يجوز بشروط سبعة: لُبسُهما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ (^٢)، وسترُهما لمحل الفرض ولو بربطهما (^٣)، وإمكانُ المشي بهما عرفًا (^٤)،
= الجوربُ الخفَّ في المعنى الذي أبيح له المسح فيشاركه فيه، سواء كان مما تقطع به المنازل والقفار أو لا).
(^٢) (الشرط الأول) لُبس الخفين بعد كمال الطهارة بالماء. أما الزاد، فلم يقيد الطهارة بالماء، لكن المذهب اشتراط ذلك، فلو تيمم ثم لبسهما لم يجز له المسح. ودليل هذا الشرط حديث المغيرة ﵁: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما. متفق عليه.
(^٣) (الشرط الثاني) سترهما لمحل الفرض ولو بربطهما. ومحل الفرض هو القدم كله مع الكعبين، كما قال ابن عوض. ومعنى قوله: (ولو بربطهما): أن يكون الخف ساترًا إلا أنه يبدو بعض القدم قبل ربط الخف، فإذا رُبط صار ساترًا لجميع القدم، وإذا كان كذلك جاز المسح عليه.
(^٤) (الشرط الثالث) إمكان المشي بهما عرفًا، أي: أن يستطيع لابسهما أن يواصل المشي فيهما في العرف سواء مشى بهما في الشارع أو في المسجد فقط أو في المنزل فقط، وسواء صُنعا من الجلد، أو الخشب، أو الحديد، أو الزجاج، ومن صور ما لا يمكن المشي به عرفا الأحذية ذات العجلات.
ولا يشترط أن يمكن قطع مسافة قصر بالخفين - أو الجوربين -، =
[ ١ / ٨٠ ]
وثبوتُهما بنفسهما (^١)، وإباحتُهما (^٢)، وطهارةُ عينهما (^٣)، وعدمُ
= فإن الخف من الجلد لو قطع به مسافة قصر تقطع، فكيف بالجوارب؟!
وتقدم كلام شيخ الإسلام في شرح العمدة: (فقد شارك الجوربُ الخفَّ في المعنى الذي يبيح به المسح، فيشاركه فيه سواء كان مما تقطع به المنازل والقفار أو لا)،؛ أي: سواء كان الجورب تقطع به البراري والصحراء أو لا تقطع به كما في عرفنا الآن، وأن الشراب يستعمل في المنازل والمسجد ونحوهما من الأماكن المفروشة لا في الشارع، فيجوز المسح عليهما، لكن بالشروط هذه التي ذكرها المؤلف.
(^١) (الشرط الرابع) ثبوتهما بنفسهما. فيشترط أن يثبت الخف - والجورب أيضًا - بنفسه في محل الفرض. فإن لم يثبت بنفسه وثبت بنعل جاز، ويمسح عليه وعلى النعل، فإذا خلع النعلَ بطل. والدليل حديث المغيرة ﵁: «أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين»، أخرجه أبو داود والترمذي.
(^٢) (الشرط الخامس) إباحتهما، فتشترط إباحة عين الخف والجورب، فلا يصح المسح على ما ليس بمباح كالمسروق والمغصوب، ولو لضرورة.
(^٣) (الشرط السادس) طهارة عينهما، فلا يصح المسح على ما صنع من جلد نجس، أما طاهر العين المتنجس فقد قال عنه البهوتي في شرح المنتهى: (فإن كان طاهر العين وتنجس باطنه صح المسح عليه، ويستبيح به مس مصحف لا صلاة إلا بغسله. أو عند الضرورة).
[ ١ / ٨١ ]
وصفهما البشرة (^١).
فيمسحُ المقيمُ والعاصي بسفره من الحدثِ بعد اللُّبس (^٢)
(^١) (الشرط السابع) عدم وصفهما البشرة. والمراد: ألا يصف الخف أو الجورب لون البشرة؛ لأنه يكون إذَن غير ساتر لمحل الفرض. وعدم وصف البشرة يكون إما لصفائه كالزجاج الرقيق، أو لكونه خفيفًا كالجوارب الشفافة التي يلبسها كثير من النساء، فلا يصح المسح عليها، لا سيّما أنه لا توجد مشقة في نزعها وغسل القدمين.
(تتمة) (الشرط الثامن) أن لا يكون واسعًا يُرى منه بعض محل الفرض - كما في المنتهى -؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه المخرق.
(^٢) انتقل الماتن إلى بيان وقت ابتداء المسح، ومدته. أما ابتداء المسح، فيكون من الحدث، وعليه جماهير العلماء. والدليل: حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي والنسائي. فقوله في الحديث: (من غائط وبول ونوم)، قال الزركشي: "مِنْ" هنا ابتدائية فيكون المعنى: من حين التغوط ونحوه، فتبدأ مدة المسح من حين الحدث. انتهى بمعناه، أما الشيخ ابن عثيمين، فيرى أن المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث.
وأما إذا توضأ ولبس خفيه ونام بعد العشاء مثلا ثم استيقظ في الفجر مثلا فمذهب الشافعية أنه يبدأ من الفجر، وأما المذهب =
[ ١ / ٨٢ ]
يومًا وليلة، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ (^١).
فلو مسح في السفر ثم أقام (^٢)، أو في الحضرِ ثم سافر، أو شكَّ في ابتداء المسحِ، لم يزد على مسحِ المقيمِ (^٣).
= فلم أر من نص عليه، وقياس المذهب: أنه يبدأ من حين النوم وهو أوله، والله أعلم.
(^١) فمدة المسح للمقيم والعاصي بسفره يوم وليلة - أي: أربع وعشرون ساعة -، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. والمراد بالعاصي بسفره: من أنشأ السفر لفعل معصية، كأن ينشئ السفر ليزني أو يسرق أو يقتل.
(^٢) فلو مسح في السفر ثم أقام قبل أن يمضي يوم وليلة فإنه يكمل مدة مسح المقيم. ولو مسح في السفر يومين مثلًا ثم دخل بلده - فصار مقيمًا -، فقد انتهت مدة المسح.
(تتمة) إذا أتى المصنف بالفاء بين مسألتين، فذلك دليل على أن الأولى كالأصل، والثانية مفرَّعة عنها.
(^٣) فلو مسح وهو مقيم ثم سافر، أو شك هل ابتدأ مسحَه في السفر أو في الحضر، فإنه لا يزيد على مسح المقيم؛ تغليبا للحضَر.
(تتمة) هناك مسألة مستثناة، وهي: من توضأ ولبس الخفين، ثم أحدث وهو في البلد، ثم سافر قبل أن يمسح، فمسح في السفر فإنه يتم مسحَ مسافر، لكن مدة المسح تبدأ من وقت الحدث، فلو أحدث الساعة العاشرة، ثم سافر قبل المسح، فإن مدة المسح تمتد إلى الساعة العاشرة من اليوم الثالث، قال ابن عوض في حاشيته على هداية الراغب: (لأن المسح لم =
[ ١ / ٨٣ ]
ويجب مسحُ أكثرِ أعلى الخف، ولا يجزئ مسحُ أسفله وعَقِبِه (^١)، ولا يُسن.
ومتى حصل ما يوجب الغسل، أو ظهر بعض محل الفرض، أو انقضت المدةُ، بطل الوضوءُ (^٢).
= يوجد إلا في السفر فتعلق الحكم به، ولا عبرة بوجود الحدث في الحضر إلا من حيث ابتداء مدة المسح).
(^١) فيجب مسح أكثر أعلى الخف؛ لحديث المغيرة، ولحديث علي ﵄ حيث قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبو داود
والسُّنة في ذلك أن يضع يديه مفرجتي الأصابع على أول أصابع رجليه، ثم يمرهما على ظاهر قدميه إلى ساقيه مرة واحدة، ويكره تكرار المسح. وكيفما مسح أجزأه، لكن لا بد من مسح أكثر أعلى الخف، ولا يجزئ مسح أسفله وعقبه، والعقب: هو مؤخر القدم.
(^٢) ذكر الماتن مبطلات المسح، وهي: ١ - حصول ما يوجب الغسل كالجماع وانتقال المني مثلًا. ٢ - وظهور بعض محل الفرض في القدم بعد الحدث، يقولون: ولو مقدار غرز الإبرة، فلا يعفى عنه، أمَّا قبل الحدث، فإنه لا ينتقض وضوؤه. ٣ - وانقضاء مدة المسح، فيبطل بذلك الوضوء.
[ ١ / ٨٤ ]