هذه حاشية على كتاب «دليل الطالب لنيل المطالب» للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي ﵀. وقد وُلد الشيخ مرعي سنة (٩٨٨ هـ) في فلسطين في مدينة طور كَرَم - وقيل: طول كَرَم -، ثم سافر إلى مصر واستقر بها، وتوفي سنة (١٠٣٣ هـ) - على قول الأكثر -، وقيل: (١٠٣٢ هـ). وقد ألّف مؤلفات كثيرة جدًا طُبع منها ستة وثلاثون مؤلفا، والمخطوط منها خمسون. ومن تلك المصنفات كتابان معتمدان في المذهب: متن دليل الطالب - الذي بين أيدينا -، و«غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى».
واختُلف في سنة انتهائه من تأليف الدليل، فقيل: (٩٩٩ هـ)، وقيل: (١٠١٧ هـ)، وقيل: (١٠١٩ هـ). واختار الثاني الشيخُ صالح بن سيف العتيقي الذي نسخ المخطوطة - وهو من كبار تلاميذ ابن فيروز -، ولعله الأقرب وأنه انتهى من تأليفه سنة (١٠١٧ هـ) وهو الذي قال عنه الشيخ سلطان العيد مثبت في أواخر كثير من النسخ الخطية من مؤلفه،
[ ١ / ١٥ ]
ومتن دليل الطالب متقدم عن كتابه الكبير غاية المنتهى التي انتهى من تأليفها في (١٠٢٦ هـ)، والدليل أقلُّ تحريرًا من الغاية.
ولدليل الطالب شروحٌ وحواشٍ كثيرة. ومن شروحه:
١ - «مسلك الراغب» لإبراهيم العوفي الصالِحِي - ويقال أيضًا: الصوالحي - (ت ١٠٩٤ هـ)، ولم يُتمه، وطُبع حديثًا سنة (١٤٣٤ هـ)
٢ - «نيل المآرب» لعبد القادر التغلُبي الشيباني (ت ١١٣٥ هـ).
٣ - «منار السبيل» لإبراهيم بن محمد بن ضويان (ت ١٣٥٠ هـ)، وإن كانت تسميته شرحًا تجوّزًا، والشروح متقاربة، لكن الأولَين أفضل من الأخير؛ لأن المنار لم يُعنَ بشرح الألفاظ وحلها وإنما يستدل لمسائل الدليل، ويذكر غالبًا رواية أخرى في المذهب، وآراء شيخ الإسلام.
٤ - ثم طبع هذه السنة (١٤٤٢ هـ) السلسبيل في شرح الدليل للشيخ سعد بن تركي الخثلان حفظه الله تعالى، في ثماني مجلدات.
أما الحواشي، فنكاد نقول: إنها أقوى من الشروح، ومنها:
١ - حواشي الشيخ أحمد بن محمد بن عوض (ت ١١٤٠ هـ)، وهي من أفضل الحواشي. وقد جرّدها - أي: أفردها - من نسخته ابنُه، ثم فرّقها على متن الدليل.
٢ - حاشية الشيخ عبد الغني اللَّبَدي (ت ١٣١٩ هـ) كتبها على نيل المآرب، وتناول فيها أيضًا بعض عبارات الدليل، وهي حاشية نفيسة فيها مباحث لم تُذكر من قَبل. وعرضها على الشيخ محمد بن عبد الله ابن حميد الحنبلي (ت ١٢٩٥ هـ) - صاحب
[ ١ / ١٦ ]
«السُحب الوابلة» -، فمدحها وكتب لها تقريظًا ومقدمة معروفة.
ودليل الطالب من الكتب المعتمدة عند متأخري الحنابلة، ويأتي بعد الزاد في المنزلة، وذكر ابن حمدان في «كشف النقاب عن مؤلفات الأصحاب» أن جمعًا من العلماء كتبوا تقاريظ وإجازات كثيرة على الدليل منهم: يحيى ابن الشيخ موسى الحجاوي صاحب الإقناع، وأبو المواهب البكري، وأحمد أمين أفندي الحنفي، وغيرهم، وذكرها كلها الشيخ سلطان العيد في حاشيته على متن الدليل المطبوعة سنة (١٤٤١ هـ)
وامتُدح الدليل في قصائد كثيرة، منها قول صالح بن سيف العتيقي:
يا من يريدُ كتاب فقهٍ جامعٍ … اِرجع إلى ما قلتُه يا صاحبي
كلَّ المسائلِ، بل ومغني الطالِبِ … واقطف ثمارًا من دليلِ الطالِبِ
وطُبع الدليل بتحقيقات كثيرة من أفضلها تحقيق الفاريابي، وأحمد الجماز، وحققه قبلهما الشيخ سلطان العيد، وجعل فيه مقدمة يحسن الرجوع إليها ذكر فيها مميزات الدليل، وقارن بينه وبين «زاد المستقنع» ثم طبعه طبعة جديدة مع حاشية عليه قال: (ومعه تحرير الدليل) في هذه السنة (١٤٤١ هـ)، وكتب دراسة وافية عن متن الدليل ومؤلفه، يحسن الرجوع إليها، وقد جمع الشيخ حامد بن الخضر آل بكر بين الزاد والدليل في كتابه: «قصد السبيل»، وأتى بمقدمة وخاتمة فيهما نفائس كثيرة، وذكر كلامًا مفصلًا عن الدليل ومقارنة بينه وبين الزاد أيضًا.
[ ١ / ١٧ ]
ومما تميز به الدليل عن الزاد:
١ - حسن ترتيبه، وذلك مفقود في كثير من أبواب وفصول الزاد، فيُعدد في الدليل الشروط والأركان والواجبات والسنن …
٢ - قلة الإبهامات في الحكم فيه، خلافًا للزاد. والإبهام في الحكم: أن يذكر العالمُ مسألة ولا يذكر حُكمها من تحريم أو كراهة.
٣ - قلة مخالفته للمذهب، خلافًا للزاد، فإنه أكثر المتون مخالفة للمذهب.
٤ - سهولة عبارته، فلا تحتاج إلى شرح كثير. لكن هذا قد يعتبر من مميزات الزاد، فإن التمرس على المتن الذي توجد فيه بعض الصعوبة يكون أنفع للطالب.
ومن المؤاخذات على الدليل:
١ - أنه أهمل بعضَ الأبواب والفصول المهمة التي لم يهملها أصغر المختصرات في المذهب، وهو «أخصر المختصرات»، ومن ذلك: باب المواقيت في الحج. كذلك، لم يذكر من الشروط في البيع إلا القليل، وأخلّ إخلالًا ملحوظًا في ترتيب باب العِدد.
٢ - عدم ذكره للصفات في الغالب كصفة الغسل والصلاة والحج، مع أنه لم يغفلها كثير من المختصرات كالزاد، وهذه من أقوى المؤاخذات على الدليل.
[ ١ / ١٨ ]
٣ - عدم سيره على ترتيب الإقناع والمنتهى في ذكر المسائل، وهذا متعب للشارح عند التحضير والرجوع إلى موضعها في الأصول.
٤ - إطالته في بعض الأبواب ككتاب الوقف، وذكر مسائل ليست هي الأم في الباب، بخلاف الزاد، فإنه يقتصر على أهم المسائل، وهو خال من الحشو.
٥ - ذكره في بعض الأبواب المسائل مع مفهومها، ففي ذلك تطويل على الطالب، ومخالفة للمقصد من تأليف المتون، ولا يبقى بهذه الطريقة للشارح شيء يوضحه. ويرى كثير من المعاصرين أن الزاد أطول - من حيث المسائل - من الدليل، وبعض المحققين كالشيخ سلطان العيد يقولون: إن الدليل أطول، وفي نظري أن هذا الأخير هو الأقرب؛ وذلك لما تقدم من كون الدليل يذكر المسائل مع مفهومها، ويدخل مسائل ليست هي الأم في الباب، فالدليل أكبر من الزاد حجما، ولكن مسائل الزاد أكثر من مسائل الدليل من حيث المنطوق والمفهوم.
وهذه المؤاخذات لا تحط من منزلة متن الدليل العالية، ويدل على ذلك كثرة الشروح والحواشي عليه، وهي أقوى مذهبيًا مما لحق بالزاد إلا «الروض المربِع»، وحاشية عبد الوهاب ابن فيروز (ت ١٢٠٥ هـ) المحررة على المذهب. ثم إن أهل الشام وكثيرا من أهل الحجاز والكويت
[ ١ / ١٩ ]
متعلقون بمتن دليل الطالب وشرحه نيل المآرب، بخلاف أهل نجد والأحساء، فإن اهتمامهم بالزاد أكثر.
وسيكون الشرح والتعليق - إن شاء الله - على المذهب المعتمد، لكنني سأذكر في مواطن يسيرة رواية أخرى مشهورة أو قولًا أو وجهًا في المذهب بشرط كونه قويًا؛ طلبًا للاختصار. وسأذكر بعضَ الأدلة، وأنبه على مخالفات الماتن للمذهب، وأعتمد كثيرًا على أهم كتابين في المذهب وهما: «الإقناع» للحجاوي و«منتهى الإرادات» لابن النجار مع شروحهما، وكذا غاية المنتهى وغيرها من كتب المذهب.
أسأل الله أن ييسر هذا العمل، وأن يجعله نافعًا خالصًا لوجهه، إنه سميع مجيب.
[ ١ / ٢٠ ]