من ذلك البلد، وعليه، فالجمعة التي يصليها الموظفون الأجانب فقط في بعض الشركات لا تصح على المذهب.
(تتمة) إقامة صلاة الجمعة في السجن: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (٨/ ٦٧): (ولهذا لا تقام الجمعة في السجن، وإن كان فيه أربعون، ولا يعلم في ذلك خلاف بين العلماء، وممن قاله: الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم).
وقال الخلوتي في حاشية المنتهى (١/ ٤٧٩): (قال ابن مفلح =
[ ١ / ٣٥٦ ]
الرابعُ: تقدمُ خطبتَينِ، من شرطِ صحتِهما خمسةُ أشياءَ: الوقتُ، والنيةُ، ووقوعُهما حضرًا، وحضورُ الأربعينَ، وأن يكونا ممن تصحُّ إمامتُهُ فيها (^١).
= في حواشي الفروع "لو اجتمع في السجن أربعون، هل يصلون جمعة، لأنهم في حكم المستوطنين، والصلاة في المسجد ليست شرطًا، والانفراد عن الجمع يجوز للحاجة؛ ويحتمل أن يصلوا ظهرًا لعدم الاستيطان، أشبه ما لو حبسوا بخيمة، أو صحراء في بعد عن المِصر. ثم رأيت عن السبكي من الشافعية أنه قال: يصلون ظهرًا؛ لأنه لم يبلغنا أن أحدًا من السلف فعل ذلك، مع أنه كان في السجن أقوام من العلماء المتورعين، مع كثرة العدد، قال: ولأن المقصود إقامة الشعائر، والسجن ليس محلًا لذلك، فهي غير جائزة، سواء ضاق البلد الذي فيه السجن أو اتسع، لكنهم يصلونها ظهرًا جماعة، بعد فراغ جمعة البلد"، انتهى.
وقول السبكي في آخر عبارته: "بعد فراغ جمعة البلد، وهو عندنا على سبيل الأولوية، لا على سبيل الوجوب، إذ هم معذورون) انتهى كلام الخلوتي.
قلت: وقد تعقب ابنُ حجر الهيتمي السبكيَّ في رأيه، وأجاز صلاةَ الجمعة في السجن متى توفرت الشروط، والله أعلم.
(^١) (الشرط الرابع) تقدُّم خطبتين، ومن شروط صحتهما: ١ - الوقت، فلا تصحان قبل دخول وقت صلاة الجمعة، ٢ - ونية الخطبتين، كما في المنتهى والإقناع؛ لحديث: =
[ ١ / ٣٥٧ ]
وأركانُهما ستةٌ: حمدُ اللهِ (^١)، والصلاةُ على رسولِ اللهِ ﷺ (^٢)،
= (إنما الأعمال بالنيات)، ٣ - ووقوعهما في الحضر - ذكره في المعونة -، لا في السفر، ٤ - وأن يحضرهما أربعون من أهل الوجوب، ٥ - وأن يكون الخطيب ممن تصح إمامته في صلاة الجمعة، وهو من وجبت عليه بنفسه، أي: الحر المسلم المكلف المستوطن، وكذا من سقطت عنه لعذر إذا حضرها كالمريض، فلا تصحان من المسافر، ولو أقام لعلم أو شغل بلا استيطان كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى، فلو خطب الناسَ داعية مسافر زائر - كما يحصل كثيرًا -، وصلى بهم الجمعة، لم تصح على المذهب.
(تتمة) ويشترط أيضًا للخطبتين: ٦ - كونهما باللغة العربية - ولو كان جميع الحاضرين لا يفهمونها -، إلا لعاجز عنها، إلا القراءة التي في الخطبة، فلا بد أن تكون بالعربية، فإن عجز عنها، وجب بدلها ذِكرٌ؛ قياسًا على الصلاة.
(^١) أركان الخطبتين ستة: [الركن الأول] حمد لله تعالى، ولا بد فيه من لفظ «الحمد لله».
(^٢) [الركن الثاني] الصلاة على رسول الله ﷺ، ويتعين لفظ الصلاة لا السلام. والمجزئ منه هو «اللهم صلِّ على محمد» كما في التشهد، فلا يشترط السلام عليه ﷺ، قال النجدي في هداية الراغب: (والظاهر: أن المجزئ منها ما يجزئ في تشهد الصلاة كما أفتى به بعض مشايخنا) قال ابن عوض: (وهو الشيخ محمد بن بلبان).
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقراءةُ آيةٍ من كتابِ اللهِ (^١)، والوصيةُ بتقوى اللهِ (^٢)، ومُوالاتُهما مع الصلاةِ (^٣)، والجهرُ بحيث يَسمعُ العددُ المعتبرُ حيثُ لا مانِعَ (^٤).
(^١) [الركن الثالث] قراءة آية كاملة من كتاب الله. ولا تتعين آية بعينها، كما في المعونة. ولا تجزئ إن كانت لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر، ٢١]، أو ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن، ٦٤]، كما نقل الشارح عن أبي المعالي.
(^٢) [الركن الرابع] الوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنها المقصود من الخطبة. وأقلها: اتقوا الله، ونحوه، كما ذكر الشارح. ولا يتعين لفظها، فلو قال مثلًا: أطيعوا الله، كفى. ولا بد من هذه الأركان في كل من الخطبتين.
(تتمة) وتستحب البداءة بالحمد لله، ثم الثناء، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ثم بالموعظة، فإن نكس أجزأ قاله في الإقناع.
(^٣) [الركن الخامس] الموالاة في ثلاثة أمور: بين أجزاء الخطبتين، وبين الخطبة الأولى والثانية، وبينهما وبين الصلاة، فلا يفصل فصلًا طويلًا.
(^٤) [الركن السادس] الجهر بالخطبتين بحيث يُسمع الأربعين فلا تشترط حقيقة إسماعهم كلهم بل يجهر بقدر ما يسمعهم لولا المانع من نحو صمم. وقوله (حيث لا مانع): أي لا مانع لهم من سماعه كنوم، أو صمم بعضهم، أو صوت مكيفات، فإن لم يسمعوه لبُعد أو خفض صوته، لم تصح.
(تنبيه) فصّل المؤلف - هنا، وفي الغاية - ما يتعلق بالخطبتين =
[ ١ / ٣٥٩ ]
وسُننهما: الطهارةُ (^١)، وسَترُ العورةِ (^٢)، وإزالةُ
= إلى شروط وأركان، بخلاف ما في المنتهى والإقناع، فلم يذكروا إلا شروطًا فقط. وذكر في المعونة عشرة شروط ثم قال: (وسائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين، وهو أركان كل منهما)، وكذا صرح به في الإقناع. والمراد: أن شروط صحة الجمعة إنما تكون في القدر الواجب حضوره من الخطبة، وهو حمد الله، والصلاة على محمد ﷺ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية.، فلو نقص الناس عن أربعين وقت الدعاء، لم يضر، وقد قال بعضهم: يدل على جواز الإتيان بما زاد على الأركان بغير العربية ما في الإقناع وشرحه: (وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) انتهى، قلت: لكن يشكل عليه اشتراط الموالاة بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة، وأنها قد تفوت بهذا الصنيع إلا أن يقال: ما اتصل بالشيء يأخذ حكمَه، كما لو بدأ بالأركان الأربعة وتكلم بعدها بكلام سواها العربية فلا تفوت المولاة. والله أعلم.
(تتمة) يبطلهما كلام محرم في أثنائهما ولو يسيرا.
(^١) يسن للخطبتين تسع سنن: [السُّنَّة الأولى] الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر. قال الشارح - ومثله في شرحي المنتهى والإقناع -: (لأن تحريم لبثه في المسجد لا تعلق له بواجب العبادة). انتهى. وهنا النهي لم يقتض الفساد؛ لأن النهي لم يتعلق بذات العبادة، بل بأمر خارج عنها.
(^٢) [السنة الثانية] ستر العورة، فيسن للخطبتين، وليس المراد =
[ ١ / ٣٦٠ ]
النجاسةِ (^١)، والدعاءُ للمسلميَن (^٢)، وأن يتولَّاهما مع الصلاةِ واحدٌ (^٣)، ورفعُ الصوتِ بهما حَسَبَ الطاقةِ (^٤)، وأن يخطُبَ قائِمًا (^٥) على مرتفِعٍ (^٦)، معتمدًا على سيفٍ أو عصًا (^٧)، وأن
= أن يخطب عاريًا، بل ربما يخطب بثوب يشفُّ العورة.
(^١) [السنة الثالثة] إزالة النجاسة عن بدنه وثوبه.
(^٢) [السنة الرابعة] الدعاء لعموم المسلمين في الخطبة.
(^٣) [السنة الخامسة] أن يتولى الخطبة الأولى، والثانية، والصلاة شخص واحدٌ. ويفهم منه: أنه يجوز أن يخطب الأُولى شخصٌ، والثانيةَ آخرُ، ويصلي بالناس ثالثٌ.
(^٤) [السنة السادسة] رفع الصوت بالخطبتين حَسَبَ ما يطيقه الإمام، ويقوم مقامه الآن مكبرات الصوت.
(^٥) [السنة السابعة] أن يخطب قائمًا؛ لفعله ﷺ.
(^٦) [السنة الثامنة] أن يخطب على مرتفِعٍ، منبر أو غيره، واتخاذ المنبر مجمع عليه كما قاله النووي في شرح مسلم.
(^٧) [السنة التاسعة] أن يعتمد على سيف أو عصًا، وكذا على قوس، كما قال الشارح. والاعتماد هنا يكون بيده اليسرى والأخرى بحرف المنبر، وله أن يرسل يديه. وهل يقوم مقامَه اعتمادُهُ على خشب المنبر؟ الظاهر أنه لا يقوم مقامه، ولا يكون فاعلًا للسنة بذلك والله أعلم.
وإن لم يعتمد على شيء أمسك شماله بيمينه، أو أرسلهما عن جنبيه وسكنهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة كما في الإقناع وشرحه.
[ ١ / ٣٦١ ]
يجلسَ بينهما قليلًا (^١). فإن أبى، أو خَطَبَ جالسًا، فَصَلَ بينهما بسكتةٍ (^٢).
وسُنَّ قصرُهما، والثانيةُ أقصرُ (^٣).
(^١) [السنة العاشرة] أن يجلس بين الخطبتين قليلًا، فيسن، ولا يجب. قال في الشرح - وكذا في الإقناع -: (قال في التلخيص: بقدر سورة الإخلاص).
(^٢) أي: إن أبى أن يجلس، أو خطب جالسًا، فصل بين الخطبتين بسكتة، في الحواشي السابغات: (وفي الإقناع أيضًا: (فإن أبى أن يجلس أو خطب جالسًا لعذر أو لا فصل بينهما بسكتة). قلت: ولم يبين حكمَ هذه السكتة، ولعله: وجوبًا؛ ليحصل الميز بين الخطبتين، وقد يقال: استحبابًا، والميز يحصل بإعادة أركان الخطبة مرة أخرى، والله أعلم)، ثم اطلعت على كلام المرداوي في الإنصاف وأن السكوت مستحب حيث قال: (حيث جوزنا الخطبة جالسًا على ما يأتي بعد ذلك؛ فالمستحب أن يجعل بين الخطبتين سكتةً بدلَ الجلسة). والله أعلم.
(^٣) [السنة الحادية عشرة] فيسن كون الخطبتين قصيرتين، والثانية أقصر من الأولى؛ للحديث: «إن طُول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنَّة من فقهه» ثم قال ﷺ: «فأقصِرُوا الخطبة، وأطيلوا الصلاة»، رواه مسلم، ومن تأمل خطب النبي ﷺ، وجدها يسيرة جدًا. وقد أرسل لي أحد الإخوة خطبة للشيخ ابن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كان فيها زمن الخطبتين مع الأذان ثمان دقائق، =
[ ١ / ٣٦٢ ]
ولا بأس أن يخطُبَ من صحيفةٍ (^١).
= لكن لا بد أن يخرج الناس بفائدة من الخطبة.
(تتمة) ومن سنن الخطبة أيضا: أن يقصد الخطيب تلقاءَ وجهه، فيكره أن يلتفت يمينا وشمالا كما في الكشاف.
(^١) أي: يباح أن يخطب من ورقة.
[ ١ / ٣٦٣ ]